الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الصوم


أحد مدخل الصوم – أحد عرس قانا الجليل

(11 شباط 2018)

::: مـقدّمــة :::

• ندخُل في هذا الأحد ككنيسة زمن الصوم الكبير، في مسيرة تبدأ بآية عرس قانا وتنتهي بآية عرس الصليب.
• في رسالته إلى الكنيسة في روما يُقدّم لنا مار بولس إرشادات عملية لعيش روحانية الصوم.
• أمّا الإنجيلي يوحنا فيُقدِّم لنا أولى آيات الرب يسوع التي حدثت بطلب من أمِّه مريم، وهي الآية التي ستُظهِر مجده وتكون رمزًا لأعظم آياته على الإطلاق أي موته وقيامته.
• تدعونا أمنا الكنيسة المقدسة في هذا الأحد، إلى تغيير نظرتنا للصوم، فهو مسيرة فرح، نطلب فيها ملكوت الله وحده وهو ليس أكلاً وشُربًا بل بِرٌّ وسلامٌ وفرحٌ فِي الرُّوح القُدُس. 

:::::: صـلاة :::

أيها المسيح إلهنا، يا من حوَّلت الماء خمرًا بطلبٍ من أمِّك البَتول الطاهرة، إقبل صلاتنا على يديها بما أنَّك منحتنا إياها أمًّا وشفيعة، وإمنحنا أن نستعِدَّ في هذا الزمن المبارك لكي نسير معك نحو الجلجلة في نكران الذات وحمل الصليب. بارك صيامنا، وإجعلهُ مسيرة حُبٍّ توصلـُنا إلى ميناءِ الخلاص، إلى عيد قيامتك المجيدة، لك المجدُ إلى الأبد. آمين. 

::: الرسالة :::

14 وإِنِّي عَالِمٌ ووَاثِقٌ، في الرَّبِّ يَسُوع، أَنْ لا شَيءَ نَجِسٌ في ذَاتِهِ، إِلاَّ لِمَنْ يَحْسَبُهُ نَجِسًا، فَلَهُ يَكُونُ نَجِسًا.
15 فإِنْ كُنْتَ مِنْ أَجْلِ الطَّعَامِ تُحْزِنُ أَخَاك، فَلا تَكُونُ سَالِكًا في الـمَحَبَّة. فَلا تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ ذَاكَ الَّذي مَاتَ الـمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ!
16 إِذًا فَلا تَسْمَحُوا بَأَنْ يَصِيرَ الـخَيْرُ فيكُم سَبَبًا للتَجْدِيف.
17 فَلَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ بِرٌّ وَسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس.
18 فَمَنْ يَخْدُمُ الـمَسِيحَ هـكَذَا فهوَ مَرْضِيٌّ لَدَى الله، ومَقْبُولٌ لَدَى النَّاس.
19 فَلْنَسْعَ إِذًا إِلَى مَا هوَ لِلسَلام، ومَا هُوَ لِبُنْيَانِ بَعْضِنَا بَعْضًا.
20 فَلا تَنْقُضْ عَمَلَ اللهِ مِنْ أَجْلِ الطَّعَام؛ لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ طَاهِر، ولـكِنَّهُ يَنْقَلِبُ شَرًّا عَلى الإِنْسَانِ الَّذي يَأْكُلُ وَيَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيه.
21 فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ لا تَأْكُلَ لَحْمًا، ولا تَشْرَبَ خَمْرًا، ولا تَتَنَاوَلَ شَيئًا يَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيك.
22 وإحْتَفِظْ بِرأْيِكَ لِنَفْسِكَ أَمَامَ الله. وطُوبَى لِمَنْ لا يَدِينُ نَفْسَهُ في مَا يُقَرِّرُهُ!
23 أَمَّا الـمُرْتَابُ في قَرَارِهِ، فَإِنْ أَكَلَ يُدَان، لأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ صَادِرٍ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَان. وكُلُّ عَمَلٍ لا يَصْدُرُ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَانٍ فَهُوَ خَطِيئَة.

