الشــاطـئ والـبـحـر

 

    ما هي حكايةُ اليوم يا أعزَّ الأمهات.

    حكايةُ اليوم عن الشاطئ والبحر.

    سوف أستمعُ لكن لا تقولي لي تعلَّم من البحرِ تعلَّم من الشاطئ. أريد أن أرتاحَ اليوم من الدروس.

    يا ولدي إن كلَّ ما يدورُ حولنا يعلمنا أموراً كثيرةً، وما علينا سوى أن نرى ونلاحظَ كي نتعلّمَ ونشاهدَ الخالقَ في خَلقه.

    إن كان الأمرُ خالياً من الدرس والتسميع فسوف أُصغي لما تقولين.

    قالت الأم : ذاتَ يومٍ راح الشاطئُ يعاتب البحرَ ويوبّخه قائلا له : أما سئمتَ، أما تعلّمت من كثرة المحاولات؟ أما تلقّنت دروساً فلماذا العناد ؟ كم من مرة ومرة حاولتَ تخطيَ حدودي وما من فائدة؟ وباستمرارِك في إرسالِ موجاتِكَ أرى تحجُّراً في عقلِكَ وجهلاً في تصرفاتِكَ. فمهما تلاطمتْ أمواجُكَ، لا يمكنك تخطيَ حدودي، وإن تقدمتَ في مدٍّ أو جزرٍ سوف تعود أدراجَكَ.

    كلامُكَ صحيحٌ أيها الشاطئ.

    تَدَخَّلَ الصغير سائلاً : مع مَن الحقُ يا أمي.

    الحقُ مع الشاطئ يا ولدي، فلا لزومَ لكثرةِ العناد.

    أكملَ الشاطئُ حواره قال : ألا كُفَّ أيها البحرُ عن محاولاتِكَ ودعْني أرتاحْ لأن طبعَك لا يَسمحُ لك بالتقدّمِ على حسابي.

    مَنْ يمنعني من التقدم؟ ومَنْ قال لك أنّه غيرُ مسموح؟

    قال لي ذلك الذي وضعني تجاهَك. وأنا هنا لأمنعَكَ من التقدم. ولن تقوى عليَّ، لأن الأوامرَ تقضي بعدم تخطي أقدامِ حدودي.

    لكني سأستمرُّ في محاولاتي.

    أما حاولتَ كل هذه القرون، أأنت مجنون؟

    قلتَ لي مجنون؟ إني أشكرُكَ هذه المرة لأنكَ ذكّرتني بالمجنون.

    ومن هو المجنون؟

    إنه الإنسانُ. سأستعين به، لأنه يعملُ مندفعاً بشهواتِه وأهوائِه غيرَ آبهٍ لشيء. وقد خالفَ بأعمالِه القوانينَ الطبيعيةَ وتحدّى الوصايا الإلهية، لهذا فهو قادرٌ أن يغيّرَ الثوابت.

    كيف ذلك؟ وهل تأملُ أن تحقّقَ أحلامك؟

    أنا أكيدٌ أن حُلمي سوف يتحققْ وسيصبحُ واقعاً يومَ يرفعُ ذلك المجنونُ حرارةَ الأرض، لكثرةِ معامله وتجاربه. . .

عندها ستذوبُ جبالُ الجليدِ المرتفعةُ في القطبين، وسأريك أني قادرٌ أن أتخطّاك، وسترى ما يحلُّ بك، عندما أقيم حدودي الجديدة أبعدَ منك فتكونُ تحت رحمتي.

خاف الشاطئ ُوراح يسألُ المراجعَ العليا عن صحةِ ما قيل. ولما عرفَ الحقيقةَ لم يَعُدْ إلى التحدّي.

شكراً يا أمي على هذه القصة المشوّقة.

ماذا تعلّمتَ منها يا حبيبي؟

لقد عرفتُ أن الإنسانَ بتصرّفهِ المجنونِ، سيخرّبُ ما كان قد خلقه الله ُ من أجله، وكيف سيرتدُّ عملُـهُ عليه في أسرع ما يكون.