|
|
back to Dr. Joseph Abdallah |
القبيات
الهوية المبتورة أو الانتماء خارج
المكان
د. جوزف عبدالله
فـهرس:
مقدمات
1- بلدة
القبيات
الموقع،
الحدود، الأهمية، الانتشار السكاني
النشاط
الاقتصادي والقوى العاملة
التنظيم
الاجتماعي وعلاقات القرابة والدين
السلطة والطائفة
القوى
السياسية: الأحزاب
القوى السياسية: البيوت السياسية
القوى السياسية: الوجوه السياسية
2- القبيات والتمدين
3- الهوية
القبياتية والمجال
4- خطاب الهوية
القبياتية
مقترح لبناء هوية قبياتية مشاركة (مواطنية)
مشروع
مشترك للمجال القبياتي
مقدمات
الكلام في "التمدين والمجال والهوية" خطاب يندرج في
استراتيجية عمل قد تكون، عفوياً أو قصداً، مضمرة أو صريحة، وبهذا المعنى هو خطاب
إيديولوجي بحكم موقعه وتأثيره في حركة الواقع. نشأ الكلام على الهوية والمجال
والتمدين، في الغرب، في سياق مشاريع معالجة سلبيات التمدين وحماية المناطق الريفية
من المد التمديني... وكان بشكل عام استجابة لتحديات التمدين والتنمية المحلية أو
ضعف الإندراج الاجتماعي أو سوى ذلك.
بالطبع، يكمن الكلام في الهوية (وشعور الانتماء) في
مساءلة العلاقات مع المكان كمجال جغرافي والمجتمع كمحيط حاضن للفرد والثقافة
كمجموعة قيم ومعايير ورموز؛ وكل ذلك يحمله خطاب في الهوية يستثمر أو يتلاعب
بالتصورات والذاكرة الجماعية والمصالح والتاريخ ليحدد مسار السلوك في مواجهة ما
ينتجه التمدين من اختلالات في توازن كل من المدينة والريف أو الإثنين معاُ. ومن هنا
أهمية وخطورة خطاب الهوية بما فيه من قابلية استخدامها كتعلة لتبرير استراتيجية عمل
ما.
وبالطبع أيضاً، فإن الهوية كيان حي يتطور عبر الزمان
ويطور علاقته بالمكان، حتى أن أكثر الهويات محافظة يحتاج إلى خطاب يغذيها بعناصر
مكانية (المجال) وأخرى اجتماعية ويغلفها بقيم وطموحات من شأنها شحن النفوس
واستنفارها للدفاع عن هذه الهوية. كما أن الهوية مستويات تتراكب بعضها فوق بعض في
شيء من التسلسل التدرجي. فالمرء، من حيث هويته الاجتماعية، ينتمي إلى عائلة وعشيرة
وحلقة الأصدقاء والجمعية والطائفة والحزب... كما لو أن ثمة شبكة تتجاوز حدود
المجال. والهوية، من حيث المجال، تبدأ بالحي فالبلدة فالمدينة فالمحافظة فالوطن
فالعالم أنطلاقاً من هذه المقدمات، نتساءل: من هي المجموعة التي تنسب لنفسها
الهوية القبياتية، وتمنح هذه الهوية لمن يقبل بثقافة وقيم وطموح هذه المجموعة،
وتجعله بالتالي قبياتياً؟ ما هي ثقافة ومعايير وقيم وطموح الهوية القبياتية؟ كيف
تكونت؟ ما هو مجالها الجغرافي والاجتماعي؟ كيف انعكس التمدين على هذه الهوية؟ كيف
تندرج هذه الهوية المحلية في الهويات الأوسع منها، عكارياً، شمالياً، لبنانياً،
عربياً، عالمياً؟ ما هو خطابها اليوم، وكيف يوجه أبناء المجموعة القبياتية لمواجهة
واقع الحال الراهن في لبنان ويرسم سبل مشاركتهم في بناء المستقبل؟ هل
يمكن للقبيات أن تعتمد هوية أكثر حيوية وقدرة على خدمة مجتمعها؟ وما السبيل إلى
ذلك؟
سنحاول، بشيء من السرعة، أن نستعرض: أولاً صورة عامة عن
القبيات والمجتمع القبياتي؛ ثانياً صورة عن القبيات والتمدين؛ ثالثاً صورة عن
الهوية القبياتية والمجال؛ رابعاً صورة عن خطاب الهوية القبياتي؛ خامساً مقترحاً
لتطوير هوية قبياتية منفتحة قادرة على خدمة المجتمع والتخفيف من قلقه.
ملاحظة: سيبدو في سياق كلامنا وكأننا نمارس بحق
نفسنا والقبيات نوعاً من السادية، فنقوم بجلد القبيات ونفسنا. ولكننا نؤكد منذ
البداية على مسؤولية الجميع عن واقع الحال الذي تعانيه بلدتنا. ولكن مسؤولية الجميع
تنطوي على مسؤولية القبيات في مساهمتها في صياغة هويتها الراهنة وخطابها المنغلق.
فهي شريك من بين مجموعة من الشركاء: النظام السياسي في لبنان، الطبقة السياسية
الفاسدة باعترافها هي بالذات، قصور مشاريع التغيير وعجزها، الدعوات الطائفية
التحريضية من بعض القوى الطائفية. ولكننا ركزنا كلامنا على المسؤولية القبياتية،
انطلاقاً من مبدأ: إعرف نفسك وأبدأ بها.
1- بلدة
القبيات
الموقع، الحدود، الأهمية، الانتشار السكاني
تقع القبيات على منحدرات ومنبسط واد منفرج في أقاصي
عكار في الشمال الشرقي من السلسلة الغربية من جبال لبنان، على علو يتراوح ما بين
500 و750 متراً. تبعد عن العاصمة بيروت 140 كلم، وعن طرابلس 40 كلم، وعن حلبا مركز
القضاء 25 كلم.
