ارتداد مجدي علاّم الى المسيحية


بمناسبة ارتداده الى الديانة الكاثوليكية، لقد كتب الصحافي مجدي علاّم المصري الأصل، الايطالي الجنسية، رسالة القرّاء والى مدير جريدة "الكورييري ديللا سيرا" Corriere della Sera ، يعبّر فيها عن فرحه بنيل سر المعمودية ليلة الفصح:


أعبّر أمامكم عن خياري الحر لمعتقداتي الدينية، في حياتي الشخصية، ولا أريد بأية طريقة أن أربط ذلك بالجريدة التي يشرفني أن أكون نائب مديرها منذ سنة 2003. وأكتب هذه الرسالة بصفتي مواطن عادي. لقد اعتنقت مساء أمس الديانة المسيحية الكاثوليكية، ناكراً إيماني الاسلامي الأول. وها أنا أرى النور أخيراً بواسطة نعمة إلهية، نتيجة لمسيرة طويلة من الولادة والألم والفرح، عشتها في التفكير والتأمل العميق وأعبر عنها بوعي كامل أمام الملأ.


يغمرني شعور كبير بالشكر للبابا بندكتس السادس عشر الذي منحني أسرار التنشئة المسيحية: المعمودية والتثبيت والافخارستيا، في بازليك مار بطرس، خلال الاحتفال العظيم بليلة الفصح المجيد. وقد اتخذت لي الأسم الأبسط والأسهل: "مسيحي= كريستيانو". فمنذ أمس أُدعى مجدي كريستيانو علاّم. إنه اليوم الأجمل في حياتي. أن قبول هبة الايمان المسيحي بمناسبة عيد فصح المسيح، على يد قداسة الحبر الأعظم، بالنسبة الى مؤمن، هو حظ كبير وميزة لا يوازيها ثمن.


عمري يناهز الستة والخمسين، هذا الحدث التاريخي يشكل بالنسبة لي ولماضيّ قفزة نوعية لا تنتسى وهي خطوة نهائية بالنسبة للماضي. لقد مسّت معجزة قيامة المسيح أعماق قلبي وحررته من الظلمة، من تعاليم حيث الحقد وعدم المسامحة نحو الآخر "المختلف" والمحكوم عليه كأنه "عدو"، تتفوق على مشاعر الحب والاحترام "للقريب" الذي هو في كل الأحوال "شخص"، وانسان. وكما تحرر عقلي من العتمة التي تبشر بها تعاليم تجيز الكذب والنفاق، الموت العنيف والانتقام، وتقود الى الاجرام والخضوع الأعمى والاستبداد، وحظيت هكذا بأن أنتمي الى ديانة الحق الأصيلة، ديانة الحقيقة والحياة والحرية. في فصحي هذا، أنا لم أكتشف، كمسيحي، فقط يسوع المسيح، بل اكتشفت، وللمرة الأولى في حياتي، الإله الواحد الحق، الذي هو إله الايمان والعقل.


إن ارتدادي الى الكاثوليكية هو نتيجة تأمل عميق، وقد تطور تدريجياً بالرغم من أني أتعرض منذ خمس سنوات للتهديدات الاسلاميين المتعصبين داخل إيطاليا وخارجها، وحياتي هي محدودة الحرية بسبب الحراسة المشددة.


كان علي أن أتساءل حول أولئك الذين نشروا فتاوى تعلن أني أنا "عدو الاسلام"، "منافق، لأنني مسيحي قبطي يتستر بالاسلام لكي يؤذي الدين الاسلامي"، "كاذب ومشين بالاسلام"، وهكذا يشرّعون قتلي لهذه الأسباب. تساءلت كيف أن شخصاً مثلي أنا قد ناضل بقناعة وبشجاعة من أجل "اسلام معتدل"، معرّضاً ذاتي لأن أكون متهماً من قبل الاسلام المتعصب والارهاب الاسلامي، قد انتهى بي الأمر محكوماً علي بالموت باسم الاسلام، واستناداً الى شريعة قرآنية. هكذا وجب علي أن أعيد حساباتي لأجد أن النقص وأساس الشر الذي عانيت منه، من خلال الأحداث التي رافقتني هذه المرحلة، لا يرتبط حصراً بالارهابيين والمتطرفين الاسلاميين، على صعيد عالمي، بل هناك جذور للشر في إسلامٍ يتبنّى العنف ويقوم على الصراعات.


