back to Woujouh Kobayatiah 

 وجوه قبيّاتيّة - د. فؤاد سلّوم

طنّوس أفندي ضاهر

 

هو طنوس بن ضاهر بن شاهين سعد، من القبيّات. صلبٌ قويّ أسّس لعائلة قويّة الأصلاب، تنفـّذت في عكـّار والقبيّات ما يقارب مئة وخمسين سنة.

 

لا نعرف متى وُلد، لكن نعرف بعض محطـّات من حياته أشارت إليها الوثائق المتوفـّرة، على الأقل، بين أيدينا. آخر هذه الوثائق يبيّن أنـّه كان لا يزال حيّـًا سنة 1895 حيث ورد اسمه في لائحة "حسنة الخمسة قداديس" التي كان يصدرها مطران أبرشيّة طرابلس المارونيّة اسطفانوس عوّاد، والتي كان يستوفي بموجبها من وجهاء الأبرشيّة بدل اشتراك  مقابل خمسة قداديس يقدّمها المطران عن روح المشترك بعد موته. كانت تلك الشراكة بمثابة ضريبة كنسيّة اختياريّة، مدفوعة سلفـًا، لما بعد الموت.

 

في إحصاء سنة 1910 لم يرد اسمه على لائحة رعيّة الزوق في القبيّات التي هو منها. نحن نظنّ أنـّه توفي قبل سنة 1900 لأنـّنا لم نشهد له أي ّ توقيع على وثيقة ما، بينما كنـّا نرى تواقيع له، مع أبنائه، على حجج شراء وبيع قبل سنة 1895.

 

أوّل محطـّة تشهد على أهمّيّة هذه الشخصيّة القبيّاتيّة الفذ ّة، هو أنـّه كان، سنة 1870، العضو المارونيّ في مجلس "دعاوى قضاء عكـّار". إذ ًا كان بمرتبة قاض، وهذه مرتبة تفترض في صاحبها أن يكون متعلـّمًا، وعلى درجة من الثقافة القانونيّة. كان من مهامّ هذا العضو أن يوقـّع على صورة الحكم الصادر عن "مجلس الدعاوى"، في حيّز خاص من الورقة عندما يكون المتقاضيان مارونيّين[1].

 

المحطـّة الثانية كانت "مجلس إدارة قضاء عكـّار"، سنة 1882، كعضو منتخب عن الطائفة المارونيّة في القضاء. هذا المجلس كان يضمّ أعضاء طبيعيّين هم ممثـّلو الطوائف من كبار رجال الدين، إلى جانب كبار موظـّفي القائمقاميّة، ويضمّ أعضاء منتخبين يمثـّلون الطوائف، فكان منهم طنوس أفندي الضاهر عضوًا منتخبًا يمثـّل موارنة عكـّار[2].

 

كان طنوس أفندي ذا طموح كبير، وسّع آفاقه تمرّس بالسياسة المحلـّيّة، كذلك على صعيد القضاء من خلال تمرّسه بالعمل الحكوميّ في الحقلين: الإداريّ والعدليّ، بالإضافة إلى تمتـّعه بثروة نقديّة كانت نادرة في مثل ذلك الزمان إذ كان الريع يقوم على إنتاج الأرض، والتبادل يقوم على المقايضة. أمّا ثروة طنوس أفندي فكانت ناتجة عن التجارة بالقطران[3]، نفط ذلك الزمان. هذه السلعة النفيسة، يومذاك، كان ينتجها والده ضاهر شاهين سعد الذي وسّع نشاطه الانتاجيّ حتـّى جبال قزل داغ التركيّة (كاورداغ باللهجة المحليّة هنا)، وهي تقع في أمانوس، شمال إنطاكية، كانت غاباتها الكثيفة مصدرًا للأخشاب الواردة إلى بلاد ما بين النهرين، "افتتحها" ضاهر شاهين سعد في مجال صناعة القطران[4]، وقد دلـّه عليها رجل "بسطاطي" من حمص كان يأتي إلى القبيّات، اسمه الياس غصن، فنشأت بين الاثنين صداقة أدّت إلى مجيء عائلة غصن إلى القبيّات وإلى نشوء مصاهرات بين العائلتين ضاهر وغصن[5].

