الــحــائـــط

 

أوقفتِ المعلمةُ أحدَ التلاميذ على الحائط بسبب كسلهِ، فراحَ يرفُسُهُ برجلِه ويضربهُ بيدهِ، إلى أن بادرَه الحائطُ قائلاً :

  مرحباً أيها التلميذُ ما بكَ ؟ وماذا فعلتَ بنفسكَ؟

o      كيف عرفتَ حتى تسألَ هذه الأسئلة؟

       إني خبير بالتلاميذ ومعرفتي بهم قديمةُ العهد، فكم وكم وقفوا تجاهي فكنت أعلّمُهم وأرشدهم.

o      من أين لك هذا الذكاءُ وهذه المعرفة؟ ونحن نعلم ُأنك كثيرُ الجهل بليدُ الفهم. فعندما يوبّخ أحدُنا الآخر ينعتُه قائلاً ( إنك مثل الحائط).

       لا تغلط يا صغيري ستعلمُ مدى أهميتي وعِظَمَ دوري في تقدّمِ البشريةِ وتطوّرِ حياةِ الإنسان، وأنها ما أحرزتْ هذا التقدّمَ بدوني.

o      أرى في كلامك ادّعاءً وتبجّحاً وإخفاءً للحقيقة.

       لأنك اتّهمتَني. إسمحْ لي أن أقولَ لك: أنتم، بني البشر، غالباً ما تحيدونَ عن الحقّ، وتدْخلون في هكذا متاهات، وإني غالباً ما أشتمُّ في أحاديثكم رائحةَ كذبٍ كريهة، أليس كذلك؟

o      البعضُ يكذبون علّهم يتخلّصون ويتملّصون، ولكنْ، هلا أقنعتني بصحّةِ كلامك عن التطوّر.

       لأنك تعرف دروس التاريخ، سوف أجيبكَ بأسئلةٍ أطرحها عليك. أين عاش الإنسان القديم؟

o      في المغاورِ والكهوف وفي الطبيعة.

       جيّد وأين يعيشُ الإنسان في هذه الأيام؟

o      في البيوتِ والبنايات، في القصورِ والفيلات.

       ومما تتألفُ هذه المساكن؟

o      طبعا من الحيطان.

       وماذا تعرفُ عن القلاعِ والحصون، الآثارِ القديمة والروائعِ الجديدة؟

o      إنها من الحيطان.

       وماذا عن المدارسِ والمعامل، هلا وافقت معي أنه بدون الحيطان ما كانت كلُّ هذه المنشآت.

o      بدأت أقتنع.

       لنسألْ أيضاً في مجالِ الزراعةِ وحيطانِ البساتين وعن جوانبِ الطرقات والجسور، وعن السدودِ والقنوات، وعن الملاهي والمقاهي، عن المدرّجات والملاعب؟

o      كفى كفى حقا إنك لمَهمٌ جداً في مجالِ العمران لقد فاتتني هذه المعرفة.

       إذن لماذا تتهكّمون عليّ وأنتم تقولون إني ( فرد شقفة) أي لوحٌ واحد وقطعة واحدة؟

لماذا لا تشيرون إلى أصحابِ العنادِ فيما بينكم وكم هم كثيرون؟ بينما في تساهلي أسمحُ للأبوابِ والنوافذِ والطُوَق، أن تؤمنَ لكم عمليةَ التنقّل والإنارةِ والتهوئة.

o      هذا أكيد.

       وأكثرُ من ذلك إنّ لي من المرونة ما يمكِّن البنّائينَ من صنعي مستقيماً أو ملتويا، مربّعاً أو مستطيلاً مستديراً أو مائلاً، يعملوني كيفما يريدون.

o      أنا موافقٌ على كلامك. ولكن ماذا عن السطوح؟

       السطوحُ في الأساسِ كانت حيطاناً، بنوا منها الكثيرَ ولم يعد لها مكانُ فأخذَها الحزنُ وانبطحت.

o      شكراً لك، وماذا عن المثل القائل ( فات بالحيط )؟

       عظيمٌ سؤالك أيها التلميذ إنك ذكي فلماذا التكاسل.

o      إن اللعبَ والتلفزيون غالباً ما يلهياني.

       قسِّم وقتـَك فتكونَ الرابح.

o      أرى أنك تعطفُ عليّ وتنصحني؟

       نعم إن الذين لا يحسنون التصرّف، إن الجهلَة والمتهورين وحدَهم يفوتون بالحائط. أي يصطدمونَ بحائط مسدود لا بابَ ولا منفذَ له، فيتوقفون عن مسيرتِهم ويفشلون في حياتهم. عدا عن الذين تخبطُ رؤوسُهم فيتألمون.

o      ألم يكن باستطاعتهم تجنّبَ هذه الصدمات؟

       تماما لو أنك درستَ جيداً لما كنت وقفتَ تجاهي، وليكن معلوماً عندك أنه ليستْ كلُّ الحيطان مسدودة. فمن فتّش عن منفذٍ فيها قطعَها بأمان.

o      إنك مُقنعٌ في كلامك.

       لقد دخلنا من بابِ العمرانِ وسنخرج من باب الإيمان.

o      كيف ذلك؟

       إعلم أن الإنتقالَ من هذه الحياةِ عبْرَ الحائط الدهري الذي يفصلُنا عن الحياةِ الأخرى، لا يتمُّ إلا خلال بابٍ صغيرٍ وضيّق لا يكتشفه إلا القليلون.

o      لماذا لا يكتشفهُ الآخرون؟

       يلعب الإيمانُ دوره في اكتشافِ هذا الباب ويتطلّبُ من داخِليه حياةً فاضلةً متطابقةً مع إرادة الله.

o      والباقون كيف يمرّون؟

       توجد يا عزيزي أبوابٌ كثيرة واسعةٌ ظاهرُها سهل العبور بينما آخرُها محفوفٌ بالمهالك، يمرُّ فيها العديدون، لكنها لا تؤدي بهم إلى الخلاص، بل إلى الحائط المسدود.

o      شكراً لك، شكراً على كل شيء، لقد علّمتني الكثيرَ ولم يضعِ الوقتُ سدى.