Webmaster Elie: elie@kobayat.org back to Nassim Kastoun's Documents

 

من رسائل بولس الرسول إلى "مسيحيّي" لبنان

الأخت باسمة الخوري

 

 

نشر هذا المقال في صحيفة النهار الثلاثاء 21 تشرين الاول 2008

من بولس الرسول، وقد شرفتموني هذه السنة باحتفالكم بذكرى الالفين على مولدي، الى من يدعون "مسيحيين" في كنيسة الله في لبنان، اولئك الذين زرعهم الله في هذا الشرق ليكونوا "ارزة تلجأ اليها طيور السماء لتحتمي، ووحوش الصحراء لتستظل"[1]. الى الذين اطمأن الله الى وجودكم ملحاً يطيب طعم الحياة المر، وخميرة تخمّر فتحول البشرية (اللحمية) والادمية (الترابية) الى انسانية متسامية... عليكم السلام من الله أبينا ويسوع سيدنا وربنا.


طالما شكرت الله يا احبائي على ما وهبكم الله من نعم. فقد حصلتكم منه على فنون الشطارة والنباهة والانفتاح، فعرفتم في العالم كله بالحذاقة وتوقد الذهن. واشكر الله بالاكثر على التزامكم الديني، وافتخاركم بما تعودتموه من تقاليد دينية أجيالاً تلو اجيال.


لكنني، يا احبائي، عجبت اليوم في مروري بينكم لما يصيبكم من العمى، ولا ادري ان كنتم قد عدتم الى ما قبل الايمان، او انكم اخترعتم دينا لا يمت الى الايمان بصلة. في مروري هذا، قرأت جرائدكم، وسمعت اذاعاتكم والمقابلات المتلفزة، فهالني ما رأيت وما سمعت. أصحيح ان التجار السارقين صاروا المتكلمين باسم المسيحيين يعظونهم ويعبرون عن افكارهم؟ وهل صحيح ان السياسيين الذين خلقوا الحرب وغذّوها، بحثا عن المصالح الخاصة، هم "مسيحيو" لبنان؟ فهمت لغتكم خطأ ربما... ولكن أليس هذا ما يفهمه من يسمعكم ويراكم مثلي؟


يوم زرت صور في آخر رحلة لي قبل اعتقالي
[2]، كنت مطمئنا الى ايمانكم الراسخ ومحبتكم المتقدة ووحدتكم الثابتة. يومها تذكرت قول الرب في توبيخه قرى الجليل: "لو جرى في صيدا وصور ما صار عندكم من الآيات...[3] ، كنت فخورا بالتزامكم الذي جعل منكم كنيسة بحسب رضى الرب، بالرغم من قلة عددكم وضيق وسائل العيش، فما الذي جرى؟ كيف استطاع الذين يلقون البلبلة بينكم ان يبدلوا القيم والاخلاق... والانجيل؟ اعود واقول لكم ما قلته لاهل غلاطية قبلكم: "لو بشرناكم نحن او بشركم ملاك من السماء بخلاف الشارة (الانجيل) فليكن محروما[4]. تضعون كلام الله على مستوى كلام "المسؤولين" وما هم مسؤولون الا عن مصالحهم! صار كلام هؤلاء كلاما مقدسا وما عدتم تقرأون كلام الله! ارسلت لكم قبل الآن ثلاث عشرة رسالة فماذا فعلتم بها؟ من قرأها؟ من حاول فهمها؟


يا اهل لبنان الاغبياء، عفوا يا اهل غلاطية الاغبياء، من الذي فتنكم، انتم الذين عرضت امام اعينهم صورة المسيح المصلوب؟"
[5] أبلغت بكم الغباوة هذا الحد؟"[6].


"بلغني ان بينكم مخاصمات"، على ما كان بين كورنتس قبل 2000 سنة، وانكم تختلفون في مناصراتكم "المسيحية" لفلان وعلتان "اترى المسيح انقسم؟" أفلان "صلب من اجلكم أم باسم" علتان "اعتمدتم؟"
[7]، تنقسمون وتقتتلون، انتم احرار، اما ان تنقسموا وتقتتلوا باسم المسيح والمسيحيين، وان تعلنوا ان ذلك ضروري لخير المسيح والمسيحيين، فهذا لا يمتّ إلى المسيحية بصلة. ليس فلان مسيحيا ان عادى وخاصم، وليس علتان مسيحيا ان سرق وقتل، ولستم مسيحيين ان كنتم فلانيين وعلتانيين قبل كونكم مسيحيين. اعتبروا ايها الأحباء، فالله واضح وصادق، انه محبة ولا يريد سوى المحبة.


إلهنا ايها الأحباء جاءنا بنفسه عندما قطع الامل من فهمنا له بالواسطة. أبعد كل ما عاشه وما قاله على ارضنا ما زلنا في الـضلال؟ تعيّدون 2000 سنة على ميلادي، وتنظمون الاحتفالات، وكل طموحي ومطلبي واحد: "اقتدوا بي كما اقتدي بالمسيح"
[8].


"شاع خبر ما يجري عندكم من فواحش"
[9] لا تجري حتى عند الكفّار الفجّار... وتقولون انكم مسيحيون! شاع خبر الزنى وقد سميتموها مصاحبة وفرفشة... وخبر السرقة والنهب والسلب وقد سميتموها شطارة... وخبر الظلم وقد سميتموه سياسة... وخبر الكذب وقد لوّنتموه ابيض... وخبر الكبرياء والمكابرة وقد سميتموه مستوى لائقاً... وتقولون انكم مسيحيون احرار؟ انتم احرار نعم، "وكل شيء يحل لكم"[10] لكنكم "هيكل الروح القدس"[11] انتم مسكن الله فكيف تنجّسون مسكن الله في ذواتكم، وتقتلون الله في الآخرين باسم الحرية؟ انتم هيكل الله، مجّدوا الله يا اخوتي في حياتكم وفي بلادكم.


وبلغني انكم لم تحفظوا من كلامي سوى ان "الرجل رأس المرأة"
[12]. ليتكم قرأتم الرسالة كاملة بدل اقتطاع ما تشاؤون منها، فانتظروا مني رسالة بهذا الخصوص. وبلغني ان القداس صار عند البعض منكم مناسبة سياسية واجتماعية، وتلبية واجبات، وفرصة لعرض الازياء والمواقف، مما جعل البعض الآخر يرى فيه مكرهة يأنفون المشاركة فيها. تختلفون على المسيحية "ولا إله الا الله"[13]. يا اسفي عليكم وقد اضعتم المعنى!


كنت اتمنى لو ارسل اليكم رسالة موضوعها الوحيد تهنئتكم على القديسين بينكم، وعلى الشبيبة التي تعطي ذاتها في الخدمة والتكرّس والتنسّك. وكنت اود ان يكون ذكرى مولدي الالفين مناسبة لاعلان مملكة السلام والحب من لبنان، مملكة يحكم فيها الحاكم "بالعدل والحق، فيسكن الذئب مع الخروف، ويبيت النمر مع الجدي، ويرعى العجل والشبل معاً وصبي صغير يسوقهما..."
[14] فتصبح الارض كلها جبلاً مقدساً. كنت اتمنى لو كانت هذه الذكرى مناسبة نهنئكم فيها على اعلان بشرى مجيء الملكوت الذي تصلّون كل يوم لمجيئه: "ليأت ملكوتك"، ملكوت هو ارض متجددة، تكون فيه كل الشعوب شعوباً لله، لا يبقى فيه "موت ولا حزن ولا صراخ ولا وجع"[15]، ولا "سياسة مسيحية" ولا "مناطق مسيحية" ولا "مصالح مسيحية".


"انا حزين جداً" عليكم وبسببكم. فصلّوا يا احبائي، "صلّوا في كل وقت مبتهلين"
[16] وان اردتم حمل السلاح "فاحملوا سلاح الله الكامل"[17] اي الحق والاستقامة والايمان و"الحماسة لاعلان بشارة السلام"[18] لتقاوموا الشرير وعالم الظلام. "امتحنوا انفسكم وحاسبوها، هل انتم متمسكون بايمانكم؟"[19]. انتم منارة الشرق والعالم، عودوا الى كرامتكم. زرعكم الله قديسين لتقدسوا الشرق والعالم. "بينكم خلاف وحسد وغضب ونزاع وذم ونميمة وكبرياء وبلبلة. اخاف اذا جئتكم مرة اخرى ان يذلّني الهي في امركم"[20]، "فاذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضاً، انتبهوا الا يفني واحدكم الآخر"[21]. ارجوكم "عودوا الى وعيكم السليم"[22]. "اقول هذا لتخجلوا"[23] فاخجلوا وتوبوا، وعودوا الى روح الله الساكن فيكم فتحيوا ويحيا العالم بكم. عندها فقط استطيع ان اقول معكم "اذا كان الله معنا" بل اذا كنا نحن مع الله "فمن يكون علينا؟"[24]. و"على روحكم نعمة الرب يا احبائي!".


أعلن قداسة البابا في 28 حزيران 2008، ليلة عيد القديسين بطرس وبولس، تكريس يوبيلية خاصة للاحتفال بالالفية الثانية لمولد القديس بولس رسول الامم، وقد انضمت كل الكنائس المسيحية الى روما للاحتفال بهذا الرسول، الذي علّم وكتب رسائله قبل تحرير الاناجيل، ومات شهيداً سنة 69. كتب 13 رسالة هي قمة في اللاهوت المسيحي والاخلاق الانسانية الدينية، تُقرأ مقاطع منها في كل احد وعيد.
 

الأخت باسمة الخوري

نشر هذا المقال في صحيفة النهار الثلاثاء 21 تشرين الاول 2008


 

 [1] رج حزقيال 30: 6

  [2] رج اعمال الرسال 21: 3 7

[3]  رج لوقا 10: 13

[4]  رج غلاطية 1: 8

[5]  رج غلاطية 3: 1

[6]  رج غلاطية 3:3

[7]  رج 1 كورنتس 1: 11 13

[8]  رج 1 كورنتس 11: 1

[9]  رج 1 كورنتس 5: 1

[10]  رج 1 كورنتس 6: 12

[11]  رج 1 كورنتس 6: 19

[12]  رج افسس 5: 23

[13]  رج 1 كورنتس 8: 4

[14]  رج اشعيا 11: 1 10

[15]  رج رؤيا يوحنا 21: 4

[16]  رج افسس 6: 18

[17]  رج افسس 6 :13

[18]  رج افسس 6: 14 16

[19]  رج 2 كورنتس 13: 5

[20]  رج 2 كورنتس 12: 20 21

[21]  رج غلاطية 5: 15

[22]  رج 1 كورنتس 15: 23

[23]  رج 1 كورنتس 15: 23

[24]  رج روما 8: 31

 

Webmaster Elie: elie@kobayat.org back to Nassim Kastoun's Documents