مقدمة:

لدى الكثيرين رغبة في أن يمارسوا الصلاة، خاصة تلك الصلاة الحقيقية التي تأخذ بمجامع القلب والعقل والجيد أيضاً. ونسمع أسئلة عديدة حول الصلاة: كيف أصلّي؟ ماذا يجب أن أعمل لكي أسيطر على الشرود والمخيلة؟ ما هي المواضيع التي يجب أن لأفكر بها في الصلاة؟ المكان؟ الزمان؟ ما هو الأفضل: الصلاة العقلية أو الصلاة الشفوية؟ الصلاة الفردية أو الصلاة الجماعية؟

نحن نطرح هنا أسلوب الصلاة التأملي الكرملي، الذي يجيب على الكثير من هذه الأسئلة، كما سنعرض الكثير من النصوص الأخرى التي يمكن أن تكون وسيلة مهمة تساعد الراغبين بالصلاة لكي ينموا في معرفة الله. الأسلوب الكرملي، يعني الذي اعتمده القديسون الكرمليون، ولكن هناك أساليب أخرى مهمة جداً وصالحة لمن يرغب بممارستها؛ المهم هو أن نعيش في حضرة الله. كتب هذا النص الأب جبرائل لمريم المجدلية في الخمسينات باللغة الايطالية، وعملنا على ترجمته الى العربية بمساعدة الأب شاهين ريشا، له الشكر. نأمل في أتجد فيه افادة لحياتك الروحية.

مع تحيات موقع

للمراجعة والأسئلة: أكتب على هذا العنوان: ndcarmel@yahoo.com

سؤال وجواب عن حياة التأمل

للأب جبرائيل لمريم المجدلية الكرملي

 

الفصل الأول

التأمل في حياة التطلّع

1.         ما هي المسيحية؟

الحياة المسيحية هي حياة انسانية تُعاش وفقاً لتعاليم السيد المسيح، التي تجعلنا نتوخّى مجد الله في أعمالنا كلها، وذلك من خلال حبِّنا له، وتتميمِنا لشرائعه المقدّسة. فالمسيحي، إذاً، يعيش لأجل الله.

 

2.         ما هي حياة التطلّع؟

حياة التطلّع هي شكل من أشكال الحياة المسيحية، نعزم فيه على العيش ليس فقط لأجل الله، بل مع الله أيضاً. وهذه الطريقة في الحياة ليست مقصورةً على الرهبان وحسب، بل يمكن ايضاً أن يعيشها العلمانيون ايضاً. وهي ترتكز كلها على طلب إلفة الله، فتُكثر خلال النهار مما يسمّى الروحية. وهذه الممارسات هي بنوع خاص ممارسات في الصلاة تصحبها ممارسات في الإماتة؛ فالقديسة تريزا الآفيلية ملفانة الكنيسة في الحياة التطلعية، تصرّح قائلة: "التأمل والرفاهية لا تتوافقان".

 

3.         ما هو موقع التأمل في حياة التطلّع؟

يحتل التأمل في حياة التطلّع المركز الأول؛ وما حياة التطلّع، بالفعل، سوى حياة تأمل. لذا نجد رهبانيات التطلع تكرّس وقتا طويلاً للصلاة. كما أن الوصيّة الأساس، في قانون الكرمل وهو رهبانية تطلّعية هي وصية التأمل المستمر: "ليلزم كل راهب قلايته، متفكراً ليلاً نهاراً في شريعة الرب، وساهراً في الصلاة". وعملاً بهذه الوصيّة، يكرّس رهبان الكرمل وقتاً طويلاً للصلاة: ويمارسون التأمل مرّتين في اليوم ويشتركون في القداس الإلهي، ويتلون الفرض الكنسي، ويواظبون على العيش في حضرة الله خلال النهار، ما عدا الممارسات التقوية الفردية.

 

4.         ما هي الصلاة؟

الصلاة هي تبادل حديث مع الله نعبّر له فيها عن رغبات قلبنا والصلاة تكون شفوية وعقلية.

 

5.         ما هي الصلاة الشفوية؟

الصلاة الشفوية هي تلك التي نتلو فيها صيغة تعبّر عن رغباتنا؛ والمثل على ذلك صلاة "الأبانا" التي علّمنا إياها يسوع، والتي نرفع فيها الى الآب الطلبات السبع. ففي هذا النص نقصد تكريم الآب. وتجدر الإشارة الى أنه، حتى وإن لم نفكّر غالباً في معنى الكلمات بنوع خاص، غير أن هذا لا يمنع من أن تبقى صلاتنا صلاة، إذ يكفي أن يكون عقلنا متّجهاً نحو الرّب مع الرغبة في تكريمه. وبالرغبة نفسها في تكريم القديسين يمكننا ان نوجّه صلاتنا إليهم.

6.         ما هي الصلاة العقلية؟

الصلاة العقلية هي محادثة الله "بواسطة القلب" وليس بصيغٍ جاهزة أو محفوظة غيباً، بل بطريقة عفوية وهذه نسمّيها من الآن فصاعداً: التأمل

 

7.         ماذا نقول لله في التأمل؟

حتى في هذا النوع من الصلاة يمكننا ان نعبّر لله عن رغبات قلبنا. غير أن النفس التطلّعية، وفقاً لتعليم القديسة تريزا الأفيلية، تفضّل أن تقول لله إنها تحبّه أو إنها، على الأقل، ترغب في أن تحبّه.

 

8.         لماذا الكلام بنوع خاص على حب الله؟

لأن الحبَّ هو جوهر حياة التطلّع. وعلى النفوس التطلّعية بحسب القديسة تريزا أن تصبح صديقةً وصديقة حميمة للربّ. فمن شأن الحبّ أن ينمّي الصداقة يدخل في علاقة حميمة. وعلاوة على ذلك، فإن القديسة تريزا تريد منّا أن نقتنع، بعكوفنا على التأمل، بأن الله يدعونا الى محبته ويجب أن نستجيب لدعوته.

 

9.         هل يجب أن "نفكر" كذلك في التأمل؟

لا يمكن أن نحبّ بدون أن نفكّر بعض الشيء في الموضوع الذي نحبّه. ولا بدّ أن نفكّر في الله إذا أردنا أن نحبه. غير أن هذا التفكّر في الله يمكن أن يختلف كثيراً وفقاً لأحوال صلاتنا؛ فيمكن أن يكون تفكيراً مستمراً بعض الشيء في حبّ الله لنا حينا، وانتباها بسيطا لعطف الله علينا ولصلاحه الأبوي حينا آخر. لذلك فإننا لا نتفكّر في أثناء التأمل إلاّ لكي نحبّ الله ولكي نغذّي فينا عواطف الحبّ نحوه. هذا ما جعل القديسة تريزا تقول: إن الصلاة "لا تقوم على كثرة التفكّر بل على وفرة الحب".

 

10.   ما هو الحبّ؟

هناك نوعان من الحبّ: حب الحِسّ وحبّ الإرادة. فالحب الحسّي هو ذاك الشعور الذي يدفعنا عاطفيا نحو شخص ما ويجعلنا نشعر باللّذة والارتياح لحضوره أو لمجرّد ذكره.

أما حبّ الإرادة فهو أن "تريد الخير" لذاك الشخص طوعاً وبعزمٍ من الإرادة. وعندما يغمر هذا الحبّ مشاعر النفس كلها، عندئذ تنشأ الرغبة في أن تخصّ الشخص المحبوب وحده وأن تكرّس له طوعاً حياتها كلها.

 

11.   ما هو الحبّ الحقيقي؟

إنه حب الإرادة؛ لأن الإرادة هي أغلى ما في الإنسان وأكثره لصوقاً بشخصيته. ففي، الإرادة تكمن حرّيتنا، وبها نقدّم لله ذواتنا. لذلك يطلب الله من الإنسان أن يقدّم له خاصةً، إرادته؛ وبهذه التقدمة يتم تكريس الإنسان التامّ لله.

