back to Stanislao

النصب التذكاري

click

سيرة حياة

الأب استنسلاوس لقلب يسوع

Stanislao del Sacro Cuore

مرسل كرملي 1866- 1929

 

  نبذة عن حياته

  شخصه وشخصياته

  جوانب من شخصيته :  

        - المرسل الغيور : تأمل وصلاة - رياضات روحية - إنشاء جمعيات - تحضير دعوات رهبانية - تنقية الايمان الكاثوليكي.

        - القائد المحرّر : استغلال الانسان للانسان - الاقطاع الداخلي - ضد الخارج - تنظيم الدفاع عن القـبيات - ضد الاحتكار - إنقاذ الراهبات

        -  العمراني : الجسر - طريق الضهر - المدارس - بناء الكنيسة الجديدة - الصحيح

        - المربّي

        - القاضي العادل

        - الطبيب المعالج

        - الدبلوماسي

  الخلاصة

 

 

نبذة عن حياته

 

  هو ابن عائلة ارستقراطية ( اِنْتَرْتشيَالاَلي  Intreccialagli) من روما (عمّه كاردينال وابن أخيه راهب كرملي). ظروفه العائلية هذه أتاحت له أن يتعلّم في أرقى مدارس روما. كان ذكيّاً، متفوّقاً في دروسه، حصل على أعلى شهادات ذلك الزمن، مما جعل الرهبنة ترشحه لرئاسة أحد أديار روما، لكنه رفض لأن روح الرسالة الملتهب في قلبه دفعه إلى اختيار المشرق مجالا لجهاده الروحي والرسولي.

 

  وصل إلى لبنان سنة 1897 في حزيران. بعد خمسة أشهر "كانت قرعته القبيات" هذه الأرض العطشى الى الحب الصادق، إلى الراعي الصالح، إلى المعلم الغني بالمباديء، وكأن العناية الالهية قد شاءت أن تفتح باب المستقبل مشرعاً أمام الرقي والايمان. وصل القبيات في تشرين الثاني، ولانه كان " شغوفاً باللغة العربية" أمضى السنة الاولى هنا منصرفاً كلياً الى تعاليمها، حتى اتقنها قراءة وكتابة، عامية باللهجة القبياتية وبالفصحى على أصولها. بعد سنة، وقد عرف حقيقة الوضع العام في القبيات، بشكل جيد، كتب تقريراً مفصلاً الى الأب العام في روما، طالباً دعمه لمواجهة "الصعوبات الكثيرة" التي لم تسحقه، "بنعمة الله". سنة 1901 نقل الى اسكندرونة حلب حيث أصيب بالملاريا فطلب العودة إلى روما التي وصلها في 30 نيسان 1902. بعد أن تعافى عاد مصطحباً معه الطبيب اسكندر كاسيني Alessandro Cassini .  كان رئيس الدير هنا في القبيات الاب برنار للقدس يوسف الذي مات هذه السنة أي 1902 فكلف الأب استنسلاوس رئاسة الدير هنا. 

 

   سنة 1907 نقل إلى بشرّي ومنع عليه أن يزور القبيات إطلاقاً. لكن بعض الأهالي، وطمعاً بالمال، أخذوا يعملون لادخال البروتستانت إلى القبيات فلجأ اليه الرئيس العام للرهبنة ليكتب رسالة الى القبياتيين يطلب اليهم رفض دخول البروتستانت إلى القبيات لعلمه بتأثيره الكبير عليهم، فكتب رسالة رائعة كان من نتيجتها أن أحبطت المحاولة. على أثرها عاد الى القبيات عن طريق الجرد وبقي حتى الحرب الاولى 1914 إذ ذهب الى روما ليعود سنة 1919 ويعيّن رئيساً عاماً للرهبنة مدّة سنتين، لم يكف فيهما أن يرعى شؤون القبيات كأنها سبب مرضه ( بالقلب) استقال من الرئاسة العامة وبقي في طرابلس، لكن عينه بقيت على القبيات وقلبه بقي فيها. كان يعلن رغبته مراراً في أن يدفن في القبيات، وهكذا كان لما مات 1929 دفن في مدافن الرهبان تحت مذبح الكنيسة في الدير.

Top

 

 

شخصه وشخصيته

 معتدل القامة، رقيق البدن، حنطي اللون(لون شعوب البحر المتوسط). أجلح، ذو لحية مهذبّة، في عينيه بريق مشع.

جريء، مندفع حتى حدود المخاطرة، مغامر، متواضع، متسامح، منصف، كثير اللباقة، لكن اذا انفجر فهو عاصفة، عنيد في قناعاته فلا يلين.