(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 14 – الآيات 14 إلى 23) 

::: تـأمّــل من وحي الرسالة :::

في رسالته إلى الكنيسة في روما، ينقلنا الرسول بولس من الإنشغال بإدانة الآخرين ومراقبتهم والحكم عليهم أو الإستخفاف بهم، إلى الوقوف وقفة إيمان في حضرة الله، لكي ترتفع أفكارنا على الدوام إلى "ملكوت الله" الّذي يجب علينا كمسيحيين أن نطلبه وحده في الهدف والغاية من حياتنا هنا. وخلال سعينا لهذا الملكوت نهتم بأمر واحد هو شركتنا جميعًا مع الله المحبة في المسيح يسوع بروحه القدوس.

ويقدّم لنا تصريحًا واضحًا من قِبل ربنا يسوع إن كل شيء هو طاهر للطاهرين، ويصير نجسًا للنجسين. إذن ليس شيء في خليقة الله نجسًا، لهذا فإن الكنيسة في أصوامها تؤكد أنها لا تمتنع عن الأطعمة بكونها نجسة وإلا حُسب ذلك بدعةً وإنحرافًا عن الحق، إنما يكون الصوم لأجل ترويض الجسد وتدبيره تدبيرًا حسنًا تحت قيادة الروح القدس في مسيرة نكران الذات وحمل الصليب، في إرتفاع من هذا العالم المادي الناقص والزائل نحو العالم الروحي الكامل والباقي.

ويركّز مار بولس في مقطع الرسالة على المحبّة، ذلك لأنه يعلم أن المحبّة تفعل كل شيء. وهي تجعلنا نقْتني خلاص إخوتنا بعدم تشكيكهم. فإن كان أمر خلاص أخوتنا يشغل كل كياننا لا ننشغل بأمر الأطعمة، بل من أجله نترك الطعام الّذي يعثره، لأن نفس أخيك أثمن من طعامك أو عدمه.

إذن لنشهد ملكوت الله لا بإنقسامنا في أمور ثانوية، كالطعام وإنما بإتحادنا برباط الحب الحقيقي وتجلّي ثمار الروح فينا الّذي هو البرّ والسلام والفرح. ولتكن غايتنا هي حفظ سلام الكنيسة ووحدتها بعيدًا عن العثرات. فإنه ليس بنيانٌ للكنيسة وتثبيتٌ لعمل الله بدون المحبّة الأخوية والسلام. 

::: الإنجيل :::

1 وفي اليَوْمِ الثَّالِث، كَانَ عُرْسٌ في قَانَا الـجَلِيل، وكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاك.
2 ودُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وتَلامِيذُهُ إِلى العُرْس.
3 ونَفَدَ الـخَمْر، فَقَالَتْ لِيَسُوعَ أُمُّهُ: "لَيْسَ لَدَيْهِم خَمْر".
4 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "مَا لِي ولَكِ، يَا إمْرَأَة؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْد!".
5 فقَالَتْ أُمُّهُ لِلْخَدَم: "مَهْمَا يَقُلْ لَكُم فَإفْعَلُوه!".
6 وكَانَ هُنَاكَ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حَجَر، مُعَدَّةٌ لِتَطْهيِر اليَهُود، يَسَعُ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ ثَمَانِينَ إِلى مِئَةٍ وعِشْرينَ لِترًا،
7 فقَالَ يَسُوعُ لِلْخَدَم: "إِملأُوا الأَجْرَانَ مَاءً". فَمَلأُوهَا إِلى فَوْق.
8 قَالَ لَهُم: "إستقوا الآنَ، وقَدِّمُوا لِرَئِيسِ الوَلِيمَة". فَقَدَّمُوا.
9 وذَاقَ الرَّئِيسُ الـمَاءَ، الَّذي صَارَ خَمْرًا - وكانَ لا يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، والـخَدَمُ الَّذينَ إسْتَقَوا يَعْلَمُون - فَدَعَا إِلَيْهِ العَرِيسَ
10 وقَالَ لَهُ: "كُلُّ إِنْسَانٍ يُقَدِّمُ الـخَمْرَ الـجَيِّدَ أَوَّلاً، حَتَّى إِذَا سَكِرَ الـمَدعُوُّون، قَدَّمَ الأَقَلَّ جُودَة، أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الـخَمْرَ الـجَيِّدَ إِلى الآن!".
11 تِلْكَ كَانَتْ أُولَى آيَاتِ يَسُوع، صَنَعَهَا في قَانَا الـجَلِيل، فَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، وآمَنَ بِهِ تَلامِيذُهُ.

(إنجيل يوحنا - الفصل 2 – الآيات 1 إلى 11) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

إنَّ زمن الصوم الكبير هو زمن مميّز في حياتنا الكنسيَّة. ومع أن الصوم يرتبط بالحزن على خطايانا وقهر ضعوفاتنا، لكن أمنا الكنيسة وضعت أمامنا آية قانا الجليل لكي تقول لنا صراحة أن الصوم هو أيضًا حفلة عرسٌ نلتقي فيها بعريسنا المسيح، الّذي سنُصلب معه عن خطايانا وضعوفاتنا لنقوم معه إنسانًا جديدًا يحيا للبِرِّ والقداسة.

نلاحظ هنا أن بدء خدمة المسيح كانت في عرس وفي نهاية العالم سنجد عشاء عرس الخروف. فالمسيح هو عريسنا، هو عريس الخليقة الجديدة التي أتى ليؤسسها. ولأن الله يريد أن ينقل لنا صورة المسيح العريس، لجأ يوحنا بوحي من الروح القدس لهذه البداية، وقدَّم لنا أولى آيات المسيح والتي كانت في عرس. وفي هذا العرس يحول المسيح الماء إلى خمر فالخمر يُشير للفرح. والمسيح حين حوّل الماء إلى خمر فهذا يُشير إلى أنه أتى ليُعيد بهجة الخلاص والفرح لمن فقدها. ونلاحظ أن الماء كان للتطهير. والمسيح قال إملأوا الأجران إلى نهايتها وهذا يشير أنه لكي نفرح ببهجة الخلاص التي يعطيها المسيح علينا أن نبذل كل الجهد في جهادنا لنتطهّر فيسكب المسيح نعمته فينا ونفرح. ونرى أن العذراء هي التي شعرت بأنه ليس لديهم خمر. وهي ما زالت تشعر بكل مَن هو ليس فرحًا وتتشفع له حتى يدخل المسيح حياته فيفرح. والخمر تعبير عن سر الشركة مع المسيح. فالمسيح حَوَّل الخمر إلى دمه، وبدون شركة مع المسيح أو بغياب المسيح عن حياتنا فلا فرح. وقول العذراء ليس لديهم خمر كأنها تقول للمسيح أعلِن عن وجودك.

ولا ننسى أن هذه الآية تشير صراحة إلى لاهوت المسيح فهو حَوَّل مادةً إلى مادةٍ أخرى. ورأى تلاميذه ما فعل فآمنوا به إذ رأوا مجده. ونحن، الملكوت السماوي، حين نشرب من خمر بهجة الخلاص سنُدرك قوة الحياة التي نأخذها في التناول من خمر سِرِّ الأفخارستيا، سنُدرك أن أفراح العالم هي خمرة رديئة دون فرح المسيح الّذي أتى لأجل هذا، ليُعيد لنا الفرح الحقيقي الّذي فقدناه. 

::: قراءة آبائية :::

بِمَ تُجِيْبُ الدَّيَّانَ العادِلَ، يا مَنْ تُلْبِسُ الجُدْرَانَ وَلا تُلْبِسُ نَظِيْرَكَ الإنْسَان؟ يا مَنْ تُزَيِّنُ جِيَادَكَ وَلا تَرْمُق بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَخَاكَ في الضِّيق؟ يَا مَنْ تَدَعُ قَمْحَكَ طَعامًا للفَسَادِ وَلا تُطْعِمُ الجَائِعِيْن؟ يَا مَنْ تَخْبَأُ ذَهَبَكَ وَلاتَخِفُّ إلى نُصْرَةِ المَظلُوْم؟
قَدْ تَقول: أَيَّ إجْحافٍ أَرْتَكِبُ إذَا إحْتَفَظْتُ بِمَا هُوَ مُلْكٌ لي؟ بِحَقِّكَ، قُلْ لي: ماذا لَكَ؟ وَمِمَّنْ أَخَذْتَهُ حَتَّى تَمْتَلِكَهُ طُوْلَ حَيَاتِكَ؟ مَثَلُكَ فيمَا تَدَّعِيْ مِثلَ إنْسَانٍ جَلَسَ على كُرْسِيٍّ في قاعَةِ المَسْرَحِ العام، وَهَمُّهُ أَنْ يَمْنَعَ الآخَرينَ مِنَ الدُّخول، لِيَتَمَتَّعَ بالمَشْهَدِ وَحْدَهُ، كَأَنَّهُ مِلْكُهُ الخاص، وَهوَ مُشَاعٌ للجَميع. تِلكَ حالُ الأَغنِيَاء: يَعْتَبِرُوْنَ الخَيرات العامّة مِلكًا خاصًّا لَهُم، لأنَّهُم إسْتَولوا عَلَيْهَا قَبْلَ الآخَرين. (...)
الخُبزُ الّذي تَحْفَظُهُ في المَخبَأ هُوَ مِلكٌ للجائِعين. والثَّوبُ الّذي تُقْفِلُ عَلَيْهِ الخِزانَة هُوَ مِلكٌ للعُرَاة. وَالحِذاءُ الّذي يَتْلَفُ عِنْدَكَ هُوَ مِلكٌ للحُفَاة. وَالذَّهَب الّذي تَدْفِنُهُ هُوَ مُلكٌ للمُحتَاجين. فَأَنْتَ مُجْحِفٌ بِحَقِّ الّذينَ تَسْتَطِيْعُ أَنْ تَسُدَّ حَجَاتِهِم وَلا تَفْعَل.

(قِراءَةٌ مِنَ القِدِّيس باسيليوس الكَبير (†379)- العظة السادسة) 

::: تــــأمّـل روحي :::

خمرة العرس الجديدة
أيّامٌ مضت على الإحتفال بالعرس، الأهل والأقارب، الأصدقاء والأحبّة، كلّهم يشاركون العروسين شاهدين على فرحتهما بإرتباطهما الجديد. ويُدعى يسوع وتلاميذه إكرامًا لأمّه مريم التي "كانت هناك"، فلبّى الدعوة ليحتفي ويبارك أمام الجماعة زواج الرجل والمرأة الّذي أراده الله لهما منذ خلقهما. وفي الوقت عينه أراد أن يكشف للجميع أنّ سر الزواج البشري هو عهدٌ أبدي بين شريكين إختارا بعضهما بملء إرادتهما، ووعيهما الكامل وحبّ واحدهما للآخر بكلّ أمانة وإلتزام، كما زواج المسيح بالكنيسة الّذي تمّ بمجيئه وموته على الصليب فالقيامة. ففي قانا، إلتقى واقع العرس البشري برمزية العرس السرّي الإفخارستي من خلال الخمر المُحَوّل.

نفاذ الخمر
ما من زواجٍ صحيح دون حب، ولكنّه غالبًا ما لا يدوم حتى النهاية. أن تكون حبيبًا لَهو شعورٌ رائعٌ فعلاً، يُشعرك بالفرح والطمأنينة، كما الخمرة في العرس، خمرة الحبّ الأولى الجميلة، ولكنّها وللأسف مع مرور الأيام تشرف على النفاذ.، أليس هذا واقع كلّ زوجين إتّكلا على هذه الخمرة الأولى؟ يبدآن بحماسٍ وبأحلامٍ كبيرة بمستقبلٍ من ورودٍ، ثم لا يلبثا أن يعتادا على هذا النوع من الحياة ليتحوّل إلى عادة ثمّ إلى روتين خالٍ من مقوّمات الفرح والحب الحقيقي، فيتسرّب الملل إلى وحدتهما ويطال عائلتهما ثمّ ينتفخ ويحمل بالكآبة دون أن يدريا سبب كلّ ذلك، مّما يحفّز عند البعض عامل الإخلال بالأمانة، فيلجئ إلى أساليب ملتوية ليعوّض عمّا يحسبه تقصيرًا من الشريك فيرمي اللوم عليه ليُبرّر لنفسه أخطاء ما يفعله. غالبًا ما لا ينتبه كلاهما إلى بوصلة الديمومة وما ينعشها ويجذّرها ويجدّد شبابها، فقد تسرق الإنشغالات منهما عهدهما أمام الله الّذي جمعهما بحبّه ليكون الثالث بينهما، ولا يعرف الرجل كيف يحب زوجته "كما أحبّ المسيح الكنيسة"، وهي لا تتعلّم كيف تكون عروسًا متألّقة على مثال كنيسة المسيح، فتنفذ الخمر.