يحد القبيات لجهة الشرق بلدة عندقت (موارنة)
وجبل أكروم (سنة) ولجهة الجنوب والجنوب الغربي، على التوالي، عشيرة الجعافرة في
قرية الخربة (شيعة) وبلدة عكار العتيقة (سنة)، ولجهة الغرب قرية السنديانة (سنة)
والشمال الغربي بلدة البيرة (سنة) ولجهة الشمال بضع قرى
منها عيدمون والنهرية والمغراقة (أرثوذكس وموارنة وسنة).
إن القبيات من أكبر بلدات عكار، يتجاوز عدد سكانها 12
ألفاً بقليل. تبعد عن سوريا بضعة عشر كلم. تخترقها طريق تربط الشمال بالبقاع، كانت
الشريان الحيوي في ظروف الحرب الأهلية، خاصة في الشتاء. تعبرها طريق أخرى وصولاً
إلى سوريا، مروراً ببلدات عندقت وشدرا والمشاتي ووادي خالد.
تعتبر القبيات بمثابة المركز الإداري لمنطقة الدريب؛
ففيها فصيلة ومخفر لقوى الأمن الداخلي، ومركز للأمن العام، ودائرة للنفوس، ومركز
للدفاع المدني، ومركز للخدمات الشاملة (الإنعاش الاجتماعي)، ومركز لشركة الكهرباء،
ومصلحة لمياه منطقة القبيات (تخرج عن سلطتها لجنة خاصة لإدارة مياه القبيات)، ومركز
للبريد والهاتف، ومستوصف ومختبر دم حكوميان، وثانوية رسمية، ومهنيتان خاصتان،
ومدرسة للراهبات، وأخرى للآباء الكرمليين، ومستشفى خاص للراهبات الأنطونيات...
تتوزع منازلها في ست مجموعات (أحياء) تكاد تكون متميزة
في تموضعها حتى ليخال للناظر أنه أمام مجموعة من القرى، لا إزاء بلدة واحدة، خاصة
وأن بعضها يبعد بضعة كبلومترات عن بعضها الآخر... يشكل كل حي رعية دينية مستقلة عن
الأخرى بكاهن خاص بها وبكنيستها أو كنائسها ومؤسساتها الكنسية الخاصة، وكذلك
بجمعياتها الدينية وشبه الدينية. كما أنه لكل حي مختار خاص به ينتخبه أهل الحي
المسجلون في دوائر النفوس بوصفهم من هذا الحي. وتتجمع هذه الأحياء تحت لواء بلدية
واحدة أنشئت منذ العام 1921 يضم مجلسها البلدي 18 عضواً.
النشاط الاقتصادي والقوى العاملة
يطغى قطاع الخدمات على مجمل الأنشطة الاقتصادية في
البلدة، ويستوعب الغالبية العظمى من قواها العاملة، ولا سيما في ميدان الوظيفة
الرسمية في القوات المسلحة (متقاعدون وعاملون في الجيش وقوى الأمن والأمن العام...)
وهم بنسبة 41% وفي التعليم الرسمي حوالي 7.3%، وفي شتى إدارات الدولة 10.5%، ويبلغ
الموظفون في القطاع الخاص نسبة 5.3%، بينما يمارس الطب والهندسة 3.1%، ويتعاطى
التجارة والمهن الحرة الحرفية أو التصنيعية التحويلية (نجارة وحدادة إفرنجية...)
21%، بينما لا يتعاطى العمل الزراعي الصرف سوى 1.05%، وهناك حوالي 10.5% من العمال
الزراعيين أو العاملين في المؤسسات التجارية والتصنيعية المحلية، (إستناداً إلى
إحصاء بالعينة أجرته الطالبة كاميليا ساسين، في العام 1933.
من المفيد هنا أن نلحظ أن العاملين كموظفين في شتى
قطاعات الدولة يبلغون نسبة 58.8% من القوى العاملة، وإذا أضفنا إليهم الموظفين في
القطاع الخاص تصبح نسبة الموظفين 64.1%. إن لهذا الواقع معناه العميق على مستوى
الممارسة السياسية، ذلك أن دخول الوظيفة، الرسمية والخاصة أيضاً، يحتاج كما لا يخفى
على أحد إلى "الواسطة"، مع ما تعنيه من منطق حماية المواطنين التي يمارسها
السياسيون عبر عملية توزيع "ريع الدولة" بغية تجميع الأنصار والمحازبين، وذلك وفق
نوع من المحاصصة في "المغانم" تحكمه التوازنات بين الطوائف، والتوازنات داخل كل
منها.
تقوم علاقات العمل هذه في بنية اجتماعية طابعها العام
علاقات قرابية وطائفية، لكل منها مجال تأثيره الخاص يه. فالقرابي ميدانه المباشر
العلاقات داخل البلدة، بينما يتركز الطائفي على العلاقات مع خارجها، ولا سيما
الطوائف الأخرى. هذا مع التأكيد على الاحتمالات الدائمة والكامنة للتناقض
بين القرابي والطائفي. بيد أن العلاقات القرابية والطائفية ليست علاقات راسخة
ومستقرة. فهي تعرف أوقات فوران وأوقات خمود، ليست دورية بالطبع. وذلك لأنها في حالة
صراع متفاوت الحدة مع "التفريد" الاجتماعي والميل إلى أشكال من الوحدة الاجتماعية
خارج العصبيات القرابية أو الطائفية.
التنظيم الاجتماعي وعلاقات القرابة والدين
قاعدة القرابة هي العائلة الذرية المندرجة (بأشكال
متباينة في وضوحها وفعاليتها) ضمن بيوت وأجباب تتجمع حول جب الزعامة. إنها قرابة
أبوية، تعمل وفق مبدأ الحسب على مستوى البيت والجب، ووفق مبدأ النسب على مستوى
العائلة بكاملها (العشيرة أو القبيلة). تندرج في علاقات القرابة عمليات المصاهرة
التي تؤدي إلى أحلاف منطلقها صلة الأرحام. يُضاف إلى ذلك تلك القرابة بالولاء عندما
تلتحق واحدة من العائلات الصغيرة بعائلة كبيرة.
