الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الدنح المجيد


عيد الدنح المجيد
(6 كانون الثاني 2018)

::: مـقدّمــة :::

في عيد الدِّنح (أي الظُّهور)، تَدعونَا الكَنيسَة بَعدَ الإحتِفال بِتَجَسُّد الإله إلى التَّأَمُّل بِعَظَمَة إلهِنَا وَالتَّعَرُّفِ إلَيْه، لَيْسَ بِجهدِنَا الشَّخصِي، وَلا بِقُدُرَاتِنَا العِلمِيَّة وَالفَلسَفِيَّة، بَل، بِالنَّظَرِ إلى مَا قَامَ بِهِ حُبًّا بِنَا وَمِنْ أَجْلِ خَلاصِنَا:
- في الرِّسَالَةِ إلى تِلمِيذِهِ تِيطُس، يُرَكِّز بولُس على رَحمَةِ الله: بِهَا خَلَّصَنَا، وَبِهَا جَعَلَنَا أبْنَائَهُ، وَبِهَا جَدَّدَنَا، وَغَيَّرَ مَسيرَتَنَا الإنسانِيَّة مِنَ النَّظَرِ إلى آثامِنَا، إلى التَنَعُّمِ بِعَظَمَةِ رَحمَةِ الله التي تَمحو الآثام.
- في الإنجيل، يُرَكِّز لوقا على انْتِظَارِ الشَّعب للمَسيح... فهوَ سَئِمَ الإنتِظار –إذا صَحَّ التَّعبير- وَهوَ يُريدُ أن يَلتَقِي المَسيح. وَعِندَمَا بَدَأوا يَقولونَ بِأَنَّ يُوحَنَّا يُمكِن أن يَكون المَسيح، أَتَى يُوحِنَّا بإعلانِ قُدُوم مَن يُعَمِّدُهُم بالرُّوح القُدُس وَالنَّار...
في هذا العيد، نَتَأمَّل بِنِعمة الله الآب التي أَفَاضَهَا عَلَيْنَا بالحَبيب يَسوع، لِيَصيرَ أَبًا لَنَا، وَلِنَصِيْرَ، مَعَ يَسوع، وارِثِيْنَ لِمَلَكوتِهِ. 

:::::: صـلاة :::

مُبَارَكٌ أَيُّها الآب السَّماوِي، يا مَنْ جَعَلتَ لَنَا بِابنِكَ خَلاصًا أَبَدِيًّا. أرسَلْتَهُ إلَيْنَا لِيَكونَ مِثلَنَا إنسانًا، لِيَرْفَعنَا مِنْ حالَةِ الأُجَرَاءِ وَالعَبيد، إلى حالَةِ الأبناء الأَحِبَّاء.
مُمَجَّدٌ أَنْتَ أَيُّها الإبن، يا مَنْ نَقَّيْتَنَا بِمِذرَى روحِكَ، وَجَمَعْتَنَا إخوَةً لَكَ في أَهراءِ حُبِّكَ، لِنُطحَنَ على صَليبِكَ وَنُقَدِّمَ ذَوَاتَنَا مِثلَكَ، ذَبائِحَ مَرْضِيَّةً لأَبيكَ السَّماوِي.
نَسْجُدُ لَكَ أَيُّها الرُّوحُ القُدُس، يَا مَنْ بِحُلولِكَ على الإبن، عَلِمْنَا أنَّ الآبَ أَعطَى إبْنَهُ المَحبوب كُلَّ شَيء. أنتَ دَخَلْتَ فينَا في المَعمودِيَّة، وَمَعَ يَسوع، أَعطَانَا الآب كُلَّ شَيء. أَضْرِم في قلوبنا الحُبَّ لِنُقَدِّرَ عَظَمَة العَطِيَّة الإلهِيَّة لَنَا، لَكَ المَجدُ مَعَ الآب وَالإبن إلى الأَبَد. آمين.

