Electronic Edition designed by |
كتاب "الهوية وثقافة السلام" للاستاذ فؤاد بدوي بطرس


الطبعة الالكترونية 2008
طباعة: برناديت اسكندر
اخراج: موقع القبيات للانترنت
الهوية وثقافة السلام
محاولة للوصول الى الذات
" لما كانت الحرب تنشأ في عقول الناس
ففي عقولهم أيضاً يجب ان تبنى معاقل السلام"
من مقدمة ميثاق الاونيسكو
مقدمة
إن حالة العالم اليوم تبدو انعكاساً لحالة المجموعات والأفراد الذين يشكّلونه: قبائل متحاربة تحترف الغزو بتقنيّات متطوّرة وقادة يقذفون من مخزونهم الإنفعالي حمم السيطرة وهوس التملّك. هذه الحالة تُنتج حروباً ومعاناة وفقراً وإرهاباً وتبدو الشعوب من خلالها وكأنّها في وضع شبيه بالتنويم المغناطيسي ساقها إليه قادة سحرة يحتلّون واجهة التاريخ ويمثـّلون في لا وعي الناس دور آلهة تُحرِّك إيحاءاتها مشاعر العدوانيّة والأنانيّة وإلغاء الآخر.
عبر التاريخ لم تهدأ حركة الحروب والقتل والدمار وكأنّ هذه الحروب جزء من نسيج الحياة، أمر لا بدّ من حدوثه بحيث لم يستطع الإنسان حتى اليوم خلق حضارة سلام. الحضارة الحاليّة ماديّة تسمح للإنسان بتنمية قدراته العقليّة بشكل يُمكِّنه من التكيّف مع المنحى المادي للحياة ليس على حساب قيم ضائعة فحسب بل بإبعاده عن ذاته وبحصر سلوكه بعلاقته مع الآخرين مسدلة ستاراً من الظلمة على معرفته لهذه الذات وعلى وعيه الحقيقي الذي يبقى في حالة ركود. يقول أرنولد توينبي[1]:" ان المجتمع لا يتكوَّن من مجموعة أفراد بل من العلاقات المتبادلة بين هذه الأفراد". وهذه العلاقات المعزولة عن الذات تحتلّ مساحة الوجدان بأكمله زارعة فيه إلزاميّة تنفيذ الشروط الثقافيّة والعائليّة والإجتماعيّة وهي في غالبيتها مادّية فأنت لا تستطيع إجمالاً أن تكون غير ما يريده المجتمع الذي يبدو كنهر هائج يجرف الناس في تيّاراته بحيث لا يُمكنّهم من الوقوف لمراجعة الذات أو العودة الى الوراء.
السلام يبدأ في داخل الإنسان قبل أن يصبح ممارسة مع الآخرين وبالتالي لا يمكن أن تنشأ حضارة سلام إلا بتربيّة الأجيال على قيم كونيّة وروحيّة.
الإتجاه المادّي الحالي يُهيّء للحروب فالجهد الذي بُذل في خلق وتطوير المصانع العسكرّية المعدّة خصيصاً لصناعة الموت لو بُذل في تربية الإنسان على السلام لانعطف تاريخ البشرية الى الأفضل. العيب هو في الإنسان الذي اعتاد أن يعمل جاهداً لإرضاء حاجاته على حساب غيره. التطوّر التقني الذي لم يرافقه تطوّر إنساني وأخلاقي أصبح من أهم الأخطار المُحدقة بالحياة وأصبحنا ملزمين على فهم حقيقتها لتغيّير نمطها الحالي وأيِّ تغيّير في هذا الإطار لا يبدو ممكناً إلا من خلال وعينا لكلِّ ما يُعيق تحقيقها وعلى رؤية العالم من خلال القيم الروحيّة وليس فقط من خلال العلاقات المتبادلة بين الأفراد فإنسان اليوم الذي يفكّر وينشغل كثيراً وكليّاً بعلاقته مع الآخرين ينسى أنه هو و"الآخرون" وبقية الكائنات يشكّلون وحدة الحياة في هذا الكون المنسَّق بإبداع من قبل خالقه.
هناك قوانين طبيعيّة تُنتج الحياة وتسيِّرها من تنظيم الكواكب في القبّة السماويّة، إلى أشعة الشّمس، إلى تزويد الإنسان بالأوكسيجين... إلى الأرض التي نصنع أجسادنا من ترابها الذي يُزوِّدنا بالغذاء، إلى الغابات والبحار... يجب أن يعي الإنسان هذه الحقائق ويعرف أن الحياة تتخطّى البعد المادي فيعيش ليس فقط ككائن له حاجات جسديّة بل يعيش حقيقة وجوده كجزء من هذا الكون ويعرف أنه شريك مع الآخرين وليس سيِّداً عليهم وأن البعد الكوني هو العامل الأصيل والأساسي في حياته.
الحياة على الأرض معدّة أصلاً لتكون فردوساً إذا تناغمت حاجات الإنسان مع عدالة هذه القوانين التي تتوزّع بدقّة على جميع المخلوقات. لا يستطيع الإنسان تغييًر هذه القوانين لأن الحياة تنتج عنها ولكنّه للأسف يستطيع تخريبها. هو لا يستطيع إحتكار أشعة الشمس لكنّه يوسّع طبقة الأوزون، لا يستطيع إلغاء الهواء لكنّه يلوثـّه وهو يستطيع أيضاً تلويث المياه والتلاعب بالجينات النباتية والحيوانيّة والبشرية قريباً.
لقد وصلت الشعوب في أكثرها إلى مرحلة من النضج تمكّنها من بدء التغيير، من الإنعطاف باتجاه الحفاظ على الحياة بنوعيّة أفضل. هناك تقدّم هائل للعلم واختراع تقنيّات جديدة وُضعت في خدمة الإنسان بقطع النظر عن سلبيّاتها التي نمّت عنده الإتجاه المادي على حساب الإتجاه الإنساني والأخلاقي غير أن هذا التقدُّم بقي حكراً على البلدان الناميّة التي ازدادت ثرواتها بينما ازداد ما يسمَّى بالعالم الثالث فقراًً وازدادت الهوّة اتساعاً بين الفرقاء الذين يشكِّلون أساساً العائلة البشريّة الواحدة في هذه القرية الكونية. الإنتماء إلى هذه العائلة ليس خيار فرد أو أمَّة ولا يجوز معاملة الآخر باستكبار. التميّيز العنصري أو الديني أو الإجتماعي قناع يخفي وراءه ميل جامح إلى احتكار الحياة لفريق يعيشها بمفاهيم مشوَّهة. لا يؤذي أي عالمٍ مشهور في الغرب مهما علا شأنه أن يكون له أخ متخلّف في إفريقيا مثلاً فالإحساس بالتفوُّق هو إتجاه مادِّي يفتقر الى العامل الروحي وعندما ننمِّي هذا العامل تتفجّر المحبّة سلوكاً إنسانياً يأخذ بيد الفقير لتجاوز عتبة الفقر والتخلّف ليلحق بركب الحضارة "فالناس كلّهم عيال الله وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله" كما ورد في القرآن الكريم". أول خطوة في طريق السلام يخطوها الانسان نحو ذاته ليعبر منها بعدئذ الى كل مفاصل الحياة. واذا كان قد فشل حتى الآن في الوصول الى هذه الذات والتسامي فوق رغباته المفرطة فلا يعني ذلك ان فشله نهائي وليكن السلام محطة من محطات التطور البشري التي لم نصل اليها بعد ولكننا على الاقل نسعى للوصول اليها فلا تأكل الموازنات العسكرية احلام الناس وخبزهم وسعادتهم .
البشريّة اليوم على مفترق طريق إمّا أن تهدم ذاتها أو تفهم ذاتها. أي مراقب يتمتَّع بقدر معيَّن من الحكمة يستطيع أن يرى خارطة الاحداث على الكوكب الأرضي: تتطوّر الحياة من خلال تطويرها للصراع القائم بين الشعوب والأفراد ومن خلال تضخيم حاجاتها إلى إلغاء الآخر ومن خلال "محورية" تعتبر أن الفرد أو المجموعة المتطوّرة وحدها في هذا الكون تملكه وتملك معه الناس كما يفترض أيّ إقطاعي بأنه لا يملك أرضه تراباً وطبيعةً فحسب بل يملك أيضاً الناس والبهائم والطيور التي عليها.
لعلَّ هذه الأفكار التي أقدِّمها بتواضع تشجع أكثر على السير في طريق السلام والتأثير على سلوك الإنسان لتغييره بعد فهم الحياة على حقيقتها إذ عندما يكتشف معنى وحقيقة وجوده ككائن واعٍ ويعرف الى أين يقوده هذا الإكتشاف، يتوقف عن الجري وراء الكثير من الحاجات الحالية ويتوقَّف عن قيادة نفسه إلى العدميّة. هناك خالق أعطى لحياتنا معنى لكنّه معنى يجب إكتشافه.
القبيات فؤاد بدوي بطرس
1
النفق الطويل
ولادة، حياة، موت، أحداث تتكرّر في كل لحظة على الكوكب الأرضي يرافقها فرح الولادة وصعوبة الحياة وألم الفراق عند الموت. نحن لا نختار الحياة بل مرغمون على قبولها كما هي لأننا لا نستطيع توجيهها حسب رغباتنا. إنها تتجاوزنا.
من أين يأتي الإنسان وإلى أين يذهب؟ تساؤلات مزمنة ربما عبّر عنها بشفافيًة الشاعر إيليا أبي ماضي حين قال:
"أنا لا أعلم من أين ولكنّي أتيت
ولقد أبصرتُ قدّامي طريقاً فمشيت".
مبدئياً الحياة تُعطى بتساوٍ لكل المواليد الجدد ولكنَّها تُعاش بشكل مختلف. المولود الجديد في أثيوبيا قد يعيش بضع سنوات ويموت بعدها من الجوع بينما مولود آخر في أوروبا أو أميركا ولد معه في نفس اللحظة يكمل حياته بسعادة وهدوء. حوادث الإنتحار أي الإستغناء عن الحياة في أسوج والنروج رغم حماية الإنسان من الفقر لم يجد لها المحلّلون سبباً واحداً وأكيداً. لماذا هذه الوجوه المختلفة للحياة؟.
الخريطة الجينيِّة قد لا ترضي فضول المتسائلين: هل تقرّر الجينة نوعيِّة الحياة؟ إذا طوَّرنا الإنسان جينيّاً وضمنّا جيلاً أو أجيالاً تتمتّع بصحة جيِّدة هل تؤمِّن هذه الأجيال العدالة والمساواة فيما بينها؟
هل يزول الفقر والتميّيز بين الناس؟
هل تنتهي الحروب وهل نستطيع من خلال تطوير الجينة إضافة محبَّة الاخر إلى شخصيِّة هذا الإنسان المفترض؟
لقد وصل سكان الكرة الأرضية إلى ستة مليارات نسمة ونيِّف. تكاثرت الشعوب واختلَّت معها موازين الحياة: جوع وتخمة، فقر وغنى... تخلُّف وتطوّر ويستمرّ قطار الحياة في خط سيره الطويل والتقليدي وهو مليء بالألغام الموقوتة التي يُمكن أن تنفجر في أي وقت حروباً ومعاناة. الحروب هي المحطّة الوحيدة التي يتوقف فيها هذا القطار ليقدّر الخسائر ويرمي بالضحايا في "مقبرة التاريخ". هناك أخطاء مميتة يرتكبها الإنسان وهو غارق في العتمة. الإضاءات التي سُلِّطت عليه من الدين والفلسفة وعلم الأخلاق لم تتخطَّ "لعبة أضواء" على مسرح قديم مظلم يرى فيه الحضور النور من بعيد وهم ملفوفون بالعتمة وبالتالي لم يخترق هذا النور وجدانهم ويغيِّر في سلوكهم.
العيب ليس في الحياة إنما في الطريقة التي يعيش بها الإنسان هذه الحياة وإلاّ لماذا يموت طفل جائع في منطقة ما وفي المناطق الأخرى تخمة؟
لماذا أشتهي "مُقتنى غيري" وألغيه لآخذ ما يملك وأتنعم به؟ لماذا تستبدّ بي سادية تجعلني أتلذّذ بقتل الآخر؟.
الشعوب المتطوِّرة يتحكّم بها هاجس المادة والمتخلِّفة هاجس التكاثر وفي الحالتين تمَّ تغيير مفهوم الحياة وتغيّير واختزال مفهوم العائلة، الخليّة الأساسية التي يقوم عليها الجسم الإجتماعي، فبدا الإنسان مفكّكاً في الحالتين.
العائلة هي ينبوع حنان ومحبّة وهي بتأسيسها مسؤوليّة ترتفع بالكائن البشري إلى مستوى القدسيّة فالحنان العائلي أمر طبيعي وليس وضعيّاً لأن الأطفال شكل من أشكال الحوار بين الله والإنسان ومحبة الطفل تتطلّب ترجمة عمليّة في تربيّة سليمة متوازنة وإعداده للحياة بشكل يضمن له العيش اللائق. مفهوم العائلة بهذا الإطار ليس معمَّماً. المجتعمات الزراعيِّة تفهم العائلة على أنّها مصدر مهم لتأمين عمّال (أولادهم) لمساعدتهم في رفع الإنتاج وقد أدّى هذا المفهوم الخاطئ إلى انقلاب السحر على الساحر فكبرت العائلة كثيراً وتقلّص حجم الإنتاج مخلفاً وراءه أزمات معيشيّة خانقة.
هل ينتقم الفقراء والمتخلّفون من شروط حياتهم بالإنجاب للتساوي مع الآخرين؟ أم أنهم كما قال لي أحد الكهنة لا يملكون من أطايب الدنيا سوى هذه الوليمة؟؟؟.
لقد استطاع الغرب التفريق بين الممارسة الجنسيّة والإنجاب رغم معارضة السلطات الدينيّة التي وقفت ضدّ حبوب منع الحمل وضدّ الإجهاض بشكل خاص بحيث اعتبرته جرماً تُقتل فيه روح بشريّة.
هذا التفريق أدّى حتماً إلى اختزال العائلة ولكنّه غيًر مفهومها وأفرغها من معانيها بحيث لم تعد مختبراً إنسانياً تنجبل فيه شخصية الطفل بالقيم الإنسانية قبل أن تقدّمه كنموذج إجتماعي يتعايش مع الآخرين بسلام ومحبة. إختزال العائلة في البلدان المتطوّرة يقابله إنفجار سكاني رهيب في بلدان العالم الثالث. هل يعقل أن تأتي هذه البلدان كل يوم بملايين الأطفال تزرعهم على الكوكب الأرضي دون أن تفكّر أين وكيف سيعيشون؟ الحدود بين الأميركيّتين تتخطّى الخطوط الجغرافية لترسم أبعاداً فكريّة تشير إلى عالمين: متطوّر ومتخلّف. لقد توصّل الإنسان في الولايات المتًحدة الأميركية إلى غزو الفضاء بينما لم يتوصّل في أميركا اللاتينيُّة إلى تأمين عيش لائق ورغم فقره يتكاثر. في أحد الأفلام الوثائقيّة التي عرضتها المحطة التلفزيونية "ديسكوفري" محمية للأرانب تكاثر عددها وقلَّ فيها الرعي وأمام دهشة علماء الطبيعة توقَّفت الولادات في المحميّة لمدّة سنتين وعادت إليها المساحات الخضراء.
هل تكون الحياة الهادئة السعيدة مخصّصة لنخبة من سكان الأرض حالياً كما هو وارد في التقرير الوطني للأمن الأميركي عام 1974 والذي سمح الرئيس الأميركي للباحثين في هذا الموضوع[2] بالإطلاع عليه عام 1990 والذي يقول في بعض منه:
"كل بؤس العالم يعود إلى السماح للأشخاص غير المسؤولين والفقراء والمتخلّفين والجهلة بأن يتكاثروا. العدالة الإجتماعيّة والمساعدات لا تنجحان أبداً بإنهاء هذا الموضوع لكن تحديد النسل يفي بالغاية. مراقبة تحديد النسل هي نوع من المساعدات وهي الشكل الوحيد الذي يريحنا نهائياً من الضرورة الإجتماعيّة والسياسيّة للمساعدات".
قد يتساءل أي باحث اطلّع على التقرير كيف يمكن تحديد النسل بالنسبة للفقراء والجهلة والمتخلّفين إذا لم تعمل الدول الغنية على إزالة الفقر والتخلُّف والجهل ليأتي تحديد النسل نتيجة لذلك؟ لماذا تنفق الأمم المتحدّة وأميركا تحديداً الأموال على مؤتمرات تحديد النسل ولا تنفقها على تعميق مفهوم العائلة ومسؤولية الأهل تجاه أولادهم؟ لماذا لا يكون هذا المفهوم مادة في المناهج الدراسية؟.
هناك دراسات تقول بأن الغرب مع اليابان يملكون أربعة أخماس ثروة العالم وأن هذه المجتعات أصبحت كهلة بينما العناصر الفتيّة تتوافر في البلدان المتخلّفة وأن هناك خوفاً من أن تصبح هذه المقدّرات في يد العناصر الفتيّة المهاجرة وأن تنتهي حضارة الغرب. كلام صحيح ربّما لكنَّ الخروج من هذا المأزق يكون بإعادة توزيع الثروات بشكل عادل وليس بفرض نظام معيّن للإنجاب يعمّم على جميع سكان الكرة الأرضيّة رغم خلفيّاتهم الدينيّة والأخلاقيّة. ثم أن احتكار الرأسمال وبالتالي فرص العمل في بلدان محدّدة يجذب إليها المهاجرين كما يجذب الضوء الفراشات. "مالتوس" يقول أن تزايد عدد السكان أسرع بكثير من زيادة الإنتاج مما يخلق خللاً في التوازن وهل يكون التوازن عن طريق الحروب أي عن طريق قتل أعداد كبيرة من الناس لتبقى السيطرة في العالم للمال والسلطة؟.
غريبة هذه الحياة هل نظلّ نتبّع نمطها الموروث منذ ملايين السنين والذي من خلاله تنحر الجماعة شخصيّة الفرد منذ ولادته فتضعه في نفق يبدأ بالعائلة ويمرّ في المجتمع وينتهي في القبر؟ أم أن تغييراً في هذا النّمط يجب أن يوضع موضع التنفيذ لتصحيح مفهوم الحياة وتأمين أكبر قدر ممكن من السعادة؟ العلوم التطبيقيّة تتقدَّم باستمرار محاولة من جهة تخفيف آلام البشرية بتقنياتها الطبيّة المتطوّرة ومن جهة أخرى تزرع البؤس والألم عن طريق المصانع العسكريّة التي أضافت إلى القاموس البشري مفردات جديدة لطرق الإبادة الجماعيّة وبالتقنيات المتطوّرة؟ لماذا تتحرّك الحياة بين قطبين الفرح والألم وهل في داخل الإنسان إله وشيطان يتصارعان على نمط العيش؟ هل نستطيع أن نفهم ما كتب في الإنجيل عندما أخذ الشيطان السيّد المسيح إلى أعلى الهيكل وقال له: إذا تبعتني أعطيك كل ممالك الأرض. هل نفهم من هذا الكلام أن ممالك الأرض هي ملك للشيطان يعطيها لمن يشاء؟.
حتماً هناك فقر في الأفكار السياسية التي تنظِّم حياة المجموعات. كل الأفكار التي تمارس حاليّاً إستُهلكت وهي تكرِّر ذاتها. الفكر البشري لم يخلق الكثير من الأفكار السياسيّة والإجتماعيّة التي إن وضعت موضع التنفيذ تغيّر نوعية الحياة في مجتمع ما أو في المجتمع العالمي ففكرة الجمهوريّة موجودة منذ أفلاطون وفكرة الملكيّة هي نظام قديم موروث اما الديموقراطيّة التي هي حكم الشعب من قبل الشعب ولمصلحة الشعب فقد تحوّلت في مناطق كثيرة إلى كاريكاتور. هناك صحف كثيرة في الغرب تتكلّم عن الديموقراطيّات المريضة. الأنظمة الإقتصاديّة على الأخص الرأسماليّة الحرّة تسحق مع تطبيقها في كل ثانية طموحات وآمال شعوب وأفراد. لنتذكّر من "سانت اكزوبري" (St. Exupery) قوله المشهور عند مروره بجانب مخيّم للفقراء: "ألا يمكن أن يكون في هذا المخيّم أكثر من موزارت" طبعاً مسحوقين من الجوع والعوز ولم يتسنّ لهم تفجير مواهبهم ونستطيع أن نضيف أكثر من اينشتاين وأكثر من غاندي وأكثر من باستور. هؤلاء ابتلعت مواهبهم أشواك الحياة ومشاعر الإحباط.
