Back to Akkar 1850

 

المقدمة

  

دريب عكار منطقة جغرافية تقع في شمال لبنان، متاخمة للحدود السورية-اللبنانية . هذه المنطقة، حيث أعيش، شكلت، منذ القديم، موقعا" استراتيجيا" مهما"، كموطن للانسان وكممر للقوافل والجيوش والهجرات، ولعبت، في الحديث، دورا" بارزا" في حياة لبنان السياسية والعسكرية والاجتماعية، بما حوت من غنى اقتصادى وتنوع بشرى وبما قدمـت للجيش من عناصر.

وبما ان التاريخ الاجتماعي منهج لتحليل المجتمع وفقا" للتطور التاريخي، اذ يدرس هذا المجتمر عبر التطور الزمني، كاشفا" القوانين التي حكمت هذا التطور، وراصدا" آفاق الحياة الاجتماعية، رأينا أن نؤرخ للتطور التاريخي الاجتماعي في منطقة الدريب بين 1850 1950 والتي هي فترة من ماضينا القريب الذي لا تزال تأثيراته تنعكس على حاضر هذه المنطقة، وستبقى تؤثر على مستقبلها القريب والبعيد.

 

بدأنا، أولا"، في رسم الاطار الجغرافي الذي كان ميدانا" للأحداث، ومسرحا" لنشاط الانسان اليومي وموردا" لرزقه. ولما كان للادارة العثمانية تأثير أساسي في تشكيل مجتمر الدريب الحديث، رأينا أن نجعل موضوعها تاليا" مباشرة للآطار الجغرافي، فبحثنا جوانبها كافة من مدنية وعسكرية ومالية وقضاء، وما ترك تطورها على الحياة الاجتماعية مركزين البحث في نظام الالتزام، لما كان له من تأثير على مستقبل المجتمع كنشوء الاقطاع، وعمران قرى، واندثار أخرى وهجرات وتهجير، وبروز طبقات اجتماعية متنفذة، وسوى ذلك..... ثم تطرقنا الى فرز عناصر السكان فيها وما تميزت به من احتضان لأثنيات لم توجد قي مناطق أخرى من لبنان، بسبب ظروف تاريخية معينة أشرنا اليها: ومن أولئك : التركمان والاكراد والعلويون والبدو... ثم عالجنا مسألى بنية السكان وحركتهم وفئاتهم ومستوى معيشتهم . وتركنا البحث في طبيعة العلاقات فيما بينهم الى فصل الملكية والاستثمار، لان طبيعة العلاقات الاجتماعيةفي مثل المجتمع الريفي الاقطاعي الذي نبحث، هي علاقة تبعية واستغلال، كما هي علاقة اقتصادية في الدرجة الأولى تقوم على العقود الزراعية بمختلف أشكالها، مما دعانا الى ابراز دورها في حياة الناس. وانتهى بنا المطاف الى بحث الاوضاع الاجتماعية من تضامن عائلي ومسألة الزواج، ومن أوضاع صحية وثقافيـــة وروحية...والى العادات والتقاليد التي تميزت بها منطقى الدريب وقلما عرفتها المناطق الأخرى، وذلك بسبب التمايز السكاني.

 

ولانجاز هذه المهمة الشاقة،في تأريخ منطقة الدريب، اعتمدنا، بشكل أساسي، على الأصول، لا سيما ما وفرته لنا سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس من معلومات دسمة زخرت بها وتناولت جميع مناحي النشاط البشري المعاش يوميا"، ثم لقد مكننا الحظ من الاطلاع على أرشيف مطرانية طرابلس المارونية الذي يحوي على وثائقمهمة تتعلق بأوضاع الموارنة منذ 1826 حتى اليوم، اذ كان للكنيسة دور مهم في حياة الناس العامة عدا الروحية والموارنة في الدريب يشكلون نقطة الثقل في الحياة الأجتماعية عامة وذلك نسبة لحجمهم ودورهم.

ولم نكتف بتلك المجموعة من الوثائق بل بذلنا الجهد للحصول على وثائق أخرى وجدنا منها عددا" لا بأس به، في محفوظات العائلات الكريمة في المنطقة، واهم تلك الوثائق دفتر "الديموس" العائد للقبيات وعيدمون وعندقت، الذي احتوى، اضافة الى مساحة الأملأك وأعشارها، عددا" كبيرا"من الوثائق الشاهدة على حياة الآباء والأجداد الاجتماعية . ثم لقد وفرت لنا سجلات الكنائس والأديرة والمؤسسات الرسمية، مصادر مهمة رفدت دراستنا بمعلومات موضوعية معتبرة.

لقد استقرأنا تلك الوثائق وقابلنا وحللنا ثم استنتجنا ما رأيناه جديرا" بأن يثبت كشهادة تاريخية، محاولين، في كل ذلك، أن نلزم جانب الموضوعية بكل جدية.ثم قد استوحينا نخبة من المصادر والمراجع وناقشنا ما ورد في بعضها من معلومات رأينا أنها لا تتفق مع القناعات التي توصلنا اليها، آملين أن نكون قد وفقنا في القاء الضوء على تاريخ ناحية من لبنان يشكل تاريخها حجرا" مهما" في بناء التاريخ العام لوطننا الحبيب.

 

 

Back to Akkar 1850