إقلعها وهي صغيرة 

سندياناتٌ ظليلات منظرُها خلاّب، بقربها ماءٌ ينسابُ رقراقاً إنه نبعُ القرية، المكانُ المفضّل للنزهات.

قصدناه مع الأهلِ والجيران، هو يومٌ لا يُنتسى، سُمِحَ لنا فيه أن نلعب كما يحلو لنا بدون لآتٍ تأمُرُنا، ولا صوتٍ يمنعنا: لا تسرع، لا تقفز، لا تصرخ.

إفترشنا الأرضَ ،تقاسمنا الأكلَ ،شبعنا ثم لهونا ومرّ كلُّ شيء على أحلى ما يكون.

كان والدي يضربُ الأرض بعصاه، تحلّقنا حوله وإذا به يسألنا: إحزروا ما هذه النباتاتُ الصغيرة، وراحت الأسماءُ تنهال إلى أن عرفها أحدُنا، إنها سندياناتٌ صغيرة فرّخت من البلوطِ المتساقط على الأرض.

  لم نعرفْ ما يقصدُ الوالدُ عندما طلبَ منا الإصغاء قائلاً: أنظروا هذه السنديانة، وهذه، وهذه، عمر الواحدة سنة، من منكم يستطيعُ قلعها؟

حاولنا جميعُنا فلم نستطع، فنَصَحَنا بسكبِ الماء عليها، وركضنا نحو الساقية، إنها طريقةٌ جديدة للتسلية، حملنا الماء وتدافعنا، مَنْ منا يبدأُ أولاً؟ فتدخّل الوالدُ ينظّم العملية، وسَمح لأحدِنا بذلك، شدّ فقلعها. وها هي العصا تُشيرُ إلى سنديانةٍ أكبرَ ربما عمرُها سنتان، وبسرعةٍ جلبنا الماءَ. انتظرنا، وراح كلُ واحد منا يحاولُ بدوره فلم نتمكن، ولما تساعدْنا جميعُنا قلعناها، ورحنا نصفّقُ فرحين، وكلنا بانتظارِ أن يدلنَّا على واحدة غيرها، وبالفعل أشار إلى واحدةٍ كبيرة عمرُها حوالي ثلاث سنوات، فانهلنا عليها بالماء فرحين لأننا حققنا النصرَ في المرتين السابقتين.

إنتظرنا ثم حاولنا، حاولنا أفراداً وجماعة فلم نستطعْ قلعها ولا بأي شكل.

ثم سألناه متعجبين لماذا عَصَتْ علينا هذه السنديانة؟

أجاب : لأن جذورَها تأصلت في الأرضِ وأصبحت قوية، وهذا ما أردتُكم أن تختبروه قبلَ إسداءِ نصيحتي لكم.

وما هي نصيحتُك يا ترى؟

يا أحبائي إن الإنسانَ يكتسبُ عاداتٍ وتقاليدَ عديدةً منها النافعُ ومنها الضار. وإذا ما تأصّلتِ العاداتُ السيئةُ في حياته صَعُبَ عليه تغييرُها والإقلاعُ عنها، فعليكم يا أولادي التخلصَ منها قبل استحكامِها، وقبل أن تصبحَ من كيانكم، فتلازمَكم وتغيّرَ مجرى حياتِكم وتوقِعَكم في مشاكلَ وصعوبات وربما تؤدي بكم إلى المهالك. أريدُكم يا أولادي أن تنظروا إلى الذين يتخبّطونَ بعاداتهم السيئة التي تعوّدوها وانقادوا لها، ولم يعد بإمكانهم الإفلاتُ منها. فما عدا السجنَ أو الموتَ أو أعجوبةً من السماء لا تقدرُ أن تغيّرها لهم.

فلا أريدُكم يا أحبائي أن تكونوا أغبياءَ لتتركوا هذه العاداتِ تقضي على صحتِكم وصيتكم وشرفكم ومستقبلكم، فاقلعوها وهي في بدايتها كما فعلتم اليومَ بالسنديانات، فترتاحوا من شرّها.

شكراً لكَ على كلِ ما فعلت لأجلنا.