::: رتبة تبريك الماء  :::

المُحتَفِل (بعد العِظَة يُصَلِّي على الماءِ قائِلاً): الَّلهُمَّ الّذي رَتَّبْتَ جَميعَ الأسْرارِ في جَوْهَرِ الماءِ مِنْ أجْلِ خَلاصِ البَشَر. أصْغِ إلى طِلباتِنَا، وَلْتَحِلَّ قُوَّةُ بَرَكَتِكَ في هذا الماءْ †، لِكَيْ تَخْدُمَ خَليقَتُكَ أسْرارَك، وَتَنَالَ قُوَّةَ النِّعمَةِ الإلهِيَّة، على مُقاوَمَةِ الشَّرِّ وَالأوْجَاع. وَكُلُّ شَيْءٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ هذا الماء، في بُيُوْتِ المُؤمِنينَ وَأماكِنِهِم، يَنْجُو مِنَ الشَّر وَيَخْلُصُ مِنَ الأضْرار. وَتُطْرَد عَنْهُ كُلّ قُوَّة العَدُوّ الخَفِيَّة، وَيُطْرَد بِرَشِّ هذا الماءِ كُلُّ خَيَالٍ يُنَغِّصُ راحَةَ السَّاكِنينَ فيه، لِكَيْمَا تَكُونَ فيهِ السَّلامَةُ المَطْلوبَةُ في دَعَوَاتِ إسْمِكَ القُدُّوْس بِوَاسِطَة رَبِّنَا يَسوعَ المَسيح إبنِكَ الوَحيد، الّذي يَحيَا وَيَمْلِك مَعَكَ، بإتِّحادِ الرُّوحِ القُدُس إلى أبَدِ الآبِدين.
الشَّعب: آمين.
المُحتَفِل (يَأخُذ بالمَلقَط جَمرَةَ نارٍ مِنَ المبخَرَة، وَيُلقيها في الماءِ قائِلاً): بِإسْمِ الآبِ تَتَطَهَّرْ
(وَيَأخُذُ جَمْرَةً ثانِيَةً وَيُلْقِيْهَا في الماءِ قائِلاً): وَبإسْمِ الإبْنِ تَتَبارَكْ
(وَيَأخُذُ جَمْرَةً ثالِثَةً وَيُلْقِيْهَا في الماءِ قائِلاً): وَبإسْمِ الرُّوْحِ تَتَبارَكْ.
الشَّعب: بَشلُمُا لمُريُا نِتكَشَف (3) بَشْلُمُا لْمُريُا نِتْكَشَف (3) بِسَلامٍ إلى الرَّبِّ فَلْنَطْلُبْ (3)
المُحتَفِل (يَرُشّ الماء على الشَّعب والجميع يرتل): رُوس علَي بزٌوفُخ وآِتدَخِا حَلِلَيني بِؤ ومِن تلجُا آِحوَر. تَنْضِحُنِي بالزُّوفَى فَأطْهُرْ، وَتَغْسِلُنِيْ فَأبْيَضُّ أكْثَرَ مِنَ الثَّلج.
المُحتَفِل: أظْهِرْ لَنَا يا رَبُّ رَحْمَتَكَ.
الشَّعب: وَإمْنَحْنَا خَلاصَكَ.
المُحْتَفِل: السَّلامُ لِجَميعِكُمْ.
الشَّعب: وَمَعَ روحِكَ.
الشَّعب: هَـلِّـلُـوْيَـا
يَـا أُرْدُنُّ طُوْباكَ بُـوْرِكْتَ نَهْـرَا
وَحْيُ الآبِ أعْطَاكَ فِيْ البِكْرِ سِـرَّا :
فِـيْـكَ مَشَـى يَشُـوْعُ الظَّافِرْ
وَيُـوْحَـنَّـــا ألْبَرُّ الطَّاهِــرْ
فِيْـكَ جَـازَ إيْلِيَّا جازَ ألِيْشَــعْ
فِيْكَ سِرُّ يَسُـوْعَ كالشَّمْسِ يَسْطَعْ
هـلـلـويــا وَاللَّيْلُ يُقْشَــعْ
المُحتَفِل: إسْتَجِبْ لَنَا أيُّها الرَّبُّ القُدُّوْس السَّرْمَدِيُّ القادِرُ على كُلِّ شَيء. وَإبعَث مِنَ السَّماءِ مَلاكَكَ لِيَصونَ وَيَحْفَظَ وَيَفْتَقِدَ وَيَعْضُدَ سُكَّانَ هذه الرَّعِيَّةِ المُبَارَكَة، بِيَسوعَ المَسيحِ رَبِّنَا، إبْنِكَ الوَحيد، وَروحِكَ الحَيِّ القُدُّوْسِ، لَكَ المَجْدُ وَعَلَيْنَا الرَّحْمَةُ إلى الأبَد.
الشَّعب: آمين. 

