الشيخة والقداسة.

 

 

حدّث أحدهم قال :

جلستُ ذات يومٍ تحت شجرةِ سنديان عتيقة، وكان الطقسُ حاراً والهواء لطيفاً منعشاً. تحلو لك القيلولةُ في ظلّ هذه الشجرةِ المعمرةِ الصامدة على السنين.

سألتها :

 -ما هو عمرك يا جدّتي؟

أجابت :

 -لقد أصبتَ يا ولدي بقولك يا جدتي، لأني أقدمُ سنديانة في المنطقة والجوار، ومثيلاتي هنّ في عمر بناتي وبنات بناتي.

 -هنيئاً لكِ العمر. فهلا أخبرتني شيئاً عن حياتك وذكرياتك.

 -يا ولدي إن كان لديك الوقت, سأروي لك بعضَ ذكرياتي ولمحةً عن حياتي. لأني أحمل الكثيرَ من الذكريات وعلى كتفي العديدُ من السنين.

 -نعم أيتها الشيخةُ الجليلةُ تفضلي بالحديث، فأنا باقٍ حتى الغروب وكلي شوقٌ لسماعك.

تنهدت طويلاً وقالت :

 -إني أبصرت النورَ مع الألفيةِ الثانيةِ، وها نحن قد دخلنا الألفيةَ الثالثة، وقد واكبتُ التاريخَ ردحاً طويلاً من الزمن. لقد شاهدت سقوط ممالك وإمبراطوريات، عروشٍ ورئاسات، مرّت عليّ حروبٌ وانقسامات، أوبئةٌ ومجاعات، زلازلُ وبراكين، مظالمُ وعبوديات، عساكرُ وجيوشٌ، دياناتٌ وملل، عباداتٌ وطقوس . . . وها أنا باقيةٌ أشهد حوادثَ الأيام وأحفظُها في ذاكرتي.

 -أراكِ وحدَك وحيدة، ما السبب؟

قالت لي :

 -أنظر إلى المعبد القريب. إن الناسَ يتعبّدون ويصلّون ثم تحت أغصاني يستظلّون. فصرت للمعبد حارسةً والمعبدُ حارساً لي.

 -الآن فهمتُ لغزَكِ وسرَّ بقائكِ. أنت شجرةٌ واكبتِ القداسةَ فطال عمركِ.

أجابت :

 -قد أصبتَ فإنك إن تقدستَ طال عمرك، وإن حافظت على قداستك دمتَ إلى الأبد.

 -وما هي حكمتُكِ لي أيتها الشيخةُ الجليلة.

 -يا بني، إن الأيام علّمتني الكثير، وكشفتْ لي الكثير. إسمع ما حدثَ لي وخذِ العبرة. ولكن قبل الحديث، قم وانظر إلى داخلي، ألا ترى هذه التجاويفَ والنتوءات.

 -نعم لقد نظرت فإلامَ ترمز؟

أجابت متحسرة :

- ألا ترى جذعي المجوف؟ وبعد تنهّدٍ أكملت إنه الإهمالُ يا ولدي، إنه عدمُ الإكتراث. هذا كلّه عَمِلَتْهُ دودة تغاضيتُ عنها بسبب كبريائي واعتدادي بنفسي، لأني رحتُ أتحدّى الريحَ والعواصف، الثلوجَ والأمطار. أتحداها على مرِّ السنين والأيام، غيرَ آبهة بهذه الدودة ولا بعملها، وجاء وقتٌ جرّدتني هذه الحشرةُ الصغيرة من قوتي. فصرتُ لحماً بلا عظم وقشرة بلا لب. خائفةً من هبوبِ الريح لا أعرف ما هو مصيري.

 -أحقاً أنت خائفة؟

- نعم أنا خائفة ولا لزومَ للإنكار، فاحذرْ يا ولدي الخصالَ الفاسدة ولا تستخفَّ حتى بالصغيرةِ منها، فإنها تغيّر حياتك، وتفسدُ عليك هناءك.

- شكراً لكِ أيتها السنديانةُ العظيمة شكراً على نصيحتكِ.