 

ورشة صناعة القطران هذه التي عمل فيها ضاهر شاهين سعد وأبناؤه السبعة (شاهين وهاشم وحنا وملحم وسركيس وموسى وطنوس)، بإدارة الابن الأكبر والأنبه طنوس، درّت أموالا ً نقديّة طائلة أفاد منها، بالدرجة الأولى، طنوس، ذو الذكاء والطموح، فعمل على تأسيس زعامة تتجاوز عكـّار ربّما، مبنيّة على صداقاته مع أعيان عكـّار ومطران أبرشيّة طرابلس المارونيّة، من جهة ثانية. بالإضافة إلى كلّ ذلك، كان لتضامن أخوته معه دعم عصبيّ كبير، إذ أمّنوا له قاعدة شعبيّة منسوجة من علاقاتهم مع عائلات الزوق الكبرى عن طريق المصاهرة المتبادلة، مثل عائلات قسطون وزيتوني وبطرس والياس وغيرهم.

 

وكان أن  جاءت ظروف تاريخيّة، مؤاتية جدّ، لتعزّز من طموح طنوس أفندي، كان أوّلها صدور قانون الأراضي العثمانيّ سنة 1858، وتلاه قانون "الطابو" في 1859، والمكمّل له (اشتقـّوا منه فعل "طوّب"[6]. ثمّ تبع هذين القانونين صدور الدستور العثمانيّ، سنة 1875، الذي أعطى جرعة كبيرة من الحرّيّة، ممّا جعل بعض النخب العربيّة تتطلـّع إلى الاصلاح عبر مشاريع سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة. في هذا الجوّ العامّ كان طنوس أفندي ناشطـًا كلّ نشاط. لم يكن بعيدًا عن الأوساط المارونيّة الطامحة في الجبل والتي كانت لها طموحات في التحرّر والتنفـّذ، ترعاها الكنيسة المارونيّة، والتي سرعان ما انخرط فيها عبدالله بن طنوس أفندي، فقادت إلى لبنان الكبير، وأدّت إلى تدفيع عبدالله هذا ثمنـًا باهظـًا هو استشهاده معلـّقـًا على مشنقة جمال باشا السفـّاح سنة 1916.

 

ظروف طنوس ضاهر الخاصّة، والظروف العامّة المؤاتية، أتاحت له أن يقدم على تحقيق مشروعين كانا على قدر كبير من الأهمّيّة، إن ْ بالنسبة له ولعائلته، وإن بالنسبة للقبيّات التي حقّقت موقعًا متقدّمًا في عكـّار، ذا أسبقيّة، إن على الصعيد الاقتصاديّ، وإن على صعيد الحجم والعمران والمكانة. أهمّ من ذلك أنّ القرية هذه كانت سبّاقة في رعاية نوى "الاقتصاد الرأسماليّ" في عكـّار استنادًا إلى زراعة التوت، وفي احتضان التعليم الإرساليّ في أقصى الشمال اللّبنانيّ. كذلك بذلت عائلة الضاهر أحد الشهداء الذين أقدم جمال باشا على تصفيتهم في 1916، بما وسم تجربتها ببعض عناصر الميسم الجبليّ المتقدّم[7]".

 

