back to Mouna Jabbour

 

مـنـى  جـبّـور  الـمـيـلاد  الـسـتون

إعادة اعتبار لـ"فـتــــاة تـافـهــــة"

رفـيـف صـيـداوي

نشرتها النهار في ملحقها الثقافي 25 آب 2003

 

منذ زمن ليس ببعيد، وفي سياق مشاركتي في عمل بحثي حول الكتابة الأدبية للنساء تعرّفت  الى أدب اللبنانية الراحلة منى جبّور (1943 ــ 1964). وعند قراءتي روايتيها "فتاة تافهة" (1962) و"الغربان والمسوح البيضاء"(1966)، أيقنت أن عدم اطلاعي السابق على أدب هذه المرأة مرتبط بالغبن الذي لحق بها أكثر من ارتباطه بالتقصير الشخصي. فغالبا ما تطالعنا المقالات والدراسات والابحاث في مجال النقد الادبي بعامة، والروائي بخاصة، باسماء كاتبات برزن في الستينات، كليلى بعلبكي وليلى عسيران واملي نصر الله وغيرهنّ من الكاتبات الخلاقات. لكن نادرا ما كنت أصادف اسم منى جبّور. في 15 آب الجاري، "احتفلت" منى جبور بعيد ميلادها الستين. و... كانت توقفت عن الحياة عام 1964 . فهل من يتذكرها؟ وهل خصوصاً من يعيد نشر روايتيها الآن، من أجل إعادة قراءة متأنية لكتابات ذاك الزمن ولدور منى جبور في الحداثة الوجودية والإنسانية والأدبية؟

 

Mouna Jabbourهذا المقال اضاءة لجوانب من تجربة منى جبّور الروائية لكونها تستحق اكثر من مقال نظرا الى قيمتها الفنّية من جهة، والى موقعها في انطولوجيا كتابة المرأة من جهة أخرى.

في رواية جبّور الاولى، "فتاة تافهة"، ثمة بطلة شابة تدعى ندى في الثامنة عشرة من عمرها تتميّز بتمرّدها. تنتمي ندى الى عائلة اريستوقراطية طرابلسية ويربطها شبه كبير بلينا فياض، بطلة "أنا احيا" لليلى بعلبكي. كلّ من البطلتين/الراويتين تنقل مشاعرها وأحاسيسها وأفكارها بضمير المتكلم وبأسلوب مشحون بتمرّد يلمس حدود العنف. غير ان خصوصية ندى في "فتاة تافهة" تنبع من رفضها لأنوثتها: "هذا الجسد يعذبني. يعذبني ثدياي والثوب الذي ينسدل فوق عضوي الانثوي. فأنا أكفر بهذا الجسد الهزيل الجامد أمام المرآة... أكفر بهدف نفور الرمانتين من صدري، فانا أكره ان يرضع فم منهما حليبا" (ص 127).

رفض الانوثة وكره الذات لم يعكسا في "فتاة تافهة" رفض البطلة للذكورة كجنس، وانما عكسا معاناة الانثى مع الانوثة المتعارف عليها في المجتمع البطريركي. أي الانوثة السلعة، فتجسّدت معاناة الأنثى مع الانوثة في خطاب ذي خصائص لغوية بنائية جديدة من أبرزها معاصرة هذا الخطاب لزمن معيش تحاول من خلاله هذه الذات تصويب صورتها عن ذاتها عبر مونولوغ مرآتي يكشف الجوانب القوية والضعيفة للذات. الامر الذي لم يكن واردا في روايات البدايات التي كتبتها نساء. اذ اكتفت روايات البدايات هذه بإظهار الجوانب القوية للذات الانثوية. ونتج من ذلك خطاب مجبول بالتفاؤل يعكس تصوّر الكاتبات لأدوارهنّ في المشروع النهضوي العربي. وهو تصوّر لما تنتج منه نزعة تمردية ثورية على الرغم من تقويضه أحيانا الاوضاع التقليدية للنساء. وعليه، بدا هذا التصوّر نابعا من إرادة تحديثية آثرت طريق الفكر عوضا عن تثوير العلاقات الانتاجية والاجتماعية القائمة.

