إستعدتُ حُرّيتي

 

إن كانت عبوديةُ الرقِّ بشكلِها القديم قد ولَّت وتجارةُ العبيد قد مضت، فإن عبودياتِ هذا العصرِ قد برزت بأشكالٍ جديدةٍ لتستعبدَ الكثيرين في كل مكانٍ وزمان وبأعدادٍ لا تحصى.

 

والحديثُ عن واحدةٍ مَلَكتْني وأذلّتني إلى آخر حدود الإذلالِ. شُغفتُ بها، ومِلْت إليها ظناً مني أني أتصرف تصرفاً حراً واعياً، وما علمتُ أنها كانت تُحكمُ قبضتها عليَّ لأنها كانت تُدركني حيثما أكون لتعيدَني مرغماً إلى سَطوتِها غافلاً عما ينتظرُني من جرائها.

لقد حطّمتْ إرادتي وشلّت عزيمتي فما عدتُ أفكر بالتحرّر لأني رضيتُ بعبوديتها وصرتُ أنقاد إليها وأدافع عنها وأدفع ثمنها بكل طيبةِ خاطر، ما ضجرت وما تذمّرت منها يوماً. ونسيت بعدها نفسي لأني ظننت أني أنا الحُرّ والسيّد وهي المستعبدَة. وتوَهّمتُ أني سيّد قراري، كوني صاحب حقّ التعامل معها في كل وقتٍ وكلِ حينٍ دون رادعٍ أو رقيب.

 

وما علمتُ أن الحريةَ للأقوياء، لذوي الإرادة الحديدية، وليست للضعفاء والخانعين، وما وعيتُ أن الإنسانَ خُلق ليكونَ حراً سيداً، لكنه تنكَّر لدورِه وحاد عن هدفِه وباع نفسَه لشهواته، فصار عبداً لها. والمعلومُ أنّ على الإنسان ألا يعبد إلا الله وحده.

ولكن إن عَبَدَ الإنسانُ إنساناً غيرَه فهذا أمرٌ مستهجنٌ وغيرُ مرغوبٍ فيه، أما أن يعبُدَ الإنسانُ مادةً هو سيدُها، وفي السموِّ هو أعظمُ منها، فهذا شرٌ عظيم وأمرٌ مرفوض لأنه أسوأُ أنواعِ الإستعباد على الإطلاق.

 

تسلّطتْ شهوتي عليَّ وهي في الشرفِ لا تُشرّفُني، قادتني ومَلَكتني والحديثُ عن الشهواتِ يطول.

لم أعد أحتملُ مستعبِدتي لأنها ضايقتني وهدّدتني في صحتي، فكَّرتُ بالتخلّص منها لكن الإفلاتَ من قبضتِها ليس بالأمر الهيّن، ولما حاولتُ وجدتُ نفسي ضعيفاً فما استطعت. لأن الحرية لا تُؤخذُ إلا غلاباً والثمن غالباً ما يكون باهظاً.

 

شعرتُ أن في الأمر خطورةً وعليَّ أن أقرّرَ وأصمدَ لأولدَ إلى حياة حرّة ونمطِ عيش جديد.

الإرادةُ والصمود كانا غيرَ كافيين، فاستعنتُ بمن هو عالِمٌ بضعفي، فرُحتُ أصلّي وأتضرّع ونذرتُ نذراً أدفع فيه شهرياً فديةً هي ثمن تحرري يستفيد منها الفقراء، فاستجاب لي ربي وحررني وخلّصني من عبوديتي ( إني أشكره) فودّعتها إلى غير رجعة، وها أنا اليومَ أتلذّذ بطعمِ الحريةِ الحقيقية، وأتمتع بالصحّة والصفاء وما فكّرتُ يوما بالعودة إلى التدخين.