المشروع الأوّل الذي أقدم طنوس أفندي عل تحقيقه كان إنشاء الخان المعروف باسمه "خان طنوس ضاهر"، في القبيّات، عند أواخر القرن التاسع عشر، جاعلا ً من قصبة القبيّات محطـّة وممرّ ًا للقوافل التي تحمل التجارة بين الداخل السوريّ والساحل اللبنانيّ، لا سيّما إلى مرفأ طرابلس[8]. إنّ هندسة الخان، وحجمه، وتنوّع القوافل التي تغدو إليه وتروح، كلّ ذلك يدلّ على ما كان يؤسّس له طنوس ضاهر من مشروع طموح. هذا الخان كان يتألـّف من ثلاثة أبنية تحيط بفناء سماويّ مربّع تنوخ فيه الجِمال لتنزل أحمالها فتعرض البضائع ويجري البيع والشراء. البناء الأكبر الذي حمل اسم الخان، وصار الآن في خبر كان، لأنـّه هدم ليتوسّع، على حسابه، موقف سيّارات لأحد السياسيّين، هو كناية عن مربّع كبير يقوم إلى جهة الشمال، ويستقلّ عن المبنيّين الآخرين بممرّ عريض يقود إلى خلف المبنى الشرقي حيث يمتدّ فناء واسع لإراحة الدوابّ. في هذا المبنى قاعات واسعة وعنابر ومرابط شتويّة. في البناء الجنوبيّ مخازن. في الأوسط المتصل بالجنوبيّ على شكل "L" يحتوي على غرف ومكاتب للتداول وللوكالات. يتقدّم هذا البناء رواق محمول على قناطر معمّدة وعلى الطراز الأبلق العربيّ. فوق هذين البناءين الأخيرين، الشرقيّ والجنوبيّ غرف للمنامة كانت ستشكـّل فندقـًا لكبار التجّار والضيوف. هذان البناءان الأخيران صارا، الآن، منزلا ً لأحد أحفاد طنوس الضاهر الأدنين هو الوزير والنائب (سابقـًا) الشيخ مخائيل الضاهر. هندسة الخان هذه تشبه هندسة كلّ الخانات المعروفة، ومنها خان الإفرنج الذي بناه فخرالدين في صيدا. لكن هذا الخان لم يكمّل بناؤه كما كان مخطـّطـًا له، بل بدأ يعمل ويستقبل القوافل مبكـّرًا. كان ينقصه إقامة المبنى الغربيّ الذي تكون فيه البوابة التي تقفل وتفتح حسب الضرورة، وذلك لمزيد من الأمان والنظام، لكن ظروفـًا ما قد منعت إتمام ذلك، وقد تكون وفاة طنوس أفندي بين 1895 – 1920، إحداها.

ولنستدلّ على حجم الحركة التجاريّة في الخان نذكر حادثة هجوم "عصابة من آل جعفر"، من الهرمل، "بإيعاز من محمّد رشيد بك[9]" على الخان سنة 1918، والتي سرقت ثمانية وأربعين جملا ً من باحته كانت في قافلة لتاجرين من حمص هما عبد الرحيم السباعيّ وشفيق القصير[10]. وتؤكـّد على تلك الحركة التجاريّة النشيطة في القبيّات سجلات البلديّة فيها، والمنشأة سنة 1912، حيث كانت هذه الحركة التجاريّة تدرّ دخلا ً ماليّـًا للبلديّة هو كناية عن الرسوم المفروضة على الحمولة(باج)، وعلى المبيع باسم "رسم كيالة"، وأهم مصادرها قوافل كانت من العرب ومن حمص ومن القطـّيني[11].

 

