back to Dr. Salim Daher

"الأخوة الانسانية تنادي للصلاة ، من أجل الانسانية.
الاخوة الانسانية قضية كبرى أمام لبنان والعالم"

بقلم البروفسور الدكتور #سليم_الضاهر العميد المؤسس لكلية الحقوق في جامعة فينيسيا

دعوة نبيلة سامية للصلاة والصوم وعمل المحبة في 14 أيار مايو 2020، اطلقتها " اللجنة العليا لتحقيق أهداف وثيقة الاخوة الانسانية "، ووجهتها الى المؤمنين بالله وبالاخوة الانسانية في كل مكان . واللجنة العليا هذه تأسست باشراف كل من رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا فرنسيس والامام الاكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بعد توقيعهما في 4 شباط فبراير 2019، الوثيقة التاريخية التي حملت عنوان "الاخوة الانسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك". وقد تم توقيع هذه الوثيقة في امارة أبو ظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وزيارة البابا فرنسيس هذه ، كانت الاولى في التاريخ لبابا الفاتيكان، الى شبه الجزيرة العربية. وقد حصلت هذه الزيارة تلبية لدعوة من ولي عهد إمارة أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والكنيسة الكاثوليكية في الامارات.
وثيقة الاخوة الانسانية تنص في مقدمتها على دعوة المؤمن ، للتعبير عن الاخوة الانسانية عبر الاعتناء بالخليقة والكون كله " ... المؤمن مدعو للتعبير عن الاخوة الانسانية بالاعتناء بالخليقة وبالكون كله، وبتقديم العون لكل انسان، لا سيما الضعفاء منهم والاشخاص الاكثر حاجة وعوزاً .."
وتنوه الوثيقة بدور المؤسسات التربوية ، لاسيما المدارس والجامعات في المساعدة على خلق أجيال تحمل السلام ، إذ نصت:" نطالب بأن تصبح هذه الوثيقة موضع بحث وتأمل في جميع المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية والتربوية، لتساعد على خلق أجيال جديدة تحمل الخير والسلام، وتدافع عن حق المقهورين والمظلومين والبؤساء في كل مكان".
على الصعيد الشخصي فان ايماني الراسخ بالاهمية الكبرى التي تتميز بها الأخوة الانسانية كقيمة كبرى ، وبالتالي كقضية ، في حياة الشعوب والمجتمعات ودول العالم ، حملني على طرحها في كتاباتي ، بشكل مقتضب ، بدءاً من فترة التسعينات من القرن الماضي . وفيما بعد تناولت الاخوة الانسانية في تعاليم المسيحية والاسلام ، بشيء من التفصيل، في محاضراتي، في اكثر من جامعة في لبنان ، منذ بداية السنوات الأولى في هذا القرن، أن في إطار مادة حقوق الطفل في المسيحية والإسلام، في جامعة القديس يوسف في العام 2002 – 2003، أو في اطار مادة حقوق الانسان في الجامعة اللبنانية ، مثلاً في 2007- 2008 . وابتداءً من العام 2017، قررت أن ادرس بشكل معمق ، وبالتفصيل ، تعاليم هاتين الديانتين الموحدتين حول الأخوة الانسانية، في ضوء المصادر الدينية الاساسية في كليهما. وأثناء فترة قيامي بالبحث، تلقيت دعوة كريمة من قناة التلفزيون الفرنسي France  ، الناطقة باللغة العربية، لاجراء مقابلة معها . وقد تم بث هذه المقابلة بتاريخ 7 /7/ 2018. وكانت تلك المقابلة التلفزيونية المناسبة الأولى التي تكلمت فيها علناً، عن دراستي حول الأخوة الانسانية في المسيحية والاسلام.
وقد استشهدت بأقوال للبابا فرنسيس وشيخ الازهر الدكتور الطيب، كانا قد ادليا بها في مناسبات سابقة.وأثناء حديثي في هذه المقابلة، كانت هذه القناة تبث صوراً للقاءات جمعت بين هاتين المرجعيتين الدينيتين الكبيرتين. ومن المهم ان اذكر هنا انني كنت قد سمعت شخصيّاً أقوال الدكتور الطيب، حول الأخوة الانسانية، في كلمته أثناء المؤتمر الذي دعينا اليه في قطر، حول "القيم الروحية والسلام العالمي"، بتاريخ 7 أيار مايو 2007 . وقد التقيت يومها الدكتور أحمد الطيب، رئيس جامعة الأزهر آنذاك، عبر الدكتوره عائشة المناعي، عميدة كلية الشريعة في جامعة قطر. وقد سعدت بذلك اللقاء.
وكان فرحي عظيماً عندما قرأت في 6/12/2018 ، خبر زيارة البابا فرنسيس التاريخية الى امارة أبو ظبي، للمشاركة في اللقاء ما بين الأديان حول الاخوة الانسانية، ومشاركة شيخ الأزهر الدكتور الطيب في هذا اللقاء. فبادرت الى كتابة دراسة مختصرة حول هذه الزيارة ، وأهمية اللقاء حول الاخوة الانسانية. وقد نشرت الدراسة على مواقع الكترونية Akkar Press وغيرها، ابتداءً من 30/1/2019، وفي صحيفة " الجمهورية " في 5/2/2019. كما دعيت لاجراء مقابلة مع تلفزيون لبنان في 31/1/2019، حول هذا الموضوع.
وقد توجت جهودي المتواضعة لكتابة هذه الدراسة، والحمدلله، بلقاء تاريخي لي ولعائلتي ، مع قداسة البابا فرنسيس في الفاتيكان. وكان ذلك في اول أيار مايو 2019 . ولقاؤنا مع البابا هو نعمة كبيرة من الله أفعمت قلوبنا غبطة وفرحاً. إنه يوم مميز في حياتنا. والحمدالله انني نلت بركته لعملي المتواضع.
وطبعاً تابعت بعدها هذا العمل بفرح وحماس. وفي اطاره حرصت على متابعة التطورات الجديدة حول وثيقة الأخوة الانسانية .
في 11 ايلول 2019، اعلن عن قرار تعيين " اللجنة العليا لتحقيق اهداف وثيقة الاخوة الانسانية "،التي أشرنا اليها سابقاً، وعن عقدها اللقاء الأول في بيت القديسة مرتا في الفاتيكان. ولم يكن اختيار يوم 11 ايلول موعداً لهذا اللقاء، مجرد صدفة. إذ كما جاء في بيان لدار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي - الفاتيكان، فانه " تم اختيار هذا اليوم، 11 أيلول سبتمبر ، كعلامة للرغبة في بناء الحياة والأخوة بينما زرع آخرون الموت والدمار." وقد حيا البابا فرنسيس اعضاء هذه اللجنة وشجعهم ، واصفاً إياهم " بصناع السلام، كي يكونوا مؤسسي سياسة جديدة ، لا فقط سياسة اليد الممدودة بل القلب المفتوح." كما وجه شيخ الازهر رسالة تشجيع لاعضاء اللجنة، كما ورد في المرجع المذكور سابقاً. وأثناء لقائهم في بيت القديسة مرتا اتفق أعضاء اللجنة على اختيار المطران (حالياً الكاردينال) ميغيل انخيل ايوسو غيكسوت، رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان، رئيساً للجنة، والقاضي الدكتور محمد محمود عبد السلام، المستشار السابق لشيخ الأزهر، امين السر. وأعضاء اللجنة التنفيذية الذين تم اختيارهم هم : المونسنيور يؤآنس لحظي جيد ، السيد ياسر حارب المهيري والدكتور سلطان فيصل الرميثي.

في ختام اللقاء بادر الاعضاء الى الصلاة ، " كل حسب دينه، من أجل ضحايا 11 ايلول سبتمبر والأعمال الارهابية كافة"، حسب المرجع المذكور سابقاً.
وبدءاً من كانون الأول 2019، اجتاح وباء الكورونا الصين أولاً، وبعدها انتشر بسرعة كبيرة في جميع دول العالم. لقد شكل هذا الوباء خطراً مميتاً على حياة البشر ، والارجح أنه لن ينتهي من العالم في أمد قريب. إزاء فيروس كورونا وقف الانسان، ومعه العلم، أقله حتى اليوم، عاجزاً عن تأمين العلاج الشافي للمصابين به. كما عجز عن اكتشاف اللقاح المناسب الذي يمنح الانسان المناعة الضرورية ضد الإصابة به. لقد شكل الوباء ازمة كبرى، ان لم نقل كارثة ، متعددة الأبعاد والنتائج، لم يعرف العالم لها مثيلاً.
لقد تعددت النتائج الكارثية لهذا الوباء على حياة البشر- حياتية - صحية واقتصادية واجتماعية ونفسية وغيرها. باختصار كلي نقول: حياتياً - صحياً ، حصد فيروس كورونا مئات آلاف الضحايا في العالم، مخلفاً اللوعة والحزن والحداد في قلوب البشر الذين فقدوا احبة لهم. كما أوقع حوالي أربعة ملايين اصابة، حتى اليوم.
على الصعيد الاقتصادي تعاني دول العالم من ركود اقتصادي حاد، يخشى أن يتحول الى اول كساد عالمي ، منذ ثلاثينات القرن الماضي، مع ما يخلفه من ملايين العاطلين عن العمل.
امام هذه اللوحة الحالكة السواد والحزن، التي تدمي قلب كل انسان ، امام هذه الكارثة الانسانية، بادرت القيادات الدينية في الدول، بشكل عام، لا سيما المرجعيات الكبرى في الديانات الموحدة على الصعيد العالمي، الى الاعراب عن مشاركتها مشاعر الحزن والتضامن والتكافل، مع ذوي الضحايا، ومع المصابين بفيروس الكورونا ، والفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل.
ان مشاركة المرجعيات والقيادات الدينية مشاعر البشر الحزانى والمتألمين والفقراء والعاطلين عن العمل، تعكس تعاليم الأديان الموحدة. اذ ان هذه الاخيرة تعلم ان الانسان هو خليفة الله في الارض، وان الله خلقه على صورته ومثاله. وهو كانسان يتمتع بالكرامة، ويتميز عن سائر مخلوقات الله. والاسلام والمسيحية تعلمان الفضائل والقيم، وتحضان على الالتزام بها عملياً.
من هذه القيم مد يد المساعدة الى أصحاب الحاجة، والمتألمين والمرضى والايتام والمعوزين، وكذلك محبة الناس والتضامن معهم، خاصة في الأزمنة الصعبة. في ضوء هذا الايمان بادرت، في رأينا، اللجنة العليا لتحقيق أهداف الاخوة الانسانية، بتاريخ 2 أيار مايو الجاري، الى توجيه رسالة الى الأخوة الذين يؤمنون بالله الخالق والاخوة في الانسانية في كل مكان. في هذه الرسالة أكدت اللجنة اولاً ايمانها باهمية دور الطب والبحث العلمي، في التصدي لوباء كورونا. كما أكدت طبعاً انها لا تنسى التوجه الى الله قائلة : " لا ننسى أيضاً ان نتوجه الى الله الخالق في هذه الازمة الكبيرة ... من أجل أن يرفع الله هذا الوباء وان يغيثنا من هذا الابتلاء، وان يلهم العلماء لاكتشاف دواء يقضي عليه، وان ينقذ العالم من التبعات الصحية والاقتصادية والانسانية"... (حسب ما ذكرت الوكالة نيوز- El wekala News)
ودعت كل البشر في جميع أنحاء العالم أن يتوجهوا الى الله بالصلاة والصوم والدعاء.
واقترحت يوم الخميس في 14 أيار مايو الجاري، موعداً للقيام بذلك.

اننا من موقعنا الانساني والاكاديمي المتواضع،وفي ضوء طموحنا ان يكون الانسان، كل انسان ، أكثر انسانية في كل مكان، تجاه أخيه الانسان ونؤكد تأييدنا ودعمنا لهذه الدعوة الروحية الانسانية البالغة الاهمية. انها ليست دعوة سياسية ولا فئوية، بل دعوة جامعة بامتياز. انها تعني كل البشر اينما كانوا، والى أي دين انتموا. وهي تعكس النوايا الصالحة، والرغبة الصادقة في التوجه الى الله، خالق كل الناس، من أجل مساعدتهم جميعاً في هذه الازمة، وبالتالي هي دعوة اطلقت لخير الانسانية جمعاء .

وبالنسبة لنا في لبنان، فانه من دواعي فرحنا واعتزازنا القول أن السيدة مريم العذراء التي يكرمها المسيحيون والمسلمون ، وبالتالي يجمع اللبنانيون على اعتبار ان عيد بشارة العذراء مريم في 25 آذار من السنة، هو عيد وطني جامع، تشفع لنا ولكل البشرية لدى الله، في هذه الفترة الحزينة والمؤلمة في حياتنا. ووطننا لبنان ، ببنيته المجتمعية المعروفة، يشكل أرض التلاقي اليومي بين المسلمين والمسيحيين، ومركزاً للحوار المستمر فيما بينهم. لذلك فاننا نؤمن انه الوطن المؤهل لعيش الاخوة الانسانية التي تعلمها المسيحية والاسلام، خاصة متى عملنا جميعاً كلبنانيين على تحقيق التعارف والتفاهم، في ضوء معرفة حقيقة تعاليم الديانتين، وخاصة القيم المشتركة فيهما، وعلى القواعد الايمانية الصحيحة ، المستقاة من المراجع الاساسية في هاتين الديانتين، وأيضاً في ضوء توضيح السبل العملية لعيش الاخوة الانسانية، لخير جميع اللبنانيين والانسانية جمعاء.