::: الرسالة :::

11 لأَنَّ نِعْمَةَ اللهِ قَدْ ظَهَرَتْ خَلاصًا لِجَمِيعِ النَّاس،
12 وهِيَ تُؤَدِّبُنَا لِنَحْيَا في الدَّهْرِ الـحَاضِرِ بِرَزَانَةٍ وبِرٍّ وتَقْوَى، نَابِذِينَ الكُفْرَ والشَّهَوَاتِ العَالَمِيَّة،
13 مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ السَّعِيد، وظُهُورَ مَجْدِ إِلـهِنَا ومُخَلِّصِنَا العَظِيمِ يَسُوعَ الـمَسِيح،
14 الَّذي بَذَلَ نَفْسَهُ عَنَّا، لِيَفْتَدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْم، ويُطَهِّرَنَا لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا، غَيُورًا على الأَعْمَالِ الصَّالِحَة.
15 تَكَلَّمْ بِهـذِهِ الأُمُورِ وَعِظْ بِهَا، ووَبِّخْ بِكُلِّ سُلْطَان. ولا يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَد.
1 ذَكِّرْهُم أَنْ يَخْضَعُوا لِلرِّئَاسَاتِ والسَّلاطِين، ويُطِيعُوهُم، ويَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِح،
2 ولا يُجَدِّفُوا على أَحَد، ويَكُونُوا غَيْرَ مُمَاحِكِين، حُلَمَاء، مُظْهِرِينَ كُلَّ ودَاعَةٍ لِجَميعِ النَّاس.
3 فَنَحْنُ أَيْضًا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أَغبِيَاء، عَاقِّين، ضَالِّين، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَواتٍ ولَذَّاتٍ شَتَّى، سَالِكِينَ في الشَّرِّ والـحَسَد، مَمْقُوتِين، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا.
4 ولـكِنْ لـَمَّا تَجَلَّى لُطْفُ اللهِ مُخَلِّصِنَا، ومَحَبَّتُهُ لِلبَشَر،
5 خَلَّصَنَا، لا بِأَعْمَالِ بِرٍّ عَمِلْنَاهَا، بَلْ وَفْقَ رَحْمَتِهِ، بِغَسْلِ الـمِيلادِ الثَّاني، وتَجْدِيدِ الرُّوحِ القُدُس،
6 الَّذي أَفَاضَهُ اللهُ عَلينَا بِغَزَارَة، بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا.
7 فإِذا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَارِثِينَ وَفْقًا لِرَجَاءِ الـحَياةِ الأَبَدِيَّة.