حتى هذه الألفية الثالثة لم تتغيّر نوعية الحياة على الأرض. هذه الحياة لا تزال تكرّر ذاتها، تجترّ ذاتها حيث نسبة الفرح والبؤس هي نتيجة الإنتماء لطبقة معيّنة أو استغلال السلطة أو استغلال مصالح المجموعات أو الوراثة... إن تطوّر الحياة كان ولا يزال مترابطاً مع التطوّر المادّي والتقني. الرجل الحالي في مجتمع نامٍ يستطيع تأمين حاجاته دون جهد: سيّارة، برّاد، غسّالة، كمبيوتر، تلفزيون وأيضاً آلة حاسبة تحوّله إلى إنسان آلي أنه يحاول أن يخلق كائناً تقنياً رديفاً يعمل عنه كل شيء ويغرق هو في العدمية. لقد ابتعد الإنسان عن الطبيعة التي طوّرها لمصلحته وجال في الفضاء ووصل لإكتشاف كواكب جديدة لكنه لم يستطع "الوصول إلى قلب جاره". زرع الفضاء بآلاف الأقـمار الصناعيّة التي إن سقطت -وستسقط يوماً ما- سوف تدمّر مناطق كبيرة على الأرض ولكنَّه لم يستطع أن يزرع في قلبه حب الآخر واحترام الحياة فيه. الحياة التي أعطيت بتساوٍ لأكبر رئيس دولة في العالم ولأصغر شحَّاد فيه. هذه الحياة مطلوب فهمها ليتمّ إحترامها. إن موازنة المصانع العسكرية التي تنتج أسلحة متطوّرة تقتل الحياة تكفي وحدها إذا استعملت موازناتها للسلام أن تنهي الفقر في أكثر من بلد وتمحو المرض في الكثير من الدول المتخلّفة. التطوّر التقني رهيب فعلاً: لقد توصّلنا من خلال التقدّم الطبي إلى نقل الأعضاء من جسم بشري إلى آخر. هذه التقنيّة التي كانت تفوق الخيال أصبحت حقيقة ممارسة ولكنها للأسف في متناول الأغنياء فقط. الفقر المدقع في الهند دفع الناس لبيع كليتهم والبقاء بكلية واحدة ليستطيعوا تأمين إستمرار الحياة بداخلهم. إنَّ سوق بيع الكلى في الهند ازدهر دون أن يصدم المجتمع الدولي أو حتى المؤسَّسات الإنسانيّة. "الغيبوبة" الفيلم الأميركي الشهير الذي يلخّص كل مخاطر التقنيّة والذي فيه يقوم الأطباء عمداً بوضع بعض المرضى في حالة الغيبوبة ليستطيعوا بيع أعضائهم فيما بعد يُشير بوضوح إلى خطر التقنيّة المتطوّرة بين يدي إنسان لم يتطوّر إنسانيّاً وإلى واقع المخاطر التي تتعرّض لها البشريّة في هذا الإطار. تركي أقام دعوى في إحدى العواصم الغربيّة لأنّه أثناء خضوعه لجراحة تمّت سرقة كليته .
كل تطوّر حصل لصالح الإنسان إستعمل أيضاً ضدّه. الطائرة وسيلة نقل تقصّر المسافات إستعملت أيضاً آلة تدمير شامل في هيروشيما ونيكازاكي وربّما في مناطق أخرى من العالم..
الجانب الإنساني لم يتطوّر كفاية عند الإنسان أمّا التطوّر التقني فقد يجعل من سكان الكوكب الأرضي ممثلين في تراجيديا شكسبيرية بحيث يموت كل الممثّلين على المسرح. الإنسان الحالي لم يتطوّر كما يجب وهو من حيث المضمون يبدو شبيهاً بالإنسان البدائي تتنازعه عوامل الخوف وتلهبه العدوانية والطمع وتستبدُّ به غريزة التملُّك والميل إلى إلغاء الآخر. لم يُطوّر ما بداخله بل انصرف إلى تطوير معرفته عن العالم الخارجي ووصل إلى مرحلة متقدّمة جدّاً في هذا الإطار. كان ولا يزال يفتّش عن أسرار الحياة في الأرض والجوّ والبحار وهذه الأسرار موجودة في داخله ولا يستطيع اكتشافها في أيّ مكان آخر. لقد حاول أن "يربح العالم لكنه خسر نفسه" لأنه لم يوجّه إنتباهه إلى ما في داخله، إلى حقيقة وجوده. وسائل التدمير التي امتلكها قادرة ببساطة أن تجعله يختفي عن سطح الأرض كالديناصورات وأن يخفي معه كل مظاهر الحياة. هذا المسار الفكري السطحي الذي يتَّبعه الإنسان منذ زمن بعيد أوصله إلى ما هو عليه الآن: حروب وفقر وتمزّق في نسيج الحياة نفسها. أرقى حالة وصل إليها هو اختراعه للقوانين الوضعيّة لتنظيم وجوده وهذا حتماً أمر ضروري ولا بدَّ منه لكنّ القانون لا يستطيع أن يصنع الإنسان. أرقى القوانين في مجتمع متخلّف تشكّل غلافاً أبيضاً لمجتمع أسود. القانون الوضعي مرحلي ومتغيّر وهو يهدف إلى تنظيم سلوك الفرد والمجموعات في خط سير الحياة الذي يرسمه المجتمع. هو في أحسن حالاته يحسّن مظاهر السلوك ولا يشكل منابع لها. أكثر من يتدرّب على ممارسة القوانين والتقيّد بها هي الإدارات والمؤسّسات النظاميّة في أي بلد فهي تطبّقه بدقّة على المواطنين ويعيش أفرادها داخل بنياتهم باحترام كلّي للقانون. يعيشون وحدة الحياة بكامل تفاصيلها. لنفرض أن حرباً أهليّة اندلعت في هذا البلد يصل الإنقسام إلى هذه البنيات بحيث ينسى كل فرد منها ما تعلمه ومارسه. ممارسة القانون أمر سطحي لا يتوغّل في أعماق الذات لأنه لا ينبع من داخلها. ورد في مقدّمة ميثاق الأونيسكو: "لما كانت الحرب تنشأ في عقول الناس ففي عقولهم أيضاً يجب أن تبنى معاقل السلام" الأديان دعت إلى التزام الناس بقيم العدالة والحق والسلام ولكنها كما يقول الدكتور "هسنار"[3] لم تدخل بعد إلى ذات الإنسان لتحوّلها إلى ينبوع سلام دائم. الأديان لم تتجاوز عند الكثيرين من الناس عتبة المعرفة النظرية. السيّد المسيح عاش الحقيقة التي بشّر بها لكن رجل الدين المسيحي يصف هذه الحقيقة وليس من الضروري أن يعيشها وهذا حتماً ينسحب على كل الأديان.
المؤسسات الدوليّة وعلى رأسها الأمم المتّحدة تشكّل مجسّمات نظرية للقوانين الوضعية تنهار عند الأزمات كمجسّمات من ورق.
لقد اكتفى الفكر البشري المتوجّه إلى خارج الذات الإنسانيّة بوصف الأعراض: فقر، تخلّف، بلدان ناميّة، بلدان في طور النموّ لكنّه لم يأتِ بعلاج لها فالتنظيم الحالي للمجتمعات هو مصدر كل شكوى وكل معاناة. تيّار هجرة الشباب من البلدان المتخلّفة إلى البلدان النامية يزداد كل يوم مهدداً بحرب ثقافات. الفكر البشري وصف ما هو حاصل وتوقّف كليّاً أمام ما يجب أن يكون. اخترع كل أسلحة الدمار ولكنّه لم يتوصّل الى "اختراع" طريقة للسلام. الإتفاقات بين الدول تنهار عند أقل تهديد للسلام. المشاكل الكبيرة تتحوّل في الأمم المتَّحدة إلى أرقام صغيرة لقرارات تحفظ ويلفُّها النسيان فيما بعد. ليس هناك حلول، هناك مهدئات وتسويات تؤجّل المسائل المسبّبة للحرب من جيل إلى آخر. هذا الزواج الكاثوليكي بين الحياة والمعاناة أليس له من حلّ؟
هل الطلاق ممنوع حتى ولو كان هناك زنى؟.
لقد بقي الفكر البشري رهينة إرثه التاريخي في شبكة من النسيج الثقافي الموروث والمظلم ولم يستطع اختراقه ليطلّ على النور، ليتقبّل الواقع كما يجب وليس كما هو. ان الإدراك الصحيح للحياة لا يكون من خلال التاريخ هذا "الخزان" المليئ بالإنفعال والذي يجترُّ الحروب والويلات ويزرع كراهية الآخر بين سكان الأرض. يُقال بأن التاريخ هو ذاكرة الشعوب. ومن أهم وظائف الذاكرة عمليّة النسيان. إنها تُنسينا الأحداث المؤلمة التي إن استمرّت حاضرة في وجداننا لحوّلت حياتنا إلى جحيم. كل شيئ كما يقال يبدأ صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة تبدأ كبيرة ثم تصغر إلا في التاريخ المدرّس حالياً والذي يغرز في وجداننا وجع الماضي بكل تفاصيله ويترك المصيبة كبيرة وأحياناً يلوِّنها بتعقيدات المؤرخين. تاريخنا هو تاريخ الغزو والفتوحات والقتل والدمار. لا يوجد في كتب التاريخ بحثٌ مستفيض عن حركة اللاعنف التي قام بها غاندي أو حركة جامعي الخرق التي قام بها الأب بيار أو مكتشف البنسلين أو الإنجازات التي أضافت أبعاداً إنسانية إلى الحياة.
الإدراك الصحيح للحياة لا يتحقّق من خلال العواطف والإنفعالات التي تغلّف بشكل غير عقلاني حاجاتنا ورغباتنا. إدراكنا لا يكون صحيحاً عندما نفهم العالم من خلال عواطفنا. فكرة الوطن، فكرة الأمّة هما تجسيد لعواطفنا وإذا كان غير جائزٍ أن يعيش إنسان على حساب إنسان آخر فأيضاً لا يجوز أن يعيش وطن على حساب وطن آخر. ليس من المعقول أن نبقى رهينة أفكار موروثة مبنيّة أصلاً على المصالح وكان يجب أن تتغيّر كليّاً بينما هي نمت وكبرت دون وعي منا لخطورتها. إن فكرة الغزو التي بدأت مع قبائل بدائيّة بالسيف لا تزال تقضُّ مضاجعنا حتى الآن فالغزو الحالي متطوّر وبأسلحة فتّاكة. ليس من المعقول أن يبقى فكرنا رهينة أفكار موروثة مثل: " لنا وطن دائماً على حق. نحن من هذه الأمة أو تلك نحافظ على ثقافتنا دون أن نسمح باندماجها في ثقافة أخرى. نحن من هذا الدين الذي نعتبره أفضل الديانات. إن انتماءنا هو فقط لعائلتنا ووطنا وأمتنا. إن مجتمعنا يتألف من الأموات أكثر من الأحياء (comte)، الأموات الذين صنعوا تاريخنا ومجدنا ورسّخوا وجودنا في هذه البقعة".
هذه الأفكار تنتج عنها حروب قوميّة أو دينيّة أو إقتصاديّة، ينتج عنها أيضاً حقد جماعي وتميِّيز بين مختلف الأجناس وتفرز قادة موتورين زرعوا تاريخ البشريّة بالموت والدمار. هل ينسى أحد شعار "ألمانيا فوق الجميع" وكم كلّف الإنسانية ذلك والأمثلة كثيرة حتى في أيامنا هذه. مستوى التجريد في الفكر السياسي بقي على عتبة صغيرة لم يتجاوزها ليرتفع بل ظلَّ يتعامل مع الأفكار التي اعتاد عليها والنفس المعتادة يقول Péguy هي نفس ميّتة.
إن وقفة تأمل للحياة في القرن الواحد والعشرين كافية لطرح مسألة وجود الإنسان في العالم الحالي من زاوية دراميّة: هناك حروب كونيّة مدمّرة بتقنيات تفوق الخيال وشعوب وقادة يعطون لنفسهم الحق في إبادة الآخرين. ملايين الأطفال تموت كل سنة من الجوع وملايين من الناس تحت عتبة الفقر. إحصاءات الأمم المتَّحدة تقول بأن 35% من البشريّة ينقصها الماء الصالح للشرب وتنقصها العناية الطبّية. الإرتفاع في معدلات البطالة يمهّد للعنف والكراهية. "العلم تمَّ تسخيره للعدوانيّة فأكثر العلماء منصرفون إلى أبحاث التكنولوجيا وإنتاج الأسلحة والمواد الكيمائية الضارة خاصة تلك التي تضاف إلى مآكلنا"[4]. الهواء ملوث. المياه ملوثَّة حتى تلك التي في أعماق الأرض. منظَّمة الصحَّة العالميّة أعلنت خلوّ العالم من المياه العذبة. المحيط الطبيعي للإنسان لوّثه الإنسان. هل يُعقل أن يكون عنده ميل طبيعي لتدمير محيطه الذي يعيش فيه وبالتالي لتدمير ذاته؟ بالتأكيد كلاّ. هذا الميل ناتج عن فهم خاطئ لذاته وعن انحراف في غريزة التملّك وغياب الوعي النفسي والأخلاقي. المصانع التي تثقب طبقة الأوزون هي تجسيد لرغبات غير إنسانيّة وغير معقولة. السكان في الدول الصناعيّة يشكون من أمراض "حضارة التكنولوجيا الحاليّة". الناس غير القادرين على التغيّير يغرقون في أمراض عصبيّة وعمليات انتحار وزيادة في عدد مدمني المخدرات والأدوية المنوِّمة أو المهدّئة. إن الإنحراف باتجاه الهروب من واقع الحياة بالمخدرات أو الكحول وارتفاع نسبة العنف والجرائم تنتشر بين الناس كالأمراض المعديّة.
الحياة حاليّاً قيمة فقدت مضمونها واستمرارها – إذا استمرت بنفس المناخ الفكري والسياسي والإجتماعي – أمر مستحيل.
الإنسان جزء من الوجود الكوني وإذا كان لا يستطيع خلق الحياة فإنه ويا للأسف يستطيع تدميرها. الإنسان الذي خلقه الله أعرب عنه وخلق هو المال وعبده محققاً كل رغباته وغرائزه ومعتبراً إياه هدفاً لحياته متنازلاً عن هويّته الحقيقيّة ليتّخذ موقفاً عدائياً من القوانين الطبيعيّة وساعياً لتدمير ذاته.
مطلوب من هذا الإنسان تغيّير النمط الحالي لحياته باتجاه تناسق وتكامل مع كل العناصر الكونيّة المنسكبة في ذاته والتي إن دُمّر أحدها دُمّرت الحياة. التغيير لا يمكن أن يحصل إلا بوعي الإنسان لذاته ووجوده وخلق توازن بين كل عناصر الحياة وهذا الوعي لا يحصل إلا حين يعرف الإنسان من هو، حين يعرف هويّته الحقيقيّة.
2
الهويّة
الهويّة هي مؤشّر انتماء الإنسان إلى وطن ومجتمع ودولة وهي وسيلة تمايز يُدرك من خلالها بأنه كفرد يختلف عن الآخرين من حيث الإسم والجنس والتركيب الجيني وإحساسه بذاته وبذلك أيضاً يميّزه الآخرون عن بقيّة أفراد المجتمع. وهي أيضاً وهذا هو الأهم بناء فكري وثقافي وديني ووطني لشخصية الفرد.
مبدئياً الهويّة أكانت شخصيّة أو دينيّة أو ثقافيّة يأخذها الإنسان دون إرادته. لا أحد يختار منذ الولادة إسمه أو عائلته أو وطنه أو لون عينيه أو طبعه أو دينه أو ثقافته. الهويّة تُعطى وفق طقوس معيّنة ومتعارف عليها في مختلف بلدان العالم وهي وإن كانت ضروريّة ومهمّة لتعريف الإنسان عن نفسه وعن الآخرين وتحديد انتمائه لوطن إلا أنها تبدو من حيث بنائها الثقافي والوطني والديني لشخصيّة الإنسان مليئة بمخزون عاطفي وانفعالي لا يفسح في المجال في أكثر الأحيان أمام سلام داخلي أو سلام مع الآخرين لأنها تضع الإنسان في إطار جغرافي وزمني ضمن شبكة من النسيج الفكري لا يمكن تجاوزه في الحالات العاديّة. مفاهيم مجتمعه هي التي تفرض عليه إدراكه لنفسه وللعالم من خلال هذا الموقع. هو ليس فقط أسير موقعه بل رهينة عند مجتمع يشكّل قوّة ضاغطة تحدّد له خط سيره في رحلته مع الحياة.
منابع الإيحاء الثقافي والديني تنزف في داخله باستمرار. نفس الأحداث تتكرّر عنده منذ آلاف السنين. قصّة قايين وهابيل المترسِّخة في لا وعيه تتكرّر كل يوم مع الألوف أو الملايين. كل الحروب مصدرها الهويّة بمخزونها الثقافي والديني والوطني ونستطيع أن نأخذ نماذج منها: من حروب الإمبراطورية البيزنطيّة إلى حروب الإمبراطورية الرومانيّة إلى الإمبرطورية العثمانيّة. الحروب الحديثة إيضاً: حرب الأميركيين على الفيتناميين، حرب العراقيين ضد الإيرانيين، حرب الأمركيين ضد العراق الحروب الصغيرة في بلدان الإتحاد السوفياتي سابقاً. القبائل تتحارب من منطلق هويتها. هناك حروب أهليّة بين سكان الوطن الواحد ترتكز على الهويّة الدينيّة أو المناطقيّة أو الثقافيّة.
الهويّة كانت ولا تزال مفهومة من خلال برمجة ناقصة للدماغ البشري: نحن نقول: إنسان صيني، إنسان فرنسي، إنسان عربي، إنسان أميركي. القاسم المشترك في هذه التسميات هو الإنسان وهو مخلوق طبيعي أمّا فرنسي وعربي وصيني وأميركي فهي صفات مضافة للتعريف بأماكن ولادة كل شخص ومحل إقامته ولا يمكن أن تحلّ الصفة المضافة محل ما هو طبيعي فالإنسان هو نفسه أينما وجد.
الخطأ الكبير المرتكب حتى الآن هو أن الإنسان لا يعرف من هو: إنه يكتفي حسب قول كورجيبكي "إما أن يعتبر نفسه كائناً غريزياً أو كائناً خرافياً أو الإثنين معاً"انه يكرّس كل طاقته لإرضاء حاجاته ورغباته ويعكس على الآلهة أمانيه في تحقيق هذه الرغبات. الإنسان هو كائن كوني. هويته الحقيقية هي الهويّة الكونيّة والهويّات المتداولة ليست أكثر من وثيقة للتعريف به تشير إلى الإسم ومحل الولادة والإقامة. الهويّة التقافيّة يجب أن يتّسع مضمونها لتشمل الإنسانيّة ككلّ وأن تتسامى لتتَّحد بالقوانين الطبيعيّة التي هي سبب الوجود. الهويّة الحاليّة تميّزني عن الآخر ولكنّها لا تجعل مني وحدة مستقلّة منفصلة عن العالم لأنني جزء منه وعلى علاقة دائمة به وبقوانينه الطبيعيّة. الإنسان لا يشكّل بذاته وحدة مستقلّة إنما يستمد وجوده من تبعية دائمة للقوانين الكونية التي لا يكون بدونها. جلد الإنسان ليس حدوداً لجسده إنما أداة تصله بالعالم يتنفّس من خلاله ويحسّ ويفرز ويحمي الأعضاء.
هذا الإنسان الذي يبدو بيولوجيّاً وحدة لا تتجزأ لا تكمن وحدته في تكديس أعضاء وخلايا وفق نظام معيَّن لتكوِّن الجسم البشري إنما هو مجموعة متناسقة تتناغم مع نظام كلّي. الحياة شبكة من العلاقات المتبادلة بين الكائن الحيّ والنظام الكوني: أي وظيفة تستطيع العينان القيام بها دون النور، القلب، الدماغ، الرئتان دون الهواء الذي يُغذي بالأوكسيجين. هل تستطيع الأقدام أن تتحرك دون اليابسة؟ الطاقة التي تغذّي الجسد تمدّه بها الطبيعة. الفكر البشري ناتج كوني: كي يفكّر الإنسان يحتاج إلى طاقة. إننا نعيش وفق نمط طبيعي متداخل إنوجدنا فيه ولم نخترعه: ليل ونهار... فصول – كوكب الحياة الذي هو الشمس – القمر الذي يغذّي الإخصاب ويتحكم بالمدّ والجزر... كل العوامل الكونية تتداخل لتُعطي الحياة وهكذا يجد الإنسان نفسه غارقاً في إطار متناسق وموحّد من القوانين الطبيعية التي تحفظ الحياة وتمدّها وهو جزء منها. إنه في حالة تبادل دائم مع هذه القوانين المدهشة بدقتها: إذا تدنّت نسبة الأوكسيجين تهدّدت الحياة على الأرض وإذا نقصت الجاذبيّة كذلك. إذا لم نُزوّد بالطاقة التي هي مصدر الحياة تنتهي هذه الأخيرة. هذه القوانين الطبيعيّة من طاقة وأوكسيجين وجاذبيّة... وغيره... تنسكب بتناغم كوني داخل الإنسان وخارجه وتشكّل غلافاً للحياة لا يستطيع الإنسان تجاوزه فهو بالنسبة إليه كالماء بالنسبة للسمك وإذا كانت السمكة لا تستطيع أن تحيا إلا دقائق معدودة خارج محيطها المائي فالإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا دقائق معدودة خارج محيطه الجوّي – الوحدة البيولوجيّة للجسم ليست كافية للحياة لأن الحياة هي حصيلة شبكة من التداخلات بين الكائن الحيّ والقوانين الطبيعيّة. التنظيم الكوني موجود أيضاً في كل وظائف الجسم. لا ينسى الكبد بالحالة الطبيعيّة أن يحسب بدقة المواد التي يسكبها في الدم لا قليل ولا كثير من الكوليسترول مثلاً إنما جرعة محسوبة بدقّة متناهية كذلك الكلى والغدد الصمّاء. القلب هذه المضخّة "المعجزة" التي تنبض بنمط معيّن طوال الحياة يستمرّ عمله بفعل الطاقة الكونيّة. الرئتان تنقّيان الدم وتغذيان الجسم بالأوكسيجين بشكل مدهش. فلنتذكّر قول الإمام علي رضي الله عنه:
وتحسب أنك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر
هذا التناسق الكوني النموذجي يتوقف عند الإنسان الفرد بعد أن يمنحه هويته التي تساوي بينه وبين الآخرين وتدعوه للعيش بسلام في عالم لا يملكه بل يحلّ عليه ضيفاً لفترة زمنية مؤقتة. الناس عابرون والعالم باقٍ إلى ما شاء الله. أكرّر بأن هذا التناسق النموذجي ينتهي عند الفرد ولا يتعدّاه إلى المجتمع (الذي صنعه الإنسان) لأن انتماء الإنسان كوني أما انتماؤه إلى مجتمعه فصدفة: الطفل الذي ولد في باريس ينتمي إلى المجتمع الفرنسي ولو أنه ذاته ولد في بينغلادش لانتمى إلى مجتمعها. التناسق الكوني يجعل من العالم كله مجتمعاً واحداً وهذا ما لم يُطبّق عبر التاريخ. الإنسان (وفيه انطوى العالم الأكبر) لم يضبط إيقاعه الداخلي على تنسيق وتناغم ونظام القبّة السماوية ليشكّل مجتمع سلام على الأرض. كل كوكب في السماء يدور في فلكه ولا يتعدّاه إلى فلك آخر في دوران رائع التنظيم بينما الإنسان والشعوب والدول لا يكتفون بالدوران كلّ في فلكه بل يتعدّونه إلى الآخر مشكلّين هذه الفوضى الرهيبة التي تصبغ الحياة بالأنانية والفقر والدم والحروب. المجتمعات القديمة والحديثة انتجها الفكر البشري وفق حاجاته ورغباته. الإنسان طبيعياً مدعو إلى العيش جماعات وهو يتزوّج ويؤسّس عائلة ويعتبر أن حياة أولاده هي استمرار لحياته. الحياة تستمرّ بأجيال تتعاقب دوريّا وهذه كما يقول Taillard de Chardin "هي الطريقة التي تعتمدها الطبيعة لثبات ما هو غير ثابت". يموت الأب ويبقى الإبن وتكرّ السبحة بشكل يضمن بقاء الحياة وليس الفرد. تعلّق الأهل بأولادهم أمر طبيعي. الأولاد بدورهم يؤسِّسون عائلة بنفس المناخ من التعلّق العاطفي. هكذا نشأت العائلة الكبرى، القبيلة، الوطن، الأمّة. المجتمعات الحالية أسِّسَت على هذا النمط وبقيت حتى الآن مجتمعات مغلقة على ذاتها تتوزّع على كل خارطة الكرة الأرضيّة. إن وجود مجتمع يتعلّق عمودياً بالأرض لا يتوافق مع مبدأ الحياة غير المرتبطة بأيّ مركز محدّد: هناك عرب في أميركا وأميركيون في اليابان ويابانيون في أوروبا وأوروبيون في الشرق وهذا لا يمنع أيٍّ منهم بأن يتعلّق بمكان ولادته كينبوع حنين دون أن يهمل تعلّقه بالأرض ككّل. هذه المجتمعات المغلقة المغلفّة بنسيج تاريخي وثقافي يجب أن تنفتح على بعضها البعض لتشكّل المجتمع العالمي حيث لكل إنسان الحق بالحياة والتمتّع بالصحة وتجاوز عتبة الفقر. إن مستويات العيش المختلفة يمكن تجاوزها إذا مدّت الدول النامية يد العون والمساعدة. طبعاً ليس مطلوباً منها أن توزّع كل ما تملك على الفقراء فقد يجعل ذلك ربما مساواة في الفقر ولكنها تستطيع تغيِّير نمط الحياة في الدول الفقيرة. تستطيع إلغاء المجاعات والتخفيف من المرض وتوجيه الإبحاث العلميِّة في طريق إنساني محض. فكرة الوطن، فكرة الأمّة خلقها الإنسان ويعيشها حالياً كأنها حقائق أبدية بينما هي لا تعكس حقيقة الحياة. العائلة الوطن الامة هي موءسسا ت معدة لصناعة الانسان لصناعة التاريخ لخلق اطر ومفاهيم جديدةتغير في طريقة الحياة وليس الحياة نفسها الحياةهي هي يعيشهاالانسان ولا يستطيع أن يخلقها. تجربة الإنبوب تؤكد أن الحياة قادرة على النمو خارج الجسم البشري وتؤكد أيضاً أن الحياة ناتج كوني وليس نتاجاً إنسانياً. الأب والأم لا يمنحان الحياة – هم سبب لذلك دون شك – ولكن منح الحياة يتجاوزهم. إن عناصر الإخصاب موجودة عند الأب والأم بحالة ركود والزواج يخرجها إلى دائرة الضوء. أجسادهم حافظة فقط للعوامل التي تسبّب الإخصاب والولادة. الأبوان لا يستطيعان تحويل الخليّة داخل الرحم إلى جسد متكامل: أرجل وأيدٍ وكبد ودماغ يحتوي على البليارات من الخلايا المتخصّصة.
الإستنساخ يوحي لنا نفس المفهوم: الحياة ليست نتيجة زواج بين رجل وامرأة حكماً. الحياة يمنحها من نظّم هذا الكون وفهمها أمر يتجاوزنا. نحن نأخذ هويّة الحياة: الهويّة الكونيّة، الهويّة الحقيقيّة التي تعبّر عن علاقتنا بالواقع المعاش وعلاقتنا بالعالم ككل. علاقتنا بالواقع المعاش هي علاقتنا بمحيطنا بمكان ولادتنا وعملنا، بالقسم من العالم الذي نمارس فيه حياتنا اليوميّة والذي نستطيع إدراكه بواسطة حواسنا. هذه الحواس لا تمكّننا من فهم العالم ولكنها تكيّفنا معه، مع محيطنا، مع بيئتنا: النور الذي نراه لا يشمل كل الأشعة المنسكبة من الشمس كالبنفسجية وما فوق الحمراء. نحن نرى ما يكفينا للتكيّف مع محيطنا. نحن لا نسمع كل الأصوات فجهاز السمع يزوّدنا بما هو ضروري للحياة وهكذا دواليك...
أما علاقتنا بالعالم فتختلف: هي علاقتنا بوجودنا، هي النظرة الداخليّة التي تسمح لنا بفهم النمط الطبيعي. هي تناسق مع الكون وتناغم يخلق عندنا السلام الداخلي والطمأنينة والسعادة التي نفتش عنها عبثاً في رغباتنا الماديّة. علاقتنا بالعالم هي علاقتنا بالأرض، بالقوانين الطبيعيّة وإحساسنا بانتمائنا الكوني. عندما ندرك هذه العلاقة ونعيش انتماءنا نعرف بوضوح أن الأرض بالنسبة لنا بلد غريب نعبره دون أن يكون لنا الحق في امتلاكه. نحن عابروا سبيل وبقيّة البشر هم رفاق الدرب نجتاز معهم طريق الحياة ويجب أن نجتازها كلّنا بفرح ومحبة. ماذا يحدث لو أن مسافرين يقضون وقتهم بالتشاجر، هل يستطيعون أن يصلوا إلى آخر الطريق أو أن يتمتّعو بجمال المشاهد وتذوّق الفرح الكبير الذي نحسه عندما نتأمل ما يحيط بنا؟ أية رحلة صغيرة تنظّمها مجموعة تُعدُّ لها مستلزمات الفرح. ففي هذه الرحلة يجب أن تتحّد أغانيهم بتغريد الطيور وخرير المياه يتنشّقون الهواء النقي ويمضون أوقاتهم بمحبّة. المتقاتلون في بداية طريق الحياة يراوحون مكانهم ولا يصلون إلى الهدف بل يبقون مسمّرين بالأرض يجترّون عقليّاً صراعاتهم ومعاناتهم وفي النهاية يأكلهم التراب.
لا يمكن أن تكون الهويّة المعمول بها حاليّاً سقفاُ لانتماء الإنسان. المجتمع الذي يمنحه الهويّة يحوّله إلى عامود متحرّك يلفّ عليه كالعنكبوت نسيجه الثقافي ليحجب عنه رؤية الآفاق الأخرى الرحبة. الفرد الذي ينتمي إلى مجتمع نامٍ لا يحس بوجع الأطفال الذين يموتون من الجوع في المجتمعات الفقيرة المُجبرة على البقاء ضمن خط الفقر والتخلّف من قبل مستثمريها. الإنسان في المجتمعات المتخلّفة ينظر من بعيد إلى طريقة الحياة في المجتعات المتطوّرة ليحس:"كاليتيم في مأدبة اللئام". التسوّل ممنوع في بعض الدول على المستوى الفردي لكنه مسموح على مستوى الدول الفقيرة. المساعدات التي تطلبها هذه الدول هي نوع من التسوّل المشروط من الدول النامية والتسوّل إذا لم يكن انحرافاً على المستوى الفردي فهو نوع من الطلب الخجول والمذلّ إلى الناس بالإعتراف بحق الحياة للآخرين. البلدان الأفريقيّة تؤخذ منها ثرواتها الطبيعية من معادن وبترول وغيره وتترك في حياتها البدائية وجوعها الدائم وتخلّفها المزمن بينما تنعم الدول المستثمرة بخيراتها. وحين تقدّم لها هذه الأخيرة بعض المساعدات نتذكر ولي الدين يكن في نهاية مقاله خليج البوسفور: "هم يخدعونهم يا رب ليسرقوا منهم الدعوات ويريدون أن يخدعوك أنت ليسرقوا منك الرحمة والرضوان". الرأسمال يُشبه إقطاعياً يملك مئات الهكتارات من الأرض يعمل فيها المئات من الفلاحين. عندما تحين المواسم يجمع الغلال ويكدّسها في خزائنه تاركاً لمئات العمال وعائلاتهم أن يعيشوا ممّا أبقاه لهم في سلَّة المهملات. الإقطاعي هذا ليس مسموحاً له مبدئياً أن يملك مئات الهكتارات من الأرض لأن الأرض عنصر من العناصر الكونيّة التي يكوّن الإنسان إي إنسان جزءاً منها وهي ليست ملكاً لأحد. الوطن الصغير الذي تمَّ تحديده وضعيّاً وليس طبيعيّاً هو مكان الولادة، أرض الأجداد الذين نحبّهم والذي جُبلت ذكرياتنا بترابه. الحياة في وطن لا تختلف عنها في وطن آخر إنها هي هي لا تتغير عند الفقراء والأغنياء أما طريقة الحياة فهي وليدة الظروف المعيشيّة ونمط التفكير الذي يلوّنه المجتمع ويبرمج الناس على الأوطان والقوميّات والأديان والطبقات الإجتماعيّة. طريقة الحياة هي ناتج إنساني بامتياز. الناس مسؤولون عن الغنى والفقر. المجتمعات المتطوّرة تقنياً مسؤولة عن تعلُّق الناس بأوطانهم. الدول القوية مسؤولة عن تعلّق الناس بأوطانهم ايضا واعتبار هذه الأوطان ملجأً أبدياً لهم، مسؤولة عن عدم انفتاح الشعوب على بعضها البعض لأنه وعبر التاريخ كانت الدول الأقوى تحتلّ الأضعف تحقيقاً لمصالحها وهو سلوك قَبَلي يمتدّ الى عصورٍ بعيدة حيث كانت القبائل تغزو بعضها البعض لتأمين الرعي والسبي وتحقيق مكاسب أخرى . عندما تتبنى دولة ما قوية تنمية أخرى متخلفة وتساعدها على استثمار خيراتها دون أن تأخذها وعلى تجاوز عتبة الفقر وتنشىء معها علاقة انسانية شفافة نقيّة تكون قد دفعت هذا الشعب الى سلوكٍ يتجاوز حدود وطنه ويتسامى به الى إدراك حقيقة الأخوّة البشرية وتؤسّس بذلك الى سلامٍ عالمي قائمٍ على محبة واحترام الآخر. الحروب حفرت حدود الأوطان في وجدان الشعوب، حفرتها بالقهر والدمّ بشكلٍ يصعب على الأجيال التي عاشت المآسي الكبرى والأجيال التي تلتها أيضاً تصديق مقولة الأخوّة بين الشعوب وهل من السهولة بمكان إقناع أهل هيروشيما أن الأميركيين أخوةً لهم ؟ الدولة القوية بمخزونها العسكري والعدواني تطلب من الدول الضعيفة التي تُذبَح أن تردّد ما قاله ميخائيل نعيمه : " قالت الشاة للجزّار وهو يهمّ بذبحها إحترس يا هذا من أن تجرح إصبعك " . ثقافة السلام لا تنشأ من الحروب والعدوانية والتسلّط من يتكلّم عن السلام يجب أن يؤسّسَ له بمفاهيم جديدة. الفوارق بين الشعوب لم تعد فوارق ماديّة أو حضارية فقط بل في نمط الحياة المتّبع عند كلٍ منها . الوطنية هي الى حدٍّ كبير التعلّق بعادات ترفض تغيير نمط الحياة ومن هذا المنطلق لا تستطيع الاندماج في مجتمعات أخرى تختلف عنها وربما مغايرة لها في عاداتها وتقاليدها. المجتمعات النامية حضارتها مادية والمتخلفة لا تزال ترتكز على قيم ومفاهيم زالت في المجتمعات الأخرى . عندما قال خروتشيف لرائد الفضاء غاغارين وهو خارج المحيط الجوّي هازئاً : " قل لي هل وجدت الله عندك؟ " كان كما قال لي أحد الكهنة يؤسّس لزوال الشيوعية لأن في لا وعي الناس رفض للإلحاد . الوطنية ممكن في أي وقت أن تتحوَّل الى نوع من أنانية الجماعة وتنتج حروباً على الآخرين . الوطنية الطبيعية تعبر عن ذاتها بكراهية الغريب لأنها ترى فيه دخيلاً قد يستثمر خيراتها ويفسد حياتها .
حتماً التعلّق بالأهل دون كراهية أو إلغاء الآخر عامل إيجابي أما العامل السلبي فهو خوفهم من كل ما هو أجنبي أو غريب. في الهويّة الكونيّة لا يوجد أجنبي. الوطن الصغير يمثّل رحم الحياة الذي أخرج المواطن إلى النور ولكنّه ليس وعاءً مقفلاً يعلّبنا، يحتوينا باستقلاليّة تامّة عن باقي الكائنات البشريّة. تاريخ أي وطن مليء بالغضب والحقد والحروب وهو بما يحتويه من أحداث مؤلمة يحثّنا لنفتّش عن طريق للسلام، عن آليّة لإحلال السلام وليس أن نفاخر بانتصارات عسكرية تمثّل في جوهرها اعتداء على الحياة. سمعت وربما سمع معي الكثيرون من الناس أحد رؤساء الدول الكبرى يقع في "خطأ لغوي بسيط" في أحد تصريحاته فيقول: "ليحفظ الله بلدي" بعد انتصاره في حرب خلّفت مئات الألوف من القتلى والدمار والإعاقات...إلخ حتماً الخطأ "بسيط" لم ينتبه إليه صاحب التصريح لأن الله لا يسمح بالقتل والدمار. كان يريد أن يقول: "لتحفظ الآلة العسكرية بلدي" وما قاله هذا الرئيس فيه حسب قول فرويد (Lapsus)[5] لقد تلفظ بكلمة "الله" بدل "الآلة العسكرية" أليس في ذلك تأليه للآلة العسكرية في لاوعيه؟.
التاريخ سيرة الأموات ويجب ألاّ يوجّه الأموات مصيرنا فنحن أيضاً سنموت تاركين للأجيال التي تلينا إدراكنا المشوّه للأمور. الحياة في حالة تغيّر دائم كخلايا الجسم. هناك خلايا تموت وخلايا تتجدّد. أن نُكمل ما صنعه أجدادنا هو أن نبقى على نفس الطريق الذي سلكوه دون أن نأخذ أخطاءهم بعين الإعتبار. الحياة تتجدّد باستمرار. ليس هناك حالة خلود لأي فرد. الفهم الصحيح للحياة يعكس هذه الحقيقة: الأرض باقية والإنسان عابر والعابر ليس له لا المصلحة ولا الحق في أن يمتلك شيئاً يبقى من بعده وبدونه وبعيداً عنه. الخطوط التي تفصل بين الحياة والموت هي خطوط متوازية لا يمكن أن تلتقي. ما أملكه حاليّاً لا أملكه إلى الأبد. عندما يعيش الإنسان بوعي كلّي هويّته الكونيّة نستطيع حينئذ أن نصل إلى الحلّ الصحيح الذي أسماه البعض "القرية الكونيّة" وفيها تكون كل موارد الأرض بتصرّف كل سكان الأرض. هذا هو الطريق الذي يؤدي إلى السلام وسعادة الإنسانيّة. إن الله لم يخلق الأرض عقارات مفروزة لكل شعب عقار. تحقيق القرية الكونية حلّ يحسّن نوعيّة الحياة ويضمن للناس الطمأنينة التي يحلمون بها. العولمة كاحتواء لكل سكان العالم في الوطن الكبير مقبولة إذا كانت مبادؤها: كل خيرات الأرض لكل سكان الأرض ولكن لسوء الحظ العولمة الممارسة حاليّاً هي إلى حدٍ كبير توجيه كل خيرات الأرض إلى خزائن الرأسماليين. الرأسماليون لا يستطيعون "أنسنة" الأرض فالرأسمال هو مبدئياً انحراف لغريزة التملّك ولا يمكن إقامة مجتمع صحّي سليم على أساس "الإنحراف" الرأسماليون أنفسهم يعرفون أن الأموال التي يملكونها أتتهم بطرق غير شرعية وأحياناً غير أخلاقية" تجّار السلاح، تجّار المخدرات، مالكوا المصانع العسكرية المدمّرة، محتكروا البترول والأدوية والسلع الأخرى المهمة، مستثمروا الشعب من خلال تولّيهم السلطة. كل هؤلاء وغيرهم وغيرهم جنوا ثرواتهم بشكل غير شرعي وغير معقول. الإنسان الحالي بثقافته الماديّة لا يتورّع عن التجارة بأدوية فاسدة ومآكل فيها مواد سامّة ومسرطنة، لا يتورّع عن تحويل مهنته إلى مصدر لتكديس الأموال على حساب صحّة الآخرين وحياتهم. لماذا تدفع البلدان الصناعيّة (النامية) بنفاياتها الكيميائيّة وأحياناً الذريّة إلى البلدان الفقيرة لتدفنها هناك سرّاً – دون أية جنازة – وتدفع زهيداً ثمن المقابر – ليس المقابر التي دفنت فيها المواد المذكورة – بل مقابر الذين سيموتون فيما بعد من التلوّث الناتج عن هذه النفايات؟.
السعادة الحقيقيّة ليست في تكديس المال. إنها حالة نفسيّة. السعادة التي هي هدف الحياة تكمن في أن نعيشها بتناغم مع باقي عناصر المجموعة الكونيّة. "لا نستطيع فصل أي عنصر من هذه العناصر دون تدميره"[6] لا نستطيع فصل الأوكسيجين عن الإنسان دون تدميره أو الماء عن الأرض أو السماء عن الطيور. لقد فقد الإنسان فردوسه عندما اعتبر أن المال هو هدفه الوحيد. عبادة المال ترمز إلى "تورّم خبيث" في غريزة التملّك. لقد اخترعه الإنسان كتعويض على طبيعته الفانية فافترض أنه يستمر فيما يملك. إنه يؤمِّن خلوده عن طريق المال. تكديس الأموال يرتكز على الخوف من الموت. يتوهّم الغني بأنه يستطيع بما يملك تأمين ديمومته. فلتنذكر مثل السيد المسيح في إنجيل لوقا عن الغني الذي قال لنفسه بأنه جمع مواسم كثيرة تكفيه لعدة سنوات: فارتاحي يا نفسي. "فقال له الله وفي تلك الليلة أطلب نفسك فالذي جمعته لمن يكون". إن خيرات الأرض هي لجميع سكان الأرض التي لا تشكّل بدورها بنية مستقلّة بل هي إحدى البنيات الموصولة عضويّاً بالكون. تسبح في الفضاء بقوة كونيّة. إنها يمكن أن تكون الفردوس المفقود بكل أسرارها وجمالها ومصادرها. هذا الفردوس الذي يحيط بنا، الذي يحتوينا ضاع منا عبر مداركنا الخاطئة، عبر رغباتنا التي طمست هويّتنا الحقيقيّة. الرجل العاقل الحكيم الحرّ أي المتحرّر من رغباته يجد في هذا المحيط المزروع بالألوان والأضواء والنجوم والمخلوقات التي تدعوه للفرح مكاناً سماويّاً حيث كل يوم جديد له فرحه نحس فيه بالسعادة كما نتنفّس.
الهويّة الكونيّة ليست تعبيراً إنشائيّاً أو ما ورائيّاً. هي فينا كالجلد الذي يلفّ جسدنا. الإنسان أي إنسان هو إبن الأرض. مكوّنات جسده من الأرض: اللحم – العظام – الدم – الأنسجة .... الأرض هي التي تقدّم لنا مكوّنات الجسد. هل يستطيع أي إنسان أن يتصوّر جسداً دون الغذاء الذي تمنحه له الأرض؟ حليب الأم الذي ترضعه لإبنها مصدره الأرض وهي أيضاً منحتها الأرض جسدها. الناس أبناء الأرض تنمّيهم كما تنبت الأشجار والأعشاب والورود وكما تغذّي الطيور والحيوانات وتستعيد هذا الجسد عندما تفارقه الحياة: "أذكر يا إنسان أنك من التراب وإلى التراب تعود". نحن نحيد عن هذه الحقيقّة لأن فكرنا تصادره مشاغل وهموم الحياة الحاليّة. ننسى أو نتناسى أو أننا لا نكتشف ربما هويّتنا الكونيّة لأننا لم نسمح لنورها بأن يضيئ وجداننا. نقف أمام نبع غزير متدفق عذب نتذوق ماءه ونمدحه ونعطيه إسماً ونحوّله ربما إلى منتجع أو مشروع إستثماري؟؟؟ دون أن يخطر في بالنا ونحن أمام هذا الماء الرقراق أنه هبة كونيّة فهو ليس أمامنا بالصدفة. هو خلاصة قانون كوني هذا النبع ووفقاً لهذا القانون تشكّل بفعل أشعّة الشمس التي بخّرت مياه البحار والمحيطات فتجمعَّت غيوماً في السماء ونقلتها الرياح إلى مختلف مناطق الأرض لتروي سطحها وتُختزن في أحشائها ثم تتفجّر ينابيعاً وأنهراً لتمنح الحياة لكل الكائنات. الماء هو مصدر الحياة ولا ماء بدون شمس ورياح توزّع الأمطار على الأرض لتدفقها دماً في شرايين الحياة. نمط العيش الحالي ومنهجيّة التفكير الحاليّة لا يسمحان لنا بأن نكون على تواصل دائم مع القوانين الكونيّة. قليل من الناس يستيقظ صباحاً ليتأمل بساط النور تفرشه الشمس كل يوم ليس فقط لتضيئ على الكائنات بل لتهب الحياة بدورها. نستيقظ على أفكار سلبيّة أو إيجابيّة يسكبها المجتمع في وجداننا. مشاغلنا الفكريّة أفقيّة وتعتمد المجتمع سقفاً لها ولا تتعدّاه إلى ما هو أسمى. قلائل هم الذين يستطيعون إيقاف النزيف الفكري في داخلهم ليتأمّلوا الكوكب المضيئ أو الزهرة التي أنبتتها الأرض بألوان تفوق قدرة الإنسان على صياغتها أو الهواء الذي يجتاز إلى داخلنا دون استئذان ليزوّدنا بالطاقة والأوكسيجين أو الطفل النائم كبرعم لم يتفتح بعد على تعقيدات مجتمعية تنتظره. قديماً كان الإنسان على تواصل تأمّلي دائم مع الكون. المجتمع التقني الحالي أبعده عنه: قبلاً كانوا يستيقظون على "صياح الديك" يذهبون إلى عملهم بالحقول عند بزوغ "نجمة الصبح"، يصلّون "عند الظهر" ويعودون إلى بيوتهم "عند غروب الشمس". سير الحياة اليومية كان مدوزناً على العناصر الكونية. الإنسان الحالي في تطوّره إستطاع أن يغيّب الطبيعة من وجدانه. أسر الزمن الناتج عن دوران الأرض على ذاتها وحول الشمس في عقارب ساعته المعدنيّة ليسهّل له ذلك طبيعة عمله الحالي. ليس هناك صياح للديكة إلا في مزارعها ولبني جنسها. مغيب الشمس لا يتعدّى وقفة رومنسية يتأمَّلها نفر من الناس لوهلة قصيرة. هناك مدن لا يغيب عنها الضوء ليلاً ونهاراً وأنت مضطـّر للنظر إلى ساعتك لمعرفة التوقيت. طبعاً العودة إلى الحياة البدائية مرفوض قطعاً ولكن عودة الإنسان بحياته الحالية إلى جذوره الكونية أمر أساسي.
الهويّة الكونيّة تؤمّن وحدة الإنسان بالطبيعة، بالكون، بالله. تتسامى به عن عادات وثقافات موروثة تقيّد حركة الحياة فيه، تجعلنا ندرك حين نعيشها أنه ليس هناك من أناس يولدون في قوالب من ذهب وآخرون في قوالب من تراب. الإحساس بالإنتماء الكوني هو الإحساس بالآخر كشريك طبيعي له نفس الحقوق وكجزء من وحدة الحياة. هو إحساس بالتقاسم وليس إحساساً بالتملّك. لقد وصل الإنسان في تطوره العلمي والتقني إلى القمة وهو حالياً على مفترق: إما السقوط وتدمير الحياة وإما التسامي ليحوِّل الكرة الأرضية إلى فردوس يسوده الفرح والمحبّة ويحوّله هذا التسامي إلى إنسان لا يخضع لآليّة التطوّر التقني دون أن يقرن به تطوّر الوعي أيضاً: وعيه لذاته، وعيه لبيئته، وعيه بأنه يتحرّك ضمن إطار محدود إنوجد فيه ولم يصنعه. أن يوجّه الإنسان الحالي إنتباهه ووعيه للسيطرة على أنانيته ورغباته المفرطة وعدوانيته هو الخطوة الأولى نحو تحقيق إنسانيّته. حينذاك لا يخرِّب الطبيعة ولا يلوِّث البيئة ولا يخلق مناخاً إنفعاليّاً تتكدّس فيه غيوم الحقد لتمطر صواريخ وقنابل وجوع ومرض وموت بل يسعى إلى كل ما يخدم الحياة. لماذا يصرُّ الإنسان على اعتبار الحياة مجموعة من الرغبات الآنيّة الماديّة؟ لماذا يفهم الحياة على أنها حلم يتحقق بإرضاء الجسد أو غريزة التملّك أو غريزة التكاثر؟ لكي "يفهم" يجب أن ينمّي عنده الوعي وأن ينمّي الجانب الروحي. إن الإدراك لم يعطَ له فقط لرغباته الجسدية. الوعي هو الفارق الأساسي بين الحيوان والإنسان وليكتسب هذا الأخير الصفة الإنسانية يجب أن يتسامى به هذا الوعي الذي عندما ينمو إلى مستوى يتوازن فيه الجسد والروح يقترب كثيراً من الله.
الإحساس بالهويّة الكونيّة موجود في حالة كمون في ذات كل إنسان ولكنه كماسة ثمية مدفونة في ركام التعقيدات النفسيّة والإجتماعيّة والمسار الفكري الناتج عن حركات التاريخ من إحتلال وحروب وأطماع. هذا الإحساس إذا اشتغلنا عليه يتفتح كزهرة "لوتس" في بحيرة مهما يكن الماء متّسخاً. الإحساس بالهويّة الكونيّة يشكّل منعطفاً في فكر الإنسان وتغييراً في سلوكه وشخصيته ويعطي للحياة بعداً جمالياً وغنىً روحياً مفعماً بالفرح والمحبّة ولعلَََ أصدق مثل عن الهويّة الكونيّة ما ورد في الإنجيل عندما سُئل السيد المسيح: "من هو قريبي فأجاب بمثل قائلاً بأن رجلاً يهوديّاً وقع بأيدي اللصوص فعرّوه وضربوه ثم تركوه بين حيٍّ وميت ومرَّ من هناك كاهن فرآه ومال عنه وكذلك رجل آخر من ملّته وعندما مرَّ به سامري (على عداء مع اليهود) أسعفه وأخذه إلى النزل وسدّد عنه المال وطلب إلى صاحب النزل الإهتمام به على أن يدفع له في طريق العودة ما يتوجب عليه من زيادة وسأل السيد المسيح: من هو قريبه برأيكم؟ فأجابوه الذي عامله بالرحمة فقال لهم إذهبوا أنتم واعملوا كذلك".
3
برمجة الإنسان
هل يمكن برمجة الإنسان كما يبرمج الحاسوب؟ - البرمجة هي تخزين معلومات وتبويبها بشكل يمكّن من إسترجاعها عند الحاجة. سلوك الإنسان اليومي هو في غالب الأحيان وليد برمجة يتلقّاها منذ أن يحلّ ضيفاً على هذا العالم حتى بلوغه سن الرشد. كل الناس مبرمجة والفرق بينها وبين الحاسوب أن الإنسان يعي ما يقول ويفعل بينما لا يتمتّع الحاسوب بالوعي. تصرفات الإنسان هي في أكثرها إسترجاع لمعلومات تسجّلت في خلاياه العصبيّة منذ طفولته فنحن على سيبل المثال مبرمجون على المسيحيّة أو الإسلام أو البوذيّة أو الهندوسيّة أو اليهوديّة. الإنتماء لدين هو برمجة تهدف إلى جعل تصرّفات الإنسان مطابقة لقيم روحيّة معيّنة. أصحاب العقائد السياسيّة والحزبيّة مبرمجون ويدركون الأحداث من خلال "نظّاراتهم الداخليّة" الملوّنة بمعتقداتهم. فكرة "النظّارات الداخلية" التي تلوِّن الحدث فيراه الإنسان من خلال قناعة جاهزة أو تعميم أو حكم مسبق هي تعبير عن البرمجة. ليس هناك أي رادع يمنع رجال القبائل من الثأر – ليس من القاتل فحسب – بل من أي من أقربائه رغم براءته وهذا واجب قبلي يرونه محقاً من خلال نظّاراتهم الملوَّنة بتقاليدهم. العلاقات الجنسية في كل المجتمعات مبرمجة حسب تقاليد كل مجتمع ولا يستطيع أي فرد تجاوزها. طقوس الموت والزواج كذلك... طبعاً يجب أن يخلق المجتمع ضوابط لتصرّفات الإنسان الذي لا يمكن أن يترك على هواه. أفراد المجتمع يميلون إلى التصرّف بأشكال مختلفة لذلك يجب أن يضع المجتمع حدوداً لهذا التصرّف.
المجتمع يهدف أصلاً إلى تحسين نوعيّة الحياة، إلى تسهيل التعايش في إطار من الإحترام المتبادل وتحقيق وحدة الحياة في نمط هادئ مستقرّ لا تثور فيه الغرائز ككرة النار تحرق الآخرين ثم ترتدُّ على أصحابها.
المجتمع قوّة ضاغطة تضبط إيقاع الناس في حركتهم اليوميّة وتبرمجها وفق حاجات المجموعة وهو يتجاوز الشكل المادّي ليصبح واقعاً نفسيّاً يضغط بثقلٍ ليرغمنا على التحرّك ضمن الإطار الذي يرسمه، ليصبح فكرة - وليس مجموعة افراد- تُبرمج تصرفاتنا في قنوات تتناسب مع قيمه ومفاهيمه ولا يسمح بأي اختراق لها رغم أنه لا يملك وسائل إدانة مباشرة بل سلطة معنويّة أهمّها حسّ العيب وهذا الحسّ هو الغلاف الذي يحمي السلوك البشري من التفكُّك والتدنّي والذي بزواله ينحرف هذا السلوك لتصبح العلاقات بين أفراد المجتمع متّسمة بالرياء والوقاحة وقد يؤدّي أيضاً إلى زوال الحسّ الإنساني والتغيير في طبيعة العلاقات بين الناس.
هذه البرمجة تبدأ مع العائلة وتمر بالمدرسة لتصل في النهاية إلى المجتمع الذي – كقوّة ضاغطة – له وجهان: سلبي وإيجابي. إيجابي من حيث ضبطه لسوك الأفراد وفق مفاهيمه إذا كانت هذه المفاهيم صحيحة وسلبي عندما لا تكون صحيحة فيصادر شخصيّة الإنسان الحقيقيّة ليعطيه الشخصيّة التي يريدها هو. قلّة من الناس مثلاً يكون اختيارها للمهنة إمتداداً لشخصيتها وكفاءتها. الظروف المجتمعيّة هي التي تدفع الإنسان غالباً لاختيار مهنته. هناك أطباء شعراء وفيزيائيون فلاسفة ومهندسون يشعرون بالغربة في مهنتهم ورغم ذلك يطلب إليهم المجتمع أن يمثّلوا الدور المعطى لهم، أن يلبسوا "القناع" ويدوزنوا سلوكهم من خلاله. المجتمع يخلق عند الإنسان شخصية موازية لشخصيته الحقيقية. نحن في أغلب الأحيان نعيش الحياة ونمارس تفاصيلها حسب ما يريد هذا المجتمع فهو مجموعة "أشخاص" أساساً و"الشخص" (Personna) يعني القناع، كلمة مستعارة من المسرح القديم حيث كان الممثل يضع على وجهه قناعاً ويلتزم به طوال فترة عرض المسرحيّة ليلعب الدور المعطى له بعيداً عن ذاته. نحن جميعاً نلعب في المجتمع دور "الشخص" وشخصيَّتنا تتبدّل مع القناع الذي نرتديه والذي لا نلعب فقط الدور المناط بنا من خلاله بل يتّحد بشخصيتنا. شخصية الإنسان ليست إمتداداً حقيقيّاً لشخصيّته المولود بها لأن العائلة تعيد صياغتها وفق القيم والمفاهيم وطريقة التصرّف المعمول بها. شارل بلونديل يقول: "إن اللفائف التي يقمّط بها الطفل هي كفن لشخصيّته الأساسيّة" لأنه سوف تحلُّ محلها شخصية جديدة مبرمجة من خلال العائلة والمجتمع.
سلوك الإنسان المبرمج ينبع إمّا عن لا وعيه الشخصي، إمّا عن عاداته وإمّا عن وعيه العادي وفي كل هذه الحالات الأفكار الإجتماعية هي مصدر البرمجة.
اللاوعي الشخصي تتراكم فيه في مرحلة طفولية مبكّرة عوامل الصراع بين الرغبة والممنوعات الإجتماعية مكوِّنة أحياناً كثيرة العقد النفسيّة فالإحساس بالنقص يتجذّر في اللاوعي ويكبر مع الطفل ليصبح راشداً فيعيقه عن التكيّف مع الآخرين والتعويض عن هذا النقص بالفوقيّة ينتج عنه شبه إعاقة لأنه يلبس الإنسان شخصيّة كاريكاتوريّة بعيدة عن الواقع. الإرتباك، الخجل، الخوف، الإنحراف تنبع كلها من اللاوعي هذا الخزان المليئ بأفكار نجهلها، أفكار مكبوتة تتجمّع أحياناً لتنقضُّ على تصرفاتنا وكأن قوّة خارجية تسيّرنا رغماً عنّا. كم مرة يرسل هذا اللاوعي إشارات باهتة في سلوك الإنسان تدعوه للتأكد من أنه أقفل التلفزيون قبل أن يترك المنزل أو أطفأ أضواء سيّارته في المرآب قبل أن يدخل. النسيان في حياتنا اليومية خاضع حسب "فرويد" لمقتضيات اللاوعي ويورد في هذا الإطار مثله المشهور عن رئيس مجلس إدارة يريد إفتتاح الجلسة فيقول: "أيها السادة أعلن إختتام الجلسة" لأن أكثر المتكلّمين فيها كانوا معارضين له وكان يتمنّى في لا وعيه لو لم تكن هناك جلسة أساساً. اللاوعي يعكس صراع الإنسان مع رغبة المجتمع في صياغة شخصيته بعيداً عن ذاته ويفقدنا التوازن بين هذه الذات والقناع الذي يرغمنا على التخفـّي وراءه وهو أيضاً يتحكّم بأكثر تصرفاتنا اليومية شئنا أم أبينا. هو تجسيد للصراع القائم ومنذ طفولتنا بين ميولنا الأساسية وبين الأفكار التي تنسكب في داخلنا من العائلة والمجتمع لتغمر الذات في العمق والذات في هذه الحالة لا تستطيع أن تخرج من الظلمة إلى النور وإذا حاولت فكما تحاول موجة من الماء العبور فتصطدم بجدار من الإسمنت. طبعاً لا يستطيع أحد أن يقول أن الطفل يخلق صفحة بيضاء. الخريطة الجينيّة مرسومة في خلاياه وفيها الكثير من الصفات الموروثة التي تشبه ماركة الحاسوب التي يكون على أساسها متقن الصنع أو سريع العطب. المجتمع مثلاً لا يكسب الإنسان طبعه لأن الطبع يولد مع الإنسان لكنه يغيّر ملامح الشخصيّة الأساسيّة ليعطيها الشكل المقبول لديه كشجرة تدفعها ذاكرة خلاياها أن ترتفع عموديّاً بإتجاه السماء فيلويها المجتمع وفق النموذج المقبول لديه.
البرمجة المترسّخة في اللاوعي والمعزولة عن انتباهنا بجدار منيع غلّفته السنون بنسيج صعب الإختراق هي في حالتها السلبية أسوأ ما في داخلنا وأسوأ ما فيها أنها إلى جانب احتكار تصرفاتنا تعبّر في أحلامنا بلغتها الرمزية عن معاناة الذات المسجونة في داخلها بشكل يقضُّ مضاجعنا. لو أن العائلة والمجتمع يمارسان الحياة بشفافية ونقاء لكان كل ما ينسكب في لاوعينا هو العامل الأكثر تأثيراً في تفتـّح الذات بشكل طبيعي هادئ بعيداً عن العقد ولكان وجه الحياة تغيّر للأفضل. كم من المرات يحاول الإنسان أن يواجه ذاته ليغيّر ما به ليصبح كما يريد لا كما هو دون جدوى. يغضب، يثور، يخطئ بحق نفسه وبحق الآخرين وعندما يواجه ذاته معترفاً بأخطائه محاولاً تغيّير ما به يصطدم بجدار اللاوعي فيثور من جديد لعدم قدرته على التغيّير وتقوده ثورته هذه أحياناً إلى الإنهيار. في نظرتنا إلى ذاتنا هناك غالباً مزاج سيّئ يجب التغلّب عليه وبدلاً من الإنتصار غير الممكن في أكثر الأحيان يضاف إلى هذا المزاج السيئ الفشل والأفكار السلبية التي ترافقه ويبقى الصراع مع الذات مفتوحاً على كل الإحتمالات.
اللاوعي تتركّز في داخله إلى جانب أحداث تاريخنا الشخصي ميول عاطفيّة وأخلاقيّة. إنه يغذي المخيّلة والذاكرة ويساعد على الإبداع كما تستقرّ فيه أيضاً الأفكار الدينيّة والجماليّة. كل هذه المحتويات تنعكس في شخصية الإنسان وتصيغ تصرفاته حسب التأثيرات السلبيّة والإيجابيّة التي تلقاها. لا يجوز أن يتحوّل هذا "الخزان" المليئ بالإبداع إلى "مكبّ" ذكريات متناقضة تقودنا إلى الإضطراب في سلوكنا. إن أي تصرّف أو برمجة من قبلنا أو من قبل الأهل أو المجتمع بمختلف مؤسساته ينسج في داخلنا خريطة مسبقة للتصرّف. أيُّ واحد منّا وفي كل لحظة من حياته يبدو "صورة طبق الأصل" لما كان عليه في صغره مما دفع كاتباً إنكليزياً إلى القول بأن الطفل هو أبو الرجل. التاريخ الشخصي للإنسان هو سلسلة متواصلة لأحداث تتالى منذ مجيئه إلى هذا العالم ونسيج من تصرفات الأهل والأجداد وتقاليد محيطه. هذا التاريخ الشخصي يجب أن يتنبّه الأهل "لكتابته" منذ البداية بشكل واضح يُنتج الفرح بدل أن نحفر في خلايا الطفل العصبيّة تعقيداتنا. الطفل فرح العائلة وفرح الحياة كذلك.
العادات والتقاليد الإجتماعيّة هي أكثر مصادر السلوك المُبرمجة للإنسان. لن أدخل في تفاصيل أوليّة عن تأثير العادة في العمل اليومي فهناك السيئ منها وهناك الجيّد. العادات تحل مسائل كثيرة في حياتنا اليوميّة خاصة على الصعيد المهني كما أنها في الجانب السلبي مصدر ضرر كبير. العادة كما يحدِّدها (Ricoeur) هي الطريقة التي من خلالها نحسّ وندرك ونتصرّف ونفكّر. ضمن هذا التحديد تكون العادات إطاراً تتحرَّك ضمنه طاقة الإنسان وترسم سلوكه في المجتمع: الطريقة التي نرتدي بها ثيابنا، توقيت وعدد الوجبات الغذائيّة، الطقوس المتّبعة في المناسبات من زواج ومآتم وأعياد شعبيّة، طريقة السلام على الآخرين كلها تدخل في إطار برمجة الإنسان على العادات والتقاليد. نحن لا نستطيع مثلاً تحديد أيام عطلتنا أو مراسم زواجنا كما نريد. المجتمع يحدِّدها وتحديده لكل العادات والتقاليد الإجتماعيّة ليس أبديّاً بل يتغيّر مع الزمان والمكان. ما تعيشه قبائل بدائية حالياً كانت تعيشه منذ زمن الشعوب المتطورة الآن. التغيير هو كناية عن تطوّر يهدف إلى التكيّف مع الظروف الحالية وتقاليد المجتمعات بحالة تغيّر دائم وإن يكن بطيئاً. التقاليد والعادات الإجتماعية تفتح قنوات لتحرّك الناس خارج إطار الذات وهي تنعكس على شخصية الإنسان فتلوّنها وتغيّرها. الطريقة التي نحس بها هي إجمالاً عادة: المشاهد المألوفة لا تحرّك أحاسيسنا أو تستلفت إنتباهنا. حديقة الورود الغضّة والمليئة بالألوان أمام منزلك مشهد إعتيادي بالنسبة لك بينما يقف الزائر أمامها مدهوشاً بجمالها وروعتها. مشاهدة البؤس باستمرار تفقدنا الإحساس بالشفقة. أكثر من ذلك نحن ندرك العالم من خلال ما عوّدنا عليه المجتمع: عندما يصاب أحد أفراد القبائل البدائيّة بمرض ما يعطيه أسباباً خرافيّة كأن يقول أنَّ سببه غضب الآلهة ويلجأ إلى طقوس وتعاويذ وعادات يرى فيها شفاءه بينما يحدّد الطب هذا المرض بطريقة علمية ويعالجه بالأدوية. عند خسوف القمر تتمُّ مراقبة الحدث في المجتمعات المتطوِّرة من منظار علمي بينما في مقلب آخر من العالم تقرع الطبول وتقام الصلوات والزغاريد لتخليصه من التنين الذي ابتلعه. تقاليد المجتمع لا تحتكر تصرفات الإنسان فحسب بل تتجاوز ذلك لتطال تفكيره: القناعة الجاهزة، الأحكام المسبقة، التعميم والأمثلة كثيرة. في المجال العلمي يسير الباحث غالباً وفق ما اعتاد عليه بمنهجيّة معيّنة إكتسبها أثناء تحصيله الجامعي. أينشتاين يقول بأن إبداع (Farady) وخروجه عن المألوف عائد لكونه لم يتعوّد على منهجية البحث الجامعي.
أمرٌ غريب !!! أين ذات الإنسان من كل ما يحصل؟ هل أبصر النور ليعيش في نفق يعبق بالأوامر والعتمة ويدور في داخله حسب إشارات السير الموضوعة مسبقاً والتي لا تدلّه على طريق يخرج منه إلى النور؟ نحن لا نستطيع تغيّير المجتمعات التي هي تعبير مجسّم عن الأفراد الذين يشكّلونها بما هو مكتسب وموروث عندهم لكنّ حياة الإنسان لا تنتهي حدودها في المجتمع بل تتعدّاه لما هو أسمى من ذلك. الإنسان الحالي جعل المجتمع سقفاً للحياة لا يتعداه إلا في حالات قليلة وإذا كنّا لا نستطيع تغيير المجتمع فإنه باستطاعتنا أن نغيّر أنفسنا بوعي أكثر لذاتنا.
التقاليد الإجتماعيّة والعادات الشخصيّة تساهم كلُّها في تخفيض نسبة الوعي عند الإنسان وأحياناً في تعميته عن حل مسائل حياتيّة كبيرة، تحوّله أحياناً إلى "إنسان آلي" وتوقف قطار الحياة في محطة واحدة.
التصرفات الواعية بمفهومها العادي هي غالباً إدارة التصرفات الإعتياديّة بالإضافة إلى الطبع والمزاج . التوقّف عند التصرّف الواعي هو الأمر الأكثر أهمية للتعبير عن قيمة الحياة. ما هو هذا التصرّف؟
الإنسان يتّبع نمطاً عادياً في حياته – نوم ويقظة – والمتعارف عليه أن حالة اليقظة هي حالة الوعي وتبدأ حين ينسحب النعاس من أعيننا لنبدأ نهاراً جديداً وفي هذه اللحظة بالذات يستيقظ معنا سيل من الأفكار التي تمّت برمجتنا عليها والتي لها صلة بحياتنا اليوميّة، بعائلتنا، بمهنتنا، بعلاقتنا بالآخرين، بماذا يقال عنّا وماذا سنفعل اليوم أو غداً. كل هذه الأفكار تأخذنا خارج الذات. يغادر الإنسان سريره كإنسان آلي ليقوم بالأعمال الإعتيادية لكل يوم بفكر مشوَّش: الإستحمام، الفطور، إرتداء الملابس والتوجّه إلى مركز عمله: نفس المكان الذي يرتاده كل يوم بنفس الأفكار والقيام بنفس الأعمال. هل هذا هو التصرف الواعي فعلاً؟
الإنسان الحالي مشغول بصراعه الدائم لإيجاد التوازن والسلام الداخلي اللذين إبتلعتهما صعوبات الحياة اليوميّة: هموم العائلة، الأولاد، الأهل، الضغط الإقتصادي، الوضع المهني... الإنسان الحالي لا يرى الحياة كما هي لأنها تتلوَّن بكآبته. يهرب من هذه الكآبة إما بالحلم فيقول لنفسه: "سأجد عملاً أفضلاً وأعيش حياةً هانئة، سوف أكسب أكثر" أو يهرب منها بالكحول والمخدِّرات أو بأحلام اليقظة وهكذا يعيش نوعين من الحياة أحبَّهما إليه هي الحياة القائمة في خياله وأحلامه أي خارج ذاته. لا يستطيع أن يعيش اللحظة الحاضرة لأن المسائل التي تعصف حوله كل يوم تجعله يعبر فوق الحاضر دون أن يعيشه فيعبر مباشرة من الماضي بكآبته إلى المستقبل المجهول بالنسبة إليه. المصادر التي تغذي تفكيره مشحونة بالسلبيّة والهمّ. يقرأ الصحيفة ليجد فيها فيضاً من المشاكل في الوطن وفي العالم المضطرب. يشاهد التلفزيون ليدخل إلى ذهنه كل ما توفـّّر من سلبيات: قتل ودمار وحروب وإرهاب. يبدو أن الإعلام المرئي وهو معمَّم فضائياً يساهم في تحجير الحسّ الإنساني. فمشاهد الدم والجثث المقطعة أشلاء تفقد الإنسان الحسّ بالشفقة والكثير من الحسّ الإنساني. يخلد إلى فراشه ويستلقي فتستفيق في ذهنه عاصفة من الأفكار وغالباً ما تكون سلبية. هل هذا هو الإنسان الواعي؟ - بالتأكيد لا. لا يمكن أن يكون الوعي معبّراً عن قيمة الحياة إلا في حالة تحقيق الإنسان لذاته وإحساسه بهويّته الكونية التي تنتج شخصيّة غير مبرمجة على مجتمع وأحداث وتجارب تسمّره في النمط الحالي بل تتعدى ذلك ليطلّ منها على آفاق من نور لا متناهية. الإنسان بوعيه الكوني يستيقظ صباحاً ليطلّ من نافذته على شراع النور الذي تنشره الشمس، يتحرّك من سريره بوعيٍ كامل لجسده وحركاته ويبدأ رياضة تجعله يتّحد بالكون عبر الجسد والروح. عندما يستحمّ يتـّحد مع الماء – الهبة الكونية الأهم بالنسبة للحياة يحسُّها كما لو أنها تغسل كل مشاكله وعندما يتناول فطوره يعرف أنه يزوّد جسمه بطاقة تعينه على التحرّك وهذه الطاقة أيضاً هي هبة كونيّة من الطبيعة للإنسان. يأكل بوعي دون جوع أو تخمة ويبدأ يومه الجديد وكأنه ولد معه من جديد.
الإنسان الواعي هو الذي يعيش الحاضر، يعيش اللحظة الراهنة. هو الذي يستطيع مراقبة أفكاره التي تسيل باستمرار. الأفكار تنسينا أحياناً أن نعي ذاتنا، تتدفـّق لتشغلنا بصورها التي لا نستطيع أحياناً التخلّص منها. الأفكار بالنسبة للدماغ البشري تنقسم إلى قسمين: آلهة وشياطين. الآلهة هي الأفكار الإيجابيّة التي تخلق الفرح والهدوء والمحبّة: تجلس على شرفة منزلك أمام منظر مدهش، تسافر مع هذا المشهد في أبعاده الجماليّة. تنسى ما يدور حواليك، تنسى مشاكلك. إنتباهك مشدود إلى الأشجار، إلى الألوان والظلال والعصافير فتغيب في ساعة تأمُّل تخرج منها بفرح عظيم وسلام داخلي. إنسان آخر يجلس على نفس الشرفة أمام نفس المشهد بأفكاره السلبيّة فيتذكّر أنه وفي هذا المكان بالذات حصلت له حادثة أثارت غضب والده فضربه كثيراً وتذكّر أن والده كان قاسياً يضرب أخواته ويهدّد والدته ويتذكّر أنه عندما رسب في الإمتحان أخذه والده إلى نجّار ليعلّمه المهنة قائلاً له بأنه لا يصلح للعلم بينما استطاع جاره أن يجعل من أولاده مهندسين و... وهكذا يستمرُّ نزيف الأفكار السلبيّة يتوارد في ذهنه ليستفيق من تأمّله في رحلته إلى الماضي منهكاً، منفعلاً ومنهاراً. الأفكار السلبية تتأتـّى من الذاكرة التي تجعلك تعيش الماضي وكأنه جزء من اللحظة الراهنة. تتـّحد به. تأخذ هويته بينما وظيفة الذاكرة الحقيقيّة هي أن يكون لك ماضٍ تتعلم من تجاربه. النسيان هو أحد وظائف الذاكرة التي تعطّلها الأفكار السلبيّة.
أن تعيش الماضي هو أن تحرّك من جديد مصادر كآبتك. إنك تولد من جديد مع كل انفعال ماضٍ كقصبة في مهبّ الريح تتحرّك مع كل نسمة وتلويها العواصف. الواقع أن لك ماضٍ وعندما تكون في الحاضر يجب ألا تكون هذا الماضي، ألا تتقمّص هذا الماضي.
هل يستطيع الإنسان الحالي أن يعيش اللحظة الحاضرة بوعيٍ صافٍ؟ - طبعاً لا بالنسبة للكثيرين لأن نمط الحياة الحاليّة يمنعه من ذلك. الإنسان اليوم لا يعي جسده مثلاً إلا حين يشعر بألم. الجسد هذه الآلة العجيبة التي تختزن الحياة وتحرّكها ننساه كلياً في تصرفاتنا اليوميّة. وأنت تقرأ الآن لا تعي كيفية جلوسك، كيفية وضع هذا الجسد. وأنت وراء مكتبك تتحوّل إلى أفكار وأوراق فقط جسدك غير وارد في انتباهك لا تعيه إلا حين يناديك: أنا جائع أو أنا عطشان أو حين يتعطّل عضو فيه مسبباً لك المرض والألم. نحن نستعمل جسدنا أحياناً "كسلة مهملات" نسكب فيه مآكل حتى التخمة نملأ خلاياه بالقطران والنيكوتين حين ندخّن، نعطـّل وظائفه بالكحول وأحياناً بالمخدرات دون أن يخطر في بالنا أن كل خليّة فيه تقوم بعملها من أجل الحفاظ على الحياة.
الإنسان الحالي لا يعي محيطه الكوني إلا حين تحصل عوامل تخرجه عن المألوف: هزّة أرضية، زلزال، فيضان، كسوف، خسوف...
الإنسان الحالي لا ينمّي كل أحاسيسه لأنه لا يستعمل منها إلا ما اعتاد عليه. لا ترى عيناه إلا ما يبحث عنه في معرض بحثه عن حاجاته. أذنه أصبحت مبرمجة على وسائل الإعلام والقيل والقال غارقة في حمام لغوي أو برمجة لغوية تفيد عندما تكون كلمات هذه اللغة نابعة من القلب وتؤذي عندما يكون هذا الكلام غلافاً للكذب. كم إنسان يمرّن أداة سمعه على تغريد الطيور أو خرير المياه أو حفيف أوراق الشجر أو الموسيقى الراقية التي تحرّك خلايانا، تنمّيها، تساعدها على تأدية وظائفها وهل يعرف الكثيرون أن هناك علاجاً بالموسيقى؟ منطقة الإبداع الفكري تنحصر في الإطار الفني: الشعر، الرسم، الموسيقى، لأن لغة هذا الإطار شفّافة وتعبّر بصدق عن مكنونات الإنسان وعن ذاته بينما اللغة التي نتبادلها تتضمّن أحياناً أسوأ أنواع البرمجة ولها وجهان: الصدق والكذب. يستطيع الجندي الذي يدافع في الخطوط الأماميّة من جبهة القتال أن يقول: أحب وطني وهو بذلك يعبّر عن أحاسيسه بصدق وأمانة ولكن يستطيع أيضاً الموظّف المرتشي أو الذي يستثمر السلطة أو الشعب أو حتى أي عميل لدولة أخرى أن يقول أمام الآخرين: أحب وطني وهو بذلك يلبس غرائزه قناعاً لغوياً ليخدع الناس بينما لا يستطيع الرسّام أن يلوّن بالأصفر عيني شخص يرسمه أو النحّات أن ينحت أذن التمثال في بطنه أو الموسيقار أن يعزف لحناًً جنائزيّاً في حفلة زفاف.
البرمجة اللغويّة للخلايا الدماغيّة تجعل هذه الأخيرة مسكونة بالشياطين والعقد واليأس والحزن. إحدى الصحف الفرنسية أجرت إحصاءً للمفردات التي يستعملها السياسيون في أحاديثهم العامّة وبدائلها الحقيقيّة فتبيّن أنها تختلف عنها وتناقضها أحياناً. اللّغة أو اللغات التي يستعملها الإنسان هي من صنعه يتصرّف بها كما يشاء بينما منطقة الإبداع هي من صنع الله. لا يستطيع أي فرد أن يكون شاعراً أو ملحناً أو رسّاماً بينما يستطيع أي إنسان أن يحفظ قاموس اللغة ويستعمله كما اعتاد في حياته اليوميّة. الأبجديّة أصلاً إخترعها الفينيقيّون وعلّموها لشعوب أخرى بهدف تسهيل تجارتهم. ليس صحيحاً أن نحدّد الإنسان بأنه حيوان ناطق. إنه يختلف عن الحيوان بالوعي وإلا لماذا لا تصنّف الببغاء إنساناً؟ التعبير النابع عن الذات يكون صادقاً ولا يمكن أن يكون غير ذلك. الكذب لا يمتُّ بصلة إلى الذات الحقيقيّة بل هو رداء ملوَّن يلفّ القناع الذي يخفي شخصيتنا الحقيقيّة. تبادل الكلام والأصوات يخضع لعامل كوني، لذبذبات في الحقل الطّبيعي الذي يحيط بنا وإلا كيف تنقل الكلمة أو الصورة من محطة البث إلى أجهزة المستمعين؟ نحن نستعمل في أحاديثنا البث والتلقـّي أحياناً كثيرة للتكاذب. نستعمل العامل الكوني للغش. الكلام يجب أن يترجم فكرة والفكرة الإيجابيّة تتجسّد وتصبح واقعاً ملموساً يخدم الإنسان بينما الأفكار السلبية تضرُّ به. كلّ الناتج الإنساني من حضارات وأبنية وإكتشافات كان فكرة وأصبح واقعاً ملموساً لأن هذه الأفكار صيغت بلغة الرياضيات – اللغة العلمية الهادفة – وفي هذا الإطار فقط من البرمجة اللغويّة تكمن عمليّة التطور. الأديان حذّرت من الكذب. السيد المسيح قال: "ليكن كلامكم نعم نعم أو لا لا". الرسول العربي الكريم قال: "وإذا أتاكم فاسق بنبأ فتبيّنوا". هناك مواقف كبيرة تبنى أحياناً على الكلمات. على المستوى الفردي هناك بيادر من الكلمات مكدّسة في اللاوعي وتحمل مخزوناً إنفعالياً يلوّن حياتنا بالغضب والحزن واليأس وأحياناً قليلة بالمحبة. المحلّل النفسي يكتشف أحياناً أنَّ من يعالج عنده تعرّض لتعنيف كلامي في طفولته من والده مثلاً. هل يجب أن تكون الكلمة كالسوط توجع وتجرح وإذا كانت كذلك فلماذا لا يبرمج الإنسان على استعمال المفردات التي تشير إلى المحبة والحنان والهدوء. أحد الناس الطيبين قال لي: "إن الكلمة الحلوة مجانيّة والبشعة كذلك فماذا نخسر إذا استعملنا الكلمة الحلوة؟" عندما يكتسي الغضب ثوب اللغة تتجرّح آذاننا. لغة الرياضيات لا تكذب: واحد زائد واحد يساوي إثنان بينما يتندّر الناس بالمثل المشهور بأن رجل السياسة عندما يقول لك نعم يكون طلبك ممكناً وإذا قال لك ممكن يكون طلبك مستحيلاً.
برمجة الناس على الكذب مسؤول عنها المجتمع. المجتمع هو الذي يبرمج على استعمال الكذب وحين يقول الناس لمن يكذب بأنه يكذب دون مواربة أو خجل نلغي جزءاً كبيراً من الكذب. هل يجب التذكير بأن وزيراً بريطانياً سابقاً إستقال من منصبه لأنه كذب ومتى يصبح ذلك ممكناً في كل المجتمعات؟
اللغة وسيلة تفاهم بين الناس تحوّلت بفعل برمجة الإنسان على تحقيق رغباته بأي ثمن إلى التعبير المقنّع عن هذه الرغبات بقطع النظر عن بعدها الإنساني وعن كونها وسيلة تفاهم يجب أن تكون شفّافة ونقيّة. اللغة باستعمالها الحالي ليست إلا مصدر شكوى وإضطراب في السلوك البشري. ففي الميدان السياسي تغيّر عقول الناس ومفاهيمها وتمنعها من الوصول إلى الحقيقة وفي الميدان التجاري "شطارة" وفي الميدان الإعلامي غسيل أدمغة وفي علاقات الناس اليومية تترجم تعقيدات الأفراد. اللغة تعبّر عن الأفكار وطالما أفكار الناس مضطربة في مجتمع تختفي فيه الأبعاد الإنسانية فهي واسطة نقل لهذه التعقيدات. اللغة في هذا الإطار لا تعدو كونها وسيلة نقل نحمّلها مضامين ملوّنة بحاجاتنا وانفعالاتنا وكل متطلّبات الأنا ونرسلها إلى الآخر. اللغة أحياناً كثيرة "كلمات، كلمات، كلمات" تتطاير في الهواء ولا تعكس حقيقة الأحاسيس والمشاعر. نحن مسؤولون عن تغيير مضامينها يجب أن نكون صادقين في تعابيرنا. الناس ومنذ زمن طويل، وبحكم عبوديتهم لحاجاتهم يسيرون في طريق لا يسمح لحياتهم بأن تكون شفّافة. الصراع بين الخير والشر سلاحه الكلمة.
برمجة الإنسان هي كناية عن ميول وممنوعات كامنة في اللاوعي الذي يشبه "الصندوق الأسود" في أية طائرة. هذا الصندوق الذي يحوي كل الإتصالات بين القبطان وأمكنة الهبوط والإقلاع. كذلك هذه البرمجة الساكنة في اللاوعي تحوي كل التفاصيل بين القبطان (الدماغ) والسلوك البشري. مسألة ضياع الإنسان وربما الألم والفقر، مسألة فقدان العدالة، مسألة عدم التحكّم بغرائز الجسد كلها عوامل عائدة لعدم تمكن الإنسان من فتح صندوقه الأسود وتنقيته وجعله شفّافاً يصل الإنسان بالله. فلنتذكر جبران: "لا تقل الله في قلبي لكن قل أنا في قلب الله".
البرمجة المدرسيّة هي من أهمّ العوامل التي تنتج الإنسان كما يريده المجتمع. فالمنهج المدرسي يهدف إلى "صناعة" أو صياغة الإنسان من خلال مضمونه ومحتوياته. المناهج في العالم ليست موحّدة فكل دولة تضع المناهج التي تناسبها والتعليم جزء مهم للتكيّف مع الحياة الحاليّة والعلوم بمختلف فروعها شغلت ولا تزال تشغل الفكر البشري وتنتقل بتواصل من جيل إلى آخر عبر المدرسة المرحلة الأهمّ في حياة المتعلم لكنّ المدرسة بشكلها الحالي هي انعكاس لمجتمع أوشك أن يتحجر في قالب مادي يغلب فيه الجمود على الحياة. المدرسة حالياًً تغني الإنسان على مستوى التصرّف وتحقيق الحاجات الماديّة في مجتمعه التقني ولكنها لا تغنيه على مستوى القيم الإنسانية والأخلاقية. المدرسة التي تتسلّم الطفل في بداية حياته وتسلّمه في سن الرشد إلى المجتمع يجب أن يكون عملها شموليّاً في التربية والتعليم وأن تحضّر الإنسان للحياة لا أن تحضّره وفق نماذج إجتماعيّة تتكدّس في ذاكرتها النظريات التي تسير أحياناً في خطٍ موازٍ للحياة. ليس مهماً أن يعرف المتعلّم حلّ مسألة رياضيّة إذا كان لا يستطيع حلّ مسألة حياتيّة ولا مهماً أن يعرف أن الأرض جزء من النظام الكوني دون أن يعرف أنه هو أيضاً جزء من هذا النظام. ما الفائدة في أن يعرف بأن الماء مؤلّف من الهيدروجين والأوكسيجين طالما أنه يلوّث هذا الماء. العلم يجب أن يكون لصالح الحياة وليست الحياة لصالح العلم: "السبت خلق من أجل الإنسان ولم يخلق الإنسان من أجل السبت". مشاكل العالم الحالية يجب أن يبدأ حلّها بالمدرسة ولعلَّ أخطر هذه الأزمات هي أزمة إلغاء الآخر عن طريق الإرهاب أو الحروب. يجب أن يتعلّم الإنسان ومنذ طفولته إحترام الآخر كجزء كوني متمّمٍ له ولوجوده. إن تعليم الرياضيات والكيمياء والفيزياء والتاريخ والجغرافيا لا تكفي لإعداد إنسان يحترم أخيه الإنسان. أهم مادة يجب أن تلحظ في أولوية المناهج هي إنتماء الإنسان الكوني ثم الرياضة التي تصقل العقل والجسد معاً. الروح الرياضية في أية ممارسة رياضية تلخّص بإبداع إحترام الآخر. الفريق الخاسر لا يحاول إلغاء الفريق الرابح بل يتقبّل خسارته بمحبّة مهنئاً إياه. الإهتمام بالجسد مدخل أساسي للحياة لا بل الجزء الأهم من إعداد الإنسان. السيطرة على النفس لا تتم إلا عبر السيطرة على الجسد، هذه الآلة العجيبة التي نحيا بها والتي تستطيع تدميرنا إذا تركناها تتصرّف وفق ميولها الأساسيّة أو غرائزها والتي إن أحكمنا سيطرتنا عليه يتحوّل هذا الجسد إلى فكرة. لاعب السيرك ينفّذ فكرة اللعب بجسده المطواع وكذلك الراقصة. الإثنان ينفـّذان بإبداع وبدون وعيٍ كاملٍ منهم للتناسق بين تفاصيل حركات جسدهما. هما لا يعطيان أوامر لكل عضلة من عضلاتهما للتحرّك وفق خطة مرسومة ورغم ذلك تتحرّك هذه العضلات بتناغم. إهتمامهما مشدود فقط إلى المشهد العام والنهائي بتقنية ثابتة. الرياضة تمرين إيجابي أيضاً لتعلّم لغة الجسد: تغضب فتتقلّص عضلات وجهك وتقطّب جبينك ويسكت ربما من حواليك. تبتسم فتثير ابتسامتك العدوى. الرياضة تمرين أساسي للسيطرة على الإنفعال يؤدي إلى التوازن الفكري الجسدي محققاً إنسانية الإنسان. الأولوية الثانية في المناهج يجب أن تكون ترسيخ القيم المتعارف عليها في ذهن المتعلّم وجعلها جزءاً من تصرفاته. نحن لسنا بحاجة إلى علماء يخترعون أسلحة دمار شامل بل لنماذج بشريّة تنشر ثقافة اللاعنف وثقافة العدالة والمحبّة.
التربية على السلام يجب أن ترتكز على جعل الهويّة الكونيّة ليس جزءاً من المنهج فحسب بل عاملاً أساسياً في شخصيّة المعلّم والمتعلّم لتغيير نمط العيش الحالي وتكون المدرسة في هذا الإطار الوعاء الكبير الذي إذا امتلأ بالمحبة غسل تعقيدات العائلة والمجتمع. المدرسة حالياً هي كوّة مفتوحة على الماضي تنقل إلينا تراث الأجيال في شتى المجالات ومن الضروري جداً أن تصبح نافذة على المستقبل، أن تتحوّل إلى مختبر لتغيّير ماهو سيِّئ وتثبيت ما هو نافع، أن تنتج شكلاً جديداً للحياة. المدرسة حالياً تعمل لتكيّف الإنسان مع محيطه ولكنها لا تعمل على جعل القيم جزءاً من سلوكه ولا أن يتوسّع في فهمه للحياة والوصول إلى وعيٍ أسمى. المدرسة ترسّخ المعتقدات والأفكار الموروثة لأن مهمتها نقل التراث وتأمين التواصل بين الأجيال ولكنها لا تعدُّ الإنسان للوصول إلى ذاته. العالم النفسيّ الشهير فرويد كان يقول بأن التربية مهمة مستحيلة فهل تخلّت المدرسة عن التربية لتمارس التعليم فقط وتوزع شهادات تكون جواز سفر للوصول إلى مهنة؟ سؤال يجب التوقف عنده. المدرسة حالياً تحضّر الإنسان للمهنة في مجتمع حدّد أهدافه حصريّاً بالنمط المادي. المهنة ضرورية للحياة. الله قال لآدم: "بعرق جبينك تأكل خبزك" ولكنه لم يقل له بعرق جبينك تأكل خبز أخيك لانه"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".
المناهج المدرسيّة تضعها الدولة وهي تدخل في إطار العمل السياسي للمسؤولين وتضعها فئة بالغة راشدة نسيت طفولتها ولذلك فهي لا تستطيع مشاركة الطفل إحساسه بثقلها. هذا "العامل الصغير" الذي يساق وعلى كتفيه محفظة كتبه "إلى المصنع" ليلقى هناك مهمّات تفوق قدراته، مهمات تفرض عليه ويبدأ صراعه المرير في ورشته المعقّدة. كل الأطفال لديهم رفض واعي أو لا واعي للمدرسة – المشغل الذي يُخضع فيه الكبار الصغار لفروض وقوانين تحدُّ من حرية الحياة عندهم وتثقل كاهلهم. هل فكّر المسؤولون أن في هذه المناهج أحياناً إعتداء على الحياة؟ مراحل الحياة محدّدة طبيعياً وليس وضعياً وفق مراحل النمو: طفولة، مراهقة، شباب، كهولة. لماذا تلغي المناهج المدرسيّة في أكثر البلدان مرحلة الطفولة مرحلة الفرح والسعادة مرحلة إكتشاف الكون ومعرفة الآخرين مرحلة اللعب والإتحاد بالطبيعة؟ في بلدان كثيرة يرسل الطفل غالباً في عمر السنتين إلى ما يسمّونه حضانة وأحياناً قبل ذلك وفي الثالثة إلى المدرسة العاديّة في مراحل الروضة وفي السادسة يبدأ عمله كعامل صغير طريّ العود في ورشة المناهج المتورّمة التي تفوق قدراته. يستيقظ في الصباح الباكر ليخرج من باب بيته إلى باب السيارة أو الأتوكار الذي يوصله إلى المدرسة ويدخل من بابها إلى صفّه ليعود بعد سبع أو ثماني ساعات إلى الدورة ذاتها من باب المدرسة إلى واسطة النقل إلى المنزل وهناك يبدأ تعليمه من جديد من قبل أهله أو معلّمين استقدموا في ساعات إضافيّة ليكملوا إجهازهم عليه. أود أن أشير أولاً وبرسم الأمهات – كنَّ في العمل أو خارجه – إلى تجربة قام بها أخصائي نفسي في أميركا بحيث أجرى دراسة على حضانتين: الأولى حضانة تابعة لسجن وضع فيها أبناء السجينات اللواتي أنجبن في داخله وكانت العناية فيها متردّية وحضانة خاصة يشرف عليها أخصائيون في علم التربية والإجتماع إلى جانب ممرضات ضمن جهاز صحّي ونظافة مطلقة وغذاء مدروس حسب الوحدات الحرارية. ماذا كانت النتيجة بالنسبة للأخصائي النفسي (Spitz): مستوى الذكاء عند أطفال حضانة السجن أعلى من مستوى أولئك الذين في الحضانة الخاصة. إستنتاج سبيتز عبّر عنه حرفياً: "إن حنان الأم هو نوع من الفيتامين السايكولوجي للأطفال". من بديهيات علم النفس أن يبقى الطفل برعاية أهله حتى إنهاء الثالثة من عمره. الطفل في بيته ملك متوّج يلهو كما يشاء، يدخل ويخرج ساعة يشاء. المحبة والحنان يلفّانه من كل جانب: ينام، يصحو، يلعب وحده أو مع رفاقه. ثم يذهب إلى المدرسة – البيت الجديد بالنسبة إليه – يدخله مستغرباً لماذا تخلّى عنه أهله لأناس غرباء؟ إنها مرحلة فطام ثانية تقسو عليه أكثر من الأولى وينتزعون فيها منه كل امتيازاته. فهو مضطر للوقوف بالصف عند قرع الجرس شبيهاً بكلب "بافلوف"، أن يرفع يده ليتكلّم. ضجيج الحياة فيه الذي كان يملأ البيت قبلاً يتحوّل إلى صمت وانتظار قاتلين. إنه مدعو بقسوة أن يكون مثل الآخرين وهكذا تبدأ صياغته قسرياً وفق النماذج الإجتماعية في إطار يغلب فيه الجمود على الحركة.
برمجة الإنسان يجب أن تكون هادفة لإسعاده، أن يطلَّ من خلالها على النور، على الخير، على الجمال، على المحبّة. يجب فهم معنى الحياة بأبعادها الكونيّة وتحديد هدف واضح لها يصاغ بمجموعة من القيم الجديدة التي تنغرز في خلاياه منذ صغره. يجب فهم الحياة على أنها حياة الجماعة وتحديد الهدف على هذا الأساس وليس على أساس فردي. لا يجوز أن يكون هدفي الحياتي تحقيق سعادتي على حساب الآخرين. كل عوامل البرمجة يجب أن تلتقي في هدف يحمل مضموناً واحداً. لا يجوز لأهل منحرفين برمجة أولادهم على السرقة ولا لقبيلة برمجة أفرادها على العدوانيّة ولا لوطن برمجة أبنائه على أنهم "فوق الجميع". ليس هناك عيب في الدين ولا في علم الأخلاق. العيب في الإنسان وعدم قدرته على "ولادة جديدة" تضعه على المسار الصحيح.
4
فن قيادة المجموعات
منذ بدء التاريخ والناس يعانون من الحروب والويلات بفضل قادة امتزجت فيهم "صفات الألوهة" بمواهب السحرة عمر كامل لأجيال ربّما تسلل في نفق مظلم من الصراع بين الشعوب، بين الإنسان وبين ذاته وبينه وبين الآخرين. هناك أطفال سُحقوا وأرزاق سُبيت وحضارات زالت بينما الحياة بمعناها الحقيقي بقيت هي هي. لم يغيّر الدين الدورة الدموية في أجساد الناس ولا العِرق نبضات القلب ولا التخلّف والتطوّر عمل الرئتين والكبد. الحياة ذاتها تسكن في أجساد الفقراء والأغنياء. الحياة لم تتغيّر فالشمس لا تزال منذ أن عبدها الأولون ترمي ستاراً من النور على الأرض والليل مشحون بالأحلام الحلوة أو الكوابيس والأرض تدور وتدور وتدور والناس ثابتون في مواقفهم العدائيّة تجاه بعضهم البعض.
منذ فجر التاريخ والإنسان، الوحيد الذي يتمتّع بالوعي بين بقية المخلوقات، يعرف أن له ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وأنه سيموت ومن هذا المنطلق فتّش عن الحماية، عن مخلّص يساعده فكانت في لا وعيه إضاءات عدّة: عبادة الأصنام، عبادة عناصر من الطبيعة كالشمس والقمر والرعد، عبادة الأقوى في قبيلته، عبادة الملوك الذين كانوا بالنسبة إليه يستمدّون سلطانهم من الله بعد أن تعرّف إلى الله. لقد غيّب ذاته في متاهات خرافية وكأنَّ في لا وعيه أسلاك تشدّه إلى الماورائيات. صفات الألوهة طاغية لديه. يعبد الصنم ويعبد القائد ويعبد المال (الذي يؤمن له الحماية) فيعكس عليهم صفات المخلّص. يستشهد في سبيل الجاه أو في سبيل القائد أو في معرض تجميعه للمال. هل كان ولا يزال يفتـّش عن الإله المنقذ من خلال إحيائية تنطق الصنم وتعقلن الكواكب أم هو حنين الروح الغامض إلى ينابيعها؟ هذا القلق الغامض كان يعكسه على نفسه وعلى الآخرين في سيل من حركات العنف وأيضاً في الفن. الفراعنة إنتقموا من الموت بتحنيط أجسادهم. القلاع والحصون المنيعة والرسوم وإكتشافات كل علم الآثار تدلّ ببساطة على ترجمة الإنسان لحالة الضياع عنده بتركه بصماته في كل مكان.
حركات التاريخ مشحونة بوجع الشعوب وجنون القادة إلا قلّة منهم استطاعت إيصال مجتمعاتها إلى شاطئ السلام. التاريخ حافل بأخبار الغزاة والفاتحين من جينكيز خان إلى هولاكو إلى نيرون إلى هيتلر... ويمرُّ بخجل على حركة اللاعنف عند غاندي كأنَّ حركة التاريخ تسيّرها العواصف وتغذّيها الدماء وتنمّيها العدوانيّة. جيوش جرّارة تزحف كالجراد باتجاه شعوب أخرى لتبيدها وتبيد معها قسماً من جنودها أيضاً كأنَّها تترجم عمليّاً مقولة "هوبيز": "الإنسان هو ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان".
حركات التاريخ إجمالاً يقودها أفراد ولا تقودها شعوب. الأفراد يصنعون التاريخ محوّلين شعوبهم إلى قطعان تسير بلا وعيٍ، تسير وراء "منقذ". الناس في هذه الحالة تسيطر عليها "روح الجماعة[7] وتشكل جمهوراً نفسيّاً (foule psychologique) يتصرّف حسب رغبة القائد. روح الجماعة هي المادة المخدّرة في الجمهور وهي التي تجعل سلوكه يتميّز بالإنفعال والتصرّف بالعدوى وتقبّل الإيحاء كما يتميّز بتدنّي الوظائف العقليّة وتقدّم اللاوعي عليها. الذين شاركو في تظاهرة مثلاً واندفعوا في تحطيم الواجهات أو مهاجمة أشخاص أو مؤسسات أو استعمال الحجارة يعرفون جيداً بأن شخصيتهم الحقيقيّة لم تكن موجودة في هذا السلوك الناتج عن سيطرة روح الجماعة عليهم. أي تجمّع بشري إذا توفّر له الهدف المشترك والقائد الذي يعكس في شخصيته الإرادة والحزم والقوّة والقدرة على تحريك العواطف قابل للتحوّل إلى جمهور نفسي يمتصُّ شخصية الأفراد الذين يؤلفونه ويكسبهم شخصية جديدة بعيدةٌ كلياً عن الواقع وتتحرّك وفق رغبات القائد. في "الجمهور النفسي" يحدث الأمر الأكثر إثارة للدهشة فالذين يؤلّفونه على اختلاف طباعهم ومستوياتهم الفكريّة ومراكزهم الإجتماعيّة يحسّون ويفكّرون ويتصّرفون بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي يتصرّف بها كل منهم منفرداً:
1- الشخصية الخاصّة بكل إنسان والتي تميّزه عن غيره تمحى وتحلُّ محلها شخصيّة لا واعية.
2- ما هو مكتسب عندهم يغيب كلياً فالطبيب والعامل ورجل الدين والميكانيكي يحركهم إنفعال واحد بإتجاه واحد.
3- العدوى الإنفعالية تأخذ سمتها الواضحة في التصرّف: أحمل بندقيتك واتبعني ويتبع الطبيب العامل ورجل الدين الميكانيكي.
4- قابليّة مفرطة لتقبّل الإيحاء والميل إلى ترجمتها.
كل الناس إجمالاً يشاركون في هذا الإحتفال الغيبي لأن مجرد انتماء الفرد إلى تجمّع قوي أو ارتداء لباسه الموحّد يجعل منه هذا التجمع شاء أم أبى شخصاً آخراً.
عندما نكون مرغمين، لطلب الحماية أو لنجاة أنفسنا، على التكيّف مع واقع جديد فإن عملية التكيّف هذه تغيّر إدراكنا للأشياء. القائد في هكذا حالات هو الساحر الذي يُخرج من قبعته الحمائم البيضاء أو الأفاعي المرقطة ويحرّك إنفعال الجمهور الذي من خلاله يحبّ أو يكره، يفرح أو يغضب، ينفّذ الأفكار الأنبل أو الأسوأ، يقوم بالتصرفات البطوليّة أو الجبانة. قد يغيّر القائد الأهداف ويبدّل في تسمية العدو لخلق مخاوف أو رغبات جديدة عند الناس يوجّه من خلالها إنفعالاتهم ضدّ شخص أو دولة تنعكس عليها كل مبرِّرات الهزيمة.
روح الجماعة سهّلت كل حركات العنف الهيستيرية التي كانت الأرض ولا تزال مسرحاً لها وعبر التاريخ عندما كانت تغيب بمخزونها الإنفعالي والعدواني كانت تهدأ البشريّة وتنصرف إلى بناء ذاتها فتزهر حضارات وتطوّر. الحضارات القديمة زالت تحت تأثير تغييب بُناتها بالقوّة. الحضارات إجمالاً هي "أبنية آيلة للسقوط" تحت مطرقة الحروب ولا يمكن تفادي ذلك حاضراً أو مستقبلاً إلا بإدراك جديد للحياة وفهم كل أبعادها. النمط الحالي للحياة يسمح بتكرار ما سبق، بأن يعيد التاريخ نفسه، بأن نبقى على مسافة من وعينا لذاتنا. مؤسّسات المجتمع الحالي تمارس تأثيراً سلبياً مباشراً على وعينا. في حياتنا اليومية يتوجّه مسارنا الفكري بإتجاه إرادة الآخرين، يغيّبنا عن واقعنا. نحن نتلقّى بإستمرار إيحاءات دينيّة أو مجتمعيّة أو سياسيّة عن طريق الإعلام ويجب التوقف عند هذا الأخير نظراً لأهميته. الإعلام المقروء أو المكتوب أو المرئي هو كناية عن إيحاءات متكرّرة تغيّر إدراكنا للعالم، تلوِّن حياتنا بتلاوينها، تجعلنا في حالة شبيهة بالتنويم المغناطيسي إذا لم تكن نوعاً من أنواعه الممارسة يومياً: التنويم المغناطيسي يفترض إسترخاء جسدي، التركيز على مثير هو غالباً مثير ضوئي: شمعة أو ما شابه، تركيز على الأفكار الموحى بها بشكل رتيب ومتواصل بحيث تغيب حالة الوعي الإعتيادية فاسحة المجال أمام اللاوعي ليتحرّك وفق هذا الإيحاء. هكذا يصنع الإعلام الرأي العام. لنأخذ نماذج على ذلك: في المساء تجلس على أريكتك وتسترخي لترتاح من تعب النهار أمام شاشة التلفزيون (مثير ضوئي) لتركّز على إيحاءاتها (الأخبار أو غيرها) التي تتسلّل إلى لا وعيك وتؤثر على سلوكك. نفس الشيء عندما تغرق في قراءة الصحف حيث الإيحاءات المقروءة تغيّبك عن واقعك لتعيش مع الآخرين. الكلمة المكتوبة أيضاً تتمتّع بقدرة كبيرة على الإيحاء عندما يكون الكاتب مشهوراً فإذا بشّر بالعاصفة تستعدُّ أنت لها كذلك. الضغط الإجتماعي لا يأتي فقط من إيحاءات الآخرين بل أيضاً من الإيحاءات الذاتية التي تسبب أحياناً حالات مرضيّة عدة في حياتنا. لماذا يتحوّل الإنسان إلى "عجينة رخوة" تأخذ شكل الإيحاء الموجَّه إليه؟ يلتقي إثنان فيبادر أحدهما الآخر: "شو في جديد؟" ويتبادلون الأخبار المخدّرة. ينسون كليّاً أنَّ في البيت طفلاً جائعاً أو أمّاً مريضة أو أنهم لا يملكون ثمن الدواء أو الإستشفاء. في الحياة اليوميّة مئات من الأمثال التي تدلُّ بشكل صارخ على تدني نسبة الوعي في الممارسة. الأديب المغفور له الشيخ سعيد تقي الدين كان يقول: "الرأي العام كالبغل إذا حمّلته تبراً يحمل وإذا حمّلته تبناً يحمل". لا يجوز أن يتحوّل قادة المجتمع إلى مشعوذين. الناس موضوع قابل للإقتناع و"الأنبياء الكذبة" ماهرون في عمليّة الإقناع. هناك ما يشبه علم الإقناع يسعى إليه أخصّائيون ويركِّزون على تحريك المخزون الإنفعالي عند المطلوب إقناعه بالإضافة إلى التكرار والتذكير بتواريخ معيّنة وعلى سيبل المثال قائد يقول في خطابه: "أنا ضد التجمّع الفلاني، التجمّع الفلاني مسؤول عن عمليات قتل، التجمع الفلاني لا يستلهم في عمله مصلحة الشعب (لاحظوا التكرار) هل تذكرون الجرائم التي إرتكبها بتاريخ ... جرائم وحشية تمّت ضدَّ أناس مسالمين قُتلوا لأنهم مع الحق إن تاريخ ... ليس فقط تاريخ إستشهادهم بل هو دعوة لكم لتقفوا ضده". وهكذا ينبش القبور وأحياناً بالأسماء ليضمَّ الناس إلى حظيرته وكم يكون رائعاً لو أن إنساناً من الجموع صرخ بوجهه: "إذا كنت بلا خطيئة فارجمه بحجر". القائد الحقيقي يدخل من الباب الشرعي أي من الرغبة في خدمة ومحبة الآخرين كما الراعي الصالح في مثل السيد المسيح فخرافه تعرفه. الذي يدخل من مكان آخر هو سارق. الدولة في مفهومها الصحيح هي "مساحة عامة" يفرز إليها المجتمع أناساً مسؤولين عن خدمته. الذي يحصل غالباً أن هؤلاء المسؤولين يحتلّون هذه المساحة العامة ويستعملونها لمآربهم وحاجاتهم الخاصة فتصبح الدولة جزيرة لا يمكن أن تنتقل إليها إلا بزورق السياسيين وتنضم إلى خرافهم وبدل أن يكون المسؤول في خدمة الشعب يسخّر الشعب لخدمته. صديقي الراعي الذي ألتقيه في الغابة قال لي مرّة بأنه أحسن من المسؤولين لأنه يعامل قطيعه بعدل ولا يترك فيه جائعاً ويحميه ويبقى معه وبقربه وعند سؤاله بأنه يربّي الماشية للذبح أجاب بأن الماشية تذبح لغذاء الناس ولكن لماذا يذبح الناس وبأي هدف؟ في مسرحيّة يوليوس قيصر يخطب أحد الموالين له فيصفق الجمهور ويصرخ يحيا القيصر ثم يخطب أحد أخصامه فيصرخ الجمهور ذاته ليسقط القيصر. هل هو سحر الكلمة أم أنه ردّات فعل من أناس ينوٌمون مغناطيسياً وهل الكلمة أفيون مرخص إستعماله أم أن إكتشافاً جديداً لعمل الدماغ نستطيع من خلاله إيقاء الوعي الكامل في حالة تأهُّب أمر واجب الحدوث. الذين يعتبرون الديمقراطيّة مخرجاً للأزمات نسوا أو تناسوا أنها أصبحت في أماكن كثيرة "كمقام الولي": كومة من حجارة تُقدس باسم نبيٍ غائب. الساعون إلى السلطة غالباً هم الذين يضمرون أو يخططون لإحتلال المساحة العامة التي أشرت إليها أفلاطون كان يقول بأن الذين في الواجهة هم الأقل فضيلة. عندما تلتقي السياسة بالفضيلة تتمُّ عفوياً مصالحة الناس الذين يعانون مع المسؤولين عنهم.
الديموقراطيّة ليست ماركة مسجلة لسلعة غذائية يستطيع كل الناس تناولها. هي فكرة مجردة وقد تكون قيمة حين يكون الشعب في مستوى رفيع من النضج السياسي ولكنها تبدو في البلدان المتخَّلفة فارغة المضمون كمساكن الفقراء. تطبيق الديموقراطيّة في مجتمع لا يتحمّل أوزارها بتفضيل المصلحة العامة على الحاجات الشخصية يظهر هذا المجتمع وكأنه حسب قول جبران قبور مكلسة.
الملكيّة المطلقة هي نوع من المصارعة الحرّة التي يستطيع فيها الملك – اللاعب الرئيسي – توجيه الضربات إلى أيٍّ كان دون قواعد أو شروط. الملكية المقيّدة والمتّبعة في بعض البلدان الغربيّة هي كناية عن مخرج ذكيّ وحضاري لوقف طموح بعض الناس إلى قيادة المجموعات لأن الملك المقيّد يرث الحكم ولا يمارسه بل يتركه للشعب الذي يختار. الأحكام الفرديّة – خاصة في المناطق المتخلفة – تترجم رغبة القائد في تقليد الله وهو في معرض تقليده للشيطان وهي الأخطر في فن قيادة المجموعات.
أنظمة الحكم حالياً تقاس على شعوب حسب مستوياتها المختلفة وعلى أوطان حسب ثرواتها ومصادرها الطبيعيّة. أنظمة الحكم الحاليّة تعكس واقع المجموعات البشريّة على الأرض. القاضي البريطاني يعكس في سلوكه المهني حالة راقية بامتياز ضمن المجتمع البريطاني من خلال ديموقراطية الحكم فهل يستطيع ممارسة عمله بنفس الوتيرة في البلدان الأخرى؟ كانوا يقولون أن بريطانيا تسمح بتصيدر كل إنتاج مصانعها الى أسواق العالم وتمنع "تصدير الديموقراطيّة". ومن قال أن الديموقراطيّة تصدّر بشكلها الجاهز؟ ديموقراطيّات العالم المتطوّر ناقصة لأنَّ ممارستها تقتصر على بقعة معينة ولا تكون كاملة إلا باجتيازها الحدود ونشر الوعي في بلدان العالم الثالث. الإبقاء على المناطق المتخلِّفة على حالها خاصة تلك التي تملك ثروات طبيعيّة مخالف لقوانين الحياة وهو يدخل أيضاً في إطار إلغاء الآخر.
حلم توحيد أوروبا كلّف الملايين من القتلى والكثير الكثير من الدمار دون أن يتحقّق وها هي اليوم تتوحَّد بسلام. هل أتى توحيد أوروبا نتيجة تاريخ طويل من الصراع أم جاء نتيجة نضج المجتمعات ووعيها لذاتها ولمكوّنات وجودها؟ هل سيقال مستقبلاً بأن نابوليون وهيتلر حاولا توحيد أوروبا بالقوة ففشلا بينما نجحت المجتمعات الأوروبيّة بتحقيق ذلك بهدوء وتفاهم مكذبة مقولة أن الفرد يصنع التاريخ؟ قد يرِد أو لا يرِد ذكر القادة الحاليين الذين توحّدت في أيامهم لأن فعل التوحيد جاء نتيجة وعي واقتناع من الشعوب والقادة في آن واحد.
عندما تهدأ هيستيريا قادة المجموعات مثل هتلر وموسولوني والكثيرون غيرهم في التاريخ القديم والحديث تزهر الحياة وتحوِّل طاقات الناس إلى القنوات التي توصلها إلى الإزدهار. هناك محطّات مريحة يتوقّف فيها قطار الحياة تدوم حتى قيام إعصار تاريخي جديد "كإعصار كاترينا" ليدمّر كل شيء وذلك لأن الناس لم يعوا بعد أنهم كالأرض وحدة لا تتجزأ. أزماتهم تنتقل بالعدوى كالأمراض. العدوانية لا توفر في معرض ممارستها أي شيء. تقتل الحضارات وتغتال الإكتشافات المفيدة للإنسان ولم لا طالما أنها تقتل الإنسان ذاته وتحًول المجموعة إلى بركان يتفجّر بقسوة ويقذف من لهبه الأعمال الأكثر قسوة والأكثر بطولة أيضاً لتصبح قوّة عمياء تستحيل السيطرة عليها.
القائد يستطيع تطوير الأفكار الأخلاقيّة إلى مرحلة السمو ويستطيع أيضاً إلغاءها: غاندي جسّد مبدأ اللاعنف في مئات الملايين من الناس، جسّد القيمة الحقيقية التي تختصر الحياة والتي لولاها لتحوّلت الهند إلى منطقة حروب لا يعلم إلا الله متى تنتهي بينما عيدي أمين أكل كبد وزيرة خارجيته بعد قتلها. التفاوت بنضج الإنسان ووعيه لذاته ولحقوق الآخرين هو الموضوع الأهم بالنسبة للساعين إلى السلام. لا تستطيع أن تعيش بهدوء إذا كان جارك أو قريبك يمارس السخط أو يميل إليه ولكن كيف يستطيع شاب نصف متعلم أو ربما أميّ أن يروّض الأسود والنمور والدببة في "سيرك صغير" ولا يستطيع الفكر البشري رغم كل قدراته وتقنياته ترويض العدوانيين في "السيرك الأكبر"؟.
المجموعات لا تستطيع أن تخلق أو تخترع. الأفراد هم الذين يخترعون أو يخلقون. أينشتاين وماركس وباستور ومكتشفوا الأدوية قديماً وحديثاً ومكتشف الكهرباء والحاسوب ... هم أفراد. عندما تكون المجتمعات هادئة تخلق مناخاً لإبداع الأفراد وعندما تتحول إلى إعصار تبتلع هذا الإبداع. في التاريخ إضاءات كثيرة عن قادة إلتقت عندهم الفضيلة بمستلزمات القيادة فأنتجوا على المستوى الفكري والإجتماعي والأخلاقي هؤلاء كانت صفات القيادة عندهم إيجابيّة.
منذ فجر التاريخ والبشريّة تبنى ثم تهدم ثم تبني من جديد ثم تهدم هي لا تستطيع أن تكون كنملة تيمورلنك تحاول وتحاول حتى تصل إلى هدفها إلا بتغيير كلي لمفاهيمها القديمة للحياة عن طريق البحث بشموليّة تتّسم بالحسّ الإنساني عن أسباب الحروب الحقيقية وليس المباشرة وعن معرفة صحيحة للإنسان وللعالم. حالة اللاإستقرار البشري السائدة في العالم ليست من مكوّناته. إنها من صنع الإنسان. يقول (le bon) في كتابه: "الأسس العلمية لفلسفة التاريخ": "التاريخ يُولد من ردات فعل النفس البشرية على تأثيرات مختلفة ولكن الطبيعة الحقيقية لهذه النفس هي بالكاد معروفة حتى اليوم".
في كتابه (Vol de nuit) يقول سانت إكزوبري أثناء طيرانه الليلي فوق مجموعة سكنية بدت مزروعة بالأضواء كم يمكن أن يكون في هذه الأضواء اللامعة كالنجوم من منازل تضج بالأحلام والمرض والسعادة. ترى لو قدّر له أن يمرّ حالياً فوق الكرة الأرضية ماذا كان سيقول؟
في العهد القديم وفي سفر التكوين مكتوب أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله ولكي يعود إنسان اليوم إلى البدء إلى المرحلة التي خلق بها عليه أن ينعطف ثلاثمائة وستون درجة. سيرته عبر هذا الكمّ الطويل من القرون تفسّر لماذا طرده الله من الجنة وقطعاًَ ليس فقط من أجل حواء بل لأنه عرف مسبقاً بأنه سيمثّل دور قايين. لقد نمّىَ الإنسان الشر في سلوكه على الخير ولكنه لا يزال قادراً على جعل هذا الأخير منطلقاً لتصرُّفاته وإذا كانت "المجموعة النفسية" تتشكّل بقيادة إنسان يدفعها إلى العنف فإن مجموعات نفسية أخرى تتشكّل داخل المعابد في مرحلة من السمو والمحبة، والناس في هدوء كأن على رأسهم الطير، الفارق أنه في الحالة الثانية القيادة روحية والعامل الأساسي فيها يتوجه من الذات إلى الله معبراً عن المضمون الحقيقي للقيم الروحية التي يجب أن يعيشها العالم بينما الحالة الأولى هي مادية تحركها الغرائز. الصراع بين الخير والشر أساساً هو صراع بين الله والشيطان تحول في عالمنا الحالي إلى صراع شياطين بفضل تعاليم وتقاليد وسلوكيات تبعد الإنسان عن معرفة الذات – ذاته الحقيقية – وتلفه بمعتقدات خاطئة وضع عليها حجر الأساس لبناء المجتمعات القائمة حالياً.
5
وجهة نظر
الله والإنسان
من أهمّ مميِّزات الإنسان إحساسه بأنه ينتمي الى من هو أكبر منه. يُفتِّش عن قوي خارج ذاته فهو ينتمي الى عائلة، الى مجتمع، الى أمّة دون أن يهمل انتماءه للكون ولخالقه. لا يمكن لأيِّ إنسان أن يعيش في عزلة فكريّة تامّة عمّا يحيط به الا في حالات مرضيّة. الإحساس بالإنتماء موجود في أعماقنا وهو الذي يدفعنا الى التطوّر مع الآخرين وان نقوم بعمل ما وأن يسرح خيالنا في الماورائيات. لا يمكن لأي إنسان أن يعيش معزولاً. رائد الفضاء الموجود في كبسولة خارج محيطنا الجوّي يحسّ بانتمائه للأرض، لعائلته، لوطنه.
الصلاة والصوم هي مؤشِّرات انتماء لكائن اسمى من الإنسان وانت حرّ في أن تسمّيه الله أو تعطيه إسماً آخراً. هذه المؤشرات تعبّر عن ذاتها في الحياة اليوميّة: الصلاة لا تعني أننا نطلب من الله تغيّير العالم لمصلحتنا بل محطّة نزرع من خلالها في داخلنا السلام والطمأنينة. الله لا يمكن تحديده بكلمات. هناك تصوّر أو مفهوم قدّمته لنا الأديان فهو آب ضابط الكل – رحمن رحيم – روح نقيّة غير محتاجة لتكملة وهو خارج إطار الزمان أو المكان. عندما سُئِلَ اينشتاين إذا كان يؤمن بالله أجاب سائله: قل لي كيف تتصوّر الله فأقول لك إن كنتُ أؤمن أم لا؟ بالنسبة لأينشتاين وفي كتابه (Physique et Métaphysique) الله يكشف عن ذاته في تناسق القوانين الطبيعيّة من خلال الجمال الباهر الذي استطاع (اينشتان) التعبير عنه بلغة الرياضيات. وفي "رسالة الى طفلة في الثانية عشر" يقول: "من كرّس نفسه جدّياً للعلم يُصبح مقتنعاً أن وراء أنظمة الكون روح أسمى من الإنسان". تصوّر الإنسان لله مسألة تجريد، مسألة تتعلّق بعتبة التفكير عنده. عند قدماء الهنود كانت الفيدا (المعرفة والحكمة) حكراً على النخبة أمّا الناس العاديون فكان لهم كتابهم المقدس (gradua purana[8]) الذي يصف السماء بطرقات واسعة تظلّلها أشجار في منتهى الجمال والروعة. ينابيع عذبة وطيور وتؤدي هذه الطرقات الى حديقة يجتمع فيها الرجال والنساء والملوك وحتى الآلهه ليتحادثوا ويتذوّقوا ثمار الجنة. السيّد المسيح كان يتحدّث بأمثال لتقريب مفهوم الله من العامة. الناس العاديّون يتداخل الله مع حاجاتهم ورغباتهم: التاجر يفترض أحياناً أن الله يتدخل في حركة السوق والسياسي يراه عند تقاطع الأحداث لمصلحته وهكذا داوليك. الله يرمز عند الكثيرين من الناس الى قوّة خفيّة تساعد على تنفيذ الرغبات ويرمز عند آخرين الى محطة يخيّم فيها السلام الداخلي والطمأنينة. "الفقير" الهندي يذوب كلياً في تمارين روحيّة توصله الى هذه المحطّة. الفنّان يرى الله في الأضواء والظلال والألوان.
هناك وجهان للحياة: علاقة الإنسان بالله وعلاقته بالآخرين. الحياة المتوازنة الهادئة هي التي تتحكّم بها علاقة الإنسان بالله بعلاقته بالآخرين. لا يجوز لاي إنسان أن يقتل ويصلّي. ممارسة الطقوس الدينية أمر رائع إذا كانت متناغمة مع سلوك الإنسان بعلاقته بالآخرين. الإيمان الحقيقي بالله من أسمى حالات الوعي ولكن للأسف يستطيع الإنسان أن يمارس الطقوس الدينيّة وان ينتزع من ذاكرته كل محتويات كتابه المقدّس يردّدها دون أن يعيشها يردّدها ببغائياً وهذه ليست عبادة أو إيمان حقيقي. الإيمان هو في فهم القوانين الإلهيّة، في أن يعيش هذه القوانين التي ليست فقط في الكتب الدينيّة إنّما هي مكتوبة في كل ما هو حيّ: في الأعشاب والورود، في الغابات، في الأنهر، في الأسماك والعصافير وهي أيضاً وهذا أهم شيئ في داخلنا. الله كتب قوانين الحياة في قلوبنا وأرواحنا وأجسادنا فهي البصر في العين والسمع في الأذن والدم في الشرايين والحركة في القلب والرئتين وفي كل أعضاء الجسد. هي أيضاً خارج إطار الجسد: في الهواء والشمس والليل والقبّة السماويّة، في القوانين الفيزيائيّة من جاذبيّة وحقول كهرومغناطيسيّة وطاقة تتحرّك في كل مسارات الجسد. عندما لا نعي أننا جزء من هذا التكامل الطبيعي وأنّنا والآخرون سطور متوازية في كتاب الحياة بحيث أرى الله في داخلي وفي الآخر تصبح صلاتنا لغة خشبيّة أو أحرف ميّتة. ماذا ينفع أن أقول أني أعبد الله وأنا أعبد المال أو أحبب قريبك كنفسك وفي داخلي طوفان من الحقد والجشع.
لم يصل بعد كلّ الناس حتى الآن الى فهم الله وعبادته كما يجب. الحروب الدينية تطرح مسألة تصوّر الله بشكل حاد. الخلفية الدينية تدخل في إطار المقدّسات والمحرّمات. أنت تستطيع أن تناقش إنساناً آخراً في الإقتصاد والسياسة والأدب والفن لكنّك لا تستطيع أن تناقشه في دينه أو تسلّط أضواء من الشك على هذا الدين لأن كل المخزون الإنفعالي عنده ينفجر في وجهك وقد تكون النتيجة مأساوية. الخلفيّة الدينيّة هي الموضوع المستثمر بامتياز من قبل أكثر القادة السياسيين فالناس تعكس على القائد صفات الألوهة فهو يحمي ويعاقب وهو قوي و... والقائد عندما يحرّك الخلفيّة الدينيّة لإعلان حرب أهدافها حاجات ومصالح لا تمتُّ الى الدين بصلة ينضمّ الى قافلة "الآلهة الممسوخة" التي، عبر التاريخ، استعملت قدرات المؤمنين لتحقيق رغبات لا تمتّ بصلة الى التعاليم السماويّة. كثير من القادة الذين عبروا كانوا يعرفون الله ولكن الناس لم يتخذوهم كنماذج. عندما جاء أحد أنصار غاندي إليه وأخبره بأنّه قتل طفلاً مسلماً ثارت ثائرة المهاتما وطلب إليه أن يتبنّى طفلاً مسلماً ويربيه على الإسلام . الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رفض أن يصلّي في كنيسة القيامة حتى لا يأخذها المسلمون من بعده ويقولون هنا صلّى عمر. عندما أعلن الرئيس الأميركي حرباً صليبية على العراق جاء الردّ عليه فوراً سلبياً من البابا يوحنا بولس الثاني وأرسل كاردينالاً من الفاتيكان ليقيم في العراق تحت وابل من أمطار القنابل والصواريخ. الأب بيار كان نائباً في المجلس النيابي الفرنسي وكان غنيّاً. بعد الحرب العالميّة الثانية ونتيجة لانتشار الفقر والجوع وزّعَ ثروته على الفقراء وباع كل ما يملك وأسّس حركة جامعي الخرق وفي إحدى الليالي الباردة طلب الى المشرّدين أن يدخلوا ويناموا في الكنيسة وعندما امتلأت أخذ كأس القربان ووضعه على التتخيتة وطلب الى الباقين الصعود والنوم على المذبح وعندما قيل له كيف تضع الكأس هناك وتأتي بالناس ليناموا على المذبح أجابهم بأن المسيح لا يبرد حيث وضعت الكأس إنما يبرد في أجساد هؤلاء الفقراء.
مَن مِنَ الحكام الحاليّين يستطيع أن يردّد قول عمر بن الخطّاب: حكمت فعدلت أو قول الإمام علي: لو كان الفقر رجلاً لقتلته؟ من منهم يستطيع أن يفعل ما فعله البابا يوحنا بولس الثاني فيجول في أقاصي الأرض بجسدٍ منهك لينشر السلام والمحبة؟
كأنَّ إطاعة الله حالياً قيمة يعيشها الفقراء فقط. المجتمعات المتطوّرة تبني ثقافتها على ألوهة المال والتكنولوجيا وعلى تهديم الذات ومحو القيم الدينية. مفردات اللغة تغيّرت معانيها فالقيمة أصبحت مرادفة لثمن.... التقنيات الجديدة أصبحت عن قصد أو غير قصد تمحو من أدمغة الناس القيم الأخلاقيّة والروحيّة والدينيّة. الفنّ تحوَّل من خلال التلفزيون الى تقنية لغسل الأدمغة. إنسان اليوم الذي تضطره ظروف عمله والتعب اليومي الى الإنعزال وراء التلفزيون يتلقّى منه باستمرار مكوّنات لثقافة ماديّة تبتعد عن كل ما هو إنساني. الأفلام والمسلسلات اقتصرت على العنف والجنس تتسمّر عليها الملايين من عيون الناس. الإعلام الذي أصبح تقريباً في متناول جميع سكان الأرض تسيطر عليه ثقافة المادة وتغذّي الناس فكريّاً بأحدث ابتكارات القتل وحتى أفلام الأطفال في أكثرها تشوّه مفهوم الحياة. أين الله في كل هذا؟
الآلهة الممسوخة تحوّلت عن الله الى إرضاء حاجاتها ولكنّها تفترض أنها تقوم بإيجابية ما تجاهه فهي تحاول "رشوته" بالمساعدات التي جُنيت من استثمار السلطة وتجارة السلاح والمخدرات لبعض الدول الفقيرة أو لمشاريع خيريّة تصبّ في خانة الفقراء. يوظفون المال الحرام لصالح قيم روحيّة وإنسانية هم بعيدون عنها انهم يخدعون الناس ولكنّهم حتماً لا يستطيعون خداع الله.
الحروب الدينيّة في مضمونها الحقيقي تصبّ في خانة عبادة الأصنام على الأخص "المال" ولا تمتّ الى الله بصلة. الله قوّي جبّار ليس بحاجة لمن يدافع عنه والله خالق والمخلوق لا يستطيع أن يدافع عن خالقه.
وحتى نصل الى مرحلة من السموّ يعيش فيها الله في داخلنا مطلوب من قادة العالم أن يترجموا في سلوكهم المثل الذي أورده العالم النفسي فرويد عن القنافذ في ليلة جليديّة باردة اذ اقتربوا من بعضهم البعض فتداخلت الأشواك في أجسادهم فابتعدوا وظلّوا يقتربون ويبتعدون حتى وصلوا الى وضع لا تنغرز فيه أشواكهم في أجساد بعضهم البعض وأمنّوا من خلاله الدفء. متى تبتعد أشواك القنافذ عن عيون الناس فلا تنغرز في حدقاتها لتعميهم وتعطيهم بعد أن تحرمهم البصر تصوّراً مشوهاً لله؟
الأديان طريق الى الله. الله في آخر الطريق. الذين يولدون من أبوين مسيحيين أو مسلمين أو .... دون أن يتعلّموا قيم الدين المنتمين إليه يظلون في أول الطريق ويعيشون في فراغ روحي يملأونه بحاجات أخرى: التملّك، المال، السكر، المخدرات، الجنس... هذا الفراغ يعزلهم عن الآخرين وعندما يكتشفون البعد الروحي يمتلئ هذا الفراغ في داخلهم ويعون علاقتهم بمحيطهم، بالآخرين وبما هو أبعد من حواسهم ويعود للحياة معناها الحقيقي.
في إحدى الأساطير الهنديّة القديمة أن البشر كانوا آلهة وتمادوا في تصرفاتهم فقرّر الله أن ينتزع منهم صفة الألوهة ويخفيها في مكان يصعب عليهم الوصول إليه فوضعها في أعماقهم ولهذا استطاع الإنسان أن يصل الى أبعاد فضائية، أن يسبر أغوار البحار والطبيعة دون أن يصل الى أعماقه، الى ذاته الحقيقية ليسترجع الألوهة ويعيش بتناغم مع قوانين الحياة.
الله محبّة وهو منذ البدء يُشرق شمسه على الأخيار والأشرار ويهب الحياة بالتوازي لكل الناس. الله لا يتغيّر فلماذا نحاول إعادة صياغته حسب حاجاتنا ورغباتنا. على كل إنسان أن يعرف أن ممارسته لدينه خدمة له وليست خدمة لله السؤال البديهي: الإنسان بحاجة الى الله أم الله بحاجة الى الإنسان؟ عندما يجيب بصدق على السؤال تنتفي أسباب الحروب الدينية والطائفية.
الله محبّة "يأمر بالمعروف وينهي عن المُنكر" و "يهب الحياة للذين في القبور" كما جاء في الكتب المقدّسة فما بال أمراء الحرب يأمرون بالمُنكر ويهبون الحياة للقبور ويحوّلون الشعوب الى رمال متحرّكة تغرق فيها قيم الحياة ومعانيها الأساسية؟.
6
ديكتاتورية العدالة
و
حرية الغرائز
لم يستطع المجتع البشري خلال تطوره منذ بدء التاريخ حتى اليوم أن يتجاوز في علاقاته مع الآخرين "مرحلة الغزو" الى مرحلة "الإستقرار" بل طور تقنيات الحرب بدل السعي الى السلام. الدول الغاصبة تفرض مفاهيمها وقيمها على المجتمعات الخاضعة لها بحيث تغيّر في برمجة الإنسان فكريّاً وثقافيّاً وتغيّر أيضاً في أهداف الحياة عنده وتحرفها عن مسارها الحقيقي. الحياة الحالية كتلة من الصراع يواجهها منذ الطفولة حيث يكدُّ ويجتهد وهو طري العود لابتلاع مناهج تربوية تأخذه في سياق محدد فهو مضطر لذلك لتأمين عمل لاحقاً في مرحلة الشباب حيث تكبرمعاناته في التفتيش عن عمل أو امتلاك منزل أو السعي لتأمين دخل يسمح له بتأسيس عائلة وتأمين شيخوخة. هل تكون الحياة شكلاً من أشكال التجنيد الإجباري يتمُّ فيها بقسوة تدريب الإنسان بدايةً ووضعه بعدئذٍ في حلبة الصراع ليستشهد في النهاية؟
الدول الكبرى أصبحت قويّة لأنها غاصبة أساساً وبنت مجدها على حساب مصالح الآخرين ووضعت المال هدفاً أعلى للحياة. في كل لغات العالم ترد كلمة "سعادة" وتستعمل كهدف أساسي للحياة لكن أحداً لم يسع لإعطائها تعريفاً واضحاً وربما الأكثر صدقاً في هذا الإطار هو العالم النفسي الدكتور هسنار عندما أشار في كتابه ( (L’univers morbide de la faute بأن العلوم الأخلاقية والفلسفية والدينية فشلت في صياغة إنسان متوازن والسعادة علم يجب أن نبدأ بالبحث عنه.
" رجل الأعمال الذي يمضي إجازاته في أجمل مناطق العالم بموازنة مفتوحة يشتري سعادة زائفة لا علاقة لها بالهدف الحقيقي للحياة. كيف يستطيع رأسمالي يملك عدة مصانع أغذية أن ينام قرير العين على وسادة من حرير بينما مصانعه تورِّد للناس أغذية ملوثة ومسرطنة وبأحدث الوسائل العلمية. لقد تمَّ تسخير العلم لصالح الربح المادي. التقدم العلمي الحالي في أكثره هو نتاج رأسمالي فاختراع السلعة من قبل العالِم يتم لتسويقها بهدف الربح وتحويل الكماليات الى ضروريات ونقل المجتمعات البدائية بشكل قاسٍ جداً من الحياة العفوية الى مجتمع استهلاكي تطور بشكل يفوق قدرته على الإستيعاب. ولماذا نبالغ فالعلم من حيث المبدأ لا يحدد الأهداف إنما يعمل على الوسائل التي توصل إليها والأهداف يضعها الإنسان المتمكن إجمالاً من تغطية نفقات تحقيقها.
الدول المصنعة تفتش بأي ثمن عن أسواق جديدة لمنتجاتها تدرُّ عليها أرباحاً طائلة وكأنها تحول الشعوب الى حديقة تزرعها بشهوة المال والتسلّط وتقطف مواسمها بالقوّة. الصراع من أجل المال يأخذ منحى غريزياً بحيث أفرغ الحياة من مضمونها ومن أي محتوى أخلاقي أو إنساني أو ديني ليملأ غلافها الغريزي وجدان الناس.
حتى الآن تتحكّم بالناس ديكتاتورية الغرائز من المجتمع الى الدولة الى الدول الكبرى التي تعطي لنفسها شمولية الله فتحيي من تشاء وتميت من تشاء. غياب العدالة في المجتمعات البشرية أفسح في المجال لقيام الثورات والأصوليات التي لم تجد عدالة على الأرض فتطلعت الى عدالة السماء. "طوبى للفقراء لأن لهم الجنة" يخرجون من سجنهم الكبير على الأرض الى فسحة من الرجاء بالفرح والمحبة. وتحضرني هنا حادثة أحد الفقراء الذي كان يملك شجرة ليمون ينتظر نضجها لبيعها في السوق وعندما حان القطاف ذهب ليجد أنها سرقت فتوجه الى السارق وسأله بغضب لماذا سرقت الشجرة فأجابه بأنه اعترف بفعلته للكاهن وغفر له فأجابه المالك: إذا غفر لك الكاهن خطيئتك فمن يعوض عليَّ الموسم؟ .
ديكتاتورية الغرائز لا تتوقف عند الدول القويّة بل تأخذ شكلاً هرمياً من المجتمع الى السلطة الى الدولة. يثور شعب ما ضد الإحتلال ويخسر ربما عشرات الألوف من الشهداء ليذهب المحتل ويأتي بعده حاكم محلي ليمارس ديكتاتورية من نوع جديد على مواطنين يعيشون في بيئة لم تنضج سياسياً بعد.
مهمة الحكم تكمن في قدرته على إعطاء أجوبة تعكس في مضمونها المسائل المطروحة عملياً في الحياة . فالقوانين تختزلها رغبة الحاكم أو توظفها لمنافع لا صلة لها بمشكلات الناس بينما جوهر القانون هو أساساً الحياة البشرية وأصوله تمتد في عمق التاريخ لتعكس بأمانة صورة تطور الشعوب . دكتاتورية الفرد هي الوجه العاري للحاكم ولا تختلف بشيء عن الدكتاتورية المقنعة التي يمارس فيها مراوغة كل أساليب التضليل ويختزل مصالح الناس في رغبات ينتج عنها سيلاً من المعاناة يتدفق في شرايين الحياة. الخلل في الانسان. الحاكم المتوازن عقلياً وفكرياً ونفسياً يشعّ بالمحبة، محبته للناس والتزامه بالحياة كإطار تتفاعل فيه الأفكار والقيم الانسانية والسلوك الذي ينبع من ذاته ككائنٍ طبيعي له حاجاته الخاصّة المتصلة عضوياً بحاجات الآخرين . غريزة التجمع (l’instinct grégaire) يجب ألاّ تكون وعاءً فارغاً تتكدّس فيه شهوات التملك والتكاثر. الانسان الغير المتوازن كالنحلة يجمع رحيق الآخرين ليكدسه في قفيره. الحكام لهم دور بارز في نشر وتكريس الأفكار الأخلاقية والإنسانية . القائد النزيه يفرض النزاهة على مجتمعه وبالعكس عندما ينحرف يستطيع تشريع انحرافه وتسويقه في المجتمع وتغييب القيم الأخلاقية فهو يشرّع الرشوة بإباحتها لنفسه ولحاشيته، ويشرّع القتل بدعوته إليه وهو يحاول إلغاء الرموز التي تؤمن عكس قناعاته ليتهرّب من رقابتها عليه ولتغييبها أيضاً من وجدانه حتى لا يأكل "طموحه " وخز الضمير . السيادة والحرية شعارات جميلة إذا لم تخفِ وراءها نيـّة في تحريف جوهرها فالسيادة هي سيادة القانون وسيادة القيم وسيادة العدالة أما الحرية فهي من المفردات التي تختزل كثيراً من معاني الحياة . صحيح أنها ملهمة الشعراء والكتاب وصحيح أنه رُسِمَت حدودُها بجداول من الدم والحبر والمعاناة والشهادة لكنها في النهاية " تصوّر "، "فكرة مجرّدة " تتجول في وجدان الشعوب حسب مفهومهم لها وتحرّك إنفعالاتها. الحرّية ( الزهرة المنسية ) يمكن أن تكون الحرّية من الاستعمار أو الحرّية داخل الوطن بحيث لا يعمد النظام إلى تعليب الناس وتسويقهم في مخازن مصالحه الآنيّة في زمنٍ تحوّل أكثر الحكام فيه عن مكونات الانسان الأساسية جسد وروح إلى كومة من تراب .
الحرية في أساسها هي تحرّر الانسان من رغبات تؤذيه وتؤذي الآخرين. هي ناتج سلوكي ينبع من داخل الانسان قبل أن تكون حروفاً ميتة في شرائع وقوانين وأنظمة . هي تناسق وتوازن في تصرّف الانسان تجاه ذاته وتجاه غيره ولا يمكن عزلها واعتبارها قيمة مجرّدة .
التاجر ليس حرّاً في بيع بضائع فاسدة، والسياسي ليس حرّاً إذا استغلّ الناس، والقاضي ليس حرّاً في إصدار أحكام تتوافق ومزاجه لأن الحرّية يجب أن تنتج عن سلوك الانسان كوحدة متجانسة روحياً ومادياً وإذا كانت محدّدة في بعض الكتب على أنها غياب الضغط ففي ذلك إشارة واضحة إلى أن الحرية ليست حرية غرائز تحولها الى دكتاتورية بدون أية ضوابط .
في مؤتمر تسخين الأرض الذي انعقد في باريس في مطلع العام 2007 كانت حرية الغرائز تحديداً هي المطروحة على بساط البحث، حرية تخريب الهيكل على ساكنيه، حرية القضاء على الحياة .
في إحدى محاضراته إستفاض أنشتاين في تصوير الخطر المحدق بالكرة الأرضية وقال وبحماسٍ كبير إذا استمرّينا هكذا فستنتهي الحياة على هذا الكوكب وهنا سأله أحد الحاضرين ببرودة : يا أستاذ لماذا أنت متحمّس كثيراً لبقاء الجنس البشري ؟ والسؤال مطروح للجميع .
عندما تكرّس بعض البلدان الغربية زواج الذكر على الذكر بقوانين وضعية تخالف بشكل صارخ القوانين الطبيعية تكون قد ترجمت بشكل عملي غياب العنصر الروحي عن القوانين التي تُسَن مبدئياً لتأمين تناسق في حياة البشر تسمو بهم الى الله ولا تشدّهم الى الظلمة .
العيب في الإنسان. لا بد من وقفة نراجع فيها طريقة تربيتنا لهذا الانسان الذي ينبع السلام من داخله ويجب أن يُبنى في داخله . عندما يتم تعريف الانسان على ذاته وبأنه ناتج كوني وبأنه يتمتع باستقلالية طالما هو متمّم للآخرين يتغيّر مجرى الحياة وتُتَرجَم سعادة الانسان في سلوك عبّر عنه السيّد المسيح حين قال :
" إفعلوا بالآخرين ما تريدون أن يفعلوه بكم " وحينئذٍ فقط تقوم دكتاتورية العدالة لتحتضن الحرية كسلوك بشري مُمارَس وتحوّل غرائز الانسان الى حاجات أساسية لا تطغي بتورّمها على مسار الحياة .
[1] مؤرِّخ بريطاني معاصر Arnold Toymbee : “l’hisoire”.
[2] Le birth-controle dans les pays du tiers monde- NSS.M 200
[3] Dr hesnard : l univers morbidr de la faute
[4] Fritjof capra .
[5] قول كلمة سهوا بدلا عن كلمة اخرى والكلمة السهو تعبر اجمالا عما في اللاوعي
[6] F. Capra
[7] Gustave le bon – psychologie de la foule
[8] Pr Ernest wood. Pratique du yoga .puf
|