أما الحبّ الحسّي فهو مكمِّلٌ لحب الإرادة وذو أهمية ثانوية جداً. كما أنه، من جهة أخرى، لا يتوقف علينا اختباره، بينما يعود الينا أن نحبّ بإرادتنا.

 

12.   لماذا نرغب طبيعياً في الحبّ الحسّي؟

إننا نرغب فيه لحلاوته ولكونه يوفّر لنا العزاء والسلوان. ولمّا كنا ، في الحبّ الحسّي، نبحث عن ذاتنا ، بينما نفتّش في حبّ الارادة عن الله، لذلك فالله غالباً ما يزيل منّا الحبِّ الحسّي كي يجعلنا نسير بأكثر حزمٍ، معتمدين على الإرادة وحدها.

 

13.   بأي حبّ يجب أن نحب الله في التأمل؟

علينا، بلا شك، أن نحب الله بحبّ الارادة لأنه ابلغ أهميّة. أما إذا رافقه الحُبُّ الحسّي، فبدل من ان نفتش به عن راحتنا ولذتنا، نستفيد حينئذ منه كي ندعم ارادتنا في تقدمة ذاتنا لله. وأما اذا غاب الحبّ الحسّي، فنُكمل عند ذاك الشوطَ بالإرادة وحدها.

 

14.   كيف يمكننا ان نمضي ساعة كاملة في هذه المحادثة الودّية مع الرب؟

في بداية حياة التأمل تعترض النفوس العديدة صعوبات جمّة، كما أنها تشعر بالسأم وبالتشتّت. لذلك علينا أن ندرك أن ممارسة التأمل يجب تعلّمها. هذا ما جعل لاهوتيي الكرمل، ولتعليم هذه الممارسة، انكبّ معلّمو الكرمل على دراسة حياة التأمل، ووضعوا منهجهم الخاص في التأمل.


الفصل الثاني

منهج التأمل

1.         ماذا يُقصَد بعبارة منهج التأمل؟

منهج التأمل هو دليل عملي للسير بسرعة في طريق التأمل. فهو يدلّنا إلى الأفعال المختلفة التي يجب القيام بها لممارسة التأمل ممارسة أفضل.

 

2.         هل هناك من منهج كرمليّ للتأمل؟

نعم! إننا نجد في الرهبانية الكرملية منهجاً متكاملاً للتأمل وذلك منذ بداية الإصلاح التريزيانيّ. ولقد تمّ عرضه في كتاب إرشاد المبتدئين بطبعتيه: الإسبانية سنة 1591، والإيطالية 1605.

 

3.         ما هو أصل هذا المنهج؟

لقد نشأ هذا المنهج إنطلاقاً من تعاليم القديسين تريزا الآفيلية ويوحنا الصليب. أما صيغته العمليّة النهائية فقد اتمّها تلامذتُهما. ونحن نعطي الآن لمحةً خاطفةً عن هذا المنهج كي ننتقل الى شرح أقسامه المختلفة لاحقاً.

 

4.         ما هي الأقسام التي يتألف منها منهجنا؟

اننا نقسم ممارسة التأمل الى ستة أو سبعة اقسام: التهيئة، القراءة، التفكّر (مع الحوار العاطفي) الشكر، التقدمة، الطلب.

 

5.         وهذا التقسيم، ألا يوقعنا في التعقيد؟

هذا التقسيم لا يعقّد ممارسة التأمل. وبالفعل فإن القسمين الأولين، التهيئة والقراءة، ليسا، بَعدُ، تأملاً بالمعنى الحصريّ، بل إنهما بمثابة المدخل إليه. أما الأقسام الثلاثة الأخيرة، الشكر، التقدمة والطلب فهي اختيارية ومكمّلة، ويمكننا الاستغناء عنها. يقتصر في جوهره على التفكّر الذي تصحبه محادثة ودية مع الرب، أي الحوار العاطفي. في الواقع هذا المنهج هو خلاصة ما وضعه المعلّمون الروحيون في القرون الثلاثة السابقة، نذكر أقربهم الى القديسة تريزا الأب لويس دي غرانادا والقديس بطرس القنطري.

 

6.         كيف نحسن فهمَ المنهج الكرملي للتأمل؟

كي نفهم جيداً المنهج الكرملي، علينا أن نضعَ نصب أعيننا ما تقوله القديسة تريزا عنت التأمل؛ أي أن التأمل يقوم على ودّية مع الربّ، نحادثه فيها عن الحبّ، بشكل خاص، ملبّين دعوته لنا الى ان نحبه. لذلك فإن أقسام التأمل المختلفة من شأنها ان تقودنا بسهولة الى تلك المحادثة الودّية مع الله.

 

7.         ما هو نفع التهيئة، في هذا المنهج؟

تفيدنا الهيئة في التقرّب الى الربّ، إذ لا يمكن مخاطبة أي شخص بطريقةٍ حميمة بدون التقرّب إليه. لذلك علينا أن نضع ذاتنا بحضور الله، وبإيمان حيّ، شأننا في ذلك شأن النفس المتواضعة التي تعرف أنها ابنةٌ لله.

8.         وما هو نفع القراءة؟

إن من شأن القراءة أن توفِّر موضوعاً لمحادثتنا الوديّة مع الرّب، تلك المحادثة التي يمكنها ان تتغذّى باعتبار جميع أسرار إيماننا المقدس، ومختلف الهبات والنعم التي قبلناها من الرب: ففي كلِّ ذلك يظهر حبّ الله لنا. غير أنه، لمّا كان من غير الممكن أن نحادث الله كلّ مرّة عن هذه المواضيع مجتمعة، فالقراءة تمكّننا من اختيار الموضوع الذي نريد ان نهتمّ به حاضراً، فيتيسّر لنا من ثمّ القيام بالإعتبارات وفقاً لشروحات الكتاب وملاحظاته.

 

9.         لماذا التفكّر؟

إن التفكّر أو أعمال الفكر الشخصي في عطيّة الله أو في السرّ الذي اخترناه في القراءة، يهدف إلى أمرين: الأول عقلي والآخر عاطفي. فالهدف العقلي هو فهمٌ أفضل لحبّ الله لنا كما يظهر في العطية أو السرّ الإلهييّن اللذين نتفكّر فيهما، فيزداد من ثمّ اقتناعنا بدعوة الحبّ التي يوجِّهها الله الى نفسنا. أما الهدف الثاني أو العاطفي فهو حثّ الإرادة على ممارسة الحبّ وعلى إظهاره، تلبيةً للدعوة الإلهية. فيبدو من ثم التفكّر بمثابة تهيئة مباشرة للمحادثة الودّية مع الربّ.

 

10.   كيف يتمّ الإنتقال من التفكّر، الى الحوار العاطفيّ؟

هذا الانتقال ليس من الضرورة أن يحصل في لحظة محدّدة أو معيّنة بطريقةٍ شبه حسابية بل يحدث تلقائياً وبطيقة عفويّة تماماً. فبينما تتوالى أفكارُنا في حضرة الله، ويتجلّى أمامنا مقدارُ حبّ الرب لنا، نشعر حينذاك باندفاع الى أن نقول له عبارات حبّية. لا بل غالباً ما يحدث أن الأفكار التي كانت تتوارد من ذاتنا الى ذاتنا، تتابع، ولوقتٍ قصير، فتتوجّه عباراتٍ نحو الرّب، مما يساعدنا على وعي حبّه وعياً أوضح. غير أن النفس تعزف اخيراً عن كل ما تفكّر كي تستسلم كلّياً الى عواطف الحب والتعبير عنها، وهكذا تنتقل من حيث لا تدري الى الحوار العاطفي وفي هذا الحوار العاطفي تقول النفس لله، وتكرّر بألف صيغة وطريقة أنها تحبّه وأنها تتوق الى مضاعفة حبّها له وتبرهن له عنه.

 

11.   ما هي أهمية هذا الحوار؟

الحوار هو في غاية الأهمية، وهو القسم الأساس من التأمل. إنه يترجم على أفضل وجه فكرة القديسة تيز الأفيلية عن التأمل الذي يقوم على الحديث الودّي مع الربّ والذي فيه نجيب على حبّه لنا. لذلك يمكننا أن نُشغل بهذا الحديث وقتاً طويلاً من التأمل لا بل الساعة بأكملها.

12.   ما هي إذاً، الفائدة من الأقسام الثلاثة الأخيرة من التأمل؟

ان هذه الأقسام أو الأفعال الثلاثة الأخيرة من التأمل، الشكر والتقدمة والطلب، من شأنها ان تطيل حديثنا الودّي مع الرب. كما ان تلك الأقسام ليست بالفعل سوى أفعال عاطفية أكثر تحديداً وهي بمثابة طرائق لإظهار حبّنا لله.

 

13.   كيف علينا أن نتصرّف في هذه الأقسام؟

في "الشكر" نُظهر لله عرفانَ جميلنا المتواضع للنعم التي نلناها منه. وفي قسم "التقدمة"، نريد بدافعٍ من عرفاننا بجميله وحبنا له ان نقدّم نحن أيضاً للربّ بعض الشيء. أما في "الطلب" فنسأل عونه، وكلنا قناعة متواضعة بعوزنا وضعفنا، لكي ننجحَ في الثبات أمينين للمقاصد التي افصحنا له عنها في قسم "التقدمة". هذه الأفعال ليست، إذاً، في الحقيقة، سوى امتدادٍ للحوار العاطفي الذي نشأ عفوياً من التفكّر.

 

14.   هل من ترتيب يتعيّن علينا مراعاته في هذه الأقسام من التأمل؟

ان الترتيب المشار إليه سابقاً هو أقربها إلى المنطق العقلي. غير أننا يمكننا أن نتحرك بحريّة كبرى في التأمل، فنرتّب هذه الأقسام بطريقة اكثر عفويّة. بل يمكننا أن نعود الى القسم ذاته أكثر من مرة. ويصحّ الأمر كذلك في التفكّر والحوار العاطفي اللذين يمكنهما أن يتعاقبا مراراً فيما بينهما.

 

15.   هل الأقسام الأخيرة هي ضرورية؟

كلا! ان هذه الأفعال الأخيرة تبقى اختيارية فقط. وبالفعل، من استطاع ان يستغرق كفايةً في الحوار العاطفي، بدون اللجوء الى هذه الأقسام يمكنه الاستغناء عنها بدون أي ريب. غير أن هذه الأفعال المختلفة، في بداية حياة التأمل، تساعد دائماً على تركيز الانتباه. وفي هذه الحال، يجد بنا أن نلتجىء اليها ونستفيد منها.


الفصل الثالث

الإستعداد والقراءة

1.         هل هناك أساليب مختلفة للإستعداد للتأمل؟

إن معلّمي الكرمل يميّزون غالباً استعدادين: الإستعداد البعيد الذي يهيّىء من خلاله قوانا للإختلاء بمرونة في الله. والاستعداد القريب الذي بواسطته نتصل بالله بشكل مباشر لكي نبدأ معه الحوار الحميم.

 

2.         ما المطلوب لكي تصبح القوى معدّةً للإختلاء؟

من الضروري ألا تكون مأخوذة بالخلائق بشكل مُفرِط وان يُدرًَّب ميلها إلى الانشغال بالله. ولتوفير هذه الشروط هناك عنصران يُسهمان في الاستعداد البعيد: الاول سلبي لأننا به نُبعد أحد العوائق، والثاني إيجابي لأنه يؤدّي الى اكتساب إحدى الصفات.

 

3.         ما هو العنصر السلبي في الاستعداد البعيد؟

إنه الهروب من تشتّت الروح ومن تعلّق القلب. فيجب ان يكون القلب حرّاً ليستطيع ان يمارس بسهولة محبّة الله؟ وهذا يتطلّب تجرّداً حازماً من الخلائق. فمن يريد أن يحبّ كثيراً عليه ان يحفظ لله توثبِّ حبّه ورقة عاطفته، فلا تتشتَّت في الأشخاص والاشياء التي يمكنها أن تأسر قلباً غير منضبط بأهون سبيل. أضف الى ذلك أننا لا نبلغ حرّية الروح بدون إماتة جادّة لحواسنا التي تكون مثل نوافذ مفتوحة على أمور الارض، ولذاكرتنا التي بالروح البشريّة أن تتجنَّب بنفسها الافكار غير المفيدة. وبالتالي يجب ان نضع رقيباً على قلبنا وعقلنا.

4.         ما هو العنصر الايجابي في الاستعداد البعيد؟

إنه التمرّس بتذكر حضور الله طالما كان ذلك بمقدورنا وضمن امكاناتنا. فهذه الممارسة المقدسة تجمع فكرنا وارادتنا في الله، فنحافظ على الاتصال المستمر بالله وسط مشاغل الحياة اليومية، كما تساعدنا، تلك الممارسة، على أن نتحدّث الى الله غالباً في أثناء النهار: فالأمانة لهذه الممارسة توفّر لنا سهولة التحدّث الى الله، والاتصال الحميم به: وهذا بالتحديد هو الاستعداد القريب.

5.         ايّ موقف روحي يُسهّل علينا الاتصال بالله؟

إن اكثر ما يناسبنا هو الوقوف امام الله بثقة متواضعة. فالله هو ابونا، ويريد ان نحاوره كأبناء ضعفاء. ونوقظ في نفسنا الشعور بفقدنا بتذكر أخطائنا المتكررة التي تكشف بؤسنا. وبدل من أن نتقوقع لرؤية ضالتنا، نرتمي بين ذراعي يسوع الذي علّمنا: "بدونه لا يمكننا ان نفعل شيئاً، فنستحثّ الهمّة للإلتجاء اليه. لذلك تدعونا القديسة تريزا، في بداية التأمل الى فحص ضميرنا، وتلاوة فعل الندامة ثم الى البحث عن رفقة يسوع.

 

6.         ما هو الأسلوب العملي الأنجح لندخل في العلاقة مع الله؟

إنّ أيّ شكلٍ من أشكال استذكار حضور الله، هو مناسبٌ، شرط أن يُمارَس بهمّة وعمق. وهناك اسلوبين يُنصَح بهما للتأمل: أولاً العيش بحضور القربان المقدس، وثانياً الاختلاء الداخلي، والتوجّه الى الأقانيم الثلاثة الإلهية الساكنين في النفس بواسطة النعمة، ويهبون لها ذاتهم لكي يُعرَفوا ويُحبّوا. ولكي يبدأ، لاحقاً الحوار مع "الله الحاضر"، نتذكر الموضوع الذي تتناوله القراءة.

 

7.         في أي وقت يجب أن نقوم بهذه القراءة؟

من المفضل أن يكون ذلك قبل بداية التأمّل، وإلاّ يُستحسن أن تقوم بها عند البداية وفي بعض الجماعات الرهبانية، وتُقام القراءة بصوتٍ عالٍ عند بداية فترة التأمل الجماعي.

 

8.         ما الفائدة من القراءة في "الجماعة"؟

انها تهدف الى توفير مادة التأمل للّذين ينقصهم ذلك. ولكن ليس إلزامياً إعتماد الموضوع الذي تقدّمه القراءة. فعادةً، يذهب بعضهم الى التأمّل بموضوع يكونوا قد أعدّوه سَلَفاً بالقراءة على انفراد. وإذا وُجد أن موضوع القراءة في الجماعة يلفت انتباهنا أكثر من الموضوع المقدّس، فيمكن استبداله بكامل الحرية.

 

9.         هل يجب ان يكون هدفُ القراءة التأمل؟

هذا هو الهدف الأول، وهذا ما يميّزها عن إعداد موضوع "القراءة الروحية" التي تهدف الى أكثر من ذلك، أي إلى التثقيف في الحياة الروحية. أما القراءة التي نتكلّم عليها فهي تهدف الى اعطائنا بشكل مباشر حقيقةً نسبر أغوارها بواسطة التفكير لكي تزيدنا قناعة في حب الله لنا. أما بالنسبة الى الذي لا يمارس التفكر وقد وصلوا الى ما تصفه القديسة تريزا بتأمل الاختلاء ()، أو الى درجة أرفع أيضاً، فلا تعود عليه بالفائدة القراءة الروحية من اجل اختيار الموضوع، بل تساعده على استجماع الروح بلطف وتهيئتها لأن تتذوّق في التأمل الاستراحة في الله.

 

10.   ما هي الكتب المفضّلة التي علينا اختيارها لهذا الغرض؟

من أجل ايجاد موضوع التفكر، هناك كتب تحوي على نصوص مختارة لهذا الغرض، كما وهناك كتب روحية أخرى تشرح مظاهر حبّ الله على أنواعها. ومن المفضّل استخدام كتب روحية عرفناها قبلاً.

وإذا كان المطلوب أن نقرأ فقط لاستجماع الروح، فيصلح أي كتاب يوقظ حبّاً حاراً لله. إن كتابات القديسين تدخل في عداد هذه الكتابات.

فاختيار الكتب يتأثر إذاً مباشرة بهدف القراءة؛ كما ان ثقافة الشخص ومستوى اختباره الروحي، يؤثران جداً. أما الكتب ذات المستوى الفكري والروحي الرفيع، فيصعب فهمها وقد تسبب الجفاف بدون شك.

 

11.   هل يمكننا ان نقرأ سير القديسين؟

حتى هذه الكتب لا يمكن استثناؤها، لأن كثيرين يُثير اهتمامهم مثال القديسين الذين عاشوا التعليم الروحي اكثر من الشروحات النظرية. لكن يجب تجنّب القراءة بدافع الفضول، أو إطالتها بدون نفع. لذلك من غير المناسب أن نقرأ سِيَراً جديدة لإعداد التفكّر، لأن الاكتفاء إن أمكن، بخلاصة عن شخصية كناقد درسناها سابقاً.

 

12.   كيف علينا ان نمارس القراءة؟

بما أن الهدف من القراءة هو إيجاد موضوع الحوار مع الربّ، فمن الضروري أن نقرأ بانتباه. لذلك يجب التمرّس على القراءة البطيئة، وإلا قد تفوتنا الموضوعات المناسبة. كذلك يجب التمرّس على قراءة "بتقوى وخشوع"، مما يساعد على تمييز ما ينفع النفس، وهذا يجعلنا أكثر انتباها وتأثّراً بالأفكار الحسنة. هذا ما يسهّل علينا تأمين الموضوعات المثمرة مسبقاً وتحضير المشاعر التي نريد ان نعبّر عنها، والمقاصد التي نريد عيشها لاحقا.

وبما ان هدف القراءة هو اسعافنا حسب احتياجاتنا، فلا ضرورة ان نتقيّد كثيراً بها أبعد من هذه الحاجة.

كما أن القراءة في الجماعة، من المحبّب أن تكون قصيرةً لكي لا تسبب الإزعاج لمن لا يستعملونها وهم كثيرون.

 

13.   هل يمكننا ان نعود الى القراءة خلال التأمّل؟

هذا أمرٌ ممكن، ويمكن النصحُ به في احوال خاصة، فأمنا القديسة تريزا لم تكن تذهب الى التأمّل بدون كتابٍ يصحبها. وفي بعض الأحيان نتشتّت كثيراً بحيث إننا لا نتمكّن من استجماع أفكارنا وتوجيهها نحو الرّب. إلاّ إذا غذّينا عقلنا بأفكارٍ مفيدة من خلال القراءة وحتى في أثناء التفكّر والمكوث مع الرّب إذا اعاقنا بعض التعب عن تركيز الانتباه، فمن المناسب غالباً، أن نضع أمام عيوننا موضوع التفكّر الذي اخترناه فيتلقّى انتباهنا بعض العون الخارجي.

وليحذر المتأمل من تحويل التأمل الى قراءة بنوع حصري, بل يجب ان تبقى على الأقل قراءة تأمّلية، نوقفها لنفسح في المجال للعواطف والمقاصد. عندئذ تتحوّل القراءة نفسها الى أداةٍ لحواسنا مع الله.


الفصل الرابع

التفكّر والحوار

1.         هل يعالج الكتّاب الكرمليون موضوع التفكّر بطريقة واحدة؟

هناك بعض الفرق بين الكتّاب الكرمليين في شرح التفكّر، لكنهم متوافقون من حيث جوهره. فبعضهم يتحدّثون عنه بدون تمييز بين عناصره المختلفة. وآخرون يميّزون ما بين التفكير التأملي والحوار العاطفي الذي يقود اليه الفكّر. فيطلقون على هذا الحوار اسم التطلّع (). وآخرون أيضاً يميّزون في التفكّر ما بين التفكير () والتمثّل (). وإذا كان بعضهم لا ينسقون ظاهرياً هذه الاعمال الذهنية المتنوعة، فإنهم يلمحون إليها في معرض حديثهم. لذلك يمكننا التأكيد أن غالبية الكتّاب الكرمليين يميّزون ثلاثة عناصر في التفكر:

التمثّل وهو عمل المخيّلة، والتفكير وهو عمل العقل، والحوار وهو على الأخص، نشاط الارادة.

 

2.         ما هو التمثّل؟

إنه نشاط خاص بالمخيّلة (او المصوِّرة) يكوّن في باطننا، بغياب الأشياء عن حواسنا، نوعاً من لوحة او تصوّراً للسرّ الذي نريد ان نتأمّل فيه، أو بحسب الحالات، تصوّراً للأشياء الحسّية التي من خلالها يسمو تفكيرنا الى الله.

 

3.         ماذا يفيد التمثّل؟

هدفه تسهيل عمل التفكير الذي يستند عادةً الى تمثُّلات المخيّلة. وبالقعل، إنه يَسهُلُ علينا التفكير في جلد المسيح على العامود امام صورةٍ لها فضلٌ في تثبيت الخيال، الذي يتشتّت بسهولة بدون موضوعٍ يركز عليه، بينما يؤدّي ثبات المعرفة الخيالية الى تثبيت المعرفة العقلية.

 

4.         هل التمثُّل ضروريٌّ دائماً؟

لا يلحّ الكتّاب الكرمليون على ضرورة هذا العنصر في التفكّر، لكنهم يشيرون الى طريقة الإفادة منه. وهذه الإفادة تبدو واضحة عندما يتولّف الأمر في سوق الاعتبارات عن حياة المسيح او حياة القديسين. وحتى عند اعتبارنا اكثر الاسرار تجريداً ()، كالصفات الإلهية، مثلاً، فإن العقل يمكنه أن ينطلق من الأشياء الحسّية التي تتمثّلها المخيّلة. وبذلك يسعنا الارتقاء من جمالات الطبيعة الى الله الجمال الأسمى.

وفي هذا الإطار يميّز اللاهوتيون الكرمليون الحالات المختلفة التي يمكن أن يمرّ بها المتأمِّل، فبعض الأشخاص يتمتعون بمخيّلةٍ نشيطة، تستطيع أن تتمثّل الاشياء بسهولة، بينما آخرون يشعرون بعجز تام تقريباً عن تركيب أي صورة. فيجمُل بالأولين استعمال سهولتهم في التمثُّل، بينما يجدر بالآخرين ان يعرفوا أنه ليس من الضرورة ممارسة التمثل مهما كلّف الأمر فتمثّلات المخيّلة لن تفيد ان كانت في غاية الكمال. بينما يكفي تمثّل غامض ليفي بالمطلوب.

 

5.         كيف يجب أن نكوّن التمثّل؟

يمكننا أن نشير الى ثلاث قواعد:

من المؤكد انه يجب تركيز الانتباه، وبدونه لا يكون العمل جدّيّاً. ولكن ليس من الضروري الإمعان في إثارة المخيّلة حتى لكأننا نرى موضوع التفكّر حيّاً أمامنا. وعلى الأخص، فلْيسعَ الأشخاص ذوو المخيّلة الواسعة لأن يسيروا ببساطة لئلا تخدعهم المخيّلة وتوهمَهم بأنهم يرون رؤيا.

أما عن ضرورة اكتمال التمثُّل فلا ينصح الكتّاب الكرمليون بالتماس التفصيلات الدقيقة لهم لكنهم أشاروا إلى أن شخصاً ضيِّق المخيِّلة يمكنه أن يكتفي بتمثُّل على شكل مخطَّط مبسّط () وبكل الأحوال، إنّ شيئاً من تصوّر المحسوس يساعد على تركيز الفكر. إلاّ أن الكتاب الكرمليين لا يشيرون أبداً الى ما يُسمّى "تطبيق الحواس" ()

ما من حاجة إلى تكريس وقت طويل لتكوين التمثُّل، بل تكفي عدّة لحظات؟ لكن من الطبيعي ان تحتفظ بهذا التصوّر طيلة فترة التفكّر إن استطعنا، مما يساعدنا على اجتناب الشرود.

وننهي بالقول إن التمثُّل، وإن لم يكن ضروريّاً جدّاً، فهو غالباً ذو فائدة، وعلى من ينجح فيه، فلا يَحرُم نفسه من إفادته. اما من وجد فيه إعاقة فبوسعه ان يهمله ويبدأ في إعمال الفكر بدون تردّد.

 

6.         هل التفكير ضروري؟

التفكير () هو أول عنصر مباشر من مكوّنات التفكّر () وهو يدل على جهد العقل التحليلي. لكن من المؤكد أن هذا العمل يجب إخضاعه الى ما يليه أي إلى الحوار العاطفي مع الله، الذي يجد في التفكّر ركيزته ودوافعه.

 

7.         هل يجب أن يدوم طويلاً إعمال العقل؟

إن ارتباط إعمال العقل بأولية الحوار الودّي يدل على أنه يجب ان يدوم من الوقت ما يكفي الى الدخول في الحوار، أي حتى أن يخلق في الروح قناعة حالية بأن لله يحبنا ويدعونا الى مبادلة الحبّ. ولكن من الخطأ الإعتقاد بأننا يمكننا إيقاف عمل الفكر ما إن نحسّ بشعور تقوي قد يختفي حالاً ويتركنا في الفراغ: بل علينا أن نلحّ بعض الإلحاح حتى نتأكد من تأثر الإرادة بحيث يمكنها أن تستمر في الحوار العاطفي لبعض الوقت.

 

8.         هل يجب أن نفكّر بطريقة منهجيّة؟

يمكن القيام بذلك. من المؤكد ان القديسة تريزا تنصح، استناداً الى بعض معاصريها من الكتّاب، لدى التفكّر في آلام يسوع، بأن نعتبر: "من الذي يتألم؟ ما هي طبيعة ألمه؟ لماذا؟ وفي أية استعدادت؟" لكن ليس من الضروري تنظيمٌ دقيق في تسلسل الاعتبارات؛ فيمكننا أن نعبر بحرِّية من فكرة الى أخرى بدون أي ضرر، شرط أن نصل إلى الهدفَ الاساسي، أي أن نفهم فهماً أفضل حبَّ الله الذي يتجلّى في السر الذي نتأمّله.

 

9.         ماذا يعمل أولئك الذين يعجزون عن التفكّر؟

تنصح القديسة تريزا أولئك الأشخاص الذين يصعب عليهم الثبات على فكرة محددة، والتعمّق بها بشكل منتظم، خلال التأملَ من جرّاء عدم ثبات مخيّلتهم وتفكيرهم بأن يمارسوا طريقةً جديدةً لتنظيم أفكار تثير الحب. هذه النصيحة هي عبارة عن تكرار بطيء لإحدى صلواتنا الشفوية الجيدة، وأن نتوقَّف معتبرين بانتباه معنى الكلمات؛ ومن خلال ذلك خضوع الأفكار ونعبّر عن بعض العواطف.

 

10.   متى يبدأ الحوار العاطفي؟

يمكن أن يبدأ ما إن تتجلّى فينا القناعة الراسخة بأنه يجب علينا ان نجيب بالحبّ على حبّ الله. وكلّ المسألة ترتبط بمدى السهولة التي نضع بها ذاتنا في هذا الاستعداد الضروري. وهذه السهولة يمكن ان نكسبها بالعادة.

 

11.   ما الذي نقوله في هذ الحوار؟

نعبّر أمام الله عن إرادتنا وأمنيتنا بأن نعبّر له عن حبّنا، انطلاقاً من سرٍّ معيّن، نعود اليه بعدّة أساليب في الحوار الذي يأخذ أشكالاً متنوعة. أضف إلى ذلك أنه يمكننا أن نعبّر عن حبّنا بكلام عاطفي ليس فقط للثالوث الأقدس، بل أيضاً ليسوع مباشرة، وللعذراء مريم، كما يمكننا ان نخاطب القديسين.

 

12.   كيف يجب أن نُجري هذا الحوار؟

هناك أساليب عدّة لذلك، يمكننا أن نعبر عن حبّنا بعبارات منطوقة شفهياً وكذلك من خلال طريقة محض "داخلية"، أي بتعابير قلبية وإرادية وهذه التعابير يمكن ان تكون وجيزة.


الفصل الخامس

مصاعب التأمل

1.         ما هي أهم المصاعب التي نواجهها في التأمل.

بأن التأمل يقوم على رفع العقل الى الله، أي الإهتمام به بالفكر والعاطفة، فمصاعب الصلاة تنشأ من كل ما يعيق أو يُعسِّر هذا النشاط العقلي المزدوج. فالصعوبة في المعرفة هي التشتّت، أما في العاطفة فالصعوبة هي الجفاف.

 

2.         ماذا يقصد بكلمة تشتّت ()؟

نعني بالتشتّت تسرّب أفكار في التأمل مخالفة له، تدفع المتأمل إلى الإنشغال بأمور أخرى. وظهور أفكارٍ غريبة أو مناقضة لاستجماع () العقل في الله، قد يحدث بطريقتين: إرادية وغير إرادية والفرق كبير بين الواحدة والأخرى.

 

3.         على ما يقوم التشتّت الإرادي؟

يقوم التشتت الإرادي على قبول أفكار نستثيرها او نستثنيها، أفكارٍ تنحرف بالعقل عن الموضوع الإلهي الذي كان منشغلاً به. فبهذا التشتت الارادي يتوقف التأمل او على الأقل يُعلَّق. وإذا تشتَّتنا بدون سبب كافٍ، نكون قد أخطأنا بقلة الإحترام نحو الرب.

والتشتّت الإرادي في التأمل يمكن اعتباره ليس صعوبة بل بالأحرى قلة أمانة. أما إذا لم نقبل الفكر المزعج الذي يعترض للعقل، ولا نستثيره، فالتشتت يُسمَّى لا إرادياً.

 

4.         ما هي مسبّبات التشتت غير الإرادي؟

هناك سببان: الأول ظرفي، والثاني طبيعي . الأول يعود إلى انطباعات الحواس؛ والثاني يعود إلى الميول العميقة في الطبيعة البشرية التي تولّد عفوياً صوراً وأفكاراً. ويمكننا، بالتالي، أن نقسم التشتُّت، بحسب مصدره إلى خارجي وداخلي.

 

5.         هل يمكننا تجنّب التشتّت في التأمل؟

يمكننا تجنّب قسم كبير من التشتت الخارجي، بحراسة الحواس حراسة يقظة، وخاصة، باختيار مكانٍ منعزل للصلاة، كما يُشير علينا سيدنا يسوع المسيح في الإنجيل المقدس. كما أنه بمقدورنا تجنّب كثير من التشتت تسبِّبه حاسة النظر إذا أغمضنا أعيننا، أو إذا ركّزناها على غرض تقوي أو على كتاب التأمل نفسه. لكن تجنّب التشتّت الداخلي، يبدو أشدّ صعوبة.

 

6.         ما هو مصدر هذه الصعوبة الفريدة؟

إن الصعوبة الفريدة في تجنّب التشتت الداخلي تنتج عن عفوية الميول الطبيعية التي تكوّن أعمق كياننا. وتظهر بسهولة عندما تطرأ صورٌ وأفكار مرتبطة بأمور نحبّها أو نخافها. فعندما يتركّز انتباهنا على موضوع اعتباراتي، فإن العالم الداخلي للميول العفوية، يبقى في الظلمة نوعاً ما؛ لكنه يستفيق من جديد ما إن تضعف قوة الإنتباه. عندها تبرز إلى الوعي أفكار وذكريات يمكنها أن تعاكس بشدة عمل التأمل.

 

7.         هل يمكننا أن نعالج التشتت الداخلي؟

نعم، من الممكن، نوعاً ما، أن نعالجه بشكل مباشر أو غير مباشر. فالمواجهة المباشرة لهذا التشتت تكمن في تركيز الانتباه، على الموضوع التقوي الذي كنا نتفكّر فيه، أو على الله، بكل بساطة، من خلال فعل إيمان ومحبة. أما المواجهة غير المباشرة فتقوم على تكييف الحياة الروحية. فهذه عندما تزداد عمقاً، تكتسب طاقة جديدة تدعم ميل العقل الطبيعي إلى الله، مناهِضةً الميول الطبيعيّة المُشتِّته. والمعلوم ان هذه النتيجة لا يمكن بلوغُها بسرعة، بل ستكون ثمرة المثابرة على ممارسة الحياة الروحية.

 

8.         هل يصبح التشتت الداخلي في بعض الا حياة، أمراً لا مفرّ منه؟

قد يحدث ذلك بسبب عفوية التشتّت. وعلى الأخص، عندما نلقى صعوبة في تركيز الانتباه، فالتشتّت الداخلي قد يصبح جارفاً ومُلحّاً ومزعجاً. وقد تنتج هذه الصعوبة عن سبب طارىء او عن استعداد اعتيادي كما يحصل لذوي الطباع المتقلِّبة. لكن إذا بقينا ننفر من رؤيتنا مشتّتين، ونعمل ما في وسعنا لنركز انتباهنا على الله، يتحوّل هذا التشتّت المرهق، من عوارض مؤذية إلى وسيلة تطهير أخلاقي ومناسبةٍ لإستحقاق فائق الطبيعة.

 

9.         ماذا يعني الجفاف؟

الجفاف هو التفاء التعزية التي نختبرها غالباً في الحياة الروحية، خاصة في مراحلها الأولى بعد الارتداد الى حياة أفضل. وبالفعل، من يعي أنه يملك حياة روحية أكثر كثافة، يشعر بشيء من الفرح، وذلك أن هناك قاعدة نفسيةً تقضي بأن الإنسان يتلذّذ عندما يعرف أنه يمتلك خيراً عظيماً.

إلاّ أن الحياة الروحية الأصلية لا تقوم على هذا العزاء، لأن التقوى الحقيقية لا تقوم إلاّ على جهوزية الارادة لخدمة الله.

 

10.   هل الجفاف شر؟

إن قيمة الجفاف الأخلاقية ترتبط بالأسباب التي تُنتجها. فإذا غابت التعزية، مع صمود قرار الارادة بتقديم الذات كلّياً لله، بدل أن يكون الجفاف سرّاً قد ينقلب وسيلة خير. أما إذا نتج الجفاف عن إضعاف الإرادة، فيصبح مؤشِّراً لتراجع في الحياة الروحية.

 

11.   هذا هذا يعني أن الجفاف قد يكون أثيماً؟

لا شك في ذلك، وهو الجفاف المتأتي من قلة أمانتنا، التي قد تكون جسيمة أو خفيفة. فالإنسان الذي دعاه الله الى حياة سخاء وتجرّد، وبعد أن يتجاوب لبعض الوقت، ينقلب دنيّاً ويسعى لإرضاء رغباته البشرية، سيطفّ عن أن يكون أميناً لدعوة الربّ إليه، ويفقد حماسته الأولى ويمكث مستضعف الارادة. وتزداد قلة الأمانة عند من يقع في الفتور مرتكباً خطايا عرضيّة بكامل وعيه. فمن البديهي، في هذه الحال ، ألاّ يستطيع المؤمن أن يعبِّر للّه عن حبّه بحرارة، لأنه لم يعد قويّاً: وهذا ما يفسِّر ظهور الجفاف، هو إصلاح الذات والعودة إلى السخاء الأول.

 

12.   هل هناك أسباب للجفاف خارجة عن الإرادة الذاتية؟

بدون شك: فظروف الحياة الإنسانية غالباً ما تسبب الجفاف. فقد تسبّب شعوراً بالإنزعاج الذي يحرم المؤمن من كل ارتياح في الممارسات الروحية؛ فالتعب الجسدي، والنعاس، والتوعّك، والأمراض، وانشغال البال المؤلم والمرهق، والصدامات الطفيفة، وعدم تفهّم الآخرين، هي مناسبات تُنتج ثقلاً أو تعصيباً او ضغطاً تضع النفس في حالة ضيق تحرمها أيَّ فرح وسلام وهدوء. في هذا النوع من الجفاف يجب ممارسة الصبر، مع العلم أننا عندما نتحمّلها حبّاً بالله، نقدِّم لله ذبيحة شكر تنال كلَّ رضاه وتُقرّب له عن حقيقة حبنا الخاص له.

تتوالى بتواتر، أو تطول لبعض الوقت ولا تتكرّر إلاّ ضمن فترات طويلة؟

لا بل يكفي أن نرافق الربّ ونعبّر له عن حبّنا؛ وهذا أمر ممتاز.

 

13.   هل من الممكن ان يأتي الجفاف من الله أيضا؟

نعم، وبالتأكيد. بل يجب ان يقال، حتى في الحالة السابقة، إن الجفاف يأتي من الله، لأن أحداث الحياة كلّها ترعاها العناية الإلهية. لكن، في بعض الأحيان، يتدخّل الله مباشرة ويزيل التعزية التي نختبرها في التأمل، وخاصة عندما يجعل أمراً مستعصياً إعمالَ الفكر بمعونة المخيّلة، والتمرّس بأفعال حبٍّ محسوسة كما في السابق. إنها لظاهرة عادية جداً تحدث دائماً تقريباً بعد مرحلة من الانكباب بحماسة على ممارسة التأمل. ويعلّم القديس يوحنا الصليب أن الربّ يدعونا، بواسطة هذا النوع من الجفاف، الى تامل اكثر بساطة يدعوه يوحنا بداية التطلّع contemplation initiale أو بدء المشاهدة.

 

14.   كيف نتصرّف في هذا الجفاف؟

يجب ألا نلحّ في متابعة التفكّر، على أنه إلزامي كما يعتقد بعض التأملييين: بل، بالأحرى، يجب أن نتخلّى عن التفكّر، بكل بساطة، ونسعى لأن نبقى في سكينة في حضور الله، نخص انتباهنا فيه بنظرة إيمان بسيطة، مع الرغبة في أن نرضيه مهما كلّف الأمر. وشيئا فشيئاً، تزداد نظرة الإيمان هذه سهولة وحبّاً، ونعبر تدريجياً من حالة جفاف شاقّ الى راحة وسلام في الله.

 

15.   كيف نعرف ان الجفاف، يأتي من الله؟

منالحال، أننا، رغم الجفاف، نثابر على ممارسة الفضائل وأعمال التقوى، حتى ولو لم نشعر معها إلا بالنفور منها. ومن الطبيعي أن نلقى أقل نجاحاً في ممارسة الفضائل، في ذلك الوقت، لأنها تكلّف عناء اكبر. لكن الجهود المتكرّرة تبرهن على أن الارادة ما زالت على عزمها. إن مثل هذا الجفاف، لا يتأتى، إذاً، من تخاذل الارادة، بل إنه عمل الرّب.

 

16.   إلى مَ يهدف الله عندما يرسل إلينا الجفاف؟

بهذه المحنة، ينوي الله أن يحرّر الانسان من صبيانيات الحسّ، ليحمله من حيث الإرادة الى مستوى أنقى وأصلب. وبالفعل، عندما لا نجد أيَّ عون للحياة الروحية في التمثلات الجميلة والانفعالات اللذيذة السابقة (عندما كان كل شيء على ما يرام)، نضطر الى التغذّي من خلال الارادة بأفعال إيمان وحبّ. وبما أن هذه الأفعال هي، حقا، ما يريده الله، فإن عمل النعمة يتلاقى مع جهد الخليقة التي تُحرز، بدون شك، تقدّماً ملحوظاً في الحياة الروحية لتصبحَ اكثر حيويةً من السابق. فالجفاف الذي يرسله الله، إضافة إلى أنه محنة، هو، إذاً، نعمة عظيمة يجب علينا أن نتجاوب معها بسخاء بدل أن نفقد العزم.

 

17.   هل يجب ان نستمرّ في الحوار؟

إذا أجبنا بنعم، معناه أن نبقى نحاور الرّب، ولكن لا يعني ذلك ألا نتوقف عن الكلام. والكتّاب الكرمليون يشيرون بشكل واضح إلى أن هذا الحوار يجب أن يميل الى الثرثرة المضطربة بل يجب ان يتابَع بسلام، مع توقف متكرّر، فنفسح في المجال لسماع جواب الله.

 

18.   وهل يتكلم الله في هذا الحوار؟

لو كنّا وحدنا المتكلّمين، لما كان حوار. علاوةً على ذلك، فقد علّمت القديسة تريزا أن الله يتكلّم عندما نصلّي من صميم القلب. لكن لا نعتقدَنَّ أن الله يُسمعنا صوتَه بشكل محسوس. بل إنه يجيب بإرسالِ نعمٍ من نور وحبّ، تساعدنا على ان نفهم طرقة تفهّماً أفضل، وندفق حرارةً في الروح تجعله يسير بسخاء في طرق الله. فالإصغاء هنا يعني قبول هذه النعم مع السعي للإنتفاع بها.

 

19.   لماذا يُدعى هذا الحوار تطلُّعاً ()؟

لأننا حينما نخاطب الله ونصغي اليه، لا نتابع إعمال العقل كما في أثناء التفكّر(). بل نوجّه انتباهنا بشكل عام الى السرّ الذي أنعمنا النظر فيه خلال التفكّر عينه، أو نتّجه بعيون القلب الى يسوع أو إلى الآب السماوي الذي نخاطبه. ففي هذه النظرة البسيطة يتمّ ما يُعرف تقليدياً بالتطلّع ()، أي تلك النظرة البسيطة التي تغوص في الحقيقة. وكما أنه من المألوف أن يهب الله نوره في أثناء الحوار، كذلك من هذه الوجهة أيضاً، يتم، نوعاً ما، وبطريقة اكمل، ما يميّز المشاهدة الكاملة، أي فيضٌ من النور السماوي.

 

20.   كم يطول هذا الحوار؟

ليس هناك من حدود: فقد يُشغل وقت التأمل بكامله. بل إن تبسيط التأمل يقوم، خاصة، على تقليص الاعتبارات الفكرية، وترك المكان الأوسع للعواطف وتحّلها تدريجياً إلى أفعال تزداد سكينةً وإطالة. أما في البدايات، فليس من السهل قضاء وقت طويل في التعبير فقط عن حبّنا الشخصي. لذلك، يمكن اللجوء إلى أقسام التأمل الأخيرة أي إلى الشكر والتقدمة والطلب.

 

21.   لماذا نؤدي الشكر لله؟

أسباب عديدة تدفعنا إلى أداء عرفان الجميل للّه. فقد نلنا منه الكثير، وعلى الصعيد الشخصي إن على مستوى الطبيعة أو على المستوى فوق الطبيعة! كوننا ولدنا من والدين مسيحيَّين، ونلنا العماد، وتربّينا تربية صالحة في بيئة كنسية سليمة، ووهبنا دعوةً خاصة (كهنوت، رهبانية، علمانية...) فتلك أفضال ربّانية مجانية، لن نستطيع أبداً إبداء ما يكفي من الشكر! وكم من النعم يُغدق الربّ علينا باستمرار! بل إن التأمل الذي نقوم به هو دعوةٌ منه إلى أن نزداد تعمّقاً في صلب دعوتنا. عن كلِّ ذلك علينا إظهار عرفان الجميل زد على ذلك ما يظهر الربّ من جودة نحو من نحبّ: كالأهل والأصدقاء والمحسنين إلينا، والأشخاص الموكلين إلى رعايتننا! ويمكننا أخيراً أن نشكر ليس الرب فقط، بل أيضاً القديسة مريم والقديسين على شفاعتهم من أجلنا.

 

22.   ماذا يمكننا أن "نقدّم" لله؟

لمّا كنّا قد نلنا كل شيء من الرب، يجمل بنا أن نقدّم ذواتنا كلّياً له، مع الوعد بأن نسخِّر كلَّ طاقاتنا لخدمته. ثم، إنّ الرهبان الذين كرّسوا حياتهم كلّها لله بإبرازهم النذور الرهبانية، يمكنهم أن يجدّدوها. لكن هذه الوعود لا تؤثر تأثيراً فاعلاً على سلوكنا، لذلك يجب ألا نكتفي بهكذا أفعال تقدمة عامة. بل من المستحسن أن نصل إلى مقعد معيّن وأن نقدم للرب الارادة بأن نمارس فضيلة معيّنة، وأن نحارب بسخاء تجربة معيّنة، ونقبل بصدق إحدى المحن أو أحد العذابات. فهذه المقاصد الخاصة تربط التأمل رباطاً أشد بالحياة اليومية. لذلك ينصح للجميع إنهاء التامل بمقصد عملي، حتى ولو لم يقوموا بفعل "التقدمة".

 

23.   من أجل من يجب أن نصلّي؟

شدّة فقرنا تدفعنا إلى اللجوء باستمرار إلى الصلاة. وقد علّمنا يسوع أننا "بدونه لا نستطيع أن نفعل شيئاً ". وأضاف: "أطبوا تجدوا؛ إقرعوا يُفتح لكم". لذا فالتقدّم الروحي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصلاة التي نمارسها بثقة وإلحاح. إضافةً إلى ذلك، علينا أن نصلّي، أيضاً، من أجل الآخرين، ومن أجل حاجاتهم الزمنية والروحية، خاصةً من أجل خلاصهم وقداستهم. لذلك سنهتمّ ليس فقط بالأفراد، بل بشعب الله كلّه، وبالتنظيمات الرهبانية وبعائتنا الروحية، وبالكنيسة. علماً بأن أكثر الأشخاص قبولاً لدى الربّ هم أشدّ تأثيراً في قلبه؛ ورغبةً منّا في نوال الكثير سنسعى لننال رضاه بحياة تجرّد عن العالم، تهدف فقط الى التماس الإلفة معه. في هذه الحال، ستتحقق مقولة القديسة تريزا الى بناتها: لنكن أصدقاء الله الحميمين فنستنزل عن العالم النعم الإلهية.

 

24.   ما هو التشتّت الإرادي؟

يقوم التشتت الارادي على القبول المتعمّد أو الموافق لأفكار تحوّل العقل عن الموضوع الإلهي الذي كان العقل مشغولاً به. فمع التشتّت الإرادي يتوقّف التأمل أو على الأقل يُعلَّق موقتّاً. وإن قمنا بذلك بدون أسباب كافية، نصبح حتما مذنبين بقلة احترامنا للربّ. وأكثر من صعوبة يُعتبر التشتت الإرادي نوعاً من قلة الأمانة. أما إذا لم يُقبَل الأفكار المزعجة، ولا استثيرت عمداً، يصبح التشتت لا إرادياً.


الفصل السادس

حضور الله

1.         ماذا نعني "بحضور الله"؟

يُقصد بهذه العبارة عملٌ تقوي هدفه إبقاء الروح على اتصال بالله خلال المشاغل اليومية. ويمكن ان نسمّيه تأملاً متواصلاً يُغطّي النهار كلّه. وهذا العمل مكوّن مثل التامل من عنصرين: الفكر والعاطفة.

فالمطلوب إذاً، هو أن نفكّر في الله ونوجّه باستمرار عاطفتنا نحوه.

 

2.         ما هو العنصر الأول في استنكار حضور الله؟

العنصر الأول ليس الفكر، كما يظن كثيرون. بل العاطفة كما في التأمل؛ إذ إننا نستعمل الفكر لتوجيه القلب، أي الإرادة، نحو الله؛ ومن بعد ذلك، نتّحد بالرب بنوع أعمق، موجّهين إليه كلًَّ أعمالنا. مع العلم، أنه أيسر لنا البقاء على اتصال بالله مدة أطول بواسطة الارادة، منه بواسطة العقل.

 

3.         ما هو سبب هذا الفرق؟

إن الفرق بين توجيه العقل وتوجيه الارادة يعود الى أنه من المستحيل التفكير في الله بشكل متواصل، ذلك أن المشاغل تتطلّب غالباً كلَّ الانتباه، ولا يمكن ان نفكر في شيئين مختلفين وفي ذات الوقت. بالمقابل حتى ولو كان العقل منشغلاً بشكل كامل في العمل الذي نقوم به، بوسع القلب أن يظلَّ متّجها نحو الرب؛ لذا فأيّ عمل قد يشتّتنا بطبيعته، يمكننا دائماً أن نقوم به من أجل الرب، لكي نعمل بمشيئته ونمجّده.

 

4.         كيف يمكننا ان نبقي قلبنا موجهاً نحو الله بنوع أسهل؟

يمكننا ذلك عندما نغذّي العاطفة مباشرةً بممارسات ودّية مثل: صلوات سهمية، ابتهالات تقوية، تقدمة الأعمال، طلب العون، أي بواسطة حوارات وجيزة مع الله نعبّر له فيها عن حبّنا له وثقتنا به. لكن ذلك سيغدو مستحيلاً إذا لم يخطر الله غالباً على بالنا.

 

5.         كيف يمكن أن نعيد الى بالنا ذكر الله؟

هناك مناهج عديدة: بل إن أشكال المتمرسين باستنكاره حضور الله تتميّز عادةً بحسب الوسائل المعتمدة لاستذكار الله بالفكر. وهكذا يمكننا التمييز بين ممارسة استذكار الله الخاجية أي الممارسة الخيالية والممارسة العقلية.

 

6.         كيف يكون الإستذكار الخارجي لحضور الله؟

يكون باستخدام شيء خارجي لكي نفكر في الله بتواتر، كتمثال المصلوب الذي نحمله دائماً، على صدرنا، فنضعه نصب أعيننا في أثناء الشغل، ونقبّله ونقدم له الإكرام، يجعل تذكار ربنا يسوع المسيح حيّاً فينا ويتيح لنا أن نحادثه حديثاً ودّياً. كما أن تذكّر حضوره في سر الإفخارستيا أو في معبد بيتنا أو في كنيسة مجاورة نعود إليها دائما بالفكر، قد يفيد كثيراً للبقاء على اتصال بالرب ومحادثته. ويقال الشيء نفسه عن الأيقونات والصور الخ...

 

7.         كيف يكون الإستذكار الخيالي لحضور الله؟

يقوم هذا الإستذكار على استعمال المخيِّلة لتمثُّل الرب او السيدة او أحد القديسين الذي نعتبره قريباً منّا ويرافقنا أينما كنّا.

وغالباً ما نتوجّه إليهم بكلمات وجيزة وعفوية، أو من خلال إحدى الممارسات التقوية والعاطفية التي أشرنا إليها (رقم 6). لكن هذه الطريقة في استذكار حضور الله ليست في متناول الجميع، لأنها تتطلّب مخيّلة قويّة وسيطرة تامة عليها.

 

8.         ألا يخلو ربما هذا التمثُّل من الحقيقة؟

كلاّ، على الإطلاق. فإذا لم يكن ناسوت المسيح الفائق القدسة أو السيّدة أو القديسين، حاضراً حسّياً، فمع ذلك هم حاضرون روحيّاً، لأن العذراء والقديسين يروننا في جوهر الله الذي يشاهدونه، وبذلك فهم على علاقة بنا، وناسوت المسيح يؤثّر فينا تأثيراً حسّياً أيضاً لدى وهب النعمة. وهذه العلاقة الروحية يمكننا تخيُّلها جيّداً بتصور ذاتنا برفقة الربّ أو القديسين.

 

9.         هل يمكننا استذكار حضور الله عندما نتوجّه الى القديسين أيضاً؟

إنه لأمر بديهي: لأن ذكر العذراء والقديسين يفيدنا في توجيه قلبنا وأعمالنا نحو الرّب، وفي توجيه الإرادة هذا، يكون أهم عنصر في استذكار حضور الله.

 

10.   ما هو استذكار حضور الله الفعلي؟

إن استذكار حضور الله العقلي، يكون باستعادة العقل تذكار الله بواسطة فكرة إيمانية. فنتذكر، مثلاً، سكن الثالوث الأقدس الدائمة في قلبنا، ونسعى لإرضاء هؤلاء الضيوف الإلهيين أو نعتبر أن واجباتنا الشخصية تظهر مشيئة الله التي نريد الإتحاد بها دائماً كما أن نور الإيمان الفائق الطبيعة يجعلنا نرى أن العناية الإلهية تنظم جميع ظروف الحياة، ويدعونا الى أن نعترف امام الآب:

أنا راضٍ بكل شيء ؛ أو لكوننا نعرف أننا دائماً تحت نظر الله، نسعى لنعمل كلَّ شيء بطريقة نصبح بها أكثر قبولاً عنده.

 

11.   ما هو الشكل الأفضل لممارسة استذكار حضور الله؟

ما هو أنسبُ إلينا وهذا لا يمكن تحديده مسبقاً، أو بأعمال الفكر، بل بواسطة الإختبار ولدى ممارسة استذكار حضور الله لا حاجة إلى التمسك بنوع محدّد حصراً. لكن بمقدورنا تبديل الأساليب حسب الظروف.

ومن الأفضل عادةً، اعتماد شكل خاص، فنختار ما اختبرناه أثر فائدة. لذلك هنا أيضاً، لنا ملء الحرية.

 

12.   هل يمكننا جمع ممارسة استذكار حضور الله الى الأعمال الطبيعية الاعتيادية، وما نقوم به من أعمال من أجل الراحة والتسلية؟

بدون أدنى شك. لا بل إننا بهذه الممارسة نجد طريقة عملية جداً لتقديس تلك الأعمال.

ففي أثناء الطعام، يمكننا أن نرفع قلبنا الى الله، وبدل من أن نبحث في الطعام على اللذة، نأكل من أجل تجديد قوانا، بنوع من لامبالاة إزاء الطعوم، ونتابع بعزم أكبر خدمة الله.

والقديس بولس يعلمنا: سواء أكلتم أو شربتم فاعملوا كل شيء لمجد الله. كذلك الأمر بالنسبة إلى أوقات التسلية والراحة نقدّمها كلّها للرب إذ إنها توفّر لنا طاقات جديدة نستعملها في سبيل محوه. كما أننا نوجّه صوب هذا الهدف نومنا نقرّبه إلى الرب قبل أن نخلد إليه. وهكذا يسمح لنا استذكار حضور الله ان نعيش نهارنا كلَّه في إلفةٍ مع الله وفي محبته.