إن كنت ذا عيبٍ فلن تصل

 

¯    وما هي حكايتـُنا اليوم أيتها الأمُ الحنون؟

¯     حكايتنا ستكون إن شاءَ اللهُ عن المركبِ والبحر. لأني أريدُك يا ولدي أن تتعلمَ من المركب.

¯    وماذا يمكن أن أتعلّمَ غيرَ السباحة والوصولِ إلى الشاطئ الآخر؟

¯    سوف تتعلّم أموراً أخرى كثيرة.

¯    إذاً أنا حاضرٌ لسماع قصتك.

¯    ذات يوم سأل المركبُ البحرَ قال : هل بإمكاني العبورُ إلى الشاطئ الآخرِ بأمان؟

¯    نعم نعم بإمكانك الوصولُ إن كنت بلا عيب.

¯    وماذا تقصدُ بلا عيب؟

¯    أنا نصحتـُك وعليك إكتشافُ العيوبِ بذاتك والتخلّصُ منها فهذا ليس من شأني، إسألْ غيري عنها، ولكن إعلمْ أن كلَ من يعبرني، أنا البحر، وفيه عيبٌ لن أدعَه يمرَّبسلام، لأني وُجِدتُ لأمنعَ وصولَ العيوبِ إلى الشاطئ الثاني.

¯    وماذا يحلّ بالمركبِ صاحبِ العيوب؟

¯    أحاول منعَه بكلّ الطرق، أحاولُ الاستيلاء عليه، وإغراقَ عيوبهِ فيغرقُ معها.

¯    هكذا ستفعل بي إذاً؟

¯    نعم فأن لم تكن أهلاً للإبحار سوف لن تصل.

¯    فكّر المركبُ في الأمر وفي خطورته، وراحَ يسأل المراكبَ القديمة، صاحبةَ الخُبراتِ الواسعة، علّه يستفيد منها، فيتجنّب المخاطر.

¯    حدّثه أحدُهم قال : أقلعَ مركبٌ ذات يوم دون التأكدِ من متانةِ الأشرعة، ولما صار في عُرضِ البحرِ هبَّت عليه عاصفةٌ هوجاء، مزّقت أشرعتَه وقطَّعت حبالَه فتقاذفته الأمواجُ وراح يتخبّط تائهاً، ولولا جدارةُ القبطان الذي استدرك الامرَ ورمى بالحمولةِ في البحر وأرخى المراسيَ قبل وصوله إلى الشاطئ لكان تحطّم المركب وغرق مع من فيه.

¯    كل هذا بسبب شراع؟

¯    نعم بسببِ شراع، فإن جميعَ أجزاءِ المركبِ تتعاونُ لتتمكّن من مجابهةِ الصعوبات، فإن ضَعُفَ أحدُها تأثرّتْ باقي الأجزاء. وختم حديثه للمركبِ الجديدِ بهذه النصيحة : عليك قبل الإقلاع التأكدُ من جهوزيةِ المركب وإلا غدرك البحرُ وعرّضك للخطر.

¯    شكره وانتقلَ إلى مركب آخر، صاحبُه قبطانٌ عجوز غطّى الشيبُ رأسه، وجعَّدتِ السنونُ وجهه. سأل العجوزَ قال :

¯    أخبرني يا جدي عن عيوب المراكب.

¯    تنهد طويلاً وقال : كم وكم من المراكبِ غرقت وضاعت بسبب العيوب. تعال واجلس فإن الحديثَ سوف يطول. يا ولدي إن عيوبَ المراكب كثيرةٌ مثلُ عيوب الإنسان، فمتى أقلع المركب لا يعودُ قادراً على تعويضِ النقص أو الخسارةِ.

¯    هلا ذكرت لي عيوبَ المراكبِ وسببَ ضياعها؟

¯    الاسبابُ كثيرة يا صديقي فمن المراكبِ ما يضيع بسبب الأعطالِ ومنها بسبب طقسٍ رديء كان عليه ألا يبحرَ خلاله، ومنها ما يغرق بسبب عدم توازنِ الحمولة، أو بسبب حريقٍ مفاجئ ومنها ما يضيعُ بسبب الجهلِ والإهمال.

¯    لقد عرفت الآن تأثيرَ العيوب على المراكبِ  فلماذا ربطّتَها بعيوبِ الإنسان؟

¯    إنك تبدو ذكياً من خلال أسئلتك. فكوني قديمُ الأيام (متقدم في العمر) فقد ربطتُ العيوبَ ببعضها لأن الإنسانَ والمركب متشابهان.

¯    تقول أنهما متشابهان؟

¯    نعم إن المركبَ يضيعُ بسبب الجهلِ والإهمال ولقد ضاعَ الكثيرُ من شبابنا للسبب نفسه. إن المركبَ يغرق من عدم توازن الحمولة، والإنسان يغرقُ إن لم يوازنْ بين الدنيويات والروحيات.

كما أنه لو تعطّل إيمانُ أحدهم أو أحرقتْه الشهوةْ سوف يغرقُ ويضيع. كما تحترقُ المراكبُ وتضيع. والشَبَهُ الكبيرُ هو أن المركبَ يُقلع وعليه أن يصلَ إلى الشاطئ الآخر، كذلك على الإنسانِ أن يبلُغَ بعد هذه الحياة، دنيا الآخرة الصالحة. وكما أن العيوبَ تمنع المراكبَ من الوصول، هكذا عيوبُ الإنسانِ تمنعه ( إن لم يرمها عنه) من بلوغِ الحياة الأبدية.