 

  

جوانب من شخصيته

 

 

المرسل الغيور:

 

المهمة الاولى الاساسية في رحاب دير الكرمليين: تأمل وصلاة (كان يعِظ باللغة العربية) سماع الاعترافات، بث الايمان ورائحة الآداب المسيحية. جوقة ترتيل والحان (كان عازفاً مبدعاً على البيانو بشهادة الاب لويس شيخو اليسوعي: سنة 1900، عند تدشين سيدة القلعة حمل البيانو على جمل الى منجز ليعزف عليه في الاحتفال)

رياضات روحية: في كنائس القبيات والجوار كان يلبي طلب كهنة الرعايا كلما احتاجوا الى رياضة روحية. اما في الصوم الاربعين فكان يقيم الرياضة الروحية في كنيسة الكرمليين في ديرهم وكانت هذه الرياضة تستقطب مؤمنين كثيرين لسبب من شخصيته  المشعة. 

إنشاء الجمعيات: يعتبر علم الاجتماع الحديث أن أفعل اسلوب في التنمية الاجتماعية هو العمل في المؤسسات الأهلية.

الاب استنسلاوس الرؤيوي قد أدرك هذه الحقيقة منذ مئة سنة، فأنشأ في القبيات ستة جمعيات:

     جمعية يوحنا الصليبي الخيرية

     إعادة تنظيم اخوية الحبل بلا دنس للنساء (الثوب) على أساس نظام حديث

        اسس أخوية الحبل للرجال (كان رئيسها يوسف اسكندر)

أخوية بنات مريم ( التي استمرت عند الراهبات الكرمليات حتى أواخر الخمسينات في القرن العشرين)

-         أخوية القديس Louigini (تلميذ القديس دون بوسكو) للأطفال

        أخوية حرّاس القربان المقدّس للأطفال

( هنا يبرز اهتمام الاب استنسلاس بالاطفال، أقام لهم جمعيتين، ليؤسّس الايمان المسيحي والسلوك الحضاري عند المؤمن القبياتي منذ صغره).

 

تحضير دعوات رهبانية كرملية لأول مرة في تاريخ الرسالة من لبنان، يصلح للعمل الرسولي. ما فعله الاب استنسلاس، هنا، للقبيات يشكل مجداً تراثياً نعتز به، اذ هيأ اول ثلاثة رهبان، في بداية القرن العشرين هم: الاب جبرائيل قسطون، الاب ميشال الصفتلي، الاب رفاييل حاكمه. 

الحرص على تنقية الايمان الكاثوليكي ( بالتالي الماروني) من الشوائب التي يخلفها الجهل في تعليم كنيسة بطرس ولا سيما من قبل الكهنة.

 

 حادثة ذات دلالة :  زواج في مرتموره

    1899 بارك الخوري مخائيل الزريبي زواج حبيب... على نجمة بحضور الاشبينين، والكاهنين بولس زيتوني وابراهيم الزريبي. بعد اربعة ايام ( لم يكن قد اقيم العرس) جاء شيخ وجيه مع خوري... وخطفا العروس وزوّجاها على ابن الخوري الخاطف، وبالقوّة. علم الاب اسنسلاوس بالأمر، فجمع، في اليوم التالي، جميع كهنة القبيات ووجوهها في دير الكرمليين واعلن امام الجميع تعليم الكنيسة الصحيح وانما ما حصل باطل والحرم يطال القائمين به. لكن دون جدوى بسبب من عنف. توجه الى المطران والى القاصد الرسولي والى البطريرك الماروني والى الرئيس العام للرهبنة الكرملية لكن دون جدوى. هنا أبى عليه عناده في الشهادة للحق وللإيمان الصحيح، فاستدعى الفتاة والاشبينين الأولين والعريس الأول وطلب اليهم رفع شكوى إلى الفاتيكان، فجاء الجواب سنة 1902 بابطال الزواج الأول (لأن العريس لم يدخل بعروسه بعد الاكليل) وبعدم الاعتراف بالزواج الثاني، فكأنه لم يكن، فخسرت نجمة زوجها الاول وتخلّى عنها الثاني، فعاشت ذليلة.

Top

 

القائد المحرّر:

 