(الرّسالة إلى تيطس – الفصل 2 – الآية11 إلى الفصل 3 الآية 7)

::: تـأمّــل من وحي الرسالة :::

في هذا المَقطَع من الرِّسالَة إلى تِلمِيذِهِ تِيطُس، يُؤَكِّد بولُس الرَّسول بِأَنَّ الخَلاصَ الّذي أَقَامَهُ الآب بإبنِهِ يَسوع هُوَ لِجَميعِ النَّاس. لَقَد صارَ يَسوعُ إنْسَانًا مِثلَنَا، وَذَاقَ مَوْتَنَا على الصَّليب، وَسُفِكَ دَمُهُ البَريء، وَنَالَ حُبَّ الآب، لِيَعلَمَ جَميعُ البَشَر أنَّهُم أَحِبَّاءُ الله. هذه هِيَ النِّعمَةُ العَظيمَةُ التِي نِلْنَاها، لَمْ تَكُن بِمَجهُوْدِنَا الشَّخصِي، بَل، بِعَمَل الرَّحمَة الّذي أَقَامَهُ اللهُ لَنَا "بِغَسْلِ الميلاد الثَّانِي، وَتَجْديد الرُّوح القُدُس الّذي أَفَاضَهُ عَلَيْنَا بِغَزَارَة بِيَسوع المَسيح مُخَلِّصِنَا". فَالآب أَعطَى يَسوع كُلَّ شَيء، وَيَسوع شارَكَنَا بِكُلِّ شَيء (ما عَدَى الخطِيئَة)، فَأَصْبَحَت عَطِيَّة الآب لَنَا أَيْضًا، إن قَبِلْنَا يَسوع في قُلُوْبِنَا.
ونحن:
- لَقَدْ غُسِلْنَا في جُرنِ المَعمودِيَّة لِنُوْلَدَ مِنْهُ بَنينًا روحانِيِّن للآب السَّماوِي. فَهَل نَعيش هذه البُنُوَّة من خِلال التَّمَسُّك بحياتِنَا المَسيحيَّة، وَعَيْشِهَا بِكُلِّ بِرٍّ وَتَقْوَى؟
- لَقَدْ تَجَدَّدنَا بِحُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيْنَا في العِمَاد. فَهَل نَسِيْنَا هذا التَّجديد لِنَتَلَطَّخَ مُجَدَّدًا بِأَعْمَالِنَا الشرّيرَة؟ وَإن نَسِينَا وَتَلَطَّخنَا، هَلْ نَتوب لِنَعودَ إلى حُلَّتِنَا الأُولَى التي بِهَا خَرَجْنَا مِنْ جُرن العِمَاد؟
- هَل نَقبَل يَسوع في قُلوبِنَا لِيَكونَ طَريقَنَا نَحوَ الآب؟ أَم تَبقَى قُلوبُنَا بارِدَة أمامَ مُبَادَرَة الحُبّ التي أَظهَرَ بِهَا اللهُ نَفْسَهُ للعالم، إذ أعطانا إبنَهُ لِيَجْتَذِبْنَا إلَيْه؟ 

::: الإنجيل :::

15 وفيمَا كانَ الشَّعْبُ يَنتَظِر، والـجَمِيعُ يَتَسَاءَلُونَ في قُلُوبِهِم عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ هُوَ الـمَسِيح،
16 أَجَابَ يُوحَنَّا قَائِلاً لَهُم أَجْمَعِين: "أَنَا أُعَمِّدُكُم بِالـمَاء، ويَأْتي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، مَنْ لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ. هُوَ يُعَمِّدُكُم بِالرُّوحِ القُدُسِ والنَّار.
17 في يَدِهِ الـمِذْرَى يُنَقِّي بِهَا بَيْدَرَهُ، فيَجْمَعُ القَمْحَ في أَهْرَائِهِ، وأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لا تُطْفَأ".
18 وبِأَقْوَالٍ أُخْرَى كَثيرَةٍ كانَ يُوحَنَّا يَعِظُ الشَّعْبَ ويُبَشِّرُهُم.
19 لـكِنَّ هِيرُودُسَ رئِيسَ الرُّبْع، وقَد كانَ يُوحَنَّا يُوَبِّخُهُ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا إمْرَأَةِ أَخِيه، ومِنْ أَجْلِ كُلِّ الشُّرُورِ الَّتي صَنَعَها،
20 زَادَ على تِلْكَ الشُّرُورِ كُلِّهَا أَنَّهُ أَلقَى يُوحَنَّا في السِّجْن.
21 ولـمَّا إعْتَمَدَ الشَّعْبُ كُلُّهُ، وإعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا، وكانَ يُصَلِّي، إنفَتَحَتِ السَّمَاء،
22 ونَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ القُدُسُ في صُورَةٍ جَسَديَّةٍ مِثْلِ حَمَامَة، وجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: "أَنْتَ هُوَ إبْنِي الـحَبِيب، بِكَ رَضِيت".

(إنجيل لوقا – الفصل 3 – الآيات 15 إلى 22) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا المَقطَع من الإنجيل، يُشَدِّد لوقا على إنتِظار الشَّعب للمَسيح. فهوَ يُريدُهُ أن يَأتي لِيُخَلِّص. وَعِنْدَمَا رَأوا يوحَنَّا وَسَمِعُوا أَقْوَالَهُ، بَدَأُوا يَقولون: لَعَلَّهُ هُوَ المَسيح؟ فَما كانَ مِنْ يُوحَنَّا إلاَّ أن أَجَابَهُم بالنَّفي، لِيَقولَ لَهُم مَنْ هُوَ المَسيح:
- هُوَ القَوِي الّذي يُعَمِّد بالرُّوح القُدُس وَالنَّار: لا يُظهِر الخَطِيئَة لِيَغسِلها، بَل يُظهِر رَحمَة الآب لِيُزيلَ الإنسان مِن خَطِيئَتِهِ. لا يُعطِي ما لَدَيْه، بَلْ يُعطِي ذاتَهُ بِكُلِّيَّتِهَا، لِيُجَدِّدنا وَيُحَوِّلنا كَمَا تَفعَل النَّار بِمَا تُحرِقُهُ.
- هُوَ صاحِب الأهراء: يَجمَعُ القَمْحَ –الزَّرعَ الجَيِّد- لِيُطحَنَ وَيُخبَزَ وَيُقَدَّم لله الآب المُعطِي كُلّ خَير...
ونحن:
- لَقَدْ تَعَمَّدنَا وَصِرنَا مَسكِن للرُّوح القُدُس... لِذلِكَ، لا يُمكِن أن نَقبَلَ العَيش في ماضِينَا المُظلم!
- نحنُ قَمْحُ أهراءِ المَسيح... نُجمَع بِحُبِّهِ، نُطحَن بالألَم، نُخبَز بالمَوت، وَنُقَدَّم للآب السَّماوِي بالقِيَامَة. نحنُ لن نموت إن قَبِلنَا يَسوع الّذي يَجمَعنا في أهرائِهِ!

::: قراءة آبائية :::

إذًا عِندَمَا يَأتي الرُّوحُ القُدُس، يَعْرِفُ الإنسان الحَقيقَةَ كُلَّهَا، وَعِنْدَمَا يَعْرِفُ الحَقيقَةَ كُلَّهَا، عِنْدَئِذٍ يَرْتَفِعُ الخَوْفُ مِنْهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وَعِنْدَئِذٍ يَتَحَرَّرُ تَمامًا. وَعِنْدَمَا يَتَحَرَّرُ، عِنْدَئِذٍ يَكْمُلُ وَعِنْدَمَا يَكْمُلُ إناؤُهُ وَتَتِمُّ صُوْرَتُهُ، عِنْدَئِذٍ يَنمو بالحُبّ من يَوْمٍ إلى يَوْمٍ حَتَّى اليَوم الّذي يَشَاءُ الرَّبُّ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَيْهِ، وَمَعَهُ يَكونُ مَسْكِنُهُ. هكذا هُوَ رَبُّنَا فَلا يَنْتَهِي وَلا يَتَغَيَّر، وَيَبْقَى كَمَا هُوَ، وَيَتَمَجَّد وَيَبْتَهِجُ مَعَ مُحِبِّيهِ إلى أَبَد الآبِدين.

