من إعداد الخوري نسيم قسطون

 

هل 25 كانون الأول هو التاريخ الحقيقي لميلاد يسوع المسيح؟


عيد الميلاد من أكثر الأعياد شعبية في العالم، ينتظره الناس سنوياً لما يحمله من معانٍ روحيّة وإنسانيّة واجتماعيّة.
ولا ينحصر هذا الاهتمام بالمسيحيين فقط بل يتخطّاهم ليشمل أناساً من كلّ الأديان والأجناس والبلدان لدرجة أضحى هذا العيد ذا بعدٍ شامل وكوني.
لكن الملاحظ أن هذا الاهتمام يقابله جهلٌ لبعضِ معاني العيد الحقيقيّة في مقابل تشديدٍ على مظاهر العيد الخارجيّة من زينةٍ واحتفالاتٍ متعدّدة.
لذا رأينا من المناسب طرح بعض الأسئلة الخاصّة بهذا الزمان المبارك سعياً للإجابة عليها بالاستناد إلى بعض المراجع المتخصّصة.
وفي هذه الدراسة نطرح السؤال التالي : هل 25 كانون الأول هو التاريخ الحقيقي لميلاد يسوع المسيح؟
في الواقع، ليس في كتب العهد الجديد ما يدلّ على تاريخ ميلاد المسيح لجهة اليوم والشهر، إذ يكتفي الإنجيليون بإشاراتٍ عامّة غير دقيقة :


    "ولمَّا وُلِدَ يَسوعُ في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيَّةِ، على عَهْدِ المَلِكِ هِيرودُسَ..."(متى 2: 1)
    "كانَ في أيّامِ هيرودُسَ مَلِكِ اليهوديَّةِ..." (لوقا 5 : 1)
    "وفي تِلكَ الأيّامِ أمَرَ القيصَرُ أوغُسطُسُ بإحصاءِ سكّانِ الإمبراطورِيَّةِ. 2وجرى هذا الإحصاءُ الأوَّلُ عِندَما كانَ كِيرينِـيوسُ حاكِمًا في سوريَّةَ." (لوقا 2 : 1)


وقد تسبّبت هذه المعطيات في خلق التباس كبير حول التاريخ الحقيقي لميلاد المسيح سنسعى لتوضيحه فيما يلي.
نعلم أن اعتدال الشتاء يقع في ليل 20-21 كانون الأول حيث تمرّ أطول ليلةٍ في السنة وبعدها يطول النهار.
وكانت الديانة الرومانية تنظم سلسلة احتفالات تمتد  بين 17 من كانون الأول و 24 كانون الأول تدعى "Saturnales" إكراماً للإله "Saturne"، إله الزراعة.
وابتداءاً من القرن الثالث قبل الميلاد، أدخل الجنود الرومان إكرام إله النور الفارسي "ميترا" إلى الديانة الرومانية، والّذي كان يحتفل بعيد ميلاده في 25 كانون أول.
وبناءً عليه، تمّ تحديد يوم 25 كانون الأول يوم"Natalis Invicti" أي "عيد ميلاد الشمس التي لا تغلب" أو "عيد الإله الّذي لا يُغلب" في أيام الامبراطور أوريليان سنة 274 ب.م.
وكانت الاحتفالات تأخذ طابعاً صخباً، يتخللها العديد من الذبائح الدموية وإباحة العديد من الملذات.
 

وفي بدايات المسيحيّة، كان الالتباس موجوداً حول تاريخ ميلاد المسيح فتعددت الأيام التي كان يُظنُّ أن المسيح ولدَ فيها بالاستناد إلى مصادر ودراسات متعددة وأحياناً متناقضة (6 كانون الثاني، 28 آذار، 19 نيسان، 29 أيار...).
هنا لا بدّ من الملاحظة أن السادس من كانون الثاني كان له الأفضلية لكونه عيد ظهور المسيح للعالم، عيد "الدنح" حسب التسمية المارونيّة، وكانت العديد من المناطق تدمج التذكارين في هذا النهار.
وقد أثر اندماج المسيحية في العالم الروماني على ازدياد الاهتمام بيوم 25 كانون الأول خاصة مع انحسار موجات الاضطهاد، حبن راح العديد من المسيحيين يشاركون في فعاليات هذا العيد، مما أثار قلق المسؤولين في الكنيسة من احتمال انحراف إيمانهم الفتيّ أمام مغريات الاحتفالات الرومانيّة.


هذا دفع البابا يوليوس الأول، سنة 320 ب.م، لدعوة المؤمنين للاحتفال في هذا النهار بميلاد المسيح باعتبار أنه هو النور الحقيقي للعالم، وخلفية البابا إعطاء العيد بعداً روحيّاً يخفف من اندماج المؤمنين في التقليد الوثني (لاحظوا أن كلمة NOEL  مستقاة من كلمة NATALIS)
  وقد قام بتثبيت هذا التاريخ على مستوى الامبراطورية، الامبراطور المسيحي الأول، قسطنطين، سنة 325.
رغم هذا لم يتجاوب كلّ المسيحيين مع هذا التحديد حتى سنة 354ب.م، حين قام البابا ليبيريوس بإعلان يوم 25 كانون الأول عيد ميلاد السيد المسيح، فأضفى على العيد طابعاً كنسياً رسميّاً.


ولكن انتشار العيد كان بطيئاً فلم يحتفل به في مصر قبل سنة 427ب.م، وفي كابادوكيا وآسيا الصغرى سنة 383ب.م، وفي أورشليم في القرن السادس، وفي إنطاكية سنة 388ب.م.، وفي القسطنطينية حوالي سنة 400ب.م.
وبقيت العديد من الكنائس على الدمج السابق بين تذكاري الميلاد والدنح في يوم 6 كانون الثاني كالكنيسة الأرمنيّة والإثيوبية.
ومن هنا يمكن الجواب على السؤال المطروح في المقدّمة أن 25 كانون الأول ليس فعلياً تاريخ ميلاد المسيح.
 بالرغم من ذلك، يبقى الأساس مدى وعينا أن المسيحيّة لا تشدّد على الدقّة في المعطيات التاريخيّة بقدر ما يهمها وعي المؤمنين الحقيقيين لأهمّية معاني عيد الميلاد الروحيّة ومنها :

 

    عيد الميلاد يذكّرنا بمدى محبّة الله لنا الّذي أرسل ابنه الوحيد ليتجسّد بالروح القدس من مريم العذراء من أجلنا ومن أجل خلاص جنسنا البشريّ.
    عيد الميلاد مناسبة لنعود إلى ذواتنا فنقيّم علاقتنا بالله وبأخينا الإنسان، على أساس المحبّة ودعوتنا للألوهة على حدّ قول أحد آباء الكنيسة : تجسد الإله ليؤلّه الإنسان.
    عيد الميلاد يدعونا للخروج من الإيمان الروتيني إلى الإيمان النشيط والمتفاعل بشكل سليم مع تطوّر العالم وتبدّل القيم، دون المساس بجوهر الإيمان المسيحي وخلاصته : "أحِبَّ الرَّبَّ إلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وبِكُلِّ نَفسِكَ، وبِكُلِّ قُوَّتِكَ، وبِكُلِّ فِكرِكَ، وأحِبَّ قَريبَكَ مِثلَما تُحِبُّ نَفسَكَ" (لوقا 10 : 27)
    عيد الميلاد يذكّرنا من خلال سرّ التجسّد بضرورة الوعي لحضور الله في حياتنا وفي قراراتنا.


 بمعنى آخر يذكّرنا عيد الميلاد أن المسيحيّة ليست فولكلوراً نمارسه يوم الأحد وإنما التزامٌ شخصيٌ يجسّد الإيمان أفعالاً ملموسةً، في كلّ الأيام، خاصّةً أفعال محبّة وعطاء في هذا الزمان المرتبط بمعاني الفرح والسعادة والعطاء.


ولد المسيح هللويا
الخوري نسيم قسطون
ميلاد 2003
 

المراجع:

1- http://www.alianwebserver.com/societe/noel/origines.htm
2- http://www.newadvent.org/cathen/03724b.htm
3- http://www.didyouknow.cd/xmashistory.htm