الــدرج

 

o     مرحباً أيها الدرج.

      آه أهلاً وسهلاً. مَنْ المتكلّم؟

o     أنا جارُك المِصعدُ الكهربائي.

      ماذا تريد؟

o          إني أراكَ متّكئاً مرتاحاً، فما الأمر؟ وما بك؟

      غالباً ما يصيبني المللُ والنعاسُ لقلة عملي.

o          يقولون الجارُ للجار، فماذا لو تحدّثنا قليلاً؟

      إني مستاءٌ وغير راغبٍ في الكلام.

o          وما السبب؟

      ألست أنت سبب تعطيلي عن العمل؟

o          ألأني أساعدك وأخفف عنك فلهذا تعاديني؟

      لقد أغريتَ الصاعدين والنازلين وحوّلتَهم عني فصرتُ متفرجاً مكتوفَ اليدين لا من يصعدُ ولا من ينزلُ إلا بك.

o          ألهذه الدرجة أنت متضايقٌ مني؟

      أمرُك غريب! صنعك عجيب! أنت من أنت؟! لا أفهمُك.

o     أنا غرفةٌ صغيرة ضيّقة متحرّكة ولوحةُ أزرار، أعملُ على الكهرباء. يكفي ضغطُ زرٍ معيّنٍ بإصبعك حتى تصلَ إلى الطابقِ الذي تريد.

      وماذا لو انقطعت الكهرباء؟

o     إنهم يتذكرون غُرَفَ السجونِ الإفرادية وظلمتَها، ومنهم من يفقدُ صوابَه، أو يغيبُ عن وعيه، ولكن رغمَ ذلك لا يتخلّون عني.

      ألا يتحركُ الذي يدخلك، ألا يمشي؟

o     كلا، فبدلَ أن يصعدَ هو، أصعدُ أنا. فلا تَعَبٌ ولا إبطاء، لا في الصعودِ ولا في النزول.

      لماذا هذا التغيير؟ لماذا هذا التبديل؟ فهل يعقلُ أن يتحوّلَ الدرجُ إلى غرفة؟ مَنْ يقفُ وراء هذه الأمور؟

o     إنه عقلُ الإنسان، إنه التطوّر، وحبُّ الرفاهية والسرعة.

      السرعةُ نافعةٌ وضارة في الوقتِ ذاتِه والرفاهيةُ أيضاً.

o          كيف ذلك؟

      نعم فكم نجّتِ السرعةُ من أشخاصٍ وخلّصتهم؟ ولكن في الوقتِ ذاته كم قضتْ على آخرين؟ كما أن للرفاهيةِ وقت، إن زاد حوَّلَها إلى كسلٍ ومضيَعةٍ للوقت.

o     ألا يهمُّك أيها الدرجُ عنايتي بالصغار، بالمرضى والعجزة؟

      بالحقيقةِ لك كلُّ الفضلِ في هذا المجال ولكنَّك عودت الأصحاءَ في الوقت ذاتِه، فصاروا إتكاليين.

o          وما الغريبُ في الأمر؟

      لأنه في الكسلِ والإسترخاءِ المفرط مرضٌ، وردّّةُ فعلٍ عكسيةٌ على صحةِ الإنسان وحياتة، ولو ترفّه الجميعُ لما زرعوا ولا أكلوا.

o     وهل أنت وليُّ أمرهم لتدافعَ عنهم؟ لماذا لا ترتاح؟

      كيف أرتاحُ وأنا أراقبُهم وهم يصعدون وينزلون نهم أحبائي أغار عليهم، أُميّزُ بينهم، فأعرف القويّ من الضعيف والشابَ من العجوز، أعرف الذين يدخّنون وأفرّقُ بين الأصحاءِ والمرضى، لأنّ لكلِ واحدٍ طريقتَه. كما إني أعرفُ أصحابَ الهِمَمِ الذين حالفهم الحظُ فصعدوا بسرعة وكأنهم استعملوا المصعدَ الكهربائي. و أعرفُ الذين استسلموا وتقاعسوا فاختاروا البقاءَ في الأسفل يعيشون أحلاماً صغيرة.

o     أنت تعرف الكثير أيها الدرج.

      نعم أعرف أيضاً أنّ النجاحَ والإرتقاءَ في حياة الانسان أمران جيدان على ألا يتعارضَ مع تقدّمِهِ الروحي. والأهمُ من كل ذلك ألا يبقى الناجحون على الدرجةِ الأولى من مسيرتِهم نحو الخلود.

o    شكراً لك على كل شيءٍ وأتمنى لو تجمعنا صداقَةٌ أمتن.