المشروع الثاني الذي أقدم عليه طنوس أفندي كان في إفادته من ظروف صدور قانون الأراضي سنة 1858 ومن قانون "الطابو" 1859. هذان القانونان سهّلا تملـّك الأفراد لحقّ التصرّف في الأراضي الأميريّة بأثمان بخسة تدفع "شندة" أي نقدًا، أو "كاش" بلغة عصرنا. وقد حتـّمت ديون الدولة العثمانيّة من دول أوروبا صدور هذين القانونين لجمع المال وسداد تلك الديون، مثلما أدّى ضغط أوروبا إلى صدور الدستور العثماني الذي حدّد "الطابو" (معناه الحلوان) بما يلي:"الطابو هو المعجّلة التي تعطى في مقابل  حقّ التصرّف فيأخذها المأمور ويستوفيها إلى جانب الميري[12]. قلنا استفاد طنوس أفندي من هذين القانونين فاشترى الجفاتليك (مساحة يحرثها فدّانان على مدار العام. جفـت يعني اثنين ومنه جفت الصيد)، والبكاليك (أرض البيك)، وأرض كرم شباط وأراضي "المعبور الأبيض" عند المنقلب إلى سهل البقاع. مزارع كرم شباط منحت، أصل، لأحد أفراد الأسرة المالكة في اسطنبول والذي اسمه "حسين بك بن بدرخان باشا[13]"، وتحوّلت، عن طريق الالتزام، إلى عبد المقصود بن قول حسين التركمانيّ (من جديدة عيدمون التي كان اسمها في السجلات التركيّة: قرية قول حسين. ولفظة "قول" التركيّة معناها : عبد). هذا يفسّر لماذا تتبع "كرم شباط" عقاريّـًا إلى عيدمون، قبل أن يشتريها طنوس الضاهر والقبيّاتيّون. أمّا أراضي المعبور الأبيض فتحوّلت ملكيتها، بالطريقة نفسها، أي عن طريق الالتزام، إلى آل معيط، تحدّر الأغوات آل المراد الذين ورثوا ملكيّة المعبور الأبيض واشتراها منهم طنوس أفندي الضاهر[14]. هكذا توسّعت حدود القبيّات إلى حدود البقاع وصار الجرد بأكمله مجالا ً حيويّـًا لها تستثمره بالزراعة والرعي وصناعة القطران والاحتطاب. ومع أنّ بعض أبناء طنوس ضاهر قد باع المعبور الأبيض إلى بعض آل جعفر (اسمه سعدون)، فإنّ القسم الأكبر قد بقي بيد أحفاده إلى اليوم لا سيّما أرض "باب النبع" (نبع النصارى) الذي يمتلكه الدكتور يوسف الضاهر.

 

تحكم حركة التاريخ عوامل عدّة، منها العنصر البشريّ، أي الرجل والذي يبقى دوره حاسمًا. بالنسبة إلى القبيّات، يبقى طنوس أفندي الضاهر واحدًا من أولئك الرجال.


[1] لدينا صورة عن وثيقة حكم موقـّعة: طنوس أفندي ضاهر.

[2]  د. أسد رستم: لبنان في عهد المتصرّفيّة. دار النهار. بيروت 1973 ص 223

[3]  سائل أسود قويّ الرائحة يستخرج من صمغ الأشجار الإبريّة. يستعمل في معالجة جرب الجمال والخراف وإبعاد الحشرات المؤذية كالأفاعي، وتطلى به الأخشاب فيحميها.

[4]  رواية مطانيوس مخول وهبه

[5]  رواية يوسف سركيس الزريبي. والروايتان تتكاملان.

[6]  راجع في موضوع الملكيّة العقاريّة: د. فؤاد سلوم: عكار 1850 – 1950. دراسة في التاريخالاجتماعيّ. ط 1 بيروت حزيران 2000 ص 143 ... وما يليها

[7]  صاغيّة حازم: تعريب الكتائب اللبنانيّة. الحزب، السلطة، الخوف. دار الجديد. بيروت لبنان.ط1 1991 ص 33

[8]  كان بصل بلدة شدرة، جارة القبيّات، يصدّر إلى مصر من مرفأ طرابلس أ نظر:, VITTAL Cuinet: Syrie, Liban et Palestine, Geographie administrative,statistique, deseriptive et raisonné .Paris.Ernest Le Roux 1896 p. 142

[9]  أحد بكوات البيرة النافذين وصاحب السراي فيها.

[10]  دفتر مذكرات الخورأسقف مخائيل الزريبي. لدينا صورة عنها

[11] دفتر بلديّة القبيّات . حسابات عامَي 1912 و1913. لدينا صورة عنه.

[12]  لمزيد من التوسّع في موضوع الملكيّة راجع كتابنا: عكار 1850- 1950 . مرجع مذكور سابقـًا ص 131 وما يليها.

[13] "سندات التمليك العثمانيّة" لدينا صورة عنها

[14]  رواية السيّد يوسف سركيس الزريبي.


  back to Woujouh Kobayatiah