بالطبع ليست القرابة هنا كتلك القرابة الخلدونية
القائمة على اقتصاد الرعي والغزو وصد العدوان، أو على الاقتصاد الطبيعي، حيث يعمل
التضامن القرابي كلياً تقريباً على إعالة أبناء العشيرة بنوع من التكافل الفعلي،
منه تنشأ عصبية غايتها المُلك. بل القرابة هنا متمفصلة على علاقات رأسمالية تابعة
في ظل دولة هي أقرب ما يكون إلى اتحاد عصبيات طائفية وعشائرية ومناطقية. ولكن هذه
القرابة تلعب شيئاَ من دور العصبية الخلدونية، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، بحيث
تكون أقرب إلى كونها أداة أو تنظيماً يستعمله مشروع الزعامة الفعلية، إن وُجد، أو
الوجاهة كحدّ أدنى، وذلك بغية الحصول على مكاسب معينة مادية ومعنوية، هي في جلها من
"مغانم" الدولة.
وكثيراً ما تلجأ العائلات إلى أشكال من التنظيم
والممارسات للمحافظة على الصلة القرابية أو لإعادة إحيائها، منها: الرابطة
العائلية، صندوق العائلة (للدفن والزواج والمساعدة عند الضرورة...)، حفلات
التعارف... ونادراً ما لا تعتمد العائلات الكبيرة والصغيرة في البلدة على واحدة من
هذه الممارسات، علماً بأن هذه الأشكال التنظيمية تتعرض لكثير من الاهتزاز تبعاً
للصراعات داخل البلدة أو داخل كل عائلة.
ولعل من أهم مؤسسات التضامن والتنشئة الاجتماعيين
المؤسسات الدينية. فعلاوة على ما للكنيسة من دور لا بد منه في التنشئة الدينية
(العماد والمناولة الأولى والتعليم الديني والجمعيات الدينية البحت...) تسيطر
الكنيسة على حركات الشبيبة (كشافة لبنان فوج سيدة الكرمل، المرشدات، الحركة
الرسولية المريمية، جوقات الكنائس...)، ولا يقوم بهذه المهام كهنة الرعايا، بل تختص
بالإشراف عليها رهبنة الآباء الكرمليين وراهبات المحبة بشكل خاص. وذلك في ظل غياب
مطلق لتأثير المدرسة الرسمية، إن لم نقل في ظل خضوع إدارات المدارس الرسمية لحركة
هذه الرهبنة على مستوى إعداد الشبيبة.
هذا فضلاً عمّا أتت به السنوات الأخيرة من جعل الكنائس
(مؤسسة صالون الكنيسة) محور احتفالات حالات الأحزان وإلى حد ما الأفراح. عندما تحصل
الوفاة تنقل الجثة من مكان الوفاة إلى صالون الكنيسة مباشرة لتتم هناك مراسم
التعزية وسائر الطقوس باستثناء الصلاة على الميت.
السلطة والطائفة
وعلى العموم، ينتظم المجتمع قرابياً في مجموعات هي بيوت
وأجباب، وأحياناً في عائلات (عشيرة). تتعاون هذه المجموعات وتتنازع على النفوذ
والثروة العامة المحليين، وذلك على مستويين، (أو وفق سلكتين) متداخلين ومتضافرين:
واحد محلي-داخلي، وآخر خارجي (مستوى القضاء والمحافظة والوطن)، من خلاله تندرج
القبيات في "المجتمع" اللبناني.
إن اندراج القبيات في "المجتمع" اللبناني يستلزم شكلاً
آخر للانتظام الاجتماعي هو التنظيم الطائفي. وهذا الشكل هو الذي يعطي للبلدة نوعاً
من الهوية تخولها الدخول في كيان الطائفة كجزء منها، وتميزها عن غيرها من مجموعات
الطائفة المارونية، بحيث أنها تبحث عن "حصتها" في الدولة من خلال سعيها إلى تكريس
"حقوقها" داخل الطائفة (في لعبة التنازع والهيمنة داخل موارنة الشمال اللبناني،
وبين هؤلاء الموارنة ومركز الموارنة في الجبل).
ثمة شكل آخر للعلاقات يتجاوز القرابة الدموية والدينية.
إنه التجمع كزبائن (أنصار، محازبون...) عند الزعامات
السياسية "Clientélisation". هذا التجمع الزبائني يعمل على مستوى كل بنية المجتمع،
بهرميته السياسية والاجتماعية (بما في ذلك الدولة وإداراتها)، وهو الرحم التي
بداخلها تترسخ أو تضعف العصبيات القرابية والدينية. وبينما يستمد غذاءه منها، فإنه
يتحكم بها.
هذا التنظيم الاجتماعي هو انتظام عصبي، وهو اجتماعي
وسياسي معاً. أصله قرابي يتراجع أحياناً لصالح الطائفي، وينافسه أحياناً أخرى،
ويتحد معه أحياناً ثالثة. وهو يواجه على الدوام محاولات، (هي في القبيات خجولة
وضعيفة للغاية)، لانتظام اجتماعي- سياسي من نوع آخر، جوهره تفردي "تعاقدي" (لا
عصبي) تعبر عنه (أو تحاول التعبير) الأحزاب الحديثة القومية والاشتراكية أو
الليبرالية.
يعتمد الانتظام الطائفي أشكالاً عصرية للتنظيم: الحزب
السياسي، ففي القبيات نشأ فرع لحزب الكتائب اللبنانية وآخر لحزب الوطنيين الأحرار،
قبل أن يخليا المكان للقوات اللبنانية مع تفاقم واتساع الحرب الأهلية، ومن ثم لدخول
التيار العوني.
