النوعية أفضل من الكمية

-  إليك يا ولدي قصةَ الزهرةِ الذابلةِ والمزهرية.

-  نعم يا أمي، ما عسى أن تُعلّمُ هذه القصة؟

-  قالت الزهرةُ الذابلة للمزهرية: هل تسمحين لي بالبقاءِ داخلـَك؟

-  إنك تطلبين المستحيل. طالما كنت نضرةً وعطرة فقد استقبلتك، لأنك هديةُ السماء للأرض. وما وجودي إلا لاستقبالِ الأزهار الطريةِ الجميلة وعرضِها في أجمل الأماكن، لكن متى ذبُلتْ فإني لا أهدأُ ولا أرتاح إلا متى تخلّصتُ منها وبكلّ الأثمان.

-  أرى في كلامِك لي بعضَ التحدي والظلم.

-  لو سمحتُ لك بالبقاء داخلي، لكنتُ تعرضتُ وإياكِ للملامةِ والتوبيخ.

-  وممن تأتي الملامةُ يا ترى؟

-  من أصحابِ الملامة، من الذين لهم الحقُّ علينا، ولهم حقُّ التمتع بالازهار وروائحها.

-  أهكذا تعاملون الأزهارَ التي ضحّت بجمالِها وعطرها وأعطت كلَّ ما عندها؟

-  لقد تمّ إكرامُك في حينه، عندما تصدّرتِ البيتَ في أجمل غرفة.

-  ولكن لم يدمْ ذلك طويلا؟ ولا شرّفتني تلك الآخرةُ التي وصلت إليها.

-  لماذا الاستغراب؟ البشر أيضاً يُخضِعون مشاهيرهم وعظماءهم للتقاعدِ القسري، من أجل الإستمرارية، ألا يتصرّفون معكِ كما فعلوا؟

-   لكني أعطيتهم كلَ شيء؟

-   ما أصعبَ العيش على ذكرياتِ الماضي دون التفكيرِ بالمستقبل.

-   لقد خاب أملي.

-   إسمعيني جيداً أيتها الزهرةُ المغرورة. ماذا لو قَدَّم خطيبٌ إلى خطيبته زهرةً ذابلة ونصفَ يابسة؟ ألا تتعقـّدُ الأمورُ وتكثر علاماتُ الإستفهام بينهما؟

-   معكِ حق.

-   وماذا لو قدّم الزوجُ باقةَ زهرٍ مماثلة إلى زوجته في عيد ميلادها؟ ألا ترميها في وجهه؟ ألا تصرخ قائلةً : أمن القُمامة تقدّم لي الهدايا؟ ألهذا الحدِ قيمتي رخيصةٌ في نظركَ؟ وهل تَحمُلُ أكوامُ الورود الذابلة الرمزَ المطلوب؟ كعربونِ حب وتقدير.

-   طبعا لا.

-   ألا تبقى هذه الباقات، ولو بكمياتٍ كبيرة مجرّدَ قُمامة تقلّلُ من قيمةِ المُهدى إليه؟ ألا تفضّلُ هذه الزوجةُ البائسة زهرةً عطرةً واحدةً على باقاتِ زوجها اليابسة؟

-   نعم صحيح ما تقولين.

-   سأل الابن: وهل اقتنعت الزهرةُ الذابلة بزوالِ دورها؟

-    نعم يا حبيبي فالأمرُ واضحٌ ولا جدالَ فيه. ولكن بقي الذين يُصَلّون.

-    وما بهم الناسُ الذين يُصلّون؟

-    إنهم أحياناً يقدمون صلواتٍ ذابلة من فضلاتِ أوقاتهم.

-    كيف يكون ذلك؟

-    إن كثيرين بعد يوم عملٍ شاق ومتعبٍ أتبعوه بليلٍ طويلِ من السهر واللّهو يقدّمون في آخر نهارهم صلواتٍ يتخلّلها التشتتُ والضياع تتقطـّع مع تقطـّع النعاس، لتعودَ فتنطلقَ أكثر تعاسةً بالتثاؤب والإسترخاء ويختمها نومٌ عميق لا يفصله عن البداية سوى بضعِ دقائق.

فهل نُسمي هذه الأوقاتَ أوقاتَ صلاة؟

أتظن يا ولدي أن الله يرضى بها؟ أتليق به؟ نحن الذين نجد الوقتَ لكل شيءٍ ما عدا الصلاة، ألا يرفضها كما رفضت الزوجةُ ورودَ زوجها اليابسة؟

ألا يفضّلُ صلاةً حميمة واعية نابعة من الأعماق على ألوف الصلوات الناقصة؟

-    لقد فهمت يا أمي، وأعدُكِ أن تكونَ صلاتي واعية وفي أجمل الأوقات.