أنت ماروني ؟


لفتني تصريح لأحد السياسيين حول الدور الذي يجب أن يلعبه الأساقفة في الكنيسة، وكان لكلماته الوقع الثقيل على قلبي وأذنيّ ويا ليتني أتمكن من الصمت! لكني ما قدرت فوضعت بعض هذه الكلمات البعيدة جداً عن السياسة والسياسيين. "أن المطارنة غير مسؤولين عن الحياة السياسية. هم مسؤولون عن الحياة الروحية وكل واحد له رأيه، ويمثل رأيه ولا يمثّل الشعب...."
طبعاً هناك الكثير من الناس الذين يوافقون على هذا الكلام، وهذا من حقّهم.
أمّا أنا فلا أوافقهم الرأي، لأنه خطأ وخطأ كبير.
تصفّحت عفوياً نصوص وتوصيات المجمع البطريركي الماروني التي صدرت سنة 2006، فوجدت في الصفحات الأولى منه (تمهيد فقرة 5) دعوة الى الافادة من هذه النصوص وتطبيقها لأنها "صاغت فكراً مارونياً" يحتاج اليه كل ماروني في لبنان أولاً، لأن لبنان هو أرض الماروني منذ القرون الأولى، حتى قبل الاسلام، وما زال، وكذلك الماروني في بلدان المهجر.
قلبت الصفحات الواحدة تلو الأخرى، فلفتني أن المجمع يقول أفضل بكثير مما انتظرت.
يقول المجمع أن الكنيسة رجاء وفي الفقرة 15 من الوثيقة الأولى "كنيسة الرجاء" يميّز بين الرجاء المسيحي والآمال البشرية، بعد أن تكلّم عن خيبات متنوّعة في الحرب اللبنانية.
أما بالنسبة الى هوية الكنيسة المارونية فيقول المجمع أن هذه الكنيسة هي "متجسّدة في بيئتها اللبنانية والمشرقية"، ويكرّس فصلاً كاملاً حيث يظهر لبنان كونه النطاق الذي "يحتضن القسم الأكبر من الموارنة، منذ أن حطّت البطريركية الانطاكية المارونية رحالها فيه في القرن العاشر، حتى أيامنا."(فقرة 36، هوية الكنيسة المارونية).
ان قراءة الفقرة 38 لَمُفيدة جداً حيث يظهر هذا الانتماء الى لبنان، لا بل انتماء لبنان الى الكنيسة المارونية. لأن هذه الطائفة هي صنعت لبنان. لا ننسى البطريرك الحويّك ودوره الريادي. والكنيسة لم تشأ لبنان "وطناً مسيحياً" بل وطناً لجميع أبنائه في المساواة والاحترام المتبادل.
أما الفصل التاسع عشر فهو مخصص بكامله للكلام عن الكنيسة المارونية والسياسة وفيه 61 فقرة غنية بالأبعاد التاريخية التي من الضروري أن يقرأها القاصر والمتعلّم ومن يقرأ من السياسيين. والمستوى الأول من التعاطي السياسي الماروني كان دائماً باشراف البطريركية المارونية. والكنيسة هي مرجعية دينيّة تتعاطى الشأن السياسي؛ كما أن مصير الموارنة السياسي والاجتماعي انطلق من ارتباط ديني وثقافي جعل منهم طائفة لها الوجه المميز. وهذا الفصل ينتهي بتوصيات جيدة ومهمّة جداً تدعو للعمل على تأسيس دولة مدنية متطورة وقائمة على التعددية.
أما الفصل الأخير فهو مكرّس للكلام حول الكنيسة المارونية والأرض والجذور التاريخية. يقول في الفقرة 10 أن الماروني ارتبط بلبنان أرضاً ووطناً، حيث نمت وتطوّرت وترسّخت الكنيسة المارونية. والماروني أينما وجد لا ينسى أرض المنشأ ولاسيما أرض لبنان التي تبقى في وجدانهم أرض أجدادهم وقدّيسيهم ومرجعيتهم البطريركية (فقرة11).
و يا ليت لنا من الوقت الكافي لكي نورد النصوص... لكننا نثق أن الماروني سيقرأ نصوص المجمع حتماً لكي ينعش الذاكرة ويفهم التاريخ ويتعلّم. وأدعوكم يا أبناء كنيستي المارونية الى مطالعة متنبّهة لوثائق الكنيسة، والاصغاء المتنبّه والمطيع الى كلام أساقفتنا وخاصة البطريرك، ليس فقط في المواضيع الدينية والروحية، بل أيضاً في السياسة والزمن.من نشر العلم والحضارة في لبنان والشرق؟ طبعاً هم الموارنة. لا ! هي الكنيسة المارونية أيها الاخوة. هم صنعوا التاريخ وتألموا أكثر بكثير من باعة الهيكل. الكنيسة المارونية في مرجعيتها الروحية وحدها والله يعلم كم جنّبت لبنان من الويلات التي أوقعه فيها السياسيون "..."
في أرشيف بكركي وثائق كثيرة لا تمحوها العصور؛ وهناك من يودّون أن يمحوا هذه الذاكرة المحفورة في قلب الأم التي تتألم من أجل الحفاظ على أبنائها، وغير الأبناء. إن من خان المسيح كان من تلاميذه، ومن ينعر ويدمّر الكنيسة اليوم، هم أبناؤها. هذا أمر طبيعي، لأن الكنيسة كانت دوماً مثل المسيح، مصلوبة تتألم، يحاربها العالم ويحاول أن يدمّرها! وهي كالأم المُحِبّة تسعى دوماً للعناية بأبنائها.
لا يجب أن ننسى من علّمنا الحرف والمشي والنطق والثقة بالذات...
علينا أن نتعلّم من الماضي. والماضي يعلّمنا إياه الآباء والأجداد ومن يستحقون الثقة.
هل هذه الكنيسة "الروحية" قادرة أن تتحاور مع الديانات الاسلامية التي تجمع بين الدين والسياسة عندما يضع أبناؤها أيديهم على فمها ليرغموها على الصمت؟ هناك مقتضيات مهمة تقتضي بأن يكون للكنيسة الكلمة الأولى في بلد فيه زعماء وأهل القرار في الديانات الأخرى هم رجال دين.
أقول وبجدية متناهية جداً، للذين، من الموارنة، يسعون الى علمانية على صورة أوروبا العلمانية، أنهم يخطئون جداً. وإذا كانوا يعلمون أن هذا يضع كنيستهم في خطر اللاوجود، فهم يدمّرون بيتهم وأهلهم وكنيستهم... وعليهم أن يقولوا ذلك للناس.

 
الأب ريمون عبدو

19 May 2007


ملاحظة: أتمنى على الموارنة قراءة نصوص المجمع الماروني. كما أريد أن أعبّر عن احترامي الكامل لجميع الذين يعتبرون أنفسهم معنيين وأدعوهم لقراءة وفهم تعليم الكنيسة.