Webmaster Eng.Elie ABBOUD

 

"النهار"

الثلثاء 13 كانون الثاني 2004

ذكرى الاديبة منى جبور

الدكتور فرج زخور

 

 

ولدت منى جبور في بلدة القبيات في 20 ايلول عام 1942. تلقت تعليمها الابتدائي في مسقط رأسها، ثم المتوسط في المدرسة النموذجية في فرن الشباك، لتلتحق بعد ذلك بدار المعلمين. بانت عليها ملامح النبوغ  في سن مبكرة. وتنبأ لها معلموها بمستقبل زاهر نظرا لاجتهادها وسعيها الدؤوب.

 

منذ صغرها، كانت منى تبدي رغبة للعيش في بيروت، نافذتها الى العمل والحرية. فدرست على نفسها لتحقق هذه الرغبة.

وهي طالبة في دار المعلمين،نشرت خواطر وجدانية واشعارا يطغى عليها الحزن في عدد من الصحف والمجلات البيروتية كالنهار والحياة والرسالة والحكمة وغيرها.

 

انخرطت الاديبة الشابة في عدد من الهيئات الثقافية كالمنظمة العالمية لحرية الثقافة، والندوة اللبنانية، واصدقاء القصة.

في 22/1/1964 ماتت منى في الحمام اختناقا، عن عمر ربيعي، مخلفة وراءها رواية منشورة هي "فتاة تافهة"، وقصصا قصيرة ومقالات نقدية، اضافة الى مخطوطة روايتها "الغربان والمسوح البيضاء".

 

في اذار 1964، تم تكريم الاديبة الراحلة في قاعة وزارة التربية بمبادرة من اصدقائها. في حينه تشكلت لجنة "اصدقاء منى جبور" التي اطلقت بادرة نشر روايتها الثانية. وتسمى الشارع الممتد من الساحة العامة في القبيات الى بيت ذويها في حي الضهر باسمها، في انتظار ان تعمد البلدية على انشاء مكتبة تحمل اسمها ايضا!

 

هذه المقدمة لا تفي الاديبة الراحلة حقها، فالمراجع الادبية لم تتناول روايتها بحثا او دراسة، كما ان الذاكرة الشعبية قد نسيتها او كادت! وكي لا تُنسى"، كانت مساهمتي المتواضعة: في الفترة التي يفعت فيها منى جبور، خضعت قضية المرأة لتجاذبات المؤسسات الاجتماعية كالبيت والمدرسة وسوق العمل، رافق ذلك حضور فكري لها، تجلى في نتاجها الادبي، كمحاولة لانتزاع حقها في التحرر والمساواة بالرجل. وهكذا ظهر ادب نسوي غلب عليه طابع ادب القضية، منتهجا طروحات تراوحت بين المطالبة بالمساواة بالرجل، وبين ادعائها التفوق عليه احيانا!

 

وكانت منى جبور من اللواتي انخرطن في هذا التيار الادبي، فصاغت مواقفها نتاجا ادبيا، مالت به، بحسب شخصية بطلة روايتها "ندى" صوب خصومة الرجل، سواء والدها: والا - من والدي - اداة تهديد. هل يجرني بشعري؟ هل يهجم عليّ ويرميني في الطريق؟ ص ،20 ،22 او معلمها الذي يردد: "المرأة مخلوق ضعيف الشخصية والارادة، المرأة مخلوق يخضع للرجل، ص 5.

 

وكرد فعل، لم تجد الاديبة، للافصاح عن عمق معاناتها، سوى ان تستعمل لغة غير مألوفة، فهي كما يقول ادونيس "اللغة التي تتمتع كلماتها بنكهة العري".

 

رفضت ندى ان يُنظر اليها كعامل من عوامل الغواية، وان تكون اداة زينة وتبرّج لارضاء الرجل، او ان اكون صنم جمال ولذة، ص 6، لذلك عابت على بنات جنسها اللواتي يُظهرن فقط مفاتن اجسادهن. تقول في رفيقة صفها: اود خنقها.وكدت اخنقها بعيني"، لا تفكر الا في مفاتن جسدها. رفيقتي التي تخرج كل يوم مع زميل فهي رصينة وانسانة لأنها تهيىء كنوز جسدها لعملية التعري والانتفاخ وبذر النسل.اما انا فوقحة لأنني ارفض واناقش. ص 6، ص 18.

 

طلبت ندى العلم لتدخل المجتمع وهي ذات كاملة لا مادة يشكلها الرجل كيفما يشاء! فها هي امام المرآة تكلم نفسها: لو لم ادرس لكان عليّ ان اظل مثلها - اي امها - في البيت اتمزق قهرا من سلطة والدي. لو لم ادرس لكان عليّ ان اخضع لجنونه فاوافق معه على ان الانتداب افضل للبنان من الاستقلال، وان لفرنسا الحق في الجزائر، وان الولايات المتحدة تحب لبنان والدول العربية دون غاية ص ص 51 - 52.

 

تركت ندى بيت ابيها ورحلت الى بيروت لتتحرر من نُظم ومواقف ارهقتها! كان التحرر الموضوع الابرز في الرواية، لكن رفدته الاديبة بمواضيع من نتاج هذا التحرر، كموقف الاهل من البنت ونظم التعليم ونظرة المجتمع اليها كفتاة.

قرأت ندى في عين المرأة المهزومة ما يوحي ان صوتها مدفون في اعماقها، فصرخت في وجه الاهل الذين يفضلون المولود الذكر على الانثى: انا وحيدة اهلي - حبلت امي وكان الجنين صبيا، لكنها وضعته بالعسر فمات. ومنعوها ان تعود وتحبل، كم انتحب والدي. قال: لو كانت ندى صبيا لهانت المصيبة ص 46 - 47.

 

وثارت ايضا على المدرسة ونظمها التربوية القائمة على الحشو وعدم المناقشة، فالمعلم يذلها  كلما حاولت ان تناقش، لأنه يريدها "كلبة كرفيقاتها" ص 16.

 

وفي المدينة الحلم لم تجد ندى  كيانها. ففي بيروت راحت تتسكع مفتشة دون جدوى عن عمل. وفي بيروت ايضا، سمعت ما يؤذيها: دعي السياسة للرجال. الحرية للرجال. وانا ماذا لي؟ انا المرأة ماذا لي غير ان ادفن ارائي الصائبة في السياسة ص 99.

 

تأثرت بميخائيل نعيمة، وجدت في كلماته العزاء: "انت كيان. تكلمي وانا اسكت ص 176.

 

في بيروت، ترددت على المكتبات، فلم تستهوها الكتب التي تتكلم عن مفاتن الفتاة كالاغراء والعطور والازياء والاكتاف العارية، بل "الكتب المحترمة" التي عرّفتها على معاني الاستقلال والديموقراطية والحرية والحقوق والواجبات، فبانت ملامح فكرها السياسي الوطني واللاطائفي ص 43. ها هي تتصور نفسها مندفعة، داخل السجون الفرنسية لتحمل البطلة الجزائرية جميلة بوحيرد بين ذراعيها وتسمع الهتافات: "تعيش مخلصة جميلة، تعيش ندى خوري المسيحية التي انقذت الجزائر" ص 174.

 

تعبت ندى في بيروت حيث حلمت بعالم ارحب. صدمت في بيروت وفشلت. لم تجد فيها الشيء الذي تحسه ولا تدركه.

وتتحول ندى الى قضية. وقضيتها رحلة، لكن رحلتها غير مجدية لأنها وحيدة. انما كان عليها ان تهرب، ان ترحل، ان تتنقل، ان تمشي في طريق الجلجلة، فتتحد ذاتها المعذبة ووحشتها المصلوبة بوحشة الوطن الذي ترمز اليه بيروت.

ولما اعياها المشي استسلمت، فمزقت مواقفها وداست الكيان وقافلة الايام التي مضت كالسراب. ووعت انه يجب ان تكون جزءا من كل، ولم تعد تردد تلك اللازمة. اكره الرجال. اكره الاطفال. وراحت تردد في آخر المطاف: ... وهل احارب الشريعة انا؟ هل اعاكس الله؟ ص 213.

 

وتبدلت نظرة ندى الى الحياة، وتغيّر موقفها من الرجل: "فالآن انتهى طور، وعليّ ان ابني طورا آخر، عليّ ان اسير. فانا بحاجة لحماية رجل، بحاجة لطفل، بحاجة لفم يرضع ثديي. فلماذا لا يكون لي طفل يرضع غليان دمي؟" ص 215.

ومضت تفتش عن رجل شريك، تحبه ويحبها...

 

الدكتور فرج زخور

 

* رواية للاديبة الراحلة، دار مكتبة الحياة، بيروت 1963، في 219 صفحة من القطع الكبير.

Article added on 15 Jan 2004, from An Nahar Press

Webmaster Eng.Elie ABBOUD

 

Mouna Jabbour - All Right reserved 2004