معاناة الأنثى مع أنوثة لا يرى اليها المجتمع الا كأنوثة سلعة، تجسّدت فنّيا عند جبّور في مستويات فنيّة متعدّدة أظهرها، تداخل نمط السرد مع نمط تشكيل شخصية البطلة.

فمن خلال نمط سردي مباشر تتحكم خلاله البطلة ندى، عبر صوتها ولسانها، بمجريات السرد، اغتنى هذا بالتجربة الشخصية. ولأن هذه التجربة عائدة لبطلة مضطربة ثائرة هستيرية الى حدّ الجنون، مالت بنية هذا النمط الى القلق والى طرح التساؤلات التي أبعدت النصّ عن جهوزية المواقع. فكان للبطلة نفسها، وفق هذا النمط السردي، موقعان تميّزا بتصارعهما وتفاعلهما في النفس والمحيط والمجتمع.

 

 

في تجسّدات الموقع الأول

 

من موقعها الاول، بثوريته غير المقوننة، حملت البطلة ندى قدرا كبيرا من الغرابة صدّت بها الآخرين وعاندتهم: الأهل، مدير المدرسة، الأستاذ، هنري الشاب الذي هواها...وغيرهم من الشخصيات الذكورية والأنثوية. بدوا جميعهم حائرين في تصنيفها: متشائمة، مجنونة، غريبة الاطوار، لا بل مصيبة وبلوة وخطيئة من وجهة نظر الأهل (راجع ص 75).

ضمن هذا الموقع الصدامي غير المفهوم وغير المبرّر من الآخرين، امتلأ الحقل المعجمي للنصّ بعبارات ومفردات راحت تعكس ثورة ندى ورفضها من جهة، وتقويض الكاتبة، من جهة اخرى، للرصانة الأدبية التي لازمت الكتابة الروائية قبلا.

لقد وصفت ندى الاستاذ، على سبيل المثال، بأنه كذّاب، وقح، خنزير ووسخ. وشبّهت أباها بالثور الخائر. كما نظرت الى الرجال على أنهم "كلاب". في حين كثرت التعابير المشيرة الى الوسخ والقذارة: "فاذا على أسنانه خيوط صفراء، والبصاق يفور من شفتيه" (ص5); "وقذفت بي كلمة "خادمة" على الحضيض كدودة رخوة، كبصقة ثقيلة" (ص111)، فيما فاض هذا الحقل المعجمي بأفعال عنيفة: احترقت بالنار/ أمزّق جسدي/ قذفت بوجهه/ أهرب - أندفع/ تنتّفت غضبا/ لفظتني العتبة خارجا/ صراخ يفتّت الجدران/...إلخ.

ضمن هذا السياق شكّل الحقل المعجمي المشار اليه، والذي لم يكن يليق بكتابة الرواية آنذاك، جزءا مهماً من كتابة جبّور. لقد عبّر هذا الحقل عن طريقة الكاتبة وأسلوبها في ولوج الاختبارات الروحية العميقة للأنثى في زمن تبدّى فيه خروج المرأة من شرنقة التقاليد والأعراف الاجتماعية والقيم السائدة كخروج لا يخلو من زيف، مما جعل هذا الحقل المعجمي أحد أبرز الحقول الدلالية للرواية. إذ ساهم في بناء جماليات النصّ الناهض أساسا على علاقة الذات، الانثوية تحديدا، بالآخر، لاسيما الرجل. وهي علاقة تميّزت بكونها خاوية وغير سوية، مرفوضة وملعونة أيضا من الذات/البطلة التي أعلنت منذ الصفحة الاولى للرواية عن رغبتها بالتحدّي: "سأجادل، رغم انني في الصف تقيّدني فروض وتسكتني رهبة - فهو معلمي - لكنني اربأ بنفسي ان أواجه أقزاما كاذبة وأبقى صامتة.

سأخرج، فأنا لست ضعيفة لأتعلم. ليتني أقوى على اظهار البرهان في تحطيم هذا المقعد على رؤوس التلامذة وفي مرمغة انف المعلم بحذائي لأريه انني كيان مستقل".

وتتحكّم رغبة التحدّي بالفتاة لتطال الوالدين: "الكعب العالي وسيلة ممكنة لمرمغة أنف والدي " (ص 65);

"بعد غيابي سأعود، أهجم على أمي، أركعها كالكلبة عند قدمي، أعلّمها ان تحترمني" (ص77).

وفي موازاة التحدّي الموجّه ضدّ الآخرين، ثمة تحديات وجّهتها الفتاة ضدّ ذاتها وجسدها. من هذه التحديات ما تجسّد على المستوى الكلامي بإشارة البطلة الى رفضها ممارسة الجنس مع الرجل ورفضها الزواج والحمل والانجاب، وذلك في سياق لغوي تكرّر كاللازمة عند نهاية كل فصل، مشكّلاً أحد ايقاعات الرواية.

ثم ان عدائية البطلة لم تقتصر على الذات والآخرين وانما هي طاولت الأشياء أيضا: "وأكملت زحفي وراء الكعب العالي أتعمشق بلبطه للأرض" (ص 65).

بهذا،  أحال الموقع الرفضي الثوري على اضطراب شخصية ندى المتفجّرة قلقا وارتباكا.

 

 

في تجسّدات الموقع الثاني

 

عند هذا الموقع يلقى القارىء نفسه أمام بطلة تحاول تصويب صورتها عن ذاتها. هل انها حقا تكره انوثتها كأنوثة، وتكره الذكورة كذكورة، أي كجنس؟

عند هذا المستوى الوجودي يمارس السرد وظيفته في محاولته تطوير وعي ندى بذاتها. فيرتفع القناع شيئا فشيئا عن وجه البطلة/الراوية ليجد القارىء نفسه وجها لوجه امام امرأة تحاول ان تخلق من نفسها انسانا جديدا. امرأة تريد ان تكون "كيانا" قائما بذاته في مجتمع بطريركي يحارب عبر مؤسساته (العائلة، المدرسة، العمل...) توق المرأة الى بناء كيانها، ويرفض، في الوقت عينه، الاعتراف بها ككيان مستقل.

شيء من التعرّي يصاحب ارتفاع القناع عن وجه الراوية فندرك عمق عزلتها الروحية ونقترب من الاختبارات القاسية التي تحياها. اختبارات تحيل على جرأة الراوية، ومن خلفها الكاتبة، في وصف أعمق لحظات الصراع الداخلي بكل ما فيه من حميمية.

بأسلوب جريء تصف ندى صراعها مع جسدها ومع ميولها الجنسية الطبيعية نحو الجنس الآخر. تلك الميول التي حاولت قمعها بحجة الحفاظ على استقلالية الجسد: "أود - تقول ندى - لو أحطّم المرآة لانها تذكّرني بجسدي الرخيص الذي لن يكون رخيصا ابدا وتذكّرني بهنري الخيال الوسخ الذي يتعلق بجسدي ويلتهمه. تذكّرني بالرجفة التي حقنتني بها دولي وهي تسرد لي مغامراتها، تذكّرني بضعفي، بجسدي الذي كوّن ليؤدي وظيفة النسل.

لكنني لن أؤدي وظيفة النسل. انني أكره هذا الجسد، اشعر نحوه باحتقار هائل وبغض جارف.كلا! بل احبه، أحبه. أحبه لانه سيبقى سليما وحرا، لي، ولن يتعرض بعد الآن ليضاجع خيال ذكر!" (ص 157).

لقد واكب هذا التعرّي استيهامات ندى وتخيّلاتها الجنسية التي لعبت فنيا وظيفة الاعلان عن تشوهاتها الجسدية والنفسية العميقة. فبدا هذا التعرّي مرآة لنفس معذبة، صادقة، تتلخص مشكلتها الوجودية برفضها تحوّل المرأة الى "مشاع".  فإذا بعلاقة ندى بجسدها الانثوي تبدو، بالحميمي فيها، نوعا من الاعتراف الصادق الدّال على الاختبار الضخم والفاجع الذي تجتازه هذه الأنثى.

لعلّ الموقع الثاني للشخصية، أي موقعها الآخر الذي حاولت فيه تصويب صورتها عن ذاتها، حوّل الخطاب الروائي الى أذن صاغية لصورة الذات امام مرآة ذاتها. فتعارض موقع الشخصية هذه مع موقعها الاول الذي مثّل صورة الذات في مرآة المجتمع.

أما وظيفة السرد الروائي، التي تمثّلت في محاولة تطوير وعي ندى بذاتها، فكأنها راحت تبرز وتتطوّر تدريجيا عبر تداعيات لغة الرواية التي ارتقت باستحضارها الكثيف لكل ما يجول في فضاءات الوعي واللاوعي. فتوصّلت البطلة بذلك الى التمييز بين رجل وآخر وامرأة واخرى. وإذا بها تقارن بين أحد المحاضرين الذي اثار اعجابها واحد الرجال الجالسين بقربها بالقول: "هذا المحاضر رجل والدب الرابض بقربي رجل؟ أنا فتاة ودولي فتاة؟" (ص 171). وإذا بها تتساءل عمّا إذا كانت حقا تكره الأطفال  (ص 158- 915). وكأنها راحت تدرك خلطها السابق بين الأمومة وعبودية المرأة. وهو خلط لا يعدو كونه أحد ردود الفعل غير المعقلنة لأنثى قهرها مجتمعها البطريركي الذي حصر دور المرأة بالانجاب فقط.

غير ان هذا التطور في الوعي لم ينجح في القضاء على معاناة النفس الانثوية التي جسّدتها بطلة جبّور، شأنها في ذلك شأن البطلة كوثر في رواية "الغربان والمسوح البيضاء"، حيث عجزت كوثر عن الاندفاع المطمئن الى هشام على الرغم من عشقها له. وهو العشق الذي مثّل في الرواية نغمة شعرية متدفّقة، في حين جاءت استجابة ندى حب هنري، الذي لطالما تهرّبت منه، متأخرة جدا.

لم ينجح تطور الوعي إذن، في القضاء على معاناة النفس الانثوية في روايتي جبّور اللّتين وجهتا اصابع الاتهام الى المجتمع البطريركي الذي يعوق تحول المرأة الى "كيان"، لا سيما ان مشكلة المرأة، في سياق تجربة ندى، بدت بجانب منها مرتبطة بمشكلة الرجل. إذ ليس في مقدوره قراءة الانثى الا من خلال نقصانه او من خلال صورته المكتملة. في الحالة الاولى حاجة الى الجنس وفي الثانية الغاء للمرأة ككيان. في حين ارتبط الجانب الآخر من مشكلة المرأة بتخلّف المجتمع المحلّي عموما الذي تجلّى بتبعيته وبتخلف بنياته الاجتماعية والسياسية الطائفية (راجع ص371). انّه التخلف الذي استنكرته الراوية ومن خلفها الكاتبة ليس في الرواية وحسب، وانما في كتاباتها الشعرية أيضا. وكأنه - أي التخلف - أشعل قلم الكاتبة فراحت تطلق حمم غضبها على شكل صور وتعابير شعرية حارقة، فجعلت المسيح يصرخ قائلا:

"شعبي عطش وجائع

والله يسلمني لوح الوصايا؟؟؟.

 

الهاربة

أطلت منى جبور فجأة. وفجأة غابت. عندما أتت كان ذلك في 15 آب 1943 في القبيات حيث تلقت العلم حتى الصفوف التكميلية، ثم أكملت الدراسة الثانوية في طرابلس وبيروت. كان أنسي الحاج أول من نشر لها. حدث ذلك  في "النهار" في 25 نيسان ،1957 ثم كتبت عنها سلمى عفيش في "النهار" أيضاً. نشرت في ما بعد في جريدة "الحياة" حيث ساهمت في صفحتها الثقافية. ثم في مجلة "الحكمة".

صدرت لها روايتها الأولى، "فتاة تافهة"، عام 1959 لدى دار "مكتبة الحياة" ثم صدرت لها رواية "الغربان والمسوح البيضاء" عام 1966 لدى الدار نفسها. وكان يوسف حوراني قد رافق حياتها الأدبية وأشرف على طبع نتاجها.

عاشت منى جبور بحسّ عدمي، في الظل، لأنها كانت تكره الشهرة، بل كانت تشعر أن كلمات التقريظ والمدائح ليست موجهة إليها وإنما الى آخرين. وإذا كان ثمة ابتسامة هاربة على وجهها فقد كانت الابتسامة اللغز، على غرار صمتها الأشد غموضاً ولغزاً.

هي كاتبة هاربة. تهرب مما تحب وممن تحب. وهنا ترتسم دائرة مأساتها الإنسانية الكبرى: "أنا أهرب أهرب أهرب عبر كل حرف وكلمة ونظرة... قبل مؤلفي الأول كنت أدرك أن تفجيراً ما سيكون خلاصي الوحيد في الحياة... لكني لم أكن واثقة أنه الأدب...".

عندما توفيت في 24 كانون الثاني ،1964 في حادث اختناق غامض بالغاز، قيل يومذاك إنها انتحرت.

ربما لأنها كانت تدرك لا معقولية الحياة.

ربما الأقدار نفسها عرفتْ ما  "تتوق" إليه منى جبور في قرارتها، فاستجابتها...

 

 

الخـلجات الأخيرة من "فـتــاة تــافـهــة"

 

اقتلعتُ رأسي عن الوسادة...

ففي رأسي فراغ وكآبة ويأس وحيرة.

وتطلعتُ في الغرف والاثاث، والجدار واللوحات الزيتية فإذا بالبيت يسقط على كتفي:

الفراغ يصفر في الغرف ويصفق الابواب ويدلي الجدران على رأسي فماذا افعل؟

لقد مر جورج عليّ في الصباح الباكر في طريقه الى طبيب العائلة والزوجة في الجبل عند أمه المريضة وأنا وحدي وسأنام الليلة. لم اعد اقوى على تحمل الوحدة. يجب أن اوقظ زوزو.

لكن يدي تتراجع عن لمس كتفه.

انحنيت،ُ اقبّله واقضم بعينيّ فمه الصغير وأنفه اليقظ كحارس، وجفنيه المسترخيين كالغمامة السوداء على عيني. وأبحرتُ في جبينه الابيض الواسع واهتززتُ لخصلة الشعر على جبينه فزوزو يشبه نبيلاً ويشبه هنري عيد.

وسيصبح رجلاً. لو كان رجلاً لما خفتُ الآن...

امسكتهُ اشدّه من كتفه: "زوزو، قم" وحين فتح عينيه وانفجر دفء نظره كدت اتلاشى قُبَلاً. شددتُهُ الى صدري اغرزه فيه. فأنا بحاجة لزوزو الطفل وبحاجة لزوزو الرجل، بحاجة لرجل يبذر في بطني جنيناً يتحرك وينمو ويملأ فراغي.

ولبّى زوزو حاجتي:

- مامي، اين ماما؟

ومرة ثانية:

- مامي... ألم تحضر ماما بعد؟

وثالثة:

- مامي، اريد ان اذهب عند ماما!

رفعتُه ُالعق وجهه بقبلاتي، ومددتُهُ على السرير اعبّ القبل من عينيه وجررتُهُ ورائي الى المغسلة فأنا أحبه!

ودغدغتني راحة وأنا اغسل وجهه الصغير وافرك قدميه بيدي واحمله. انها لذة كبيرة ان انتقي له من ثيابه قميصاً كحلياً، فأنا اليوم حرة بزوزو ألبسه ما اشاء واسرّح شعره الذهبي كما يحلو لي.

وفتحتُ له علبة مربى. قبّلتُهُ. جلستُ اسلّيه بحكاية. قبلّتُهُ اصلحتُ حاجبيه وقبلتُهُ، لا استطيع ان امتنع عن تقبيله.

يجب الا ادعه يمضي اليوم ويترك الوحدة تخنقني فأنا بحاجة لحماية، وبحاجة اليه.

لكن عقرب الساعة يزحف بسرعة نحو الثامنة وهذا معناه ان زوزو سيغادرني بعد دقائق الى المدرسة اود لو امسك هذا العقرب الزاحف!

اطبقت ُعلى زوزو اقبله، ابلل شعره بدمعة، واغرق في عينيه واشده الى صدري. وأنا اهذي بحكاية خرقاء. وتمنيتُ لو يظل ملتصقاً بي الى الابد، لكن زمور الاوتوكار يفصله عني فأراه يبتعد ويشد محفظته...

وانقضضتُ عليه. يجب الا ادعه يذهب. لكن الزمور يقوى، وزوزو يبتعد وركضتُ وراءه اضمه الى صدري:

- زوزو... اعطني قبلة.

وطبع شفتيه على شفتي ثم تناول رأسي وشده الى رأسه، ومضى.

وركضتُ:

- زوزو، زوزو، انتظر هل تحبني؟

حدق في وجهي.

- كثيراً احبك يا مامي.

- ومن تحب اكثر أنا ام ماما؟

فرماني ببسمة وهو يمر بيده الناعمة على وجهي:

- أنت اكثر.

واخذ يركض على الدرج واخذتُ اركض وزاد سرعته وزدت سرعتي وعندما امسكه الكاهن ورفعه الى الاوتوكار كنت اقف عند المدخل مذبوحة منهزمة.

وسارت العربة امامي فشعرتُ ان قلبي يفر من صدري ويسرع ويزيد سرعته.

تأملتها وهي تصفر كلما ابتعدت، وحين طوتها البناية الضخمة عند المنعطف المقابل استدرتُ اعدّ الدرجات.

لا اجسر على دخول البيت فأنا وحيدة وبلا حماية. لكن اين امضي؟

وتناهى الى سمعي وقع خطوات من الطابق العلوي فشعرتُ بخوف ودخلت.

أخاف وقع الخطوات، وظل وقع الخطوات يقترب ويصل الى الباب ويبتعد.

خيّل اليّ ان الغرفة تدور بي فجريتُ الى الباب امسكه والتصق به. وتراءى ان يداً تدقّ عليه.

هربتُ الى الاريكة وظلت الغرفة تدور ولم أعد اقوى على الوقوف فارتميت على الارض.

حتّام اظل ممددة كالجثة.

وتضخم خيال الموت امامي وتحول الى مارد طويل، مارد اسود ضخم، فشعرتُ بخوف وهربتُ الى الدار. ظل المارد يتبعني حين هربتُ الى المطبخ وغرفتي ولم أعد اقوى على الصمود فصرختُ وارتميتُ على السرير.

لماذا تتراجع الغمامة السوداء عن عيني؟ هذه الفاجرة ترحمني انها تعذبني.

قمتُ وعدتُ أتيه في البيت، افتح باباً واغلقه، امسك حائطاً واشدّه، ولم اشعر الا واصابعي تتسلل عبر ثياب زوزو. لم اشعر الا ووجهي يغرق في دولاب ثيابه...

انني أحب زوزو، ولم أعد اكره الاطفال، أنا بحاجة لفم يرضع من ثديي، بحاجة لرجل، ينام قربي في الفراش ويدفئ صقيعي، يطويني حنواً ويترك فيّ بذرة طفل.

اشعر انه عليّ ان ادور في البيت واتحرك، واحس ان عليّ الا اقف واترك الفراغ يدور في الغرفة وبي. ان اركض، افعل شيئاً ما، ان اقلب هذا الكرسي واحطم هذا الاناء.

وظللتُ ادور واتحرك واقلب الاثاث وانزل اللوحات الى الارض واغيّر وضع الراديو، وافتح النافذة واغلق باب الشرفة. ظللت ادور واتحرك واعمل... ولكن هل نجحت؟

الغرفة لا تزال تدور بي. والوحدة كشبح الموت تخيّم عليّ.

ماذا افعل؟

وقفتُ امام المكتبة وسحبت "دروب" الذي بنى وحدتي مع المحاضر في الندوة وسينما دنيا والصفع واللذة والسيارة والراتب وأبي وشوارع طرابلس، فكيف اهدم هذه الوحدة لأحيا وأمارس حقي؟

ارتفعت اظافري لتثأر وتهدم الوحدة فانقضت على الكتاب تحرقه وكنت ارقب بارتياح اوراقه المتناثرة في الغرفة.

وبقيتُ امزق والاوراق في الغرفة تتبعثر.

وعندما وقعت آخر ورقة هدأتُ وتأملت البلاط واشتات الورق، واهوي عليها بقدمي ادوسها وادوس معها الكيان والوحدة وقافلة الايام التي مضت كالسراب...

فالآن انتهى طور، وعليّ ان ابني طوراً آخر، عليّ ان أسير.

هربت ُمن الغرفة الى، الى الدار فالشرفة، هربتُ، هربت...

ولكن، اين أمضي؟

انني بحاجة لحماية، بحاجة لطفل، بحاجة لفم يرضع ثديي.

وأخرجت ثديي اللاهبين المكتنزين وقرّبتُ الزهرية منهما، فتململت فيهما البرودة. ارتجفتُ والصقتُ الزهرية بثديي اكثر.

لو كان هذا الاناء طفلاً لشعرتُ بحرارة.

لماذا لا يكون عندي طفل يرضع غليان دمي؟

امسكتُ الزهرية وخبطتُ الارض بها، وانقضضتُ على اجزائها ادهسها واحوّلها الى اشلاء صغيرة. وعمّتني لذة التحطيم فركضتُ نحو المطبخ وأمسكتُ بكدسة صحون. هممتُ بأن اهوي بها الى الارض لكني تذكرتُ انها ليست لي فأنا غريبة، والبيت ليس لي فأنا غريبة!

حقاً يجب ان اهرب من هذا البيت، ان اهرب من الوحدة والغربة. ولكن... هل هذا الشارع لي؟

وبقيتُ اسير...

وخيّل اليّ ان التاجر المرتخي على الباب يصفعني ويقول: غريبة.

فركضتُ أجلس في سيارة السرفيس فسيارتي مع جورج. ولكن، هل السيارة لي؟ لم ادفع بعد من ثمنها الا جزءاً تافهاً.

السيارة ليست لي وغرفتي ليست لي. أنا لا املك شيئاً. متى املك شيئاً واصبح حرة في تحطيم كدسة صحون في بيتي؟ تمنيتُ لو تكمل هذه السيارة انطلاقها لكنها بصقتني عند البرج وتركتني.

اين امضي؟

لا ادري. بل ادري! انني أبحث عن شعور احسستُهُ قرب نبيل، واحسستُهُ قرب جورج، واحسستُهُ عندما جمعني الفراش بزوزو. عن شيء يكون لي، عن حرارة لثديي، عن حماية!

ورحت أبحث في عيون المارة، وتوقفت امام سيارة تنهب الشارع، وتوقفت امام الترام الصاخب.

لماذا لا اموت؟

يجب الا اموت.

وعدتُ افتش عن شيء يخصني وانسان يساعدني في سحق الغربة ويترك لي حرية تحطيم كدسة صحون في مطبخ يكون لي.

وتهتُ. واخيراً توقفت.

مَن هذا الذي يمر؟ مَن؟ هنري عيد!؟

ركضتُ نحوه ولحقت به الى الرصيف المقابل. كادت سيارة تجتاحني وأنا اقطع. وصفّر لي البوليس. لم اقف. ظللت اركض وصرخت: "هنري! هنري!"، واخيراً وجدتُني امام سمرة جبينه الهادئ والدمعة الذائبة في عينيه.

امسكتُُ يده بكلتا يدي، شددتُ عليها، كدت ارفعها الى فمي.

ونزع هنري يده من يدي!

- ندى هل أصابك شيء؟

وعدت اتمسك بيده. ماذا يهمني من الناس؟ "اريد" الاّ اترك هذه اليد.

وعاد هنري يشد يده من يدي:

- ندى، مع الاسف، لقد انتهى كل شيء...

انظري المحبس... وهذه الآنسة خطيبتي.

نقلتُ نظري بين لمعان المحبس في يده اليمنى والفجور في عيني الفتاة الممسكة بزنده ونقلتُ نظري من سمرة جبينه الى قدميه المبتعدتين عني، ونقلتُ نظري من قدميه الى الشارع ومن الارض الى السيارة المجنونة امامي، وفكرت:

الآن، اين امضي؟

وعدتُ اسير. هل أنا في حلم؟ وقعت على الارض امام الاوتوماتيك فركض اليّ مصوّر: "ماذا بك؟".

وقفتُ وتمنيت لو اشده الى صدري واقول له: تزوجني. تمنيت لو يحملني ويعرّيني ويحوّلني الى أم، الى أم طفل. تمنيت لو يمدني على سرير عارية ويسلخ ثديي ويرضع منهما الحليب... لكنه تركني ومضى.

واتكأت على الحائط ارقب الشارع واحواض النبات الاخضر في المقهى، والباب الزجاجي المتحرك. وفتشت بين المارة عن خصلة شعر تائهة على جبين، وبين السيارات عن سيارة حمراء، وبين أفواه المارة عن فم فسخته الشهوة.

وانتقلتُ الى داخل الاوتوماتيك وهبطتُ الى الطابق السفلي. وبين المقاعد فتشتُ كذلك. وتهالكتُ على المقعد عند البركة الزرقاء واخذت ابكي.

اين نبيل!

لكن هل يتزوجني نبيل؟ هل يهبني بيتاً يكون لي ويطرد الغربة من حياتي؟

كلا، مستحيل، فنبيل لا يزال طالباً في الجامعة.

وخرجت.

اتكأتُ على واجهة ثم عدت أمشي.

شعرتُ بالانحلال فوقعتُ ثم قمتُ ثم وقعتُ وقمت.

وارتميتُ في سيارة وضعتني امام مدخل البيت. لكن لماذا اقصد هذا البيت ما دام ليس لي؟ لماذا اخرج المفتاح من محفظتي ما دامت الغرفة ليست لي؟

اغلقتُ الباب وارتميتُ على الارض. الورق المبعثر يخنقني. يجب ان اهرب ولكن اين؟

اخرجتُ من الخزانة قميصاً قديماً طويتُه ودسستُه تحت ثوبي...

بطني الآن منفوخ... أنا حبلى!!

تمشيتُ امام المرآة: أنا حبلى: ليتني استطيع تقبيل بطني المنفوخ!

يلزمني رجل اتعمشق بيده واطرد الغربة.

وسقط القميص من تحت ثوبي. ورأيتُ بطني امام المرآة ممسداً فارغاً فصعقت.

انشبتُ اظافري في بطني أمزقه، أمزق ثوبي، اشد لحمي الى الخارج لينتفخ، لأصبح حبلى.

لم ينتفخ، ولم اشعر بحرارة تدفئ ثديي، فرجعتُ الى الوراء والتصقتُ بالحائط وتأملتُ الورق المبعثر على الارض والزجاج المحطّم والقميص القديم...

وارتميتُ على الدرج، واخذت اسير.

أين امضي؟

إنني افتش عن رجل يطرد غربتي ويترك لي حرية تحطيم كدسة صحون في مطبخ يكون لي، في بيت يكون لي.

ورحتُ اسير، واسير، واسير، أبحث عن حرارة لثديي.

ولا أزال أسير دون أن ادري الى اين امضي.

(انتهت)

 

رفـيـف صـيـداوي

نشرتها النهار في ملحقها الثقافي 25 آب 2003

 

 

Mouna Jabbour - 60th anniversary  

back to Mouna Jabbour