        كان فيليب فرعون مع شركائه يحتكر صناعة الحرير في القبيات والجوار، متعاوناً مع المشاريع الذين كانوا يقبضون منه، فيطوّعون له الاهالي. أحد العاملين معه (يوسف طنوس بشارة) اعتبر أنه يتعب كثيراً ويأخذ قليلاً فسمح لنفسه أن يعوّض عليها فزاد من أجره مختلساً، مما اثار فرعون، الذي كان يُسمى " أبو كرباج" فضربه، لكن يوسف الذي كان، "زكرت" بطش به وهرب. اشتكى فرعون الى القائمقام فجاء عسكر الحواله ونزل يضطهد أهل يوسف. حاول استنسلاوس التوسط مع فرعون فرفض هذا مقابلته. لجأ يوسف بشارة إلى الدير. طالب فرعون والمشايخ تسليمه أو طرده، فاجاب: للدير حصانة، لا يمكن تسليمه إلا بأمر من السلطة والرؤساء. قالوا: احتفظ به سنأتي بالأمر. قال: لست سجّاناً ولم أدعُ يوسف ليدخل. دخل برضاه، ويخرج برضاه(خاف استنسلاوس من قوّة المال والبرطيل). وأعلم يوسف بالأمر. خرج يوسف من الدير. بينما كان مع أصحاب له التقى بزلمة فرعون يجلب له الماء الطري من عين الست بالجرار على الحمار فكسّر الجرار وضرب الرجل وطعن الحمار بالخنجر ولولا تدخل رفاقه كان ذهب أبعد من ذلك. جن جنون فرعون واتصل بالقائمقام وبالعسكر الذي زاد من الغلاظة والاضطهاد على الأهل. جاء القائمقام إلى القبيات، ولأنه شعر بأن الامر يتطور إلى فتنة، اتصل بالاب استنسلاوس وطلب اليه ان يجتمع معه ومع فرعون ومشايخ القبيات للمصالحة. قال: أنا لست خائفاً من أحد لكن من أجل مصلحة ابنائي أفعل. ذهب الى الاجتماع لكن فرعون لم يوقرّه وبقي مصراً على إحضار يوسف. فانتفض الاب استنسلاوس ووقف قائلاً لفرعون: إما تقبل بشروطي وإما سأقول ما أعرف عنك وأصفك في السجن الآن. فهدأ فرعون فوراً والآن، فصار استنسلاوس يتشدد قليلاً قليلاً حتى انتهت النتيجة بان تسامح فرعون وسمح ليوسف وأعطاه مالاً، واعطى تعويضاً لاهله، ودفع تعويضاًت للعسكر، وتعويضات للقائمقام، وتمت المصالحة.

 

كان استنسلاوس مع راهب آخر عند بيت قسطون عشية ذهاب ابنهم جبرائيل قسطون الاكليركي الى روما، يودعون ويشجون. الوقت كان حول الثالثة بعد الظهر، سمعوا إطلاق نار وعويل في مرتموره. استطلعوا الخبر قالوا: عروس من مرتموره لعريس من الذوق، يمنعها شيخ مرتموره الذي يريد ان يتصرف على طريقة البكوات فلا تخرج عروس من ضيعته إلا بأخذ رضاه ودفع خوّة وهدايا وما شابه. ذهب مشايخ الذوق مع أهل العريس ليأتوا بها فنزل اليهم الشيخ مع ازلامه فضربوا وجرحوا عدة اشخاص، وهنا سمع الاب استنسلاوس من الحضور القول بأن الليلة سيسيل دم كثير مما ألهب شعوره وصرخ آتوني بحصان، قالوا: خيولنا كلها في مرتموره، قال آتوني بحمار. فركب إلى مرتموره، ونزل الى قلب المعمعة فوجد أن مشايخ الذوق قد هربوا وتركوا خيولهم مربوطة والخوري يحمل مبخرة ويقف جانباً بينما الشيخ وأزلامه يحيطون بالعروس، على الفور لعبت خيزرانته على رؤوس الأزلام وأكتافهم ولم توفّر الخوري، فهرب الشيخ وفرَّ أزلامه وبقيت العروس والنساء المعولات على الجرحى. فأركب العروس على حصان، وركب هو على آخر وعاد بالعروس إلى الذوق. وصل عند سيدة شحلو فالتقى بالجموع التي حشدها المشايخ من الذوق والضهر وغوايا هاجمة باتجاه مرتموره بكل نوع من انواع الاسلحة سأل: الى اين؟ نريد أن نحرق مرتموره بسكانها. فصرخ: يا عذراء الهميني كيف اتصرف، يا عذراء أرحمي شعبك، ثم خاطبهم بكلام يهدأ من غضبهم بعد ان انضم اليه رجال كثر مختصون به. سألوه: العروس الى أين؟ قال: إلى بيت العريس. قالوا: لا نريدها. واندفع واحد منهم وقطع بالخنجر حزام الحصان، يريد أن يقلبها عنه، فصاح به استنسلاوس ومنعه رجاله، فقال: آخذها الى الدير؟ أما انتم فارسلوا إلى مرتموره منكم من يأتي بالخيول المربوطة ولا تخافوا. أنا سأقتص من المذنبين. فهدأت الثورة. وتابع استنسلاوس مع العروس باتجاه الذوق وهو يضحك في سرّه من نفسه على مشهد: العروس برفقة مرسل! كيف؟ كان أزلام استنسلاوس قد دلّوه سرّاً على بيت العريس، فأعلن عندما وصل الى الذوق: سترتاح العروس قليلاً ثم نستأنف المسير. وانحرف بها الى بيت العريس. شاهدت أم العريس المشهد فصرخت: ردها، وجها وجه شر، ما بدي ياها. وصفقت الباب في وجهه ودربسته. أشار إلى أحد رجاله الصناديد فرمى الباب بكتفه ودخل بالعروس ليجد البيت معدّاً على أتم زينة، فاجلسها على "حمدتها" وجلس يرتاح، قبالتها، مع رجاله. في هذا الوقت أحاطت الجموع بالبيت وهي تصرخ:  خذها ما بدنا ياها. فلما أتم استعداده الذهني خرج إلى مصطبة أمام البيت وتوجّه اليهم بكلام وكأنه نبوي: تحاصرون استنسلاوس الذي احبكم، ضحّى من أجلكم وعمل كذا وكذا... تريدون أن تكللوا يسوع بالشوك بتقتيل بعضكم، أن تجرحوا قلب أمه العذراء... وما هو بهذا المعنى الذي يحرك قلوب الجماهير، فصاروا يصرخون خلص يا أبونا، خلص يا أبونا، البدك ياه بيصير. كان ذلك ليلة أحد المرفع... لكن العرس استمر حتى أربعاء الرماد على الطريقة اللاتينية. هكذا وحّد الاب استنسلاوس القبيات ومَرْكَزَها حول دير الآباء الكرمليين لأن الاسبوع الاول من الصيام استمر بتوافد أوجه القبيات وكهنتها بالتوافد إلى الدير بعضهم شاكر وبعضهم معتذر والكل مسلّم بمرجعية الدير.

 

قتل أحد آل عبدو بدوياً من العرب العتيق وسلبه فثار العرب ودعمهم آل دندش فصاروا يعتدون على القبياتيين أينما وجدوهم ويسلبونهم لا سيما المكارين، وحتى يسرقون أبقارهم وطروشهم مع أن القاتل قد سجن. جرت اتصالات كثير ومحاولات للصلح دون جدوى. فالاعتداءات مستمرة اتصل الاب استنسلاوس بقنصل فرنسا فما حرّك هذا ساكناً. اتصل بالسفير الايطالي في بيروت لاعباً لعبة " الضرّة مرّة" بذكاء كبير فأفلح. مئة وخمسون خيالاً من بيروت، بينهم فصيل خيالة من جبل لبنان اجتاحوا المشاتي ووادي خالد ليقبضوا على زعماء العرب وآل دندشي فما كان من هؤلاء المرعوبين إلا طلب الصلح وهكذا كان.

 

1908 أمر السلطان عبد الحميد بابادة المسيحيين في أنحاء السلطنة وقام بمجازر الارمن وتهجيرهم. اجتمع في حلبا زعماء المسلمين في عكار لينظموا هجوماً على أكبر تجمع مسيحي في عكار وهو القبيات. رفض عملية الهجوم (في حلبا) أحد بكوات البيره (محمد رشيد) وأحد أغوات الدنادشة ( مصطفى آغا). لكن استنسلاوس لم ينم مرتاحاً، فهيأ براميل البارود وأطنان الرصاص وجند ألف وخمسمئة مقاتل قبياتي من كل قادر على حمل السلاح. جعل بيت الراهبات مركز القيادة ومعه مئتان من الرجال الاشداء كاحتياط يتدخل حيث تدعو الحاجة، وخمسون آخرون كحرس خاص. نظم مجموعة، عند بدء الهجوم، لحماية وتنظيم لجوء كل الناس الى الدير، بينما يوزع الباقون حول التلة في متاريس. لم يُدخل المشايخ والكهنة في الخطة لأنه لم يكن يثق بهم. ومع هذا الاستعداد كلف رجلاً شجاعاً يثق به مدفوع الأجر وبكمية محترمة يلبس ثياباً ممزقة ويعرج ويدور ليشحد من الضيع الاسلامية متسقطاً الاخبار، متجسساً وهي مهمة خطرة لذلك كان يدفع له بسخاء. بقي هذا الاستعداد والجهوزية الكاملة للدفاع عن القبيّات حتى قتل عبد الحميد بانقلاب أتاتورك عليه فارتاح استنسلاوس.

 

كانت مؤسسة فرعون وشيحا تحتكر الحرير في القبيات وعكار وتستثمر جهود القبيّاتيين وارزاقهم. تذلهم ولا تدفع سوى القليل فأوعز إلى كاسيني ببناء معمل حرير على ارض الدير سمّى كاسيني لآل ضاهر مما اضطر فرعون إلى أن يدفع اسعاراً تنافسية أمام كاسيني فانكسر الاحتكار، مما اضطر فرعون لبيع معامله الى كاسيني.

 

دخلت تركيا الحرب ضد الحلفاء فصار الخطر على الراهبات داهماً فقرر استنسلاوس نقلهن إلى بشري، ومنها إلى ايطاليا. اتفق مع خوري بشراوي (حنا جعجع) ومكاري يعرف الطريق، أن يأتي إلى القبيات لأخذهن إلى بشري. على الطريق، وفي الاستراحات كان المكاري الثرثار يخبّر عن المهمّة التي سيقوم بها فانتشر الخبر بين المتاولة. وصل الاثنان إلى الدير فعرف استنسلاوس بثرثرة المكاري فتوقع أن القافلة ستتعرض إلى الاعتداء والنهب فقرر مواكبتها بمسلحين شجعان من القبيات يعتمد عليهم وأشار بتغيير الطريق، بدل سلوك الدرب الاعلى يسلكون طريق الضنّية مروراً بالشيخ جنيد في عكار العتيقة. كانت القافلة كبيرة اكثر من أربعين شخصاً. المسلحون القبياتيون هم: موسى يوسف سلوم، يوسف شاهين حاكمه، حبيب سليم الشدياق، مخول عيسى الشدياق، مخول شاهين حاكمه. شعر المتاولة بتغيير الطريق فلاقوا القافلة إلى وادٍ في الضنيّة وبدأوا الهجوم. هرب الخوري جعجع والمكاري، فتوزع المسلحون يطلقون النار بشكل مدروس محافظة على الذخيرة، وطلبوا من القافلة متابعة المسيرة. وهكذا بقي الاشتباك مستمراً لساعات، إلى أن نفذت ذخيرة المهاجمين الذين وجدوا أنفسهم أمام حماية صلبة فعادوا أدراجهم خاسرين.

بفضل استنسلاوس انقذت القافلة والراهبات وحصل القبياتيون الخمسة على براءات من قداسة البابا وميداليات مكتوب عليها: (كفاليرو رومانو) هي في حوزة أهاليهم الآن.

 Top

 

  العمراني : 

في الشتاء، في الايام العاصفة كان الاتصال ينقطع بين الدير والذوق بسبب طوفان النهر، وبين الدير والضهر، حيث لا جسور إلا عبّارة خشبية عن مطحنة غزالة يجرفها الطوفان بين الحين والحين:

أ‌-       الجسر:

المؤمنون ينقطعون عن الكنيسة والتلاميذ عن المدرسة والعمال عن المعمل. جاء الرئيس العام للارسالية سنة 1899 فاخبره الاب استنسلاوس أن العبّاره الخشبية التي كان قد بناها الاب عمانوئيل للصليب الرئيس العام (الذي هو نفسه) قد جرفها الطوفان والوضع على ما هو عليه:لا مؤمنين، لا تلاميذ! فاعطاه الف قرش وسمح له باستعمال الحجارة والكلس المعدين لبناء الكنيسة فباشر العمل فوراً لكن لزمه ما ليبتاع الارض بين الجسر والسكر وهي بقيمة ألفي قرش. فامدته أخوية الحبل بلا دنس مع الجمعية الخيرية مع أهل البلد بأربعة آلاف قرش. بدأ العمل بتشرين الثاني 1899 وانتهى في آذار 1901.

 

ب‌-   طريق الضهر:

في الوقت نفسه الذي كان العمل فيه قائماً في ورشة الجسر عمد الى فتح الطريق من الغرب صوب الضهر أقام درجاً عريضاً، مترين ونصف، أخذ قسماً من بستان الليمون الخاص بالدير وتبرع الياس غصن بقسم من أرضه فتم فتح الطريق. لكن الاخصام والكسّاد قاموا بالشكوى عليه للرئيس العام فجاء هذا لتفقد المشروعين فلما رأى ما أنجز كان سعيداً وبارك العمل.

 

ت‌-   المدارس:

اجتمع أهالي مرتموره 1901 بان الدير بعيد وأطفالهم لا يستطيعون الوصول، لا سيما في الشتاء، ويريدون مدرسة لهم في مرتموره. طلب الاذن من الرئيس العام الذي وافق فاستأجر بيتاً في مرتموره واستقدم الخوري لويس العلم من حردين ليعلم فيها بـ 300 قرش إضافة الى حسنة قداديسه. لما ازدهرت المدرسة ترك الخوري لويس فجأة وانتقل ليدير مدرسة اليسوعيين في سيدة القلعة فاستقدم، فوراً، الاب استنسلاوس الشيخ ابراهيم الخوري من منجز وهو تلميذ اليسوعيين.

1902 أهالي الغربية حذوا حذو أهل مرتموره وطالبوا استنسلاوس بمدرسة لبعد الغربية فطلب الاذن من الرئيس العام وباشر في 10ت1 مستقدماً الخوري مخايل من أوتان سوريا مقابل حسنة قداديسه فقط ونجحت المدرسة وازدهرت.

 

ث‌-   بناء الكنيسة الجديدة :

12 آذار 1903 زار الرئيس العام في روما الاب رينالدو للقديس جيوستو، يرافقه رئيس الارسالية العام في لبنان عمانوئيل للصليب، وامين السر العام الاب ايليا لوالدة الاله الحنونة. كان في استقباله في العريضة زعماء القبيات والطبيب كازيني واستنسلاوس. تحت المطر وصل الموكب الى المشتى فلاقته مجموعة من شبان القبيات راحت تطلق النار مرحّبة، وأحاطت بالقافلة من كل جانب وسارت معها.عند مطل عندقت كانت مجموعة كبير من عندقت والقبيات تنتظر. فتجاوب صوت الرصاص من المجموعتين ترحيباً. في عندقت المشايخ وعلى رأسهم الكاهن بطرس فرح معه الصليب والمبخرة كانوا في الاستقبال. قدم الخوري الصليب للرئيس العام فبارك به الشعب بينما الاجراس تقرع. في الوطى بين عندقت والقبيات جموع غفيرة تنتظر الموكب الذي وصل بينهم تحت زخات الرصاص من كل الجهات. وصلت المسيرة الحاشدة إلى اول الزوقين حيث تنتظر مجموعة من الشبان والنساء الذين تقدموا واخذوا رسن فرس الرئيس العام من أيدي الذين يقودونها وجالوا بالرئيس حول الزوقين يزيحونه بينما الرصاص يلعلع والاناشيد تردع والزلاغيط والاغاني الحماسية والدبكة. وصل الموكب الى الجسر الذي كان بينه وبين الدير يمتد صفان من صبيان وبنات المدارس الكرملية ينتظرون تحت المطر الذي يلتمع على الرؤوس الصغيرة ويسيل خيوطاً على الوجوه والثياب. رحب بالرئيس العام خطيب من الاطفال باللغة العربية وآخر باللغة الفرنسية فبكى الرئيس العام. عند مدخل دار الدير الاكليروس وعلى رأسه الخوري بولس زيتوني بالكتّونه والغُفّارة والماء المقدّس الذي قدمه للرئيس وراح يبخرّه بينما الرئيس يبارك الجموع بالماء المقدّس. دخل الدير والشعب يصرخ يعيش يعيش. بقي ثلاثة أيام يشهد ما لم يحظى أبطال الف ليلة وليلة بمشاهدته. في نهاية الزيارة، اتخذ الرئيس العام قرارات حاسمة: بناء الكنيسة الجديدة، تحسين المدارس، الموافقة على مجيء الراهبات الكرمليات الى القبيات ليسهرن على تربية بنات البلدة. كثيرون قالوا: هذا من تهيئة الاب استنسلاوس. هو يقول: أنا لم أفعل شيئاً بل تركت الشعب يعبّر عن طيبته وأصالته.

 

ج‌-    الصحيح:

كاريزما استنسلاوس فعلت فعلها في قلوب شعب القبيات والجوار متابعة للنشاط العمراني يمكن إضافة موضوع جرّ الماء الى الدير. صحيح جرّه كازيني إلى المعمل من نبع الزعرورة، لكن من أتى بكازيني ودفعه باتجاه الحرير؟ أما استنسلاوس فقد جرّ الماء الى الدير من معمل الخازوق وأعطى، هو نفسه، الى أهالي غوايا، سبيلاً يشربون منه عند مدخل المعمل أمام بيت حبيب اللقيس حالياً وبقي هذا السبيل حتى الستينات من القرن العشرين.

 Top

 

  المربّي :

المدرسة الكرملية ألأم اسست منذ مجيء الكرمليين في القرن التاسع عشر، لكن استنسلاوس عززها، من خلال صورة لمدرسة تحت السنديانة (الكرمليين) كان بالإمكان أن نعد مئة طالب في بداية القرن العشرين. الآن بعد مئة سنة، كم عدد طلاب المدارس الابتدائية في القبيات من القبياتيين. لقد تكلمنا على مدرستي مرتموره والغربية.

طلاب المدرسة كانوا يتعلمون مجاناً والقرطاسية مجاناً. الايتام يأكلون على حساب الدير ويلبسون: حادثة طريفة ذات دلالة: أحد الاطفال من غوايا كان يردد: انشالله يموت بيي، انشالله يموت بيي. سألوه لماذا؟ أجاب: بيصيرو البادريي يطعموني كماج (الكماج خبز فرنجي سميك) مدارس الكرمليين علّمت ابناء القبيات. الفرنسيون انشأوا ثكنة في عندقت. تطوع ابناء القبيات في الجيش. لانهم متعلمون ترقوا بسرعة. علموا ابناءهم وبنوا هنا، يمكن أن نعدّ الاب استنسلاوس محرر المرأة القبياتية. كتب: المرأة في القبيات مهملة محتقرة لا يهتمون بأمرها ولا يعلمونها. تخدم عند الاوجه والاغنياء الغرباء فتخسر من كرامتها ومن "ذات نفسها". من هنا كان اجتهاده في استقدام الراهبات الكرمليات ليرفع من شأن المرأة وعزّة نفسها.

 Top

القاضي العادل: 

وثق القبياتيّون، وكثيرون من أهل الجوار، بنزاهة الاب استنسلاوس، فلجأوا اليه يستشيرونه في مشاكلهم ويحكّمونه في خلافاتهم: مما حول "محكمة تحت السنديان" مشهورة في كل الانحاء، حتى كان يقول الخصم لخصمه مهدداً: سأوّصلها، أي قضية الخلاف، الى تحت السنديانة، يقصد ان سيحكم الاب استنسلاوس. ولم تسجل عليه الروايات المتداولة، يوماً من الايام، أن أحداً قد اعترض أو تذمّر من أحكامه. ويذكر هو أن المتصرف في الولاية، في بيروت، قال له يوماً، وقد وصلته أخبار أحكامه: لو كان عندي بكل ناحية واحد متلك كنت أمرت باقفال المحاكم في كل مراكز الولاية.

 

الطبيب المعالج : 

لم يكن طبيباً لكن كان متحسساً الى حد بعيد بحاجة أهل القبيات الى "رعاية صحية"، لذلك عندما ذهب الى روما 1901 بعد قضاء أربع سنوات في القبيات، وادراكه حقيقة الحال الصحية، اصطحب معه "كازيني" الطبيب الجرّاح، كما عزز الفرمشية التي أقامها في غرفة مستقلة عند بوابة الدير وخصص لها "أخ" كرملي هو عبد الاحد الذي توفي 1899 "تعاطى الطب والجراحة وكان مسؤولاً عن الفرمشية الوحيدة في ديرنا في القبيات". تابعت الفرمشية حتى بداية الخمسينات من القرن العشرين، آخر فرمشاني فيها كان اسمه " الجوفنّي"  بلهجة أهل القبيات.

 

  الدبلوماسي : 

 أعتمد على العلاقات الدبلوماسية، وكسب الصداقات في الجوار والسفارات والقنصليات ليعتم منها غطاءً (شمسية) لحماية ودعم شعبه القبياتي. لقد كان بارعاً جداً في اقتناص الفرص لاقامة علاقات:

اثناء الصيام في القبيات جاءه ضيوف، وليس من ذبائح في القبيات. أرسل الى البيره ليبتاع لحماً، لم يجد. التقى رسوله بعبد العزيز المرعبي، سأله: لمن اللحم. للاب استنسلاوس، قال الحقني. استضافه في بيته واشار إلى من احضر خروفاً، وقال: خذه مع تحياتي إلى الاب. أخذه وسحب كيسه ليدفع الثمن، فقال البيك: هذا هدية واعذرني إن لم أجد أفضل منه، سلّم على الأب. بعد أيام، عرف أن عبد العزيز بك وأخاه الحاج خالد بك، وهو الشخصية الاولى بين البكوات، (والد محمود الخالد المشهور) كانا في زيارة عند مشايخ آل الضاهر، فذهب استنسلاوس يسلّم عليهما وليشكر بشكل خاص عبد العزيز بك على الهدية. في اليوم الثاني جاء البيكان يردان الزيارة إلى الدير فكرّمهما الاب استنسلاوس تكريماً كبيراً. كذلك كانت له صداقات مع آل الدندشي أنشأها بموجب خدمات كان يؤديها لهم. هذه الصداقات ساهمت في جعل بكوات البيره وأغوات الدنادشة يقفون ضد الهجوم على القبيات من قبل مسلمي عكار عما مرّ سابقاً.

أما العلاقات الدبلوماسية الاقوى والافضل فكانت مع السفراء والقناصل والقاصد الرسولي وهو ما عرف أن يستثمرها استنسلاوس بذكاء فكان يحرك القنصل الفرنسي، ويحرك عن طريق القاصد الرسولي أو الرئيس العام للكرمليين القنصل الايطالي فيحاول كل منهما أن يؤدي الخدمة بشكل أسرع وأفضل ليأخذ "الوجه الابيض" تجاه دولته وتجاه الأهالي ليربطهم بقنصليته. ( هذا الكلام دلّ عليه حادثة الاصطدام مع العرب العتيق والدنادشة التي مرّت) حادثة وهبه اسكندر في الجرد ومحاولة قتله من البكوات؛ وانقاذ كازيني له، وسجن بكوات البيره في بيروت تشكل فصلاً رائعاً من ملحمة الاب استنسلاوس.

