حافظوا مثله

 

·        إليك يا ولدي هذه القصة.

·        نعم يا إمي.

·        إشترت ربّةُ البيت أدواتٍ جديدةً للمطبخ غسلتها، نشّفتها ومنها (المصفى) فوضعَتهُ قرب (الجاط).

·        فقال المصفى لجاره : مرحبا يا أخي.

·        ردّ الجاط : ناديتني يا أخي وأنا لا أشبهُك ولا أعملُ عملـَكّ فمن أين أتت هذه الأخوّة؟

·        إقبلها مني أَلسْنا أخوة في العمل، في هذا المطبخ؟

·        بلى لكنك تختلفُ عني في الهدف وفي طريقة العمل. وأراك لستَ أميناً مثلي، فإني أحافظُ على كل ما يوضعُ في داخلي، وأحفظُه بكل جوارحي، ولا أفرّط به أبداً.

·        ردّ المصفى: ومَن قال لك إني لستُ جدياً في عملي؟ فإني أُصفي الخضارَ والحبوب من السوائل ولا أُُبقي أيّةَ نقطةٍ في داخلي بل أنشّفُها كلَّها. ألا أكون أميناً مثلـَك؟

·        إني أعجبُ منك، أنت مليء بالثقوب ورغمَ ذلك يحتفظون بك ويحافظون عليك، لكنهم إن وجدوا فيّ ثقباً واحداً لرموني شرَّ رمية. فلماذا هذا التمييز؟

·        أجاب المصفى : إنهم تعَمّدوا الثقوبَ في صُنعي من أجلِ تسهيلِ أعمالِهم، ولو حدث أن سُدّت هذه الثقوبُ فيَّ لاستبدلوني بآخر.

·        أراك تفتخرُ بالثقوبِ التي أكرهُها من أساسها.

·        نعم كلي ثقوبٌ لأن عملي هو في فصلِ الأشياء الجامدة عن السائلة. وغالباً ما تحتاجني صاحبة البيت في عملها فلماذا الإستغراب؟ إنها تستعملني باستمرارٍ، ولا غنى لها عني.

·        وأنا أيضاً تُكثر من استعمالي، ولست وحدي في المطبخ فإنه يوجد جاط، جاطان، وأكثر. فأنا أفضلُ منك على ما أظن.

·        إن بقيت مصراً على موقفك لماذا لا نحتكِمُ إلى صاحبتنا، فإنها امرأةٌ فاضلة لا تنحازُ إلى أحد.

·        وهل حََكَمَتْ صاحبتُهما بالعدل يا أمي؟

·        بالطبع فقد سألها الجاط، قائلا : هلاّ وضّحتِ لي، سيدتي، لماذا تُبقين المصفى في خدمتك؟ مع أنه لا يستطيعُ الحفاظَ حتى ولا على نقطة ماء واحدة في داخله.

·        ردّت عليه السيدة : هوّنْ عليك أيها الجاط، ومع أنك أمينٌ في عملك، فأنت غيرُ قادرٍ على تأدية عمل المصفى. لكنكما كلاكما تعملان لأجلي بإخلاص، وأنا أحترمُكما وأقدّر خدماتِكما، وكم أتمنى لو أن الجميعَ يعملون مثلكما بإخلاص، وخاصةً بني البشر.

·        لماذا يا والدتي علينا أن نتشبَّه بهما ونعملَ مثلهما ؟

·        نعم يا حبيبي عليك أن تتشبَّه أولا بالجاط وبصفاته الحميدة وميزاته الحسنة، فهو يحفظ كلَّ ما يُوضعُ فيه.

·        وكيف يكون ذلك؟

·        حافظ يا ولدي مثله على صيتِك وعلى شرفك وكرامتك، حافظ على أسرارِ غيرك وعلى صحتك وإيمانك. حافظ على اللطفِ والصلاح والأمانة التي فيك وخاصة على المحبة.

وثانيا كما يتخلّصُ المصفى من السوائِل، هكذا أنت تخلّصْ من الخصوماتِ والشرور والعادات السيئة، تخلّص من الغضب والبغض، والعداوة والطمع وخصوصاً من الزنى والمال الحرام، فتعيشَ راضياً مرضياً أمام الله والناس.

·        شكراً يا حبيبتي، سوف أعمل بنصيحتك. ولكن بعد سماعِ نصيحةِ السيدة كيف تصرفا؟

لما سمع الجاط وزميلُه هذا الكلامَ نظرا إلى بعضِهما البعض، وكأن كلَّ واحد يريدُ أن يقول : يا أخي أنت تكمّلني في عملي وتشرّفني بأخوّتك، فلنستمرَّ على التعايش والتفاهم، فهما الطريقُ الوحيد للبقاء والاستمرار، عندها قاما وتصافحا ثم تعانقا.