القوى
السياسية: الأحزاب
أحزاب (اليمين المسيحي): أسس حزب الكتائب اللبنانية في
القبيات أحد أبناء البلدة، في العام 1942، لدى عودته من الاغتراب، بثروة مكنته من
التأثير المحلي، ولكنه من عائلة صغيرة ضعيفة النفوذ والتأثير في البلدة، فلم ينجح
الأمر. وفي العام 1946، جدد المدرس فيليب البستاني (من خارج القبيات) فرع الحزب،
فجمع حوله العديد من أبناء العائلات الصغيرة، وسرعان ما تدهور الحزب مجدداً. بيد أن
عائلة ضاهر، المعروفة بنفوذها الكبير والعريق في القبيات، حاولت إعادة تنظيم الحزب
مجدداً بمبادرة من زعيمها الشيخ ميشال ضاهر، فعرف الحزب رواجاً في مطلع الخمسينيات،
بيد أن التدهور عاد وأصابه إثر الخلاف الناشب حول السيطرة عليه بين الشيخ المذكور
ووجيه إحدى العائلات الصغيرة. تجدد الحزب مرة أخرى إثر أحداث العام 1958، ولكنه
انهار بعد مدة وجيزة. وفي العام 1969، تجدد الحزب على يد مجموعة ناشطة من الشباب
(من عائلات صغيرة)، وقد استمر الحزب في التطور مستمداً من الحرب الأهلية، وما
رافقها من مظاهر الصراع الطائفي، ما يغذي به دعوته إلى اللحمة المارونية (والمسيحية
عامة). كما أنه استمد من الصراع مع الفلسطينيين (ومع السوريين في ما بعد) ما يروج
به دعوته إلى إنقاذ لبنان من السيطرة العربية. عرف هذا الحزب أرفع حالات شعبيته مع
تأسيس القوات اللبنانية، ومع تصاعد الدعوة إلى بناء "المجتمع المسيحي الحر" وصار
أعضاؤه بالمئات بينهم بضعة من كادرات الصف الأول في القوات، وبضع عشرات من العناصر
المتفاوتة المسؤولية، سواء في الجهاز العسكري أو السياسي أو الإداري، وبات لهذا
التنظيم نوع من الهيمنة الفعلية والنفوذ الجدي المحدد للسلوك السياسي في البلدة،
كما أثبتت المقاطعة لانتخابات العام 1992.
لم يعرف حزب الوطنيين الأحرار سعة الانتشار نفسها في
البلدة، وكاد وجوده ينحصر بنشاط اثنتين من العائلات المتوسطة الحجم. ولم يعدم حزب
حراس الأرز بعض الأنصار أيضاً.
الأحزاب القومية واليسارية: كان لجميع المنظمات القومية
والاشتراكية والشيوعية بعض الأعضاء في البلدة. وكان لحزب البعث العربي الاشتراكي
(الموالي لسوريا)، قبل الدخول السوري إلى لبنان، الحضور الأفضل نسبياً. ولكنه انتهى
بما انتهى إليه وضع هذا الحزب في لبنان، كما كان للحزب السوري القومي الاجتماعي
منظمة، ما لبثت أن انهارت بتحول كادرها الأساسي إلى الماركسية والعمل مع المقاومة
الفلسطينية. لم تعرف هذه الأحزاب رواجاً شعبياً. وما زال منها بعض المستقلين
يمارسون سياسياً انطلاقاً من مواقع يسارية مستقلة، ولكنهم على فعالية ضعيفة
التأثير.
القوى السياسية: البيوت السياسية
عائلة ضاهر: - من أعرق العائلات السياسية في القبيات مع
عائلة عبدو، ولكنها متفوقة عليها من حيث السلطة والنفوذ، مثلت موارنة عكار في مجلس
1957، بشخص ميشال ضاهر، وفي المجالس من العام 1972 حتى نهاية ولاية مجلس 1992، بشخص
الوزير الأسبق والنائب الحالي مخايل ضاهر، أهم ممثل لهذه العائلة. ينازعه (منازعة
ضعيفة للغاية) في العائلة رشيد نجل ميشال ضاهر (من الجب نفسه) وابن أخيه روجيه.
تمارس العائلة السياسية التقليدية بتجميع الزبن (المحازبين والأنصار) بواسطة
الخدمات الشخصية (مغانم السلطة التي توزع على المخلصين، وتمنع عن الخصوم).
عائلة عبدو: عريقة في السياسة، يكاد نفوذها يقتصر داخل
البلدة، يتزعمها صبري عبدو، بالاستناد إلى حجم العائلة الكبير. كان رهانه الأساسي،
أخيراً، السلطة المحلية: البلدية، فحصل على رئاستها بتحالفه مع مخايل ضاهر، وذلك
بعد أن فقد هيمنته العائلية بفعل تشتت العائلة بين التيارات السياسية (يميناً
ويساراً) خلال الحرب الأهلية.
القوى السياسية: الوجوه السياسية
فوزي حبيش: بدأ حياته مفتاحاً انتخابياً يعمل لصالح
الزعامة الأقوى (في السلطة) في البلدة وينال مكافأتها ترقياً في سلم الوظيفة
الرسمية. فكان مدرساً مع ميشال ضاهر، ليصبح مفتشاً مع النائب رشدي فخر وأخيه النائب
فخر فخر (ثلاث دورات متتالية ممثلان لموارنة عكار في المجلس النيابي)، ثم ينحاز إلى
مخايل ضاهر ويترقى في سلم الوظيفة مخلصاً في تعاونه معه. بدأ يراكم من موقعه
الوظيفي الخدمـات الشخصيـة، إلى أن حانـت لـه الفرصة في الانتخابات الأخيرة،
مستـغـلاً الفرصة في الانتخابات الأخيرة، مستغلاً خلاف مخايل الضاهر مع السلطة
المركزية، فدخل دفعة واحدة الندوة البرلمانية ومجلس الوزراء (في انتخابات 1996).