Top

 

 

 الخلاصة

كتب استنسلاوس في مذكراته: "عملنا المشترك شمل الكنيسة والمدرسة والعائلات"

وفي مكان آخر: من هنا (أي القبيّات) بثّ الاباء الكرمليون نور الايمان ورائحة الآداب المسيحية في منطقة عكار كلها".

الكنيسة : تعني الرسالة الروحية التي هي بث روح الايمان والاداب المسيحية. 

المدرسة : سبق الكلام عليها بشكل كافٍ. 

العائلات : هو العمل الاجتماعي الذي يرقّي هذه العائلات ويرفع عنها الضيم والجهل والجوع والمرض. 

ولكن ذلك الجهاد لم يكن سهلاً على الاطلاق بل عرقله المتضررون بشراسة كتب استنسلاوس: عانيت صراعاً مريراً ضد الذين كانوا يعملون لطردنا من القبيات... لقد تألمنا كثيراً، ودافعنا عن أنفسنا بكل قوانا، وهاجمنا لما سمحت لنا الظروف بذلك."

كتب في مكان آخر:

"يكفي القول: إن الصلبان كانت كثيرة، ولكن لم تسحقنا".

في مكان آخر :

" أثناء غيابي حاول المحبّون تحطيمي والاسباب لا تخفى على أحد. أترك الامر إلى ذاك الذي سيدين كل إنسان حسب اعماله".

أيضاً :

(بعد حادثة مرتموره الأولى) " أما نتيجة هذا الصراع = حرب مكشوفة ودون هوادة ضد الأب استنسلاوس. غفر الله لهم جميعاً كما غفرت أنا للجميع"

أيضاً :

" إكل ما ربحته بعد هذه الجهود ( بناء الجسر وفتح طريق الضهر )... هو توبيخ الرئيس العام بعدما شوّه له الحسّاد الحقيقة. الهي! إلى أين يصل حسد الخبثاء والاشرار؟ لا يعملون خيراً لأحد ويعارضون كل خير..."

أيضاً : ( بعد مصالحة أهل القبيات مع العرب والدنادشة)

" أما الذي دفع الثمن الباهظ فهو الاب استنسلاوس. إن قناصل فرنسا ما ارتاحوا بعد، ولن يرتاحوا ما لم يتمكنوا من طرد هذا الراهب الجسور العنيد"

أما رأي الأب استنسلاوس بالشعب القبياتي فهو:

"بارك الله هذا الشعب الطيّب الشهم المحب والكريم إلى أبعد حدّ ".

 

من المفارقات : عندما دشّنت الكنيسة التي بناها استنسلاوس كان محظوراً عليه أن يزور القبيات، مع أنه كان يأمل ذلك، فهو قد كتب: أما أنا فآمل أن أسجّل في هذه الذكريات تفاصيل زيارة ثانية، (للرئيس العام) عندما، إن شاء الله، " ستُبارك وتُدشن الكنيسة الجديدة..."

ولكن: أحب استنسلاوس القبيّاتيين، وعمل لأجلهم. وأحبوه وكانوا يطيعونه. ورقد بالرب، ودُفن بينهم إلى الأبد.

الاب استنسلاوس (الزغير) : سنة 1929 بمناسبة مرور سنة على وفاة الاب استنسلاوس الكبير، أبّنه الرئيس العام بكلمة نشرتها له إحدى المجلات الايطالية.  استنسلاوس الزغير هذا مرّ رئيساً في دير القبيات.

المحبّة : كانت لباس رسالة الاب استنسلاوس.

 كان للفقراء : خبز وثياب // للاغنياء نصح وارشاد روحي // لليتامى ملجأ// للأرامل شفوق لا يتخلّى //  للبسطاء لسان ناطق عنهم// للاطفال أب ومعلم// للطفلات أم // للأهل عناية ونصح// للشباب صديق مفضل// للشيوخ معزّ// للمرضى ممرّض// للشعب في النكبات قائد حكيم// في الخلافات الخاصة مصلح // في ايام السلم داعم للخير// في الحرب قائد مشجع محمّس.

كان محباً حوله ليس بالاحسان المادي فقط، إن في ايطاليا بين مواطن وإن في الشرق بين المرسل اليهم كان محباً مؤمناً لكل الحاجات المادية والمعنوية.

 محبة الله: في العمل الرسولي مشهود له.

محبة القريب: جماهير القبيات الغفيرة تشهد له كان مستقيماً كل الاستقامة // كان قلباً كبيراً // كان ثاقب النظر في كل أمر.

كان مرسلاً قوياً يتغلب على أعتى أعداء الرسالة.

وكان مرسلاً رقيقاً يحوّل بلطفه أعدى الاعداء إلى أفضل الاصدقاء.

Top

 

 

contact Webmaster Elie:

elie@kobayat.org

back to Stanislao