قصّة تجدّد اللقاء مع الذات

back to Pere Nassim Kastoun Doc

قصّة تجدّد اللقاء مع الذات: كشّافة القبيّات / كشّافة لبنان – فوج سيّدة الكرمل (القبيّات)
الخوري نسيم قسطون


لم أكن يومًا من محبّيها ولا من المنتمين إليها...
كانت نظرتي إليها نظرة ولد إلى مؤسّسة تحترف القساوة والعيش في البراري باحتراف أهل الغابات لا أهل الحضارة...

كنت أقرب إلى سواها ممّن يجمعهم همّ العمل الرّسوليّ والنشاطات الرّوحيّة كالحركة الرّسوليّة المريميّة حيث نضجت دعوتي إلى الكهنوت في حنايا أديارٍ كان سكّانها قد هجروها في ذلك الحين كدير جنّين (في العام 1988!)، حيث قمنا بإحيائها كمنارة رسوليّة دفعتني كاهنًا للعودة إليها والقيام بالكثير لإعادة الدير إلى البلدة في منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين!

ولكن، في قلب الحركة أدركت أن الإشعاع الرّوحي لا بدّ من أن يثمر وأنّ حقل الرّسالة غير محصورٍ في نمطيّة الاجتماعات واللقاءات المنظمّة بل إن الحركة هي ديناميّة تتغذّى من نبع لتروي حقولًا أخرى...

لن أنسى ذلك اليوم من العام 1992 حين كان الدّيوان عامرًا أمام محلّ القائد ميشال حنّا في حيّنا وحيث كان إيلي سلّوم، قائد فوج سيّدة الكرمل آنذاك، جالسًا وقال لي أثناء مروري: "عايزك بحديث"... وأودى بي ذلك الحديث إلى عشقٍ مستمرٍّ حتّى اليوم لكشّافة لبنان!

أأقول له: "سامحك الله؟!"... لا بل أقول له شكرًا وألف شكر!

لقد كانت البداية في طلب القائد إيلي مساعدة الجراميز روحيًّا في المرافقة الإنجيليّة وفي الأغاني الرّوحيّة...

صارحته بأنّي غير هاوٍ لحياة الطبيعة وبعيدٌ عن قساوة حياة الكشّافة في البراري وقد كنت يومها في بدايات مشروع تكوين "كرش"!

فقال لي بما معناه: "ألم تقرأ عن القدّيس فرنسيس؟ وألم يكن يسوع يصلّي ويعتزل في البريّة؟!"

دفعني هذا الكلام للتفكير في كم نفصل أحيانًا بين ما نقوله وبين ما ينبغي أن نعيشه!

وانطلق القطار مع نضال مخايل وبيار أنطون... مع الجراميز...

ولكن، شعرنا يومها بأنّنا مكتفون بما نعرف إلى أن عرض القائد غسّان عبدو (كان في فوج مار مخايل – طرابلس) علينا، أنطوان باخوس ضاهر (وكان في ال Eclaireurs) وأنا، أن نزور مقرّ المفوضيّة العامّة (Quartier Général) في بيروت...

في البداية اعترضنا سويّة وقد كانت فكرتنا "عاطلة" فهم "منعنعين" و "ما بيفهمو بالحرش" فقال لنا: "شو خسرانين يا شباب؟"...

فزرنا المفوضيّة العامّة وكانت يومها في منزل حجريّ قديم في الزلقا...

حين سمعوا بأنّنا من القبيّات ... شعرنا بأنّنا كالكائنات الفضائيّة إذ تحلّقوا حولنا غير مصدّقين!!!

وادركنا يومها سوء الأحكام المسبقة فلا نحن نمثّل القساوة ولا هم لا يفهمون بما نفهم به وبدأت زيارات المفوّضيّة إلى القبيّات بعد أن كانت قد بدأت إلى عندقت بفترة...

وتعمّق الاختبار أكثر حين ضمّ فريق المفوّضيّة العامّة في الشمال شخصين من فوجي القبيّات وعندقت هما فادي نعمة (من فوج مار يوسف عندقت) وأنا، في ظلّ قيادة المفوّض بول منصور حين بلغ عدد الأفواج رقمًا قياسيًّا لأنّنا لم نكن نهتمّ سوى بأن نزور الأفواج أسبوعيًّا من عندقت وحتّى حدث الجبّة!

مجموعةٌ تعاونت: وليد ضاهر، دموع بشارة ، كميل عمّار... فانتشرت الكشفيّة بعنوانٍ عريض: الكشفيّة طريقك إلى عيشٍ مسيحيّ واقعيّ في كلّ جوانب الحياة وليس فقط داخل النشاطات الكنسيّة...

تأثّرنا بروحانيّة المفوّضين جان بو صوّان وجاك أيّوب وروبن وجاكين أبونايان وريشا وطبعًا... أنطوان عسّاف (Biche) الّذي حوّل ال Arc En Ciel - حلبا إلى مركز للّقاءات في المنطقة!

كنّا نظنّ في البداية بأن أعضاء المفوّضيّة يقبضون معاشات وبونات بنزين ربّما... وإذ بنا نكتشف بأنّ من لديه كنزًا في داخله هو علاقته بالله لا تعرقله مادّةٌ أو ما سواها وخصوصًا إن أدمن الخدمة والمحبّة!
وقد تأثّرت كثيرًا ككاهن لاحقًا بهم في مفاهيم الخدمة والمجّانيّة في العطاء وفي عيش المبدئيّة الّتي تلخّصها الصّلاة الكشفيّة وإن كنت أستحق كثيرًا من الحجارة لأنّي لم أكن دائمًا بلا خطيئة ولكن جلّ من لا يخطئ!

في قلب فوج سيّدة الكرمل، أثمرت العلاقة الجديدة مع المفوضيّة ثمراتٍ عديدة فعاد ال Départ مع القائد أنطوان باخوس ضاهر الّذي أضحى من أعضاء المفوّضية لاحقًا...

وتأسّست على مستوى لبنان فرق البنات في كشّافة لبنان بسعيٍ حثيث من فادي نعمة ومنّي وكانت الباكورة في الفوج عضويّة ميراي اغناطيوس (زوجتي) في مفوّضية الجرموزات على مستوى لبنان وعضويّة شارلي اغناطيوس في مفوضيّة ال Pionnières...

وكرّت السبحة فأضحى من كانوا بعيدين سابقًا، القلب النّابض في قلب المفوضيّة ، من كلّ أفواج البلدتين: القبيّات وعندقت ومنهم (وسامحوني إن نسيت أحدًا) هنري بيسري ونسرين مخايل وإدوين عبدو ومورييل ومجدي جبّور وشانتال حنّا ورفقا داود وجورج ملحم وتغريد بيطار ولوران وهبه وشادي بو رعد ودارين خلف وكلوفيس نعمة وسامار غربيّة... (وإن نسيت احدًا: أضيفوه في التّعليقات من فضلكم)... وقبلهم الخوري خالد فخر وغسّان عبدو...

ساهم طبعًا في كلّ هذا غطاء دير الآباء الكرمليّين وتعاون وتشجيع قادة الفوج في تلك المرحلة: إيلي سلّوم، إيلي نادر، جهاد جبّور، أنطوان باخوس ضاهر، جورج جبّور، جورج كرم، إدوين عبدو وصولًا إلى جوزيف كرم...

ونشأت بفضل كلّ ذلك مفوضيّة لعكّار تحت إسم : "مفوّضيّة لبنان الشمالي الثالثة" وإن تعثّرت احيانًا ولكنّها ضرورة للمتابعة الحثيثة وتقوى بما يغدق عليها من عناصر مستعدّة للخدمة من قلب أفواج المنطقة.

في ذكرى الخمسين لتأسيس الفوج الأمّ في المنطقة، فوج سيّدة الكرمل، وصيّةٌ:

من استقى من رأس النبع يشرب المياه صافية و نبعنا هو انتماؤنا لجمعيّة كشافة لبنان وتجذّرنا فيها...

وإلى سنين عديدة...
الخوري نسيم قسطون

بمناسبة العشاء السنوي في الذكرى الخمسين لتأسيس فوج سيّدة الكرمل - القبيّات

back to Pere Nassim Kastoun Doc