وفي المرحلة ذاتها أرسل الي الله أشخاصاً مؤمنين من الديانة الكاثوليكية، ممارسين لايمانهم وذوي ارادة صالحة، تحوّلوا تدريجياً، بسبب شهادتهم وصداقتهم، الى منارة وهداية ارتكزت عليها بما يتعلق بحقائق الايمان ومتانة القِيَم. ويمكنني أن أسمي الكثيرين منهم من علمانيين، رهبان وراهبات، أساقفة وكرادلة .... خاصة المنسنيور رينو فيزيكيللا الذي تابعني في مسيرتي الروحية التي قادتني الى قبول الايمان المسيحي. ولكني، وبدون أدنى شك، أعتقد أن اللقاء الأكثر تأثيراً في قراري الارتداد واعتناق المسيحية، كان مع البابا الذي أُعجبتُ به ودافعت عنه كمسلم، بسبب مهارته في تمتين العلاقة بين العقل والايمان كأساس للديانة الحقيقية وللحضارة الانسانية، وأنا أعتنق كاملاً هذا التعليم كمسيحي لكي أتمم الرسالة التي يأمرني الله أن أقوم بها وهو ينير دربي.
لقد بدأت مسيرتي عندما كنت في الرابعة من العمر، سلمتني والدتي صافية مسلمة مؤمنة ومحافظة- الى العناية المُحِبّة للأخت لافينيا من الراهبات الكومبونيات، لأنها كانت مقتنعة بقيمة التربية التي سيقدمونها كراهبات إيطاليات وكاثوليكيات وُجِدن في القاهرة، مسقط رأسي، لكي تَشهدنَ للايمان المسيحي من خلال رسالة هدفها تحقيق الخير العام.-وهذه علامة من "اشارات" ستتبين أنها ليست مصادفة، بل جزءاً من عناية إلهية جميعنا ننتظر أن نفهمها ونطيعها.


هكذا بدأت اختبار الحياة في المعهد، ولاحقاً عند الساليزيان، في المرحلة المتوسطة والثانوية، حيث قدموا لي، ليس فقط علم المعرفة، بل خاصة علم القيم. وبفضل الرهبان الكاثوليك اقتبست نظرة خلقية عميقة وجوهرية للحياة، حيث أن الشخص المخلوق على صورة الله ومثاله، هو مدعو الى رسالة يجد من خلالها مكانه في مخطط الله الخلاصي الشامل والأزلي، ويتجه نحو القيامة الداخلية لجميع الأشخاص على هذه الأرض، ولكامل الجنس البشري، يوم الدينونة؛ وهذه النظرة ترتكز على الايمان بالله وبأولوية القيم، المرتكزة على حسّ المسؤولية الفردية وحس الواجب الفردي تجاه الجماعة. وبفضل التربية المسيحية ومشاركة الحياة مع رهبان كاثوليك تَعمّقَ إيماني في البعد السامي للحياة، حيث أني كنت أبحث دوماً عن الحقائق الأكيدة في القيم السامية والعامة.


نَعِمت بمرحلةٍ كانت قد قَرَّبَتْني عنايةُ أمّي الوالدية وحضورُها المحِب، وغيرتُها الدينية، من الاسلام الذي مارسته بشكل منتظم في اطار العبادة، وآمنت به من الناحية الروحية حسب التعاليم والتفسيرات التي قُدّمَت لي في تلك المرحلة (مرحلة الستينات)؛ مما يعني بشكل عام أني كنت مؤمناً أحترم الأشخاص ومتسامحاً تجاه القريب، في مرحلة (مرحلة حكم عبد الناصر) كان الكلام سائداً عن الفصل بين الدين والدولة.


كان والدي محمّد علمانياً، مثل كثيرين من أصدقائه ومن المصريين الذين كانوا يعتبرون الغرب مثالاً في مسألة الحريات الفردية، والعادات الاجتماعية والثقافية والفنية، بالرغم من أن سياسة الدكتاتورية الناصرية وأيديولوجيتها الحربية، التي كانت تصبو الى محو اسرائيل من الوجود، أخدت بمصر نحو الكارثة، وفتحت الباب أمام التعصب الاسلامي وأوصلته الى الحكم، وبذلك الى انتشار الارهاب الاسلامي المتعصب والمنغلق.


السنوات الطويلة في المعهد سمحت لي بأن أتعرف عن كثب الى حقائق الديانة الكاثوليكية، والى نساء ورجال قدّموا حياتهم لخدمة الله في الكنيسة. ومنذ تلك الفترة كنت أقرأ العهد القديم والانجيل، وقد شغفت بصورة يسوع الانسانية والالهية بشكل خاص. سمحت لي الظروف لأن أحضر القداس الالهي وتمكنت مرة من التقدم الى المذبح وتناولت القربان المقدس. هذه المناولة كانت من بشائر علامات التعبير عن رغبتي بأن أنضم الى الكنيسة الكاثوليكية وعن القوة التي كانت تجذبني الى المسيحية، منذ أن كنت في مصر.
 

لاحقاً، وعندما أتيت الى إيطاليا مع بداية السبعينات، بموازاة الثورة الطلابية، وصعوبة الانخراط في الحضارة الجديدة، عشت اختبار الالحاد كأنه إيمان جديد يرتكز على قيم انسانية شاملة وسامية. لم أكن أبداً غيرَ مبالٍ بوجود الله في حياتي، لكن فقط الآن أشعر أن إله الحب والإيمان والعقل يتناغم مع مجموع القيم التي تجذرت في نفسي.


عزيزي المدير، لقد سألتني إذا ما كنت أخاف على حياتي، مع العلم أن ارتدادي الى المسيحية سيجلب اليّ الحكم بالموت بسبب الكفر. وأنت محق! أنا أعرف ما أنا فاعل، لكني سأواجه قدري ورأسي مرفوع، مع استقامتي الخارجية والداخلية، لأني أكيدٌ من إيماني. ويزيد جرأتي هذه الحدث التاريخي الجريء الذي قام به البابا بندكتس السادس عشر، الذي منذ اللحظة الأولى التي عرف برغبتي، قبل فوراً أن يمنحني شخصياً أسرار التنشئة المسيحية. لقد أرسل قداسته رسالة واضحة وثورية الى كنيسة مارست حتى اليوم الروية والهدوء بشأن ارتداد المسلمين الى المسيحية، والتي امتنعت عن العمل المبرمج لنيل هذه الارتدادات في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، والتي صمتت حيال المرتدين حتى في البلدان المسيحية. والسبب هو الخوف. الخوف من أن تعجز عن حماية المرتدين في مواجهة قدرهم الذي هو الحكم بالموت بسبب الكفر، والخوف من الهجمات ضد المسيحيين القاطنين في بلدان اسلامية. إن البابا بندكتس السادس عشر، في شهادته هذه اليوم، يقول لنا بأنه علينا أن نغلب الخوف وألا نفزع من أن نعلن حقيقة يسوع المسيح حتى للمسلمين.


من جهتي أنا أقول أنه حانت الساعة لكي نوقف المسلمين المتعصبين الذين لا يحترمون حرية الخيار الديني، عن استبدادهم. يوجد في إيطاليا آلاف الأشخاص المرتدين الى الدين الاسلامي، الذين يعيشون بطمأنينة إيمانهم الجديد. لكن هناك أيضاً آلاف الأشخاص المسلمين المرتدين الى الدين المسيحي المجبرين على اخفاء إيمانهم الجديد خوفاً من أن يُذبحوا من قبل الأصوليين الاسلاميين الذين وجدوا لهم مكاناً بيننا. وبسبب أحدى هذه الحالات التي تكشف عن عِظم محبة الله وعنايته الأبوية، كتبت مقالتي الأولى في "الكورييري دللاسيرا" Coreeiere della Sera في 3 أيلول 2003 التي كانت تحمل عنوان: "أنفاق catacombes الاسلاميين المرتدين الجديدة". وكانت بمثابة بحث حول مسيحيين جدد في إيطاليا يشتكون من عمق العزلة الروحية والأنسانية التي يعيشونها، بسبب عدم اهتمام مؤسسات الدولة بتأمين سلامتهم الشخصية، وبسبب صمت الكنيسة وعدم اهتمامها. وأتمنى أن ينبع من عمل البابا التاريخي هذا، ومن شهادتي الشخصية القناعة بأنه أتى بالنسبة لهم، الوقت لكي يخرجوا من عتمة الأنفاق وأن يؤكّدوا أمام الملأ إرادتهم أن يحتفظوا بهويتهم، وأن يحققوا ذواتهم كما يشاؤنها. إذا لم نكن مؤهّلين في إيطاليا، معقل الكاثوليكية، في بيتنا، قادرين على تأمين الحرية الدينية، كيف سنستحق الاعتبار والاحترام عندما نعترض على خرق هذه الحريات في بلدان أخرى؟
أصلّي الى الله لكي يعطي الفصح هذه السنة ثمار قيامة الروح لجميع المؤمنين بالمسيح الرازحين حتى الآن تحت عبء الخوف. وكل فصح وأنتم جميعاً بخير. أيها الأصدقاء الأحباء، فلنسر الى الأمام، في طريق الحقيقة، في طريق الحياة، في طريق الحرية. مع أمنياتي لكم جميعاً بالنجاح وكل خير.


مجدي علام
المصدر:http://www.magdiallam.it


وقد ردّ الكرسي الرسولي مؤخراً، من خلال تصريح الأب فيديريكو لومباردي، مدير الاعلام في الفاتيكان، على أحد العلماء المسلمين الدكتور عارف علي نايد - مدير المعهد الملكي الاسلامي للدراسات الاستراتيجية- الذي انتقد قداسة البابا لأنه عمّد في ليلة الفصح أحد أهم الصحافيين في إيطاليا، السيد مجدي كريستيانو علاّم، وهو نائب مدير عام جريدة "الكورييري ديللا سيرا".


من الأمور التي يؤكدها الرد على العالم المسلم، ضرورة الاستمرار في الحوار الاسلامي المسيحي والتعمق في المعرفة المتبادلة، ومن الجهة الثانية يؤكّد الرد أن منح المعمودية لأي شخص كان تتضمن الاعتراف من قبل هذا الشخص أنه قبل حقيقية الايمان كاملة، بحرية وبصراحة، كما يعبّر عنها قانون الايمان الذي يجب أن يعلنه خلال رتبة المعمودية. ولكل مسيحي معمّد الحق بالاحتفاظ بمبادئه حول مسائل كثيرة تحتمل التعددية ضمن الدين المسيحي، خاصة تلك المتعلقة بالمسائل السياسية والاجتماعية، التي تعتبرها الكنيسة مواقف شخصية.


فالسيد مجدي علام يملك الحق بالاحتفاظ بأفكاره الشخصية في المسائل السياسية. والكنيسة الكاثوليكية تدعو الى توضيح العلاقة بين العقل والايمان، وكذلك العلاقة بين الدين والعنف، وهي مبادىء طرحها البابا في خطبته في جامعة راتسبون في المانيا السنة الماضية.


وانتقد الرد بعض الانتقادات التي وجهها العالم النايد حول طريقة الاحتفال بليلة الفصح حيث هناك رُتَب قديمة جداً وأصيلة، تمارسها الكنيسة منذ مئات السنين، وتعود انتقاداته الى جهل الليترجية المسيحية ومعانيها وأسلوب الاحتفال بها.
وختم الرد استهجانا حول انتقاد العالم المسلم لأسلوب التربية الذي تقدمه المدارس المسيحية في البلدان الاسلامية، حيث يحترم دوماً المربون ديانة التلامذة وتترك لهم الحرية في التعبير والايمان، دون أية ضغوطات. وبما أن العالم النايد يجهل هذا التقليد العريق في الكنيسة، ويفتري في اتهاماته على الكنيسة التي لا تستحق هذه الافتراءات، دعت الكنيسة جميع البلدان الى احترام كرامة الشخص البشري وحريته. وقد اختار البابا قرار منح المعمودية للسيد مجدي علاّم لكي يؤكّد على أهمية حرية الخيار في مسألة الايمان، هذه الحرية التي تنبع من كرامة الشخص البشري.


وقد علّق الأب سمير خليل اليسوعى لأحد المواقع الاسلامية قائلاً:
"إنّ اعتناق الأخ مجدي دين السيّد المسيح ليس انتصارًا للمسيحيّة على الإسلام، ولا عارًا للإسلام. فللإسلام فضائل كثيرة، وهو، في المفهوم المسيحي، طريقًا يؤدّي مَن اتّبعه بضمير حيّ إلى الله تعالى. وآلافٌ من المسيحيّين في أيّامنا هذه قد اعتنقوا الإسلام، ووجدوا فيه ما أراح ضميرَهم وهداهم في حياتهم. كما أنّ آلافًا من المسلمين في أيّامنا هذه قد اعتنقوا المسيحيّة، ووجدوا فيها ما أراح ضميرَهم وهداهم في حياتهم. أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ، وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ؟ (سورة يونس 43). لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (سورة البقرة 272). وفي سورة القصص 56: إنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. إنّ الأخ مجدي اختار المسيحيّة بكامل حرّيّته، والحرّيّة تُميّز الإنسانَ عن سائر الحيوانات. فلْنتركْ هَدْيه لله؛ وإخوةً كثيرين اختاروا الإسلام، فلْنتركْ هَدْيهم لله. الردّة كما نُسمّيها ليست خيانة، إذ إنّ الدين ليس أمر سياسيّ. وأعتقد أن لا يحقّ لنا أن نحكمَ على مَن غيّر دينه، وإنّما الأمر في يد الله. أخيرًا، هل يظنّ أحدٌ منّا أنّ الناسَ سيتحوّلون جميعهم إلى الإسلام أو إلى المسيحيّة؟ أليس الأهمّ أن تسودَ القِيَمُ على الفراغ الخُلُقيّ الذي نحن نعيش فيه؟ فلْنعملْ يدًا بيد لبناء مجتمع تسوده القِيَم والأخلاق، والأُخُوّة والإخاء! وَلَوْ شَاء رَبُّكَ، لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا. أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ؟، كما جاء في الآية الكريمة (سورة يونس 99). وقال أيضًا: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ، لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (سورة هود 118). ويبدو أنّ اللهَ لم يشأ أن نكونَ أمّةً واحدة. فإنّ لفي الخلف غنىً! والسلامُ على مَن اتَّبع الهدى!" (عن الاسلام أون لاين 24-3-2008).

 



الحوار الاسلامي المسيحي
في الثالث عشر من أكتوبر الماضي، وبمناسبة عيد الفطر، وجه 138 شخصية دينية يمثلون أغلبية كبيرة من المذاهب الاسلامية، رسالة مفتوحة الى البابا بندكتس السادس عشر والرؤساء الكنسيين المسيحيين بعنوان "كلمة سواء بيننا وبينكم" فيها دعوة لزعماء مسيحيين لاجراء حوار على أساس الاعتقاد المشترك بينهما بأن محبة الله والاخرين هي حجر الزاوية في عقيدتهما. وكانت هذه الدعوة هي الاولى من نوعها لانه لا توجد سلطة مركزية في الاسلام تتحدث بالنيابة عن جميع المسلمين ولا سيما الاغلبية الصامتة التي لا تتفق مع المتطرفين الذين كثيرا ما يتصدرون عناوين الصحف. وقال عارف علي نايد وهو من الموقعين على النداء ان علماء مسلمين يدركون أن الفاتيكان بحاجة للوقت كي يرد وان الرد بالايجاب سيكون علامة أمل واضحة للعالم.
وقد رد الأب الأقدس برسالة وقعها باسمه أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال ترشيسيو برتوني في 19 نوفبمر 2007، موجهة الى صاحب السمو الملكي، الأمير غازي بن محمد بن طلال، رئيس مؤسسة أهل البيت للفكر الإسلامي، الذي عمل شخصياً على إيصال الرسالة المفتوحة الى البابا.


وفي الرسالة عبر البابا عن تقديره المبادرة العلماء المسلمين وللروح الإيجابي الذي كُتب به النص وللدعوة الى الالتزام المشترك لتعزيز السلام في العالم. كما أنه أكد أنه لا يمكن تجاهل الاختلافات بيننا كمسيحيين ومسلمين، غير أنه من الضروري أن نبحث عمّا يوحدنا، الإيمان بالإله الواحد، خالق الكون، والديان الذي في آخر الأزمة سيحاسب كل واحد بحسب أعماله. جميعنا مدعوون لأن نسلم ذاتنا بكليتها له، وأن نطيع إرادته المقدسة. وأشاد قداسته بالإنتباه الذي أُعطي في الرسالة للوصية الثنائية: محبة الله والقريب.


وقد قال البابا بندكتس السادس عشر في بداية حبريته: "أنا مقتنع تماماً بأنه يجب ألا نستسلم الى الضغوطات السلبية في محيطنا، بل أن نؤكد على قيم الاحترام المتبادل، التضامن والسلام. إن حياة كل كائن بشري مقدسة، عند المسيحيين كما عند المسلمين. أمامنا فرص كثيرة للعمل معاً في خدمة القيم الأخلاقية الأساسية". على هذه الأرضية المشتركة نبني الحوار على ركائز احترام كرامة الكائن البشري، المعرفة الموضوعية لديانة الآخر، تبادل الخبرات الدينية والالتزام المشترك في تعزيز الاحترام والقبول المتبادلين بين الأجيال الجديدة. متى تحقق هذا الهدف، سيكون من الممكن التعاون المثمر في حقلي الثقافة والمجتمع، ومن أجل تعزيز العدالة والسلام في المجتمع وفي العالم.


تأتي هذه الدعوة الى الحوار في أجواء تدعو الى القلق من قبل الكنيسة الكاثوليكية. فقد لاحظ بطاركة الشرق الكاثوليك تراجع قيم التسامح والحوار والمودة وانتشار التعصب، ونمو ظاهرة العنف، واللجوء الى استخدام القوة لحل المشكلات، وانتشار مشاعر الاحتقان الطائفي وظهور برامج في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء تهاجم عقائد الآخر ومعتقداته وتقاليده، وتكاثر العنف ضد المرأة، وغيابا مقلقا للعدالة الاجتماعية، والتعذيب في مراكز الاعتقال والسجون، وظاهرة اطفال الشوارع، وتفشي المخدرات والبطالة واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في ظل أزمات اقتصادية خانقة." (عمان 2005)


هذا الى جانب اتجاه العديد من الأنظمة السياسية والدينية الى وضع عراقيل أمام رسالة الكنيسة في العالم. من هذه العراقيل ما قرره عدد من الجمهوريات الهندية سنة 2006 من خلال قانون اسمه "قانون الحريات الدينية" يمنع ويستبق كل ارتداد ديني يمارس بواسطة القوة أو الاقناع. وعلى كل شخص يريد أن يغيّر معتقداته، أن يُعلم السلطات المحلية قبل حدوث الارتداد بشهر، وإلا يعتبر عمله خرقاً للقانون ويجازى عليه بالضريبة والسجن. والقانون الجديد يوصي بعقاب أيضاً للكاهن الذي يعمل من أجل مساعدة المرتدين.
يمكننا أن نضيف الى ذلك ما يتعرض له المسيحيون في الكثير من البلدان الاسلامية من تحجيم وتضييق يصلان الى حد الاضطهاد ومنع ممارسة الشعائر الدينية. وفي هذا الاطار لا يمكننا أن نستثنس بلداً اسلامياً. وتصل الأمور الى حد القتل والتواطوء من قبل رجال القانون والأمن لتغطية آثار الجرائم. وقد أوردت وكالة آسيا نيوز الباباوية أعداداً هائلة من الحالات التي فقد فيها مسيحيون حياتهم في هذا النوع من الاضطهاد.


استشهاد المطران بولس فرج رحو
وآخر حالة واجهتها الكنيسة هي موت المطران بولس فرج رحّو رئيس أساقفة الموصل في العراق. فقد احتفل قداسة الحبر الأعظم البابا بندكتس السادس عشر، في 17 آذار بقداس لراحة نفس المرحوم الذي اعتقل وقتل في 29 شباط الماضي، في العراق. وأراد أن يصلي من أجله ومن أجل الكنيسة في العراق والتي تتألم وتؤمن وتصلي من أجل العراق. وقد وجه نداءه الى الأساقفة، الكهنة والمكرسين والعلمانيين في كنيسة العراق مشجعاً اياهم على أن يجدوا في إيمانهم القوة للمثابرة في اللحظات الحاسمة والصعبة.
ويمكننا أن نستفيد من تأمل البابا الفصحي بآلام، موت وقيامة يسوع المسيح، فقد شعرنا بآلام تلك اللحظات المأساوية المليئة بالحب والخوف، كما عاشها تلاميذ المسيح. في هذه الساعات الصعبة تجد الحقيقة ذاتها في مواجهة الكذب، ولطافة المسيح واستقامته في مواجهة العنف والمراوغة عند أعدائه. لقد شعر يسوع باقتراب موته العنيف، وأحسّ بشباك أعدائه تطبق عليه. لقد عرف تجربة الخوف حتى لحظات الجسمانية. لكنه عاش كل هذه اللحظات منغمساً في وحدةٍ وشراكةٍ مع الآب ومسانداً من "مسحة" الروح القدس.


ويضيف البابا أن رسالة المسيح تحقق وعود الله باحقاق الحق والعدل في العالم، لكن دون استعمال العنف؛ ويسوع في آلامه يشهد للحقيقة، لأنه بقي أميناً لشريعة المحبة. هذه كانت مسير المطران رحّو الذي حمل صليبه وتبع المسيح وهكذا ساهم باحقاق الحق في وطنه المتألم وفي العالم كله، وهو يشهد للحقيقة. كان رجل سلام وحوار، أحب الفقراء وخاصة الذين يحملون اعاقة في جسدهم أو في نفسهم وعقلهم، وكان يرى المسيح فيهم.
لقد بكينا موته مع اخوتنا في العراق، والطريقة الغير انسانية التي أنهيت فيها حياته. لكن اليوم في الافخارستيا، نشكر الله على كل ما عمل وحقق من خلال شخصه. ونطلب منه أن يشفع من السماء بأبناء أرضه، لكي لا يتعبوا من العمل من أجل مستقبل أفضل.
ويختم البابا بتوجيه رسالة واضحة الى مسيحيي العالم: "على المسيحيين في هذه الأرض أن يثابروا على التزامهم في بناء مجتمع مسالم ومتعاضد في طريق التطور والسلام الدائم، كما عمل المطران رحّو وقدم حياته لخدمة شعبه."


رسالة تشجيع وثبات الى المسيحيين في الشرق الأوسط
قال البابا أن الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الشرقية الأرثوذكسية تملك إرثا كنسياً مشتركاً يعود إلى أيام الرسل، والعصور المسيحية الأولى. وينبغي أن يقود هذا الإرث خطانا نحو إعادة بناء الوحدة التامة بيننا.
إن الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الشرقية الأرثوذكسية تملك إرثا كنسياً مشتركاً يعود إلى أيام الرسل، والعصور المسيحية الأولى. وينبغي أن يقود هذا الإرث خطانا نحو إعادة بناء الوحدة التامة بيننا. لقد أوكل إلينا الرب يسوع رسالة ألا وهي أن "نذهب في العالم كله ونعلن البشارة إلى الخلق أجمعين" (مرقس 16: 15). هناك أشخاص كثر ما يزالون ينتظرون التعرف على حقيقة الإنجيل. ونتمنى أن يحملنا ظمأهم إلى البشرى السارة على العمل في سبيل بلوغ الوحدة التي تحتاج إليها الكنيسة لتؤدي رسالتها في العالم، وكيما يتحقق ما صلى المسيح من أجله حين قال لأبيه السماوي: "ليكونوا واحداً كما نحن واحد ... ويعرف العالم أنك أنت أرسلتني، وأنك أحببتهم كما أحببتني" (يوحنا 17، 23).
وعن الوضع في الشرق الأوسط، قال البابا: إن الأوضاع الصعبة التي تواجهها الجماعات المسيحية في تلك المنطقة تشكل باعث قلق كبير بالنسبة لنا. إن الأقليات المسيحية تجد صعوبة في العيش في الشرق الأوسط في إطار هذا السيناريو الجيوسياسي المعقد، وغالباً ما يبحث المسيحيون عن الهجرة. إن مسيحيي الشرق الأوسط مدعوون اليوم إلى التسلح بالشجاعة والثبات بقوة روح المسيح، وليكن لهم مصدر دعم وقوة وإيمان شفاعةُ ومثال العديد من القديسين والشهداء المسيحيين، الذين كانوا شهوداً شجعان للمسيح في تلك الأرض.


وكان قداسته قد وجه إلى أساقفة وكهنة ومؤمني الشرق الأوسط، رسالة بمناسبة عيد الميلاد 2006
دعا في هذه الرسالة إلى التأمل في حضور الكلمة الإلهي الذي حل بيننا. إنه النور الذي يشع في الظلمة أعطانا القدرة على أن نكون أبناء الله. وجه البابا فكره إلى الأخوة والأخوات الكاثوليك في الشرق الأوسط وقاسمهم قلقهم حيال الأوضاع الراهنة في منطقتهم حيث يشكلون أقلية في مجتمع معظم المؤمنين فيه ينتمون إلى ديانات أخرى. وعبر عن قلقه الشديد حيال النزاعات الدائرة في هذه المنطقة والدمار الذي تخلفه. أضاف البابا أن هذه الأوضاع غريبة عن المشاعر المسيحية وبالتالي لا بد من مواجهتها انطلاقا من مبادىء التآخي والمحبة والتسامح وقبول الآخرين. زد إلى ذلك ضرورة حضور الثقة بالآخر إذا ما شاءت الإنسانية تخطي الخلافات والفروقات العرقية والدينية والثقافية. وأضاف البابا في رسالته إلى أساقفة وكهنة ومؤمني منطقة الشرق الأوسط أن الجماعات المسيحية في تلك المنطقة تبقى حية ونشطة على الرغم من الصعاب التي تواجهها وتواصل تأدية شهادة أصيلة لانتمائها المسيحي في المجتمعات التي تعيش فيها وتعمل على تحسينها وسط معاناة في بعض الأحيان. لكن الألم لدى المسيحيين يغير قلب الآخر وقلب العالم. لذا كتب البابا في رسالته إني أشجع رعاة الكنيسة المسيحية في تلك المنطقة على السير قدما في عملهم الديني والإنساني لما فيه خير الجماعات الكاثوليكية وغير الكاثوليكية والجماعات الدينية الأخرى. ولاحظ البابا أن مسيحيين كثيرين في الفترات الأخيرة يغادرون الشرق الأوسط ما يعني خطر تحول الأماكن المقدسة إلى أماكن أثرية خالية من الحياة الكنسية.


ما من شك أن حالات خاصة شأن الأوضاع الجيو سياسية الخطيرة والنزاعات الثقافية والمصالح الاقتصادية والستراتيجية بالإضافة إلى محاولات تبرير هذه الأوضاع من خلال تصنيفها في خانة الخلافات الدينية أو الاجتماعية، تزيد من صعوبة بقاء الأقليات في الشرق الأوسط ما يحمل مسيحيين كثيرين على القرار بالهجرة إلى الخارج.


بعدها وجه البابا دعوة إلى أتباع الطوائف المسيحية والديانات الأخرى والذين يبحثون بصدق عن السلام والعدالة والتضامن لاعتماد الحوار كوسيلة وحيدة لتخطي الخلافات وتحقيق التفاهم والوئام بين جميع شرائح المجتمعات في منطقة الشرق الأوسط.
آمل أن تساعدني العناية الربانية على زيارة الأرض المقدسة للصلاة في القدس وطن جميع أبناء إبراهيم. وإني على ثقة بأن هذه المدينة قادرة على أن تكون رمز لقاء ووحدة وسلام للأسرة البشرية كلها. وبانتظار حصول هذا الحدث أشجعكم على المضي قدما على طريق الثقة والإرادة الطيبة. وأشير إلى المبادرات المستندة إلى احترام كرامة الإنسان في محاولة لإيجاد منفذ لأوضاع خطيرة ونزاعات مسلحة.
إن السلام عطية عظيمة تبرر تضحيات الجميع. وكما قال البابا يوحنا بولس الثاني ليس من سلام بدون عدالة ما يعني ضرورة الاعتراف بحقوق الجميع. أمنيتي ختم البابا رسالته بالقول أن تخفف الأعياد الميلادية من ألم عائلات كثيرة وتبعث الأمل بإحلال السلام والعدالة في العالم.


الأب ريمون عبدو
المراجع: www.vatican.va, www.zenit.org, www.abouna.org, http://www.magdiallam.it