الأديبة "منى جبور" في روايتها "الغربان والمسوح البيضاء"

بقلم نعمة الله مخايل - مرتمورة


 
لم يكتب روائي قصة أو رواية عبثاً، فالقصص هي الحياة التي يعيشها الأديب.
وحياة الأديبة منى جبور، كانت قليلة بعدد سنيها؛ ولكنها كانت زاخرة بالخواطر وبالتساؤلات التي كانت تتزاحم في نفسها، والتي لم تجد خيراً من الرواية وسيلة للتعبير.
 
أبصرت منى جبور النور في 15/8/1943. مارست التعليم بدءاً من العام 1960، ثم توفيت في 24/1/1964. ولكن حياتها القصيرة، كانت مشعة بألف ضوء وضوء، فتركت مؤلفين هما :"فتاة تافهة"، و"الغربان والمسوح البيضاء"، وحرّرت أكثر من خمسين مقالاً في صفحة الأدب النسائي في جريدة النهار، كما كانت سكرتيرة تحرير مجلة الحكمة الأسبوعية.
 
لقد توفرت لي رواية "الغربان والمسوح البيضاء"، فانكببت عليها بنهم ورافقت أبطالها على مدى 373 صفحة. وها أنا أجد نفسي في حاجة إلى الكلام على حوادث هذه الرواية، علّني بالتالي أستطيع النفاذ إلى عالم منى جبور الزاخر بالحياة وبالصراع.
 
قد يكون أشخاص هذه الرواية حقيقيين، وقد لا يكونون. وقد تكون حوادثها واقعة أو متخيلة، ولكن أشخاصها في الحالين نماذج وصور للحياة اليومية المملوءة بالأسرار المأزومة بالمشكلات، المرهقة بقضايا العصر الحديث.
 
فنظرة متأملة إلى حياة "منى" القصيرة وإلى مؤلفها الأخير، تستوقفني عدة أمور لا مفر من تبيانها :
 
أولا : منى فتاة قبياتيّة ريفيّة، اختارت التعليم رسالة، ولكنها لم تقنع بذلك، ولم تكن الوظيفة نهاية حلمها، كما كان ذلك لكثيرات من بنات جنسها وجيلها؛ لذلك أكملت دراستها على نفسها إلى أن انتسبت إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية عام 1963.
 
ثانياً : مساهمتها الكبيرة في حقل الرواية عبر مؤلفين قيمين، ألفتهما في فترة قياسية بين العامين 1962-1963.
 
ثالثا : انخراطها في الدفاع عن قضايا المرأة الإنسان الكلي الإنسانية، عبر مقالاتها المتعدّدة في جريدة النهار (صفحة الأدب النسائي).
 
رابعاً : إطلاعها بالتفصيل على جميع الحركات الأدبية الحديثة وخاصة الوجودية والعدمية، وهما من أحدث المذاهب الفلسفية وأكثرها انتشاراً وسيادة في الفكر الناتج عن حالة القلق التي سيطرت على أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية؛ وسبب هذا القلق يعود إلى الفناء الشامل الذي أحدثته الحرب. فالوجودية والعدمية تبرزان بوضوح في مؤلفها الأخير "الغربان والمسوح البيضاء"، وهذا ما سأوضحه من خلال هذه الدراسة.
 
قلت في البداية : قد يكون أشخاص هذه الرواية حقيقيين وقد يكونون متخيلين؛ ولكن في الحالين، إن هؤلاء الأشخاص إنما ينطقون بإسم موجدهم. فكلامهم كلامه، وصراعهم صراعه وهم يحملون بصماته بوضوح وخاصة الشخصيات الرئيسة في الرواية.
 
فلو حاولنا تصنيف هؤلاء الأشخاص في مجموعات متناسقة لتوقفنا عند مجموعتين إثنتين متنافرتين هما موضوع دراستنا هذه.
 
فالمجموعة الأولى تضم بطلة الرواية "كوثر" والرسام "هشام"، وعنوانها مجموعة "الفراغ والضياع".
 
أما المجموعة الثانية فتضم الثنائي "ميشال ويولا"، وعنوان هذه المجموعة "الإستقرار".
 
والآن سأرافق "كوثر" من بداية الرواية محصيا خطواتها، متتبّّعاً مواقفها، وتساؤلاتها وحواراتها الخارجية والداخلية، علني بذلك أستطيع أن أطلق حكماً ينطبق كلياً على ما أزعمه من تمحور الرواية حول الوجودية والعدم، فأكون منصفاً في حكمي بعيداً عن التعسف، وإطلاق الأحكام العامة السهلة الإطلاق.
 
"فكوثر" كائن يبحث عن الحرية تقول في السطر ال15 من الصفحة 94 :" كنت جائعة إلى الحرية والحياة بمفردي". فالحرية هي عنوان عام في حياتها ينسحب حتى على الوقوع في الحب. فالإرتباط برجل عبودية في نظرها، تقيد وتخنق. تقول "كوثر" في الصفحة 165، بعد أن كادت تقع في فخ التملك :"ما هي حدودي واتجاهي ومصيري الآن ؟ ونقمت على نفسي. العبيد الذين هم نحن... العبيد العاجزون عن الإستمرار بلا قيد وخناق".
 
فهي تنظر إلى الزواج على أنه تنازل عن جسدها ومصيرها وحريتها.
 
ففي حوار مع "يولا" صديقتها تقول لها :" أتزوج هشاماً " وأهبه جسدي ومصيري وحريتي ؟".
 
ولكي تبقى محافظة على حريتها، كانت تهرب من تحمّل المسؤوليّة لأنها كانت تخاف الفشل. تقول "كوثر" صفحة 95 في السطر العاشر وما يليه :"إن لقراراتي مصيراً واحداً هو الفشل والإنهيار,. يقبض على عنق طوق إسمه التراجع والفرار. تساورني رغبة برميك بعيداً عني والفرار".
 
وتصف نفسها بالجبانة في قولها : "الوقوف في وجه العاصفة إنتحار بربري والهرب بطولة...أنا جبانة يا سيدي. ولا قوة في المقاومة والإستمرار...طالما ينبت في وجهي الحوار، أرحل كالسلحفاة وبيتي على كتفي...الزحف رمز البقاء". فهي تحس نفسها بأن لا جذور لها فتقول :"لأن الأمس يخنقني، والغد لا لون له عندي ولا طعم...ترى أين جذوري ؟" فالوجود والعدم هما وجهان لعملة واحدة. لقد وجد "سارتر" أن العدم ملازم لتجربة الحرية، ففي المواقف التي نحس فيها بالخجل أو بالخوف أو بالفشل، كما هي حال "كوثر"، بإمكاننا أن نستعمل العدم كحالة تحرّرنا من الواقع.
 
فالهرب نوع من ابعاد الوجود عن مركز الفشل. إنه التحرّر من الوجود إلى اللاوجود. وهكذا يكون هذا التحرّر هو نفسه الإحساس بقدرة الإنسان على إستعمال الحرية.
 
و"كوثر" تعيش فراغاً مدمراً، يرافقها من طفولتها إلى حاضرها ونجد ذلك في الصفحة 110-111، كما تعلن في الصفحة 278 في المقطع الأول : إن الفراغ والضجر لعبة الحياة الكبرى اليوميّة. لذلك فإنها تحس بأن لا جذور لها، لأنها لم تجد صفتها بعد.
 
فهي تقول عن نفسها وفي الصفحة 253 :"لا لم أجد صفتي بعد... قد أكون بلا صفة. أنا أنا. المهم ألا أحدّد لأنني افشل... التحديد وسيلة الجبناء والعبيد."
 
وفي هذا الصراع المدمر واللاهوية، تعيش "كوثر" صراعاً مدمراً بين ما هي عليه وما يجب أن تكون. فهي رغم تعلّقها بحرّيتها وهروبها من تحمّل المسؤولية خوف الفشل، تعلن بانسحاق كلي صفحة 57 في السطر الرابع :"لا وجود لي بمفردي ولا أهميّة"، بينما يتسمر نظرها على وجهين يشعان بالدفء في مجلة مرمية أرضا. وكانت تحس بتفاهتها لأنها كانت بلا هدف. تقول في الصفحة 59 في السطر الأول :"وتنسحق تفاهتي ما دمت بلا هدف".
 
وكانت تعيش حنينا عظيماً غلى الطفولة، إلى حضن الأم ففي الصفحة 62 تعلن بأنها خلقت لكي تكون طفلة لذلك لا تستطيع أن تتزوج وتنجب الأطفال، مخافة أن يجلسوا مكانها صفحة 318 السطر السابع والثامن.
 
ولكنها في صراعها المدمر هذا، كانت تحن إلى الإستقرار وإلى إنجاب الأطفال، لكي تقتل الفراغ. فهي تقول في الصفحة 71 السطر 11 وما يليه :"رغبت أن أبكي أن أنهار على صدرك يا سيدي، وأنسى معك التشرد والوحدة، وسمعت ضجيج أطفال يملأ حولي البيت، ويكبّل الفراغ ويشنقه على خشبة".
 
وكانت "كوثر" تعلم أن العيش في الفراغ مدمر، لذلك تعلن في الصفحة 75 السطر12 : "الإستمرار في التقوقع إنتحار مسرحي بارد".ولكنها لا قدرة عندها على الثبات والإستمرار فتقول في الصفحة 76 السطر الثامن :"لا أثق بقدرتي على المضي في إتجاه معين".
 
في حومة هذا الصراع الساحق الذي دفع "كوثر" إلى العيش في عالم داخلي، متبعدة عن الإندماج بالناس وبالصخب. تقول "كوثر" صفحة 179-180 :"كان الصخب يطحنني، كأن الوجوه تسحقني وتبصق علي."
 
في حومة هذا الصراع كان "هشام" يريد أن ينتشل "كوثر" وأن يخلقها من جديد، ولكن عبثاً يحاول. فهي تقول في الصفحة 141: "لا وجود للمواقف ولا إنبثاق".
 
"فهشام" يحاول جاهداً أن ينتشل "كوثر" من الفراغ، ومن دوامة الصراع الذي تعيشه. إنه يحاول أن يقدم لها ما هي بحاجة إليه عندما يقول لها :"ستقولين لي إن ما تحتاجينه ليس المال، وإنما الإستقرار والفيء والعالم الذي أضعته منذ الطفولة".
 
ولكن الإستقرار يعني الإرتباط والزواج وتكوين الأسرة، و"كوثر" لا تريد هذا؛ ولقد قالت صفحة 304 السطر الخامس في حوارها مع "هشام" :"أعجز عن الإرتباط".
 
وبالرغم من العيش في هذا الجو الضاغط نرى أشعة نورانية تتسلل من خواطر "كوثر"، فيها كل النقاء وكل الصفاء وكل الثورة على الكذب؛ نرى ذلك في ساعة صفاء روحي عندما ناقشت أمر الحب مع زميلتها في المجلة "أمية".
 
تقول "كوثر" في الصفحة 175 السطر الخامس :"طالما يبقى الحب مأزقاً وخروجاً عن القانون، نبقى نحن بلا جباه ولا كواهل".
 
وفي الصفحة 169 السطر الرابع والسادس والثامن تقول "كوثر" : "إن الحب هو قمة القداسة والحب الصحيح هو الحب المجرد عن الإحساس بالخطيئة ويتحقق ذلك عندما يفهم الكبار هذه الحقيقة".
 
"فكوثر" ترفض فكرة إرتباط الحب أي الجنس بالخطيئة. وللحب برأي "كوثر" كيمياء عجيبة، ففي لحظة بجل وانخطاف يحول الحب الإنسان، إذا ما مسته كيمياؤه، إلى أمور كثيرة.
 
 تقول "كوثر" صفحة 100 السطر 16-17 :"في الشارع رأيت الناس حشرات مائعة...رأيتني أكبر من المدينة والسماء والله... شخص واحد كان أكبر مني..."هشام".
 
وهكذا نرى عنوان الفراغ والضياع ينطبق كلياً على شخصية "كوثر"، ويسم المجموعة الأولى بميسمه الواضح. فالحياة عبثية بنظر "كوثر"، إذ لا هدف للحياة كما لا هدف للموت. تقول "كوثر" :"لماذا أموت ؟ حتى وأنا أموت لا أجد لي هدفاً أبداً نكرة وأستمر نكرة وأنتهي نكرة". وقد ورد هذا الكلام صفحة 128 السطر 16-17.
 
أما المجموعة الثانية، مجموعة الإستقرار والتي تضم "يولا وميشال"، فهي ثنائي متفاهم ومتناغم، عالمه البيت؛ بينما المريخ "لكوثر وهشام" على حد تعبير "يولا" في السطر الرابع صفحة 356.
 
كان لهذا الثنائي مصراً على مساعدة "كوثر" على الإيمان بالإستقرار وعلى تبني موقف واضح في الحياة. ولكن القدر لم يمهل "يولا" التي ماتت فجأة، وكان لموتها أثر صاعق على "كوثر"، لأنه تأكد لها أن لا إستقرار في الحياة، وأن الحياة خدعة، وعليها ان تخضع لهذه الخدعة، طالما لا تستطيع أن تخترع لنفسها مصيراًً بإرادة حرة.
 
وهكذا تتجلى العدمية الفنية واضحة في هذه الرواية التي تتمحور حول الوجود والعدم اللذين ينتج عنهما محوران هما الحياة والموت، فتظهر صراعات هذين المحورين في حياة "كوثر" الشخصية الرئيسة في هذه الرواية.
وخلاصة الأمر أن رواية "الغربان والمسوح البيضاء"، هي جذع له أصل في المدرسة الحديثة التي تعج بالمذاهب الفنية المتنوعة، وبخاصة الوجودية والعدمية اللتين هما من أحدث المذاهب الفلسفية وأكثرها سيادة في الفكر المعاصر.

 

بقلم نعمة الله مخايل

 

document added by

Fr. Raymond Abdo ocd

Mouna Jabbour - All Right reserved 2003