الخمرَ الجديدة

تلك الخمر الجميلة الأولى قد تنفذ، فلا بدّ من أن "تأتي خمر جديدة تخمّر تنميّ وتنضج" يقول البابا بينيديكتوس XVI، خمرة حبٍّ لا نهاية له، أسمى وأعمق من الأول يعيد إلى حياتنا كحبيبين (خطيبين كنّا أم زوجين) رونقها ويضفي عليها جمالاً لا عيب فيه. هذه الخمر الجديدة تجمع الـ"أنا" والـ"أنت" ليصيرا واحدًا لهما النظرة الموحّدة نحو الهدف الأسمى الوحيد: شركتهما مع بعضهما ومع الله- الحبّ الأبدي، تشهد عليه الجماعة من العائلة الصغيرة فالكبيرة فالأصدقاء فالكنيسة.
هذا الفعل (فعل الحبّ) يلزمه مسيرة إختبارٍ داخلي عميق يتخطّى الشعور الجميل إلى التنقية والتمييز، لذلك عليّ إن أسأل ذاتي بكلّ شفافية وصدق إن كنت أدرك ما أنا مقدمٌ عليه وإلى أين سأصل مع شريكي؛ إن كان حقًا هو الشخص الّذي أحبّه وأقبله كما هو وأنجذب إليه؛ إن كان هذا هو الشخص الّذي أريده وأرى فيه فرادته وتمايزه الطبيعيين؛ أم إن كنت أنا على قدر ما عليّ أن أعطيه وأتلقّى منه؛ وإن كنت أشعر بضرورة وجوده بجانبي ومعي وأنّني لا أستطيع العيش من دونه...
أمّا الجواب الشخصي الخاصّ، فهو وحده من يحدّد طبيعة علاقتي بمن أرغب به شريكًا لي في حياتي. وإن كنت أعي أنّ الله وحده مصدر هذا الحبّ فلا بدّ له من أن يصبح حبًّا حقيقيًّا ينطوي على الإرادة والإدراك، يتنقّى من الداخل وبإستمرار بكلّ ما أعطينا (كشريكين) من قدرة وقوّة إرادة وإدراك في مسيرتنا على طريق العهد الّذي قطعناه على أنفسنا أمامه (الله) فتأتي تلك الخمر الجديدة لتملأ زقاق حياتنا بفرحٍ من نوعٍ آخر وتضفي عليها مذاقًا لا يشبه أيّ طعمٍ عرفناه وتكلّل الـ"نعم لحياتنا معًا حتّى الموت" بفرحٍ لا يوصف.

في الختام أودّ أن اشارككم ما قاله الأب "كانتالاميسّا" بما معناه: "يقول القديس بولس في الرسالة إلى العبرانيين : "المسيح ضحّى بذاته من أجل الكنيسة، ليقدّسها ويطهّرها بماء الإغتسال وبالكلمة، حتى يزفّها إلى نفسه كنيسة مجيدة لا عيب فيها ولا تجعّد ولا ما شابه ذلك". فهل من الممكن، لزوجٍ بشري، أن يتمثّل، في ذلك، بالمسيح الزوج؟ هل يستطيع أن ينزع تجاعيد زوجته؟ بالطبع يستطيع! فهناك تجاعيد سبّبها غياب الحبّ بتركها وحيدة." جاعلاً الخمر تنفذ غير آبهٍ إن كان القدّوس حاضرٌ لملأه من جديد بتحويله ماء أجرانه إلى خمر حبّ أبدي جديدة. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... لو سألتُ نفسي "ماذا يُميّز الإنسان ليكون مسيحيًّا؟"، لكان الجواب، على مِثال العذراء مريم، أمران لا بدّ منهما دون الإكتفاء بإحداها: أولاً الإحساس بحاجة الآخرين، وثانيًا اللجوء إلى الرّب يسوع المسيح، أي "الصلاة"، لسدِّ تلك الحاجة إن لم يكن بمقدوره سدّها. وحين أُفكِّر بهذا الجواب أجد أن أسس الصيام المقبول لديكَ والّذي ذكرته للنبي أشعيا هو مبني على هذه المواصفات: مساعدة المحتاج "الفقير، الجائع، العطاشى، العريان، المريض، المأسور، السجين ... " ماديًّا ومعنويًّا وروحيًّا فإعادة الفرح لقلبه فنكون سبب عزاءً له.

ربّي وإلهي ... مازلنا نُفكّر كثيرًا بأنفسنا وإحتياجاتنا قبل أن نمدّ يد المساعدة للآخرين وحتى إن كانت معنويّة فقط؛ ومازلنا بعيدين كل البعد عن مدّ يد المعونة للروح العطشى والجائعة لكلمتك ومعرفتك، والعريانة والمريضة والمأسورة والميتة للشيطان وأفكاره؛ ومازلنا بعيدين كل البعد عن الإشارة للرَّب يسوع المسيح ربًّا ومخلّصًا بكلِّ ثقةٍ ودون خوف لعالمٍ ما زال أغلبه يعيش في "ظلمةٍ" دون "الفرح الروحي".

ربّي وإلهي ... الكل مدعو لحفلة العرس السماوي، فأنعم عليّ بأن أوزع بطاقات الدعوة دون قيدٍ وشرط، ولا أكون سببًا في عدم مجيء أحدهم والتمتع بالفرح، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2015)

1- (المحتفل) في أحد مدخلِ الصّوم، نُصَلِّي من أجلِ الكنيسة المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيدكتوس السادس عشر، البابا الفخري، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يَعيشوا الصَّومَ بِروحانيَّتِهِ، ويَنقُلوا مَفاهيمَه إلى أبناءِ رعاياهُم، نسألك يا رَب.

2- نصلّي من أجلِ المرأةِ في العالمِ كلِّه، كَي تَثِقَ بِمَواهِبِها، وبالقُدُراتِ الّتي أفاضَها المسيحُ علَيها، فتَعيَ أنَّها لَيسَت سِلعةً لإثارةِ الغرائز، بَل تقتدي بمريم العذراء الّتي تجسّد منها المسيحُ وإعتبرها نموذج المرأة بعد أن ناداها: "يا إمرأة"، في عرس قانا الجليل، نسألك يا رب.

3- رافِقنا في مسيرةِ صَومِنا، فيَرتَكزَ، أوَّلاً وآخِرًا، على السَّعي إلى السَّلامِ والبرِّ وعملِ الخَيرِ، فلا نكونَ سَببَ شَكٍّ للآخَرِ، بل سبَبًا لِنَبني بَعضُنا بَعضًا، نسألك يا رب.

4- نضعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً ذَوي الأمراضِ المُستَعصِيَة والمُميتَة، كُن لَهُم الشِّفاء، فَما مِن شَيءٍ مُستَحيلٍ لَدَيكَ، ولَيِّن قلوبَ الّذينَ يَخدِمونَهُم، فَيُعامِلوهُم بِصَبرٍ وحنان، نسألكَ يا رب.

5- (المحتفل) نذكرُ أمامَك الّذينَ ترَكوا هذه الحياة، مُستَعدِّينَ كانوا أو غَيرَ مُستَعدّين، إملأ أجرانَهُم الفارِغة بِدَمِكَ المَسفوكِ على الصَّليب، فيَدخلوا العُرسَ الّذي لا يَنتَهي، وإمنَحِ العزاءَ لِمَن يَفتقِدَهُم، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2015)

سَمِعتَ صَوتَ إستِغاثَةِ الإنسان، ومِن فَيضِ حُبِّكَ له، أخلَيتَ ذاتَكَ
لِتَبدأ مَشروعًا خَلاصِيًّا عظيمًا يَشملُ الخليقةَ كُلِّها،
ولمَّا رأيتَ أنَّهُ بِحاجةٍ لكَ أيضًا في التَّفاصيلِ الصَّغيرةِ مِن أمورِ حياتِه اليَوميَّة،
أشفَقتَ علَيهِ، ولم تترُكهُ، مُستَخِفًّا بِمادّيَّتِه،
بل سَترتَ عَيبَهُ، وملأتَ أجاجينَهُ،
رافَقتَه، وكمَّلتَ فَرحتَهُ،
ولا زِلتَ معه في القُربانِ لِتُلهِمَهُ وتُرشِدَهُ، وتَرعى أمورَهُ،
فالشكر والحَمدُ والسجودُ، لك، ولأبيكَ، ولِروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة، أفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts 

 

تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts