لا تتخلّ عن المقدسات

 

- إسمع يا ولدي هذه القصة.

- بكل سرورٍ سوف أسمعُ قصصَك المشوِّقة.

- إنه الخريفُ وقد ارتوتِ الأرضُ من المطر, فراح كلُّ فلاّح يهتمّ بأرزاقه. وفيما كان أحدُهم يشق الأرضَ ويبذر الحب، إقترب منه طائرٌ وشاهدَ القمح الذي يُرمى على الأرض فسال لعابُه وتحرَّكت شهوته لهذا المنظر، وقال في نفسه: ما بالُ هذا الفلاحِ يتصرفُ كمن فقد صوابه؟ فبعد ما تعب وأجهد نفسه ليحصلَ على هذا القمحِ ما بالُه يعود ليتلَفه ويرميه على الأرض ولا يدعنا نلتقطُه لنسدَّ به جوعَنا؟ ما أقسى قلبَه إنه يطمرُه في التراب ولا يهمه أمرُنا.

- وهل أعطاه الفلاحُ الحَبَ يا أمي؟

- لقد اقترب الطائرُ من الفلاح وسأله: أيها المزارعُ النشيط هل لي ببعض هذه الحباتِ أسدُّ بها جوعي بدلَ أن ترميها سدى؟

- نظر إليه الفلاح، فكّر ثم أجاب: نعم، نعم بالطبع، سأعطيك قدرَ ما تريد، أعطيكَ الحَبَ قوتَ نهارك مقابلَ ريشةٍ من جناحك.

- تمهّل الطائر ثم قال: لقد قبلت. وبادرَ إلى إعطائه ريشةً من جناحه وأخذ الحَبَ فرحاً مسروراً.

- وماذا فعل فيما بعد؟

- راح يسبِقُ الفلاحَ إلى الأرض منتظراً بفارغِ الصبرِ تبادلَ الريش بالقمحِ ،ونشأت بينهما علاقة عملٍ تُخفي وراءها نيّاتٍ غيرَ صافية (مبيَّتة) وكان الطائرُ يفرح بالقمحِ يلتهمُه بشراهة يفرك منقارَه بالترابِ يودّعُ الفلاحَ ويطير محلقاً ولا ينقطع صوتُ تغريده إلا متى ابتعد.

- وهل دام الأمرُ طويلاً؟

- كلا لأنه جاء اليومُ الذي فرك فيه منقارَه ،ودّع صاحبَه حاول الطيرانَ فلم يستطع، لقد تعرّى جناحُه من الريش، فكيف يمكنه أن يطير؟ لحقه الفلاحُ وأمسكَ به.

- وماذا فعل به؟

- سأله: لماذا أيها الطائرُ الكسولُ تخلّيتَ عن أعزِ وأقدس ما تملك؟ أمقابلَ حباتٍ؟ كان بالإمكانِ التفتيشُ عن بديل لها لو أجهدت نفسك قليلاً، لكنّ شراهَـتك وكسلك دفعاك للتخلي عن مقدساتِك عن ريشِك إلى أن وقعت في يدي. وأنت تشبه كثيرين من البشر أبناءِ جنسنا، الذين تخلّوا عن مقدساتهم. لذلك أنت مثلهم غيرُ جدير بالحياة.

- ومن هم الذين يشبهونه في هذه الحياة؟

- ماذا تقول يا ولدي عن الجندي الذي يتخلّى عن سلاحه والمؤمنِ عن إيمانه والحبيبِ عن حبه، الناذرِ عن نذره والإنسانِ عن ربه، المواطنِ عن وطنه والابنِ عن أهله، الشريفِ عن شرفه والربّانِ عن دفّته، الغريقِ عن خشبةِ خلاصه والكاتبِ عن قلمه، الأبِ عن أبوّته والأمِ عن حنانها؟ هذا هو عملُ الشهوةِ يا حبيبي فإنه يَعْمي البصرَ والبصيرةَ عن المصير المحتم، ونهايةُ كلِ من يتخلى عن المقدساتِ هي نفسُها إنها نهايةٌ وخيمة وقاسية.

- شكراً يا أمي سوف لن أتخلى عن المقدسات.