Webmaster Elie: elie@kobayat.org back to Nassim Kastoun's Documents

صرخة وجع

لماذا؟! وكفى! ولا بدّ ...

 

منذ زمن ليس ببعيد، كنّا نقصد ما كنّا ندعوه سابقاً "الضيعة" والتي ما أن بدأنا نكبر حتى أدركنا انها أكثر من ضيعة لا بل أكثر من بلدة وإن لم تلامس حدود المدينة.

ولكن ذاكرة قسم كبيرٍ منّا (نحن من نشأنا خارجها) ظلّت مرتبطة بصور وأمكنة تغيّرت وبوجوهٍ غاب قسمٌ منها ومن بقي أصبح غائباً عن حاضره وبعيداً عن ماضيه وقلقاً من مستقبله.

لماذا؟

لأنّه من أخطر ما قد يتعرّض له مجتمعٌ هو التنكّر لكلّ الماضي في سبيل التغيير والتطوير والحلم ببناء مستقبلٍ غير متجذّر وغير متأصّلٍ في الزمن فتكون النتيجة حاضراً دون هويّة ودون شخصيّة وبالتالي دون ثبات.

ما سرّ هذا الكلام؟

لأنّه بات في قاموسنا الغفران ضعفاً و"الأودميّة" هبلاً والسكوت "تنكاً" والعفّة "أولدفاشوناً" (OLD Fashion)  والصدق سراباًً والكرامة عبئاً والمروءة سراباً والعلم ظلاماً والثقافة "ضجراً" والحكمة تشاطراً والمحبّة "مسايرةً"، تختفي كلّها يومياً على ضفاف أنهار "دواويننا"  وعبثنا اللامسؤول بالكرامات والأعراض.

يا جماعة،

هل نسيتم أننا جميعاً سلكنا نفس الدروب وتسلّقنا نفس الهضاب وشربنا نفس الماء وتنشقنا نفس الهواء واستظلينا نفس السماء ودسنا نفس الأرض؟

هل نسيتم أننا اشتركنا في نفس المناسبات ففرحنا مع الفرحين وبكينا مع الباكين وصلينا نفس الصلوات واشتركنا في نفس القداديس؟

هل نسيتم أن أجيالاً مرّت قبلنا وعين الست ما زالت هنا ومار شليطا ما زال هنا وشويتا ما زالت هنا وغزراتا وشحلو وكماع ومار سركيس وباخوس وعودين والمرغان والشنبوق ونبع الجوز... شهوداً على قيمة وأهميّة ما يجمعنا؟

لذلك تعالوا اليوم نقول كفى!

كفى لدواوين الكذب والتحريض والقيل والقال و"التلقلق" ورحم الله من قال " خلق الله للإنسان أذنين اثنين ولسانٍ واحد ليسمع مرتين أكثر مما يتكلّم".

كفى للأحقاد الموروثة أو المستجدّة على بعضنا البعض ولنتذكّر أنّه "يا ما ضابّا المقابر ناس انحطّوا حد بعضن وبعمرن ما حكيو إلا عن بعضن".

كفى للنميمة والافتراء والكذب الّذي أضحى ملح الرجال وسكّر النسوان ولنتذكّر كلام المخلّص يسوع "فليكن كلامكم نعم نعم ولا لا" (متى 5\37).

كفى "للعهر" المقنّع بأثواب التطوّر والحضارة ولنتذكّر أن روما وأثينا سقطتا يوم أصبح ما دون الحزام هو مصدر الأحكام ومنارة الأفكار ومسيّر العواطف ولنتذكّر قول الشاعر "إنّ الأمم الأخلاق ما بقيت ...".

كفى للبطالة المقصودة (بحججها الواهية:" ولو! أنا بدّي اشتغل بهالقدّ؟") المزهوّة بذاتها والفرحانة بكسلها ولنتذكّر قول الكتاب المقدّس " البطالة تعلّم الكثير من الشرور" (يشوع بن سيراخ 33\27).

كفى بعداً عن الله باسم ثقافة ال "Week End" وال "Easy life" فالقدّاس "كتير بكّير" حين أن أريد أن أنام ولكنّ الصيد "أبدى" والبحر "أبدى" والمشوار "أبدى".

كفى تأليهاً لآلهة الأرض ونسياناً لإله الآلهة ولنتنبّه إلى أن الخطورة الحقيقيّة تكمن في أنّ "الإنسان الّذي خلقه الله أعرب عنه وخلق هو المال وعبده محقّقاً كلّ رغباته وغرائزه ومعتبراً إياه هدفاً لحياته متنازلاً عن هويّته الحقيقيّة..." (إين القبيات المرحوم فؤاد بدوي بطرس في كتابه  الهويّة وثقافة السلام،إصدار 2008، ص-29)  

وماذا بعد؟

هل نيأس؟ هل نقنط؟ هل "ندير ظهرنا ونمشي"؟

"أكيد لأ"!فلا بدّ من الرّجاء!

هذا الرّجاء المبنيّ على محبّتنا لهذه الأرض وإيماننا بضرورة قيام وعيٍ لأهميّة انتمائنا إليها. وهذا الثالوث الّذي أعظمه المحبّة (1 قورنتوس 13\13) يتجلّى عملياً في سلسلة من ال "لا بدّ".

لا بدّ، أيها الأحباء، من صحوة ضميرٍ تعيد إلينا صفاء مياه "النبع الأبيض" ونقاوة الثلج في "الشنبوق". صحوةٌ مبنيةٌ على رؤيا منهجيّة تعيد وصل ما انقطع مع الماضي من تقاليد "حلوة" و"جميلة":

1-              لنتوقّف من جديد، هنيهةً، لثلاث مرّات، على قرع جرس الدير العتيق، هاتفين، بالتبشير الملائكيّ، مع الملاك جبرائيل، "السلام عليك يا مريم" ومستقبلين العذراء مريم مع إليصابات "مباركة أنت في النساء" ومصلّين مع الكنيسة "يا قديسة مريم...".

2-              لنخشع، من جديد، ولنتهيّب أمام مسيرة "القربان" أو مسيرة "العذراء" فنقفل باب المحلّ أو فلنتوقّف عن احتساء "القهوة" أو "الأركيلة" أو احتساء ... شرف وكرامة "تلات رباع" معارفنا ولنذكر أن من يمرّ من هنا أهمّ من أكبر واحد فينا أو ممن جعلناهم أكبر منا.

فهل يعقل أن تمرّ الجمعة العظيمة مثلاً يوماً عادياً في بلدتنا؟ أو أضحى موت المسيح فولكلوراً "ما بيحرز" حتى لنفحص ضميرنا، نحن، وأنا من هذا النحن، ممن نصلب المسيح كلّ يومٍ ألوف المرّات دون أن يرفّ لنا جفنٌ وممن نشتمه مع أبيه على عدد لهجات قلوبنا في حين نثور و "تقوم قيامتنا" إذا شتم زعيمنا الّذي جعلناه أهم من ربّنا؟

3-              لنشترك مع بعضنا، من جديد، في الأفراح والأحزان، دون انتظار "نعوة" أو "عزيمة" فالموت "حقٌّ" على الجميع، كما يقول المثل، والفرح "حقٌّ" للجميع كما شاء الله يوم خلقنا.

فهل يعقل أن تضحي علاقاتنا مع بعضنا أسيرة "بادلني تبادلك"؟  و"هوّي ما عزّاني أنا ما بعزّيه"؟ و" هوّي ما حضر عرسي أنا ما بهنّيه"؟ أليست هذه خيانة للروح المسيحّية الحقّة وشعارها قول بولس الرسول :" إفرحوا مع الفرحين وابكوا مع الباكين" (روما 12\15).

4-              فلنرجع، سويّاً، إلى بذل الذات في سبيل شعارٍ غُرِس في أرضنا شعاراً لا يجب أن نخونه وننساه وهو "من أجل قبيات أفضل": أفضل في الأخلاق، أفضل في القيم، أفضل في العلاقات وأفضل في المحبّة.

نعم يا أبناء جميلة الجميلات، إنّها صرخة وجعٍ ولكنها أيضاً دعاءٌ وصلاةٌ موجّه إليكم وبعدكم إلى ربّنا وربّكم لنعود فنزرع في هذه الأرض حبّاً بدل الأحقاد وسلاماً بدل النزاعات وأماناً بدل المخاوف.

 نعم يا أبناء جميلة الجميلات، لنعد جميعاً مناضلين في سبيل "قبيات أفضل" وفاءً لمن بذلوا في سبيلها الدماء (الشهداء) أو الحياة (أهلنا وجدودنا وستاتنا) ولمن رفعوا اسمها عالياً في السابق والحاضر.

ولنعمل من أجلها ذاكرين قولين رائعين متكاملين:

        الأول للرئيس الأميريكي جون كينيدي :"لا تسأل ماذا يقدّم لي وطني بل اسأل ماذا أستطيع أن أقدّم أنا لوطني".

        الثاني لمؤسس الحركة الكشفيّة اللورد بادن باول :" اجتهد أن تترك المكان الّذي أنت فيه أفضل مما كان حين وصلت إليه".

 

القبيات في عيد الربّ

6 آب 2008

الخوري نسيم قسطون

 

Webmaster Elie: elie@kobayat.org back to Nassim Kastoun's Documents