وهو اليوم المنازع الأساسي لمخايل ضاهر على السلطة والنفوذ المحليين.
جوزيف مخايل: يحاول سلوك المنحى السياسي التقليدي نفسه.
محام تمكنه مهنته من المرافعة المجانية، لكسب الأنصار، تزوج من بيت شمعون ليوطد
علاقته مع واحد من المواقع المركزية في الطائفة المارونية والدولة، بعد أن كان يسعى
إلى ذلك بانتمائه إلى حزب الوطنيين الأحرار. عدّل مرجعيته بمحاولة اللجوء إلى
الأجهزة الأمنية الفاعلة في السلطة المركزية، ليعزز قدرته الخدماتية وفرصه بالوصول
إلى البرلمان.
2- القبيات
والتمدين
لم تعرف القبيات بعد التمدين بالمعنى الدقيق والشامل
للكلمة. فليس فيها صناعة ولا مناطق صناعية. وما تزال بقية الزراعة فيها تقليدية،
فليست كثيفة أو عصرية أو مخصصة لمجال اقتصادي محدد. وشبكة الطرق ما تزال دون الحاجة
المطلوبة. وحركة مرور السيارات ليست قوية. وكثافتها السكانية ضعيفة، ذلك أن أكثر من
نصف سكان البلدة (+ 12000) غير مقيمين فيها بشكل دائم؛ فبعضهم في بلاد المهجر،
وبعضهم يقيم معظم العام بالقرب من مكان العمل في بيروت وضواحيها (أو ما اصطلح على
تسميته المناطق الشرقية)، ونادراً ما يقيم في البلدة سكان من خارجها. والحركة
التجارية تقتصر تقريباً على إشباع السوق المحلية، ولهذا ليس فيها تجمعات الأبنية
المخصصة للاستثمار في السكن والإيجار، وما وجد منها لا يجد ما يشغله.
وإذا كانت القبيات ما تزال على العموم مجالاً ريفياً،
فإنها تتعرض لبعض جوانب التمدين كظاهرة تعبر عن اتجاه عام يطول جميع أقاليم العالم
وسكان الأرض: الهيمنة التمدينية. ولهذا، تزداد في القبيات بعض المظاهر التمدينية او
بعض خصائص الحياة المدينية. ويمكن اعتبارها إلى حد ما وكأنها وحدة ريفية في مجال
مديني أرحب، أو إنها مجال بدأت تظهر فيه بشائر المدينة.
من هذه البشائر: أمكنة وأجهزة تمضية أوقات الفراغ
والتسلية كالمطاعم والمقاهي ومقاهي الأرصفة وصالات البيليار والإنترنت؛ تراجع
الزراعة والأرض المزروعة، وارتفاع سعر الأرض قي الأمكنة المعتبرة سكنية؛ تراجع
المساحات الخضراء بالقضاء على الأشحار البرية وحتى الزراعية وتراجع مساحات الغابات.
هذا فضلاً عن انقراض أحتراف العمل الزراعي في أوساط الشباب واقتصاره على قلة من
المسنين (حوالي 1%)، وبداية ظهور التصحر الجزئي الذي تعاني منه عكار؛ تراكم الأبنية
السكنية بعضها بالقرب من بعض، انطلاقاً من مواقع البيوت القديمة وحولها؛ توسع ظاهرة
التلوث، ولا سيما تلوث الماء، والعجز عن التحكم بالنفايات، بل قل ضعف الوعي بوجود
مشكلة تلوث وبضرورة التخطيط والعمل لمواجهتها.
وعلى العموم، لم يخلق ذلك تغييراً جذرياً في بنية
المجتمع، ولا في تركيبة أصول السكان لينعكس ذلك في الهوية القبياتية. وعليه، استمرت
هذه الهوية كما نشأت عبر الزمن حاضنة لعصبية دينية (الموارنة) ينتظم ضمنها توازن
العصبيات القرابية (في القبيات)، وتندرج هذه الهوية القبياتية في توازن العصبيات
الدينية على مستوى لبنان، عبر موقعها داخل الطائفة المارونية. لا يعني ذلك بالطبع
أن هذه الهوية لم يطرأ عليها أي تعديل، ولكن ما لحقها من تغيير جاء مرسخاً لها،
وكان بفعل الجو العام في لبنان المحكوم بأفق التطورات الإقليمية والداخلية، لا بفعل
السياق لبتمديني المحلي.
3- الهوية القبياتية والمجال
إذا كانت الهوية هي الإحساس بانتماء الفرد في الزمان
والمكان إلى مجموعة معينة، وإلى مجال معين يقيم معه علاقة مرجعية وعاطفية وفيه
تنتظم طريقة وجوده في الحياة، فمما لا شك فيه أن الهوية تعاني من أزمة تعددية
المجالات التي يمارسها القبياتي. فأكثر من نصف القبياتيين لا ينتمون، من حيث
المجال، إلى القبيات غير انتماء جزئي يسير. ومنهم الكثير من لم يولد ولم يترعرع ولا
يعمل في المجال القبياتي. ومعظمهم لا يزور القبيات في غير المناسبات الكبيرة:
الأعياد والأفراح والأحزان، أي في زمن "الفوران الاجتماعي" على حد تعبير دوركايم.
وبعض القبياتيين يمارس تعددية المجال ممارسة متحركة، بل متقطعة. هـو ذلـك الـقـسـم
مـن الـنـاس الـذي يـتـردد دورياـً تـقـريـبـاً عـلـى الـبـلـدة فـي الـعـطـلـة
الأسـبـوعـيـة، بـعـد أسبوع عمل في مـجـالات أخـرى. وبـعـضـهـم أيـضـاً مـغـتـرب،
ولا يـزال يـرتـبـط بـنـوع مـن الانتماء القبياتي، مـع أنـه لا يـزور البـلـدة إلا
بـضـع مـرات في كل حياته. وبعضهم أيضاً يتحرك يومياً، بحكم عمله بين القبيات
ومجالات أخرى، وبعضهم الأخير قلما يصادف مجالاً خارج القبيات...
فهل العلاقة بالمجال مجرد مكان قيد النفوس ومكان
الاقتراع، أم هي ممارسة ومخالطة وحياة، أم هي ما يخلق علاقة عاطفية وإحساساً
بالانتماء؟ وما علاقة القبياتي بالمجالات التي يمارسها بشكل متحرك ومتقطع؟ ما
علاقة القبياتي بالمناطق التي يجتازها ذهاباً وإياباً، يومياً وأسبوعياً أو شهرياً؟
وما علاقته بالمناطق التي يقيم فيها أكثر أيام حياته؟ وما علاقته بالمناطق المحيطة
بمجاله القبياتي المباشر؟
تكمن قيمة هذه المساءلة في حقيقة أن القبياتي يشعر
بالانتماء إلى بعض المجالات المقصودة بكلامنا، بينما بعضها الآخر لا يعدو كونه
معلماً له لتوجيه حركته. لبعض المجالات شحنة عاطفية إيجابية في نفس القبياتي،
ولبعضها الآخر أثر سلبي أو معدوم الأثر العاطفي في أحسن الأحوال.
وعليه، ينتمي القبياتي، من حيث المجال الجغرافي، إلى
مجال له قيمة أولية هو جغرافياً القبيات (الملتبسة الحدود)، ومن ثم إلى المناطق
التي تم التعارف على تسميتها بالمناطق الشرقية. ينتمي اجتماعياً إلى الموارنة
والمسيحيين في لبنان والعالم. وهو يتعرف إلى ذاته من خلال الطائفة المارونية،
ويتمسك بالتوزيع الطائفي لتعيين شركائه في الوطن. وبوصف المجتمع القبياتي لنفسه
كجزء من الطائفة المارونية في لبنان، فهو يعتبر مجاله الجغرافي القبياتي مجالاً
مارونياً، واستطرادا مسيحياً. ويعمق، انطلاقاً من هذا المجال القبياتي الماروني،
صلاته مع ما يجاوره من مجالات مسيحة (عندقت، عيدمون، النهرية)، بينما هو يتحاشى
الدخول في علاقات عضوية مع المجالات "غير المسيحية"، وإن تكن ملاصقة
لمجاله القبياتي.
وهذا ما يجعل الهوية القبياتية تتحرك في مجال محصور
(جغرافية البلدة)، ضمن مجالات "إسلامية" لتقفز عنها إلى مجال بعيد في المكان،
"المنطقة الشرقية"، ودون الوصول إليه مجالات غير محببة والعاطفة تجاهها سلبية.
ولهذا، فالانتماء القبياتي في الهوية المارونية هو انتماء متقطع من بلدة القبيات
ومجتمعها إلى "المنطقة الشرقية" ومسيحييها. ولا يعيش القبياتي تدرجاً في هويته
وانتمائه، من الهوية القبياتية إلى الهوية العكارية فالشمالية فاللبنانية. بل، على
خلاف ذلك يتعرف إلى ذاته في الهوية القبياتية.
وما في عكار والشمال من موارنة، ومن مسيحيين استطراداً.
ومن هنا تكون الهوية القبياتية هوية مأزومة؛ فمن تعيش على تماس مباشر ويومي بهم
(مسلمي عكار والشمال) ليست (الهوية) منهم ولا هم منها. ومن لا تتواصل مكانياً معهم
(المنطقة الشرقية) هي منهم وهم منها. وهكذا، يكون الانتماء إلى المكان والمجتمع
انتماء متقطعاً، وهو بحكم بعد المسافة وصغر حجم المجتمع المحلي
(القبيات) أنتماء مبتوراً وخارج المكان.
4- خطاب
الهوية القبياتية
لم يكن خطاب الهوية القبياتية، قبل الحرب الأهلية
الأخيرة، متشدداً في بعده الطائفي الماروني كما هي عليه الحال
اليوم. فالقبيات حديثة الإندراج نسبياً في المسار السياسي للطائفة المارونية (أو ما
يسمى المارونية السياسية). بدأ هذا الاندراج خجولاً مع نهاية الحرب العالمية
الأولى، عندما شكل الفرنسيون من بعض موارنة الشمال (منهم العشرات من القبيات) ما
عرف باسم "ميليشيا الدفاع الذاتي"، مجموعة من المياومين سلحهم جيش الانتداب الفرنسي
ليعملوا أدلاء في ملاحقة عناصر الثورة السورية في جرود عكار والهرمل. وهذا ما عمّق
التناقض مع شيعة الجعافرة على الحدود الجنوبية للقبيات، وهو تناقض إلى مزيد من
الاتساع ولا يبدو في الأفق مسار لحله.
تلقى هذا الاندراج دفعات جديدة ضعيفة التأثير، في
الأربعينيات ومع أحداث العام 1957-1958. لقد بدأت الصياغة الجدية
للهوية القبياتية المندرجة في المارونية السياسية مع مطلع الحرب الأهلية الأخيرة،
وبدايات الكلام على تقسيم لبنان. من المعروف أن هذه الحرب شكلت منبتاً خصباً لصياغة
الطوائف اللبنانية كافة في حركات سياسية دينية. في هذا السياق انبعثت
الهوية القبياتية كهوية محلية تبحث عن تكاملها في كيان خاص بالطائفة لا بد من ظهوره
مع تقسيم لبنان، أو مع استعادة الطائفة لموقعها المفقود في توازن الطوائف الجديد في
البلد.