من كِتابُ المَرَاقي (مَجهول الكاتِب- القرن الرَّابع)، العِظَة 5 

::: تــــأمّـل روحي :::

نور الله، قلب الله
من وسط المغارة شعّ نور الطفل الإلهي يسوع وجلّل الأبوين بالجسد مريم ويوسف، عائلة الناصرة المقدّسة، وأُضيئت شعلة الحبّ المعمِّدة، جاذبةً، بصوت ملاك الربّ، فقراء الأرض وودعائها المتمثلين بالرعاة الساهرين على خرافهم ترشدهم إلى مكان ولادة المخلّص المنتظَر، طفل السلام والرحمة، ثمّ ظهرت في تألّق النجم الهادي فتبعه المجوس ليسجدوا للمسيح المخلّص، وكانوا أوّل ثمرة إهتداءٍ لوثنيّين يمثّلون شعوب مختلفة من بلاد فارس والشرق، دلالةً على أنّهم كغيرهم أعضاء في جسد المسيح السرّي الّذي هو رأسه، ووارثين به ثمرة الوعد والعهد، أمّا هيرودوس - ويمثّل آخرين لم يقبلوا النور- فرفضه كما رفض دعوته إلى النور الخلاصي ليبقى في ظلمة نفسه التي فاضت عدائيّةً وإجرامًا. أمّا خوفه من ذاك الطفل الوديع يسوع، وهو الملك، فما كان إلاّ تأكيدًا على حقيقة ولادة المخلّص. يا لعظمة تلك الكلمة القدّوسة، يا لجبروتها وهي المتواضعة، زلزلت كيان ملكٍ- إمبراطورٍ حين سمع بها وهزّت عرشه بعد أن حكم شعوب اليهوديّة وبيت لحم بطغيانه وتحجّر قلبه.

النور المُعمِّد:
يا لمشروع الله الّذي لا يستطيع أحدٌ سبر أغواره إلاّ مَن دخل في قلب نور الحبّ وتمّد به، في قلب الله، حيث يُقرأ خطّة الله الخلاصية لكل إنسانٍ قَبِله.
طوبى لمن تعمّد بنور الله فإستنارت نفسه بالحقّ وأدرك أن الله حاضرٌ في أعماقه مؤمنًا أن الخلاص من نصيبه وله في الملكوت إرثًا مقدّسًا لا يفنى. ألا يقول أحد العلماء أن "الظلمة هي إنعدام النور"؟ فإذا كنّا نحن البشر على محدوديتنا حدّدنا هذه الحقيقة، أفلا ينبغي علينا الخروج من ظلمتنا إلى النور الحقيقي، نور الله المتجلّي في "إبنه الحبيب الّذي عنه قد رضيَ"؟
إنّ هذا النور وهو قلب الله قد نزل عندنا متخذًا جسدًا من جسدنا، فرأيناه طفلاً في مذود ينمو ويكبر، ومشرّدًا يهرب إلى مصر مع والديه، وولدًا صبيًا في الهيكل يصلّي يتأمّل، يجادل في الكتاب، ويعرف كيف يكون في ما هو لأبيه، وشابًا وهو الإله، يقبل المعمودية من إنسان، من يوحنّا، ثم ينطلق يعلّم ويشفي، يأكل ويشرب، يفرح ويحزن، يسامح، يغفر ولا يعاتب...

النور المطهّر:
دخل تاريخنا ليتمّ المصالحة بيننا وبين أبيه فكان الصليب طريق عبورنا إليها، حاملًا وزر خطيئتنا ليعيد إلينا صورة البهاء الإلهي غاسلاً بدمه داخل إنساننا القديم حيث تئنّ نفسنا الضعيفة، مُعِدًا إيّاها لسكنى روحه القدّوس، فتخرج للقائه متألّقةً بحلّة العرس الّتي تليق بمجد الله وحبّه الثالوثيّ.
هذا النور، نور الله في العماد، أتانا ليحرق فوضى الهشيم الّذي نبت على طريقنا صوب الخلاص فأكلها وأظلمها، "تبن" الأنانيّة والكبرياء وحبّ الظهور وآفة الطلاق بين الإنسