الموعد الضائع

فوزي سابا



 
ما همني والطيب لا ينفد             إن مرّ من دوني أنا الموعد
غداً اجيء غلى الدار أخلو إلى      بقية من عهدها تعبد


لم يقدر لي الإقتراب من روح القائل عيشوا حياة الأزهار، مثلي وأنا ألتقي منى جبور.
كنت أحار في هذه الحياة التي يريدها لنا السيد المسيح، نفحة طيب مع أغاني الفجر ثم ذبول والشمس لا تتوسط الزرقاء بعد، كما كنت مع الشيخ الرئيس ابن سينا في قوله، أحب الحياة قصيرة عريضة ولا أحبها طويلة وضيّقة.
حتى التقيت هذه الفتاة، منى جبور كنت أظن ان الكمال، كلمة لا مدلول لها، وضعت كالمخدر تسكيناً للأرواح.


في جلسة هادئة في مكتب الدكتور جميل جبر، تلقيت عظة الكمال تتسلل إليّ من رؤيا احلتها علينا هذه الفتاة ذات النظرات الهادئة. فلا حيرة تأخذها إلى التلفت، ولا عصبيّة تنحت من أعصابها مجاذر اصطراع. رواح إلى قصد فيه من براءة الطفولة روح الكمال لتلقى المنح لكأني بها على لسان دانتي، باكية وضاحكة في آن واحد.
كانت تصغي وهي تتكلم، لكأنها أعطت كل حاسة من حواسها واجباتها ثم سلكتها كلها إلى المجرى المقرّر...
زهرة تعطي ولا تعلم أنها أعطت زهرة، تعطر الأجواء ولا تعلم أنها مع كل نفحة تجود بنفس من أنفاسها.
أحيوا حياة الأزهار، عطاء وبذل ولا منة، وبعد أطياب ولا يسأل عن الجوانب.
المحبة المعطاء التي جعلت رنان يقول : إن عظمة المسيح تتراءى من وراء الحب الذي تركه في الشعوب التي أحبته بعد الموت أكثر منها في حياته. هذه المحبة هي العطر المخبر الذي حبب حياة الزهر إلى القوب وجعلها على قصرها أبعد مدى في مساري الأمد.
حياة الزهر كذا عاشت منى جبور، على أن للطيب احتكامات مودات تزحم النفوس إلى التوق المبرح، فلا نبرح على تلقي النسيم ولئن غابت الدنان.
كثيرون لا تتجاوز أعمارهم طيرة عصفور من غصن إلى آخر ويبقى على آثارهم رمال.


منى جبور أثارت الأطياب والضحى على ابتسام، فلم تزل الأصباح ملأى فواغي.
حياة الزهر والضحى اغاريد هكذا عاشت، ولما للقيظ جفاف على الأعراق. يبقى لنا لقاء، فلا تضيع المواعيد.


 
فوزي سابا

 

document added by

Fr. Raymond Abdo ocd

Mouna Jabbour - All Right reserved 2003