ولكن البعد الجغرافي عن مجال تجمع الجسم الأساسي
للموارنة، وما أصاب الموارنة عامة من خسارة الموقع الأساسي في توازنات السلطة
السياسية، وما لحق بهم من تهجير، ولا سيما إثر حرب الجبل، وجزئياً في عكار، وما
تعرضت له البلدة في العام 1976، ومع نهاية الثـمـانـيـنـيات من ضغط سياسي وأمني،
وما أصاب الانتشار القبياتي في طرابلس خاصة وفي شتى مناطق لبنان من تهجير أيضاً...
كل ذلك جعل الموارنة عامة، وأبناء القبيات خاصة في موقع المجموعة المهددة بوجودها
بالذات.
انطلاقاً من هذه التطورات، عمدت الجماعة القبياتية إلى
خلق هوية منغلقة تحاول الاستعاضة عن موقعها المتراجع في السلطة
المحلية العكارية (كانت القبيات سابقاً المركز الأساسي للسلطة الأمنية من خلال
أجهزة الأمن والقوى العسكرية) بسلوك تعويضي يخلقه خطاب هوية مارونية محلية
(قبياتية) يستند إلى التاريخ ليخلق أواليات انغلاق وانطواء عن الآخر العكاري
(المسلم) وتصويره كمعتدٍ على المجال القبياتي التاريخي الواسع الانتشار، وهو
بالتالي آخر مرفوض ومعتد تاريخياً.
خطاب الهوية الجديد يعتمد على اختلاق تاريخ وهمي، منه
يتم استحضار صورة عن العصر الذهبي للقبيات المارونية في مرحلة الحكم الصليبي، عندما
كانت القبيات "سنيورة" مترامية الأطراف وتتمتع بحكم ذاتي، كما تم استحضار صورة
للمجال القبياتي بحدود تاريخية تمتد، بخلاف الحدود الراهنة، من نهر العاصي في
الهرمل إلى النهر الكبير، مع تواصل بموارنة جبل لبنان من خلال تمدد مشاعات القبيات
حتى مشاعات بشري. فهذا المجنمع الماروني المحلي هو، وفق خطاب الهوية القبياتية،
موضع عدوان دائم من جواره، شأنه في ذلك شأن كل جسم الموارنة والمسيحيين في لبنان
والعالم العربي.
ولا تخلو هذه الصورة عن الهوية التاريخية المزعومة
للمجتمع القبياتي من المبالغة في تعظيم الذات والمغالاة في تفخيمها لدرجة اعتبار
الذات القبياتية مركز للمنطقة المسلوب من أهله القبياتيين بفعل تمادي التعدي
تاريخياً وراهناً. خطاب الهوية هذا يطرح أصالة قبياتية على طريق مخبول
(فادا Fada) جان فلوريت Jean Florette. خطاب الهوية هذه هو بمثابة مولد لطاقة حشد
وتعبئة لتعظيم الذات القبياتية وتسفيه الآخر وجعل حضوره في المجال التاريخي المفقود
وجوداً غاصباً لا بد من رفضه، ويستحيل بالتالي التعايش معه.
وليس من العبث أن يسعى البعض إلى جعل شجرة الشوح
رمزاً للقبيات، وأن يتجدد التناقض مع الشيعة على تثبيت محمية في المنطقة المشتركة
بين القبيات وجيرانها الشيعة، بحيث يتم استبعادهم من تلك المنطقة. وليس صـدفـة أن
تظهر للمرة الأولى كتابات وشعارات إسلامية على صخور الطريق الواصلة بين القبيات
وبلدة عكار العتيقة السنية، عندما بدأ بعض أبناء القبيات الأعمال لترميم بقايا
كنيسة داخل تلك البلدة. يتراكب خطاب الهوية القبياتية مع خطاب الهوية المارونية،
فيجعل وجود المجتمع المحلي مستنفراً على الدوام لاستعادة المجد الضائع، ومستنفراً
في نفس الآن خوفاً من احتمالات المزيد من العدوان والتهجير، وهذا ما يتحسب له
العديد من أبناء البلدة الذين يسعون لامتلاك المنازل والأرض في المجال المسيحي
(المنطقة الشرقية). وعليه تستمر الهوية القبياتية مقطوعة عن مجالها العكاري
المباشر، وتعيش انتماء خارج المجال. ولهذا هي هوية قلقة دفاعية متحسبة دوماً
للعدوان عليها، وهذا ما يجعلها انغلاقية وانطوائية ونابذة للآخر، وبالتالي عدوانية.
وهذا ما يجعلها تعيش قلقاًعلى المصير في بلد لا يبدو في الأفق القريب خروج له من
مأزقه العميق على الصعد الوطنية والسياسية والاجتماعية، ولا سيما في زمن العولمة
والنظام العالمي الجديد وما يدبّر فيه للمشرق العربي برمته.
مقترح
لبناء هوية قبياتية مشاركة (مواطنية)
لا بد، والهوية القبياتية وخطابها على هذه الحال، من
العمل لصياغة مشروع هوية يساعد على التخفيف من القلق والتوتر، ويفتح الأفق لاستقرار
القبيات في انتمائها إلى محيطها المباشر الأوسع عكارياً وشمالياً، ومن ثم لبنانياً
وعربياً. إن نهج الهوية الراهن، مهما كان له من مبررات قد يكون الكثير منها صحيحاً،
سينتهي بتدمير الهوية وأصحابها، فضلاً عما ينطوي عليه من عناصر لاأخلاقية
ولاإنسانية، بل ولامسيحية حتى.
يقوم المقترح في أساسه على العمل لتنمية روح
الانتماء القبياتي إلى مجاله الفعلي المباشر (عكار والشمال) وإلى جماعات هذا المجال
بمن فيهم من سنة وشيعة وعلويين، وذلك من أجل بناء هوية متشاركة مع الآخرين لا
مستبعدة لهم. وهذا ما يستلزم:
على الصعيد الديني: بالعودة إلى "الإرشاد الرسولي"، ولا
سيما فصل العيش المشترك؛ فإن الكنيسة المارونية مدعوة إلى العمل الجاد لتعميمه في
أوساط أبناء الطائفة، واعتباره مادة دائمة ملزمة للكهنة في التعليم الديني وفي عظة
أيام الأحد. ولعل العودة إلى مقررات وأعمال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني
وتعميمها، بدل تجاهلها وطمسها، خير مساعد في هذا السياق، وكذلك الأمر في ما خص
عملية الحوار المسيحي- الإسلامي والانتقال به من مستوى القيادات الروحية لتعميمه في
الأوساط الشعبية.
قراءة تاريخية بديلة: ندعو إلى كتابة تاريخ حقيقي
للموارنة، تاريخ يقرأ ماضي الموارنة انطلاقاً من مشرقيتهم، ويستشرف حاضرهم في
مشرقيتهم أو عروبتهم أو انتمائهم إلى عالمهم العربي وعالمهم الإسلامي. أقول عالمهم
العربي لا العالم العربي وعالمهم الإسلامي لا العالم الإسلامي. ندعو إلى كتابة
تاريخ حقيقي لصلة الغرب بالشرق، ويقرأ الحروب الصليبية على حقيقتها كحركة استعمار
استهدفت المسيحيين والمسلمين، ويقرأ الاستعمار كحركة استعمار، ويقرأ الانتداب
الفرنسي كحركة استعمار أيضاَ، ويقرأ العولمة ومشروع النظام العالمي الجديد كأعلى
وأخطر حركات الاستعمار التي تتلاعب بمشاعر الأقليات وتؤججها لتفتيت الدول القائمة
تحت شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية وسوى ذلك. وندعو إلى كتابة تاريخ الموارنة
بمنهج المطران الماروني الدبس وجبران خليل جبران...، لا بمنهج الأب بطرس ضو ود.
فؤاد افرام البستاني والأباتي بولس نعمان.
ندعو إلى كتابة تاريخ القبيات بروح علمية مسؤولة، لا
بروح "تعظيم" ماضيها ليبدو حاضرها "قزماً" جراء العدوان عليها، وليكون عليها العمل،
بالتالي، لاستعادة حدودها التاريخية. ندعو إلى التخلي عن "الهلوسة
التاريخية" القبياتية، كما ندعو المرجعيات المارونية، الإعلامية والروحية والفكرية،
إلى رفض هذه "الهلوسة التاريخية" وعدم احتضانها كما هو حاصل اليوم.
مشروع مشترك للمجال القبياتي
من الضروري صياغة مشروع مشترك للمجال القبياتي مع
الجماعات المتاخمة للبلدة، على الأقل المجال الذي يضم أكروم ووادي خالد والمشاتي
والدريب (لاسيما البيرة والسنديانة) وعكار العتيقة وفنيدق وشيعة الجعافرة. يقوم هذا
المشروع على:
1) إعداد أدوات تعريف بهذا المجال (مخطط، خريطة أو
أكثر وكتيب...) ببنية هذا المجال الشامل، تتوضح مكوناته ومعالمه الأساسية: الآثار،
المياه، الغابات، الطرقات، الزراعات، المدارس، المؤسسات الصحية، الموارد
الاقتصادية...
2) وضع الخطط الملائمة لأهم عناصر المجال المشتركة، في
ميادين البيئة والسياحة والزراعة والتربية والخدمات العامة الأخرى، وذلك ضمن خطة
تنموية شاملة للمجال المعني. فلا يمكن مثلاً للسياحة أن تقوم على معلم واحد في بلدة
معينة، ولا يمكن للبلدة الواحدة أن تتحكم بنفاياتها لوحدها وأن لا تلوث مجال
البلدات الأخرى أو تتعرض إلى تلويث مصدره البلدات الأخرى، لا سيما في ما يخص المياه
والهواء...
3) نشر هذه الوثائق وتعميم هذه الخطط في الأوساط
الشعبية ليدرك المواطنون الحاجة الفعلية إلى هذه المشاركة والفائدة الفعلية منها.
4) وضع رزنامة عمل ومحطات نشاط للقضايا المشتركة. ومتى
تعممت هذه الممارسات المشتركة ولا سيما التربوية والحيوية منها تنشأ عنها مخالطة
مولدة لشعور الانتماء المشترك ولبناء هوية قائمة على التقارب والتشارك لا على
الاستبعاد، وغرضها المستقبل لا الماضي.
هكذا نحن لا ندعو إلى اختلاق هوية قبياتية مزورة لتكون
مطمئنة. بل ندعو إلى بناء هوية قبياتية قائمة على المصالحة بين المارونية والإسلام،
خاصة بما في العقيدة الإسلامية من عناصر مسيحية وبما في المسيحية من اعتراف
بإيجابيات الإسلام الروحية، ما يشكل قاعدة الحوار الروحي. هذه المصالحة التي يجب أن
تقوم على حوار الحياة العملية بين القبيات المارونية ومحيطها المسلم عبر المشروع
المشترك للمجال. وبذلك ننتقل بالعيش المشترك من مجرد التعايش المتعدد الأديان إلى
عيش المواطنية القائم على الوحدة الوطنية العضوية المتكاملة. وفي مثل هذا السياق
تصبح الهويات المحلية مؤهلة للتكامل، عبر إمكانيات المجال، في الهوية الوطنية
الجامعة، هوية المواطنة.
هذا البحث وضعته في العام 2002 على ما اعتقد وذلك
في جلسة في NDU كانت بإدارة
نقيب المهندسين فؤاد ضاهر.




|
|
back to Dr. Joseph Abdallah |