الناسك وملعقة الخشب

 

        ألا تحكين لي حكايةً يا أمي؟

-          ولمن أحكي يا حبيبي إن لم أحكِ لك.

        عمَّ ستتحدثين اليوم؟

-         عن الناسك وملعقةِ الخشب.

        ومن هو الناسكُ يا أمي؟ أنا لا أعرف.

-         الناسك هو رجلُ الله يعيشُ متقشفاً ( أي عيش الفقير)، لا يخالطُ العالمَ كي يتفرَّغَ للصلاة والتأمل معظمَ أوقاته.

لا يقطعُ صلاتَه إلا للعمل أو لقليل من النوم، ولا يقطعُ عمله إلا للصلاة.

قَصَدَهُ ذاتَ يومٍ رجلٌ شتَّام ( كثير الشتائم). سلَّم على الناسك فأجابَه بإحناء رأسه، أي: وصلني سلامُك، لأن الناسكَ قليلُ الكلام.

        لماذا قليلُ الكلام؟

-         لأنه لا يتكلمُ إلا ما هو ضروري جدا، ويفضِّل الصمتَ لأن عقلَه مشغولٌ بالشكر والتأمل والصلاة.

كان الناسكُ حين سلَّم عليه الرجل، يطبخُ بعضَ البقول في طنجرةٍ صغيرة يحركُها بملعقةٍ من خشب. سأله الرجل:

  أيها الناسك الحبيب لقد قَصَدْتُكَ في مسألةٍ تزعجني وتقلِّل من كرامتي وكرامةِ الآخرين.

  ما هي؟

  الشتائمُ أيها الناسك، فهلا أرشدتني إلى طريقة تخلّصُني منها؟

-      لم يجبِ الناسكُ بل أكمل تحريك طنجرته بالملعقة التي في يده. ثم أمسكَ بيد الرجلِ وجذبه نحو الحمام وسكب الماء في الكرسي ولفَّ الملعقة برقعة قماش أدخلها القعّادة وراح ينظفها.

        ألم تتوسخ الملعقة يا أمي؟

-      بلى. ولكن إسمع لتعرفَ ما جرى.

وبعد أن انتهى، عاد إلى طنجرته، والرجلُ معه ليحركَها بالملعقة ذاتِها. ثم أحضر صحنين، سكب الطعامَ في كليهما، ودعا زائرَه ليشاركَه الطعام.

إشمأزّ الرجلُ من المشهدِ وحاول شتمَ الناسك، لكنه ضبط نفسه، وقالها بقالبٍ أقلَ خشونة:

  أمجنون أنت؟ بعد أن أدخلتَ ملعقتكَ في كرسي الحمام ولوثتها عُدتَ وحرَّكت الطعام بها، والآن تدعوني لآكل معك.

-      جاء دورُ الناسك، تكلم وقال:

  لنفرِض أن الملعقة هي لسانُك، تارةً تصلّي لربكَ وتسبّحه بهذا اللسان، فتجعلُه في خدمته، وتنطقُ به أقدس كلام، فتلامسُ الألوهة. وطوراً تقذفُ به الغيرَ بأوسخِ وأسفلِ الكلام فتجعلُ لسانكَ سافلاً شريراً سفيهاً. ألا تكون قد فعلت مثلي؟

فمن منا هو المجنون؟

-      لم يجب، والسكوت علامة الرضى، ركع أمام الناسكِ معتذراً، طالباً الصلاةَ لأجله، ثم ردد قائلاً :

  لقد أقنعتني وسوف لن أعودَ إلى الشتائم، ولكن أرجوك أن تعفيني من هذا الطعام.

  ولا أنا سوف أذوقه، لقد فعلتُ هذا من أجلك، وإن كنت سأبقى بدون طعام إلى الغد.

لكن إعلم كما أنك لا تطيقُ الأكل بملعقة وسخة، هكذا الله لا يرضى الصلاة بلسانٍ متلوّن شتَّام.

إذهب رافقتك السلامة.