الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

الأسابيع الممهّدة للصوم


أحد الكهنة
(21 ك2 2018)

::: مـقدّمــة :::

في هذا الأحد وفي الأحَدَين التَّالِيَين، تَضَعُ الكَنيسَة في مَسيرَتِنَا الرُّوحِيّة تَذكارات مُهِمَّة لِحَيَاتِنَا المَسيحيَّة إستِعدادًا لِزَمَنِ الصَّوم: أحد تذكار الكهنة، ثُمَّ الأبرار والصِّدّيقين، ثُمَّ المَوتَى المُؤمِنين. في هذا الأَحَد، أَحَد الكَهَنَة، نَذكُرُ على المَذابِح الكَهَنَة المُتَوَفّين الّذينَ أَفْنَوا حَيَاتَهُم في خِدمَةِ الكَنيسة:
- في رِسالَتِهِ الأولَى إلى تِلميذِهِ طيموتاوس، يُشَدِّدُ بُولُس على الهَدَف من الجهد وَالتَّعَب الّذي يُبذَل لِخِدمَةِ البِشارَة: مجد الله. أمَّا مَجدُ النَّاسِ فَهوَ مَجْدٌ باطِلٌ لا يَطلُبُهُ خادِمُ البِشارة.
- يُقَدِّم لَنَا القِدّيس لوقا المُقارَنَة التي وَضَعَهَا يَسوع بَينَ حِسَاب العَبد الّذي يَعرِفُ مَشيئَةَ سَيِّدِهِ وَالعَبد الّذي لا يَعرِفُهَا: فالّذي يَعرِفُها يُضرَبُ ضَربًا كَثيرًا، وَالّذي لا يَعرِفُهَا يُضرَبُ ضَربًا قَليلاً.
في هذا الأحَد نحنُ مَدعوون لِنَذكُر الكَهَنَة المُتَوَفّين الّذينَ خَدَموا الكَنيسة بِكُلِّ قُوَّتِهِم. سائِلينَ اللهَ أَن يُكافِئهُم وَيَغفِر لَهُم مَا نَقَصَ في خِدمَتِهِم، آمين. 

:::::: صـلاة :::

يا أبانا السَّماوِي، ها نحنُ نَضَعُ أَمامَكَ كَهَنَتَنَا الّذينَ خَدَموا الكَنيسة وَإنتَقَلُوا إلى رَحْمَتِكَ. إغفِر ما نَقَصَ مِنْ خِدْمَتِهِم، وَإرْحَمْهُم، فَإنّكَ قادِرٌ بِنِعْمَتِكَ أنْ تَمْحُوَ نَوَاقِصَهُم.
يا ربَّنَا يَسوعَ المَسيح، يا مَنْ تَنزِلُ على أيْدِي كَهَنَتِنَا وَتَرْتَفِعُ على المَذابِح بَيْنَ أَيْدِيْهِم تحتَ شَكلَي الخُبزِ وَالخَمر... لَقَد إمْتَزَجَتْ أَجْسَادُهُم بِجَسَدِكَ وَمَزَجوا جَسَدَكَ بِأَجْسَادِ المُؤمِنين. فإكشِف لَهُم عَنْ وَجْهِكَ وَأدخِل فَرَحَكَ إلى قُلوبِهِم، وَنَوِّر ضِيقاتَهُم.
أَيُّها الرُّوح القُدُس، أنتَ دُعيتَ على رُؤوسِ الكَهَنَة وَبِنِعمَتِكَ الإلهِيَّة بارَكُوا وَقَدَّسُوا وَدَبَّروا وَعَلَّموا. كُن حاضِرًا في قُلوبِ شَبيبَتِنَا، وَحَرِّك من بَيْنِهِم مَنْ يَتَقَدَّم لِسِرّ الكَهنوت المُقَدَّس. لَكَ المَجدُ مَعَ الآب وَالإبن إلى الأَبَد، آمين.  

::: الرسالة :::

6 فإِذَا عَرَضْتَ ذلِكَ لِلإِخْوَة، تَكُونُ خَادِمًا صَالِحًا للمَسِيحِ يَسُوع، مُتَغَذِّيًا بِكَلامِ الإِيْمَانِ والتَّعْلِيمِ الـحَسَنِ الَّذي تَبِعْتَهُ.
7 أَمَّا الـخُرَافَاتُ التَّافِهَة، حِكَايَاتُ العَجَائِز، فَأَعْرِضْ عَنْهَا. وَرَوِّضْ نَفْسَكَ عَلى التَّقْوَى.
8 فإِنَّ الرِّيَاضَةَ الـجَسَدِيَّةَ نَافِعةٌ بعْضَ الشَّيء، أَمَّا التَّقْوَى فَهِيَ نَافِعَةٌ لكُلِّ شَيء، لأَنَّ لَهَا وَعْدَ الـحَيَاةِ الـحَاضِرَةِ والآتِيَة.
9 صادِقَةٌ هيَ الكَلِمَةُ وجَدِيرَةٌ بِكُلِّ قَبُول:
10 إِنْ كُنَّا نَتْعَبُ ونُجَاهِد، فذلِكَ لأَنَّنَا جَعَلْنَا رجَاءَنا في اللهِ الـحَيّ، الـَّذي هُوَ مُخلِّصُ الـنَّاس أَجْمَعِين، ولا سِيَّمَا الـمُؤْمِنِين.
11 فأَوْصِ بِذلكَ وعَلِّمْهُ.
12 ولا تَدَعْ أَحَدًا يَسْتَهِينُ بِحَداثَةِ سِنِّكَ، بَلْ كُنْ مِثَالاً للمُؤْمِنِين، بِالكَلام، والسِّيرَة، والـمَحَبَّة، والإِيْمَان، والعَفَاف.
13 وَاظِبْ عَلى إِعْلانِ الكَلِمَةِ والوَعْظِ والتَّعْلِيم، إِلى أَنْ أَجِيء.
14 لا تُهْمِلِ الـمَوْهِبَةَ الَّتي فِيك، وقَد وُهِبَتْ لَكَ بالنُّبُوءَةِ معَ وَضْعِ أَيْدِي الشُّيُوخِ عَلَيك.
15 إِهْتَمَّ بِتِلْكَ الأُمُور، وكُنْ مُواظِبًا عَلَيهَا، لِيَكُونَ تَقَدُّمُكَ واضِحًا لِلجَمِيع.
16 إِنْتَبِهْ لِنَفْسِكَ وَلِتَعْلِيمِكَ، وَإثْبُتْ في ذلِك. فإِذا فَعَلْتَ خَلَّصْتَ نَفسَكَ والَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ.

(الرّسالة الأولى إلى طيموتاوس - الفصل 4 – الآيات 6 إلى 16) 

::: تـأمّــل من وحي الرسالة :::

(سبق نشرها في 2010)

يُقرَأ على مَسامِعِنا في هذا الأحَد المُخَصَّص لِذكر الكهنة المُنتَقِلين، مَقطَع من رسالة القديس بولس الأولى إلى طيموتاوس تلميذِهِ، حَيثُ يطلب فيها منهُ –بعدَ أن وَصَفَهُ بـ"إبنه المُخلِص في الإيمان"- أن يَبقَى في أفسس، وَيوصي الجَميع ألاَّ يَنجَرّوا إلى تَعاليم، قصص وخرافات غَير التي تَلَقُّوها منه، وذلك إنطِلاقًا من محبَّة، صادِرَة عَن قلب طاهر وإيمان ثابت. وَبَعدَ أن عَرَضَ صِفات ووظيفة الأسقف، وصِفات الشّمامسة، وبعدَ أن تَكَلّمَ عن المُعَلّمين الكذّابين، يَأتي هذا النّصّ لِيُوضِح لِطيموتاوس صِفات مَن يُريد أن يَكون الخادِم الصّالِح للمَسيح. فَما هي هذه الصّفات؟
- الإبتعاد عن الخرافات: فقد سادت في أفسس مُعتَقَدات تُخالف الإيمان الصّحيح، ما إستَدعَى التّدَخُّل المُباشر لِبولس في هذه الرّسالة. مِن هُنا، فَعَلى الخادِم الصّالِح أن يُعرِض عَن كُلّ ما يُزيغُهُ عَن الإيْمان الصّحيح، وَيُدخِلُهُ في ما لا يُعَبّر عَن إيْمانِهِ بِيَسوع. وهذا يَفتَرِض الأمانَة في حِفظ التّعليم والإيمان ونَقْلِهِ كَما هوَ للآخَرين.
- التّقوَى: وَهيَ تَعني علاقات الإنسان السّليمَة مع أخيه الإنسان. وَهيَ أيْضًا الأمانه في أداء الواجِبات الدّينيّة. فالتّقوَى في العلاقة مع الله تَجعَلها عَلاقَة بَنَوِيّة، بِحَيثُ أنّ السّائِر في التّقوَى يَجهَدُ في تتميم إرادة الله في كُلّ شَيء. وَيَأتي بولُس في هذا السّياق على المقارنة بين التّقوَى والرّياضَة البَدَنِيّة، إذ يُوضِح أنّ الرّياضَة "فيها بعض الخَير" أمّا التّقوَى، "فيها كُلّ الخَير"، وَهيَ ضَمانَة للحاضِر والمُستَقبَل، بِما أنّ العلاقَة الجيّدَة مع الله والقَريب لَن تَأتي على الشّخص إلاَّ بالخَير.
- التَّعَب والجهاد في الحقل الرّسولي: فالخادِم الصّالح لا يَجِدُ وقتَ فراغ في حياته. فهوَ في جهادٍ مُتَواصِل، لِيُوصِلَ نور المَسيح لِكُلّ الّذينَ يُحيطونَ بِهِ، إن بِشَهادَة حَياتِهِ، أو بأعمالِهِ الحَسَنَة والتّبشير. وَلَكِنّ الأهَمّ في كُلّ ذلِك، أن يَكون التّعب والجِهادِ نابِعانِ من الرّجاء في الله الحَيّ الّذي يُنعِم بالخَلاص، خاصّةً على الّذينَ يُؤمِنون بِهِ. وَأهَمّ جهاد هوَ أن يَكون الخادِم الصّالِح بِنَفْسِهِ شَهادَة حَياة: يَسلُك بِحَسَب الإيْمان، يَعيش الرّجاء وَيُجَسِّد المَحَبَّة.
- القدوة الصّالحة: إضافةً إلى ما سبق، على هذا الخادِم أن يَعمَلَ ما يُحتَذَى بِهِ "بالكلام والسّيرَة والمَحَبّة والإيمان والعَفاف"، وَأهَمّ قُدوَة هوَ أن يَكون الخادِم الصّالِح بِنَفْسِهِ شَهادَة حَياة: يَسلُك بِحَسَب الإيْمان، يَعيش الرّجاء وَيُجَسِّد المَحَبَّة.
- عَدَم إهمال موهبة الرّوح التي أُعطِيَت لهُ بِوَضع اليَد: نفهَم من بولُس الرّسول أنّ طيموتاوس نال وضع اليد، أي السّيامة الكَهنوتِيّة. أي نال الرّوح القُدُس الّذي يُعطيهِ سُلطان تَعليم الشّعب والوعظ... يوصي بولس ويُشَدَّد على عَدَم إهمال هذه الموهبة المجّانيّة التي من لَدُن الله، وَتَغذِيَتها بالقِراءَة خاصّةً. فَيوصي بولُس بالإلتِزام والإهتِمام بهذه المَوهِبَة، إذ يُؤَدّي ذلك إلى نُموّ الشّخص، وَتَقَدُّمهُ في مَيادين الحَياة وأمام النّاس. هذا التّقَدُّم هوَ من أهمّ علامات الخدمة الصّالِحَة، لأنّ الّذي يَستَسلم للغشّ ويُهمِل نفسه مُتَنَكّرًا للنّعمَة، أي الوزنة التي أعطاها الله لهُ، يَبدَأ بالتّراجُع فلا يَكونُ علامة لِحُضور الرُّوح الّذي يبني الجماعة. لذلك يوضِح بولس الرّسول أنّ عَدَم إهمال هذه الموهبة هوَ مَصدَر خلاص للّذي يحصَل عَلَيْها وللنّاس الّذينَ يَقودُهُم بالسُّلطان المُعطَى لَهُ بِهذه الموهِبَة. مِن هُنا نرى أهميّة رسالة الكاهِن وسط الجماعة المُؤمِنَة.

ونحن:
- هَل نُحاوِل الإبتِعاد عَن الخُرافات التي تُحيطُ بِنا وَتَأتينا من كُلّ صَوب، فَنَعلَم أنّ مَن لَهُ الإيْمان بِإلهٍ غلب المَوت، لا يُمكِنُهُ أن يُؤمِن بِمَن يَدّعي أنَّهُ يُطَمئِنهُ عَن مُستَقبله بِطُرُق لا يُقالُ عَنها إلاَّ إستِغباءً لِعُقولِنا؟
- هَل نَسيرُ في التّقوَى، مُقيمينَ عَلاقَةً مَتينَةً بالله، حامِلينَ سَلامَهُ في قُلوبِنا لِجَميع الّذينَ حَولَنا؟
- ماذا نُحاوِل أن نوصِلَ للآخَر؟ كَلِمَة الله؟ أم كلام آخَر يُبعِد الآخَر عَن الله؟ هَلاَّ عَلِمنا أنّ نِعمة الخلاص هِيَ لَنا وَلِكُلّ الّذينَ مِن حَولِنا؟ فَلِماذا نُضَيّع وقتنا بِكَلامٍ فارِغٍ يُدَمّر الآخَر في مَجالِسِنا، بدل أن نَقول ما يَبني الآخَر ويُثَبّتهُ بالرّجاء؟ وَأولادنا الّذينَ في بُيوتِنا؟ هل نَعلم بِأنَّهُم الحَقل الواسِع الّذي يَبدَأ فيه العمل لِنَزرَع فيه كلمة الله؟ هَل نَشعُر بالمَسؤولِيّة تجاههم، عالِمين أنّه عَلَيْنا تَربيتهم، عبر الحِوار البَنّاء، على سَماعِ كَلِمَة الله وتَنمِيَتها في قُلوبِهِم؟
- هَل نَعيش القُدوَة الصَّالِحَة أمام مُجتَمَعنا وفي عائِلاتنا؟ فَهَل يُعَبّر سلوكنا (أمام أولادِنا خاصّةً) عَن الإيْمان الّذي نَحمِلهُ في داخِلِنا؟ ماذا يَستَحوِذُ على ما في داخِلِنا؟ أأفكار الرّب أو أفكارنا نحن التي لا تَكونُ في كَثيرٍ من الأحيان بحَسَب قلب الرّب؟ هَل نَعيش الرّجاء في حَياتِنا؟ أم نُمضي وقتنا مُتَشائِمين، وَكَأنّ الرّبّ لا وُجودَ لِعِنايَتِهِ؟ كَيفَ نُجَسّد المَحَبّة في شَخصِنا؟
- طيموتاوس نالَ الرّوح القُدُس بِوَضع اليَد، فَأصبَحَ خادِمًا للرّب بِتَوكيلٍ من الأساقفة. ونحنُ أيْضًا نِلنا الرُّوح في العِماد، وَهوَ يَعمَلُ فينا! فماذا نفعَل بهذه العَطِيّة الثّمينة؟ هَل نَفهَمها على أنّها حُضور الله فينا؟ أم نَتَجاهَلها، وَلا نُدرِك قيمتها كَوَزنَةٍ علينا المُتاجَرَة بِها، فَنَدفنها في التُّراب؟ هذه المَوهِبَة عَينها أعطَت للكاهِن السُّلطان الّذي بِهِ يُعَلّمنا، وَيُدَبّر الجَماعَة والأفراد الّذينَ فيها... فَهَل نَحتَرِم هذه المَوهِبَة التي فيه؟ وَكَم يَسهُل في هذه الأيّام الكَلام عَن الكاهِن، وَكَم يَقْبُح ذِكرُهُ، وَكَم يَزدادُ الهُزء عِندَما تُطرَح سيرته في مُجتمعاتِنا! نحنُ لا ننفي بعض الضّعف الّذي يَشوب كُلّ إنسان بِما فيه الكاهِن، وَلَكِن، ألا نُدرِك أنّ الله إختار هذا الشّخص، بالرُّغمِ مِن ضُعفِه، لِيَكونَ خادِمًا صالِحًا لِكَلِمَتِهِ، وَخادِمًا صالِحًا لنا بِنَفس الرُّوح الّذي حَلَّ عَلَيْنا في العِماد؟ هَلاَّ أدرَكنا أنَّهُ مِن علامات الإيْمان الّذي نحملهُ، وإحدَى الطُّرُق التي بِها نُجَسّد المَحَبّة، هي أن نسنُد الكاهِن في أوقات ضعف، بدل أن نَستَخِفّ بِهِ، وَنَفتَخِر بِأنَّنا "قادِرونَ" على تَحطيمِهِ؟

في الخِتام لا يَسَعُنا القَول سِوَى ما جاءَ في المَزمور: "هكذا أُبارِكُكَ في حَياتي، وباسمِكَ أرفَعُ كَفّي"، فنَذكُر كَهَنتنا المُنتَقِلين، وَنقرَأ حَياتَهُم على ضَوءِ ما جاءَ في هذا المقطَع من الرّسالة، لِنَرَى أنّهُم جاهَدوا وَعَمِلوا ما بِوِسعِهِم لِيَكونوا خُدّامًا صالِحين للكَلِمَة. لِنُصَلِّي مِن أجلِهِم، وَمِن أجلِ كَهَنَتِنا الأحياء الّذينَ يَخدموننا في رَعايانا ويَسهَرونَ على مَسيرَةِ إيْمانِنا، وَيَرفَعونَنَا في صلواتِهِم كُلَّ حين، شاكِرينَ الله على وُجودِهِم بيننا، طالِبينَ مِنهُ أن يُعطينا كَهَنَة قِدّيسين. 

::: الإنجيل :::

42 فَقَالَ الرَّبّ: "مَنْ تُرَاهُ الوَكِيلُ الأَمِينُ الـحَكِيمُ الَّذي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُم حِصَّتَهُم مِنَ الطَّعَامِ في حِينِهَا؟
43 طُوبَى لِذلِكَ العَبْدِ الَّذي، مَتَى جَاءَ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ فَاعِلاً هـكذَا!
44 حَقًّا أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَنَياتِهِ.
45 أَمَّا إِذَا قَالَ ذلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في مَجِيئِهِ، وَبَدأَ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالـجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَر،
46 يَجِيءُ سَيِّدُ ذلِكَ العَبْدِ في يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وَفي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُها، فَيَفْصِلُهُ، وَيَجْعلُ نَصِيبَهُ مَعَ الكَافِرين.
47 فَذلِكَ العَبْدُ الَّذي عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَمَا أَعَدَّ شَيْئًا، وَلا عَمِلَ بِمَشيئَةِ سَيِّدِهِ، يُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا.
48 أَمَّا العَبْدُ الَّذي مَا عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَعَمِلَ مَا يَسْتَوجِبُ الضَّرْب، فَيُضْرَبُ ضَرْبًا قَلِيلاً. وَمَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير، وَمَنِ أُئْتُمِنَ عَلَى الكَثِيرِ يُطالَبُ بِأَكْثَر.

 (إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 12 – الآيات 42 إلى 48 ) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

(سبق نشرها في 2010)

لَقَد رَأيْنا في الرّسالَة كَيفَ أنَّ الخادِم الصَّالِح للمَسيح هوَ الّذي يَبني نفسه لِيَسْتَطيع أن يَخدُم الجَماعَة. هذا الخادِم الصّالِح يَجِب أن يَبني كُلّ ما يَفعَله على أساس النّصّ الإنجيلي هذا الّذي تَضَعهُ الكَنيسَة بينَ أيْدينا اليَوم. فَقَد ضَرَبَ يَسوعُ مَثَلاً عَن السَّهَر الّذي يَجِب أن يَعيشُهُ كُلُّ مُؤمِن، وَكانَ الرُّسُل حاضِرون. فَلَمَّا إنتَهَى يَسوع قالَ لَهُ بُطرس: "يا رَبّ، ألَنا تَضرِب هذا المَثَل أم للنّاسِ جَميعًا؟" فَأجابَ يَسوعُ بالمَثَل الّذي بينَ أيْدينا الآن، والّذي يَجِب أن يَعني بِشَكلٍ خاصّ الرُّسُل، الّذينَ دَعاهُم يَسوع لِيَخدموا الكَلِمَة. فَما هِيَ الرّسالة التي أرادَ يَسوع إيْصالَها من هذا المَثَل؟

لَقَد وَصَفَ يَسوع في المَثَل الأوّل بِـ"الخَدَم" أولئِكَ الّذينَ يَتَعاطَى معهُم سَيّد البيت الّذي يُمَثّل الله. أمّا في النّص الّذي يُقرَأ على مَسامِعِنا هذا الأحَد، يَصِف يَسوع بـ"الوَكيل"، والفرق هُنا شاسِع. فمسؤوليّة الوَكيل أكبر بِكَثير من تلكَ المُلقاة على عاتِق الخَدَم. وَعَلَيْهِ أن يَتَعاطَى مَعَ ما أوكَلَهُ إلَيْهِ السّيد وكَأنّه ملكه الخاصّ، فهوَ خادِم لا يَعمَل ما يَأمُرهُ بِهِ السّيد إذا ما حَضَر، بَل يَعرِف ما يُريد السّيّد، وَيَعرِف تَمامًا ما يَتَوَجّب عليه حتّى لو كانَ السّيد غائِبًا. فالوَكيل إضافةً إلى أنّهُ خادِم، هوَ أيْضًا حامِلٌ لإرادَة السّيد، وَهوَ المَسؤول عَن أيّ خَطَأ يَحصَل، وَهوَ الّذي يَجِب أن يُؤَدّي الحِساب أمام سيّده.

وَنَرَى يَسوع يُطَوّب الوَكيل الّذي كانَ خادِمًا صالِحًا، وَيُوضِح للرُّسُل كَم سَيَكون الضّرب مُبَرّحًا عِندَما يَخون هذا الوَكيل الأمانَة، ليسَ بالإساءَة إلى أملاكِه المادّيّة، بل بالإساءَة إلى البَشَر الّذينَ يَخدِمونَ البيت. وَيَختُمُ يَسوع موضِحًا أنّ النّعمَة التي يُعطيها السّيّد يَجِب أن تُحتَرَم وَتُنَمَّى. فالَّذي أُعطِيَ مَسؤولِيَّة كُبرَى، يُطلَبُ مِنهُ عَمَلاً كَثيرًا، وَمَن تَسَلَّمَ وَديعَةً، يُطلَب مِنهُ أنْ يُنَمّيها وَيَزيدَها رِبحًا، لِيُعطيها أكبَر عِندَما يَأتي السّيّد لِيَسْتَرجِعها.

ونحن: هَلاَّ عَلِمنا أننا وُلِدْنا مَسيحيين، وَحَلّ عَلَيْنا الرُّوحُ القُدُس في العِماد، وَأصْبَحْنا بِذلِكَ وُكَلاءَ لِكَلِمَة الله في مُجتَمَعِنا وَمُحيطِنا؟ فَماذا نَفعَل بِوكالَتِنا؟ أنَدفِنها؟ أم نُعطيها طَعامًا روحِيًّا لِرِفاقِنا، وَعِيالِنا وَشَبابِنا لِنُمُوّهِم؟

كُلُّنا مَدعوونَ لِنَكونَ خُدّامًا صالِحين، وَأُمَناءَ على إنماء الوَديعَة التي أعطانا إيّاها الرّب. فَهَل حاوَلنا أن نَعرِف ما هيَ قُدُراتِنا، وَنِقاط قُوّتنا التي من خِلالِها يَجِب أن تَظهَرَ قُدرَة الله فينا؟ أم نَتَجاهَل أمرَها، وَنَدفِنها في قُلوبِنا، وَنُعيدها إلى اللهِ كَما أعطانا إيّاها؟ هَلاَّ عَلِمْنا أنَّنا مَسؤولين عَن تَطوير المَواهِب وَالقُدُرات التي فينا لأنّها مِن الله لا مِنَّا؟  

::: تــــأمّـل روحي :::

وكالة أمانة وصكّ حبّ
للوهلة الأولى حسبت نفسي أعود إلى ما قبل مجيء يسوع، إلى صورة الإله الّذي طبع ذاكرة العهد القديم، ذاك الّذي يجازي شرًّا بشرّ تبعًا لشريعة العين بالعين والسنّ بالسنّ. وما إن أعدت إلى التأمّل، إستوقفتني ثلاث كلمات: وكيل، أمين، عاقل، ليقابلهم فعلٌ جامعٌ واحد: "أوكله"، يشبه صكّ الوكالة العامّة المبنيّ على الثقة والحريّة فيولّد فعل العطاء المستحقّ للموكول عليهم، واضعًا حياتهم بين يديه (يدي الوكيل).

وكيلٌ-ابن
ذاك السيّد له من الخدم والمسؤولين، عددًا من الأشخاص حوله، رافقوه طيلة سنواتٍ كلٌ بحسب قدراته، فتلمذهم على يده، مُنَميًا فيهم حسّ اليقظة وأهميّة المسؤولية، مؤَمِّنًا لهم حاجاتهم، محتضنهم كأبناء، مدرّبًا إيّاهم على الخدمة والعمل بصدق.
واثقًا بأمانتهم، إختار منهم من أصبح ناضجًا، ممتلئًا من صفاته (صفات سيّده) وتعليمه ومسلكه القويم، وأقامه على خدمة إخوته (شعبه) موكلاً إليه رعايتهم، هم الّذين بحاجة إلى الحبّ والحماية والسهر والعناية، فيكملوا معه الطريق صوب النبع حيث يرتوون من مائه الّذي إختبروا طعمه طويلاً مع السيّد. وكم كان مسرورًا حين عاد من سفره "ليجده منصرفًا إلى عمله هذا" (لو 43:12). كم كان فخورًا به، مرتاحًا لثمار الحبّ التي بذرها وأثمرت سلامًا في إخوته لأنّه عرف كيف يعيش بأمانة كإبنٍ للسيّد منذ اللحظة الأولى، فأقامه على جميع ممتلكاته وأمواله.
يا لهذه الروعة والقدر الكبير الّذي يعطيه السيّد إلى وكيله الأمين الصادق المسؤول: لقد أولى الأهميّة للآخر لا لنفسه، عاش معه سِرّ سيّده فكان لهم المثال الحيّ في الخدمة والمسلك القويم، كان لهم صورة معلّمه لا بالقول فقط بل بالعمل والحقّ. يداه شبكت أياديهم على أرض الواقع فأخصبت حبًّا وفرحًا.

وكيلٌ- منقاد
ثمّ يتكلّم عن السيّد نفسه الّذي قدّم الفرصة الذهبية لوكيلٍ آخر، معطيًا إيّاه مفاتيح النجاح كلّها ليكون شخصًا مميّزًا مستحقًا ثقة سيّده، وسافر. لكن ذاك الوكيل كان أضعف من أن يحمل تلك المسؤوليّة: لقد حسبها فرصةً سانحة يكنز لنفسه رضى الرغبات والراحة على أنواعها: تسلّط، مال، أنانيّة، ترهيب، إستغلال الفرص لمصلحته الشخصيّة وإلى ما هنالك، بعيدًا عن خير الآخرين المؤتمن عليهم. لم يحفظ من سيّده سوى لقبه الّذي غرّه: لقب "السيّد"، فصدّق أنانيّته محاولاً أن يشبعها بالتسلّط والخمر والإنحلال ليُسكت قلّة ثقته بذاته وضعفه القاتل فيشعر بالرضى المزيّف عن نفسه.
لقد أساء إلى الأمانة ورمى رعيّة سيّده بحجارة العالم الّذي فيه دون أن يتنبّه أن كلّ ذلك آنيٌ ومحدود بِـ"ساعة" لا يعلم متى تَحين.
من خلال هذه الدعوة لكلٍّ منّا عامّةٍ ولمَن هم في حقل الرسالة من كهنة وعلمانيين خاصّةً لنعمل جاهدين لنرى الله السيّد في إخوتنا الّذين أوكلهم إلينا كائنًا من كانوا. فكم من الجميل أن نعيش منذ اللحظة حياة الله كأبناء له ليولد سلامه في أعماقنا وحيث نكون، أن نعيش فرح الحبّ إلى أن يكتمل بلقائه الأبدي، منتظرين إيّاه بإبتهاجٍ واثقين بمشروعه الخلاصيّ لكلّ مَن يؤمن به. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... أن نولد مِن الروح هو أن يملأ قلبنا وفكرنا الإيمان الروحي الملخّص في حقيقة "الله يُحبّنا جميعًا كأبناءٍ له"، فلماذا إذن يعتقد الإنسان أنه يستطيع أن يكتفي بذاته بعيدًا عنك وعن الآخر؟ هذه الروح العائلية والجماعية أكّدتها لنا حين خلقت آدم "أب الجميع" وخلقت له من ضلعه حواء "أم الجميع" عونًا له. أجل، نحن دومًا بحاجة للآخرين لنرى وندرك ما لا نستطيع إدراكه أو حين يتوقف العقل عن التفكير بأمورٍ جديدة أو ليُصلح الخطأ الَّذِي لازم أفكارنا أو حتى لتأييد فكرنا الصحيح، وكم هي رائعة حكمتك حين خصّصت أناسًا وأسميتهم "كهنة" ليكونوا كالأمهات اللواتي دون كلل تُطعم وتُربّي وتُلبس الأولاد بقوتٍ ولباسٍ ممّا يُوفره لها الأب، كما أنها تُرشد وتسهر وقت المرض وتُحبّب الأبناء بالأب وتزرع في قلب الأخوة بذور المحبة.
ربّي وإلهي ... أيَحُقُّ للأمِ أن تترك بنيها؟ قال شاعر النيل حافظ إبراهيم "الأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددتَ شعبًا طيّب الأعراق"، فأرجو بمعونتك الإلهية أن يعي كلّ كاهنٍ دوره كأم بالنسبة لرعيّته الموكلة إليهِ، وأنك أنتَ هو الأب الحاضر بالروح والغني بالنعم والهبات وأنّك معه فيما بين بنيكَ كائنٌ وسيكون. أرجو أيضًا أن يُدرك الكاهن بمعونتك الإلهية بأنه "عينك التي تحرس بَنيك" فيعلم إحتياجات كلّاً منهم ويُقدّمها لهم ممّا قدّمت له من معونة بروحك القدّوس، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) في أحدِ الكهنة، نصلّي من أجلِ كنيستِنا والمسؤولينَ فيها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصر الله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يكونوا دَومًا آداةً طيِّعةً لكَلمتِكَ ومشيئتِكَ، نسألك يا رب.
2- نصلّي من أجلِ كَهنةِ رعايانا، كَي لا يُهمِلوا ما وَهَبتَهُم مِن مَوهِبَة، بَل يَثبُتوا على نشرِ الكَلِمة بالكلامِ والمحبَّةِ والخِدمةِ والتَّقوى، نسألك يا رب.
3- نعلمُ مشيئتَكَ، ولكنَّنا لا نلتزِمُ بها، نعلمُ الخَير، ولكنَّنا نقومُ بِعَكسِهِ؛ نعلمُ أينَ يَكمنُ الفرح، ولكنَّنا نلتزمُ الإدمانَ واليأس؛ ساعِدنا كَي نَعمَلَ ما "نَعلم" فنكونَ شهودًا حقيقيِّينَ وخَدَمًا صالِحينَ للمسيح يسوع، نسألك يا رب.
4- نضعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، إمنَحهُم القوَّة لِيَتغلّبوا على آلامِهم، فتَظهرَ حياةُ يسوعَ وقوّتهِ أيضًا في أجسادِهم الضعيفة، ويَفيضُ الشُّكرُ في قلوبِ الكثيرين، مانِحًا الصَّبرَ والحنان لكلّ الّذينَ يَهتمّونَ بهِم، نسألك يا ربّ.
5- (المحتفل) كما أقَمتَ المسيحَ يسوع، أَقِم خَدَمةَ بيعَتِكَ مع جميعِ الّذينَ إنتقلوا مِن هذا العالم، وإجعَلهُم في حَضرَتِك، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

مِن قَبلِ إنشاءِ العالمِ، أحبَبتنا
وجعلتَ أمامنا كَهنة، يُرشِدونَنا إلَيك،
كهنة، بِدُعائهم، روحُكَ القدّوس يَحضُر ويستجيب،
كهنة، بصَلاتِهِم، يتحوَّلُ الخُبزُ لِيُصبِحَ جسدَك والخَمرُ دَمَك،
شكرًا على هذه الكهنة،
شكرًا على جسدك ودمكَ الأقدسَين،
شكرًا وحَمدًا لك ولأبيكَ وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة، أفكار على ضوء الإنجيل وقراءة آبائية

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts