ثم ماذا...
بقلم توفيق الصايغ


 
 
لست أدري أية أندب بلوعة أشد : منى جبور الشابة، المتفتحة للحياة، المتحصنة بالبراءة تقلب بها سهام التجارب مداعبات تجارب، فينطوي الدرع قبل ان تخدشه التجارب، أم منى جبور الأديبة، التي لملمت وراقها بيضاء وزرقاء وصفراء ووردية اللون، وجلدتها في كتاب جسيم، قعدت لتملأه فانكسر القلم ومعظم الصفحات خالية شاحبة، شحوب الأرامل الحدثات النذيرات للطهر مدى أعمارهن ؟
 
لو أنها قضت بيننا السبعين التي وعدنا بها، لكانت دموعنا اليوم دموعاً تقتضيها المناسبة، ليس إلا، لو أنها قضت بيننا نصفها لعزانا، قليلاً قليلاً، إنها اجتنت من عليقة الحياة زهراتها الصغيرات العابرات، وإنها لو لبثت بيننا أطول لما فعلت أكثر من جني زهرات مماثلات، اقل عدا واخفت طيبا وابهت لونا، وتذكر الزهرات السالفة. ولو أنها تركت آثاراً لنا، في الرواية والنقد أكثر مما أتاحت لها سنوها الطفلة أن تترك، لعزانا، قليلاً قليلاً، إنها حققت ذاتها وإنها لم تول عنا دون أن تخلف إرثا لنا، نستثمره ونستغلّه ويبقى معنا من الغائبة بعضا لا يغيب.
 
جاءتها موهبتها فتية، وأبت أن تكتفي بالموهبة. عكفت على الدرس، على التثقف، تلميذة مبتدئة متواضعة. وعهدنا بأديبات البلد، أو بجلهن، يتنكرن للدرس وتتنكر لهن الموهبة. وتحلت بصفات بات يبدو أنها تجافي بنات جنسها ممن ولجن الأدب أو احتلن على ولوجه احتيالاً. وفي أدبها، كما في حياتها، لم تزمجر ولم تضع قبالة فمها مكبر أصوات، لتوهم الخلق بأهمية ما تفعله وتحس به وتقوله. رغم هذا، ومن أجل هذا، كان لما تفعله وتحس به وتقوله صدى أعمق ووقع أكثر إذهالاً.
 
يتحدثون عن رواية يعرفونها وأخرى يترقبون صدورها، وعن طائفة من الأقاصيص. وأتحدث أيضاً عن نقوها. لم يكن، كأكثر نقدنا، تشويهاً لسمعة أو "لفقاً لبكارة". كانت وديعة في نقدها حين تشاء، وحين تشاء كانت كلماتها مدى، وعرفت ونعرف أنها كانت مدية جراح لا مدية مفتال في عتمة الليالي. ولم تكن تخرج عن اعتدالها في النقد، وعن صوتها الخافت في التعبير عنه، إلا في نقدها الذي توجهه، تصوبه، لذاتها.
 
في آخر لقاءاتنا دار الحديث من جديد، عن موضوع طرقناه مرة ومرة. رحت أكرر أن الموت هو منحة الله لنا، الموت والقدرة على استحضاره ايان ابتغينا. وقلت أن الموت واستطاعتنا اللجؤ إليه أية لحظة هو الرصيد الذي يضعه، أبونا السماوي، في غفلة حنان، باسم كل منا لكل منا منذ الطفولة في مصرف الحياة، نعول عليه عند الحاجة الكبرى، وهو عطيّته لنا يعرض بها عن شتى المخاسر التي يطيب له أن يمنينا بها يوماً بعد يوم ليلة بعد ليلة. كانت كلماته قليلة، لكنها كنظراتها كانت مليئة بالعتب كانت فيما مضى قد بعثرت أرائي واحداً واحداً وفضحت لي ما بها من انهزامية وانحراف وكيف أعود لقول ما أقول ؟ وكيف يمكن لي أن أقيم ذاتي طابوراً خامساً للموت في أرض الحياة ؟
 
واليوم، إذ أكون أنا القاعد هنا، وتكون منى جبور الراحلة، إذ أكون أنا الرائي، وتكون منى جبور المرثية، بأسى وحرقة، فالبكاء تختلط به المفارقة المرة والسخرية. من يرضى بالحياة تزور عنه الحياة، ومن يتأباها تتشبث به. لقد أراد الحياة ثرية بالقيم حبلى بمغزاها والمعاني، فسلمتها لموت تافه لا معنى له. لقد أحبت الحياة برفق، وأحبها الموت اغتصاباً.
 
ويعيد لي موت منى سؤالاً يلاحقني منذ صباي ملحاً منغصاً : ثم ماذا ؟ ويعيد لي موت منى جواباً يرادف السؤال بإلحاح أشد وتنغيص أمض : لا شيء لا شيء لا شيء.


توفيق الصايغ

 

document added by

Fr. Raymond Abdo ocd

Mouna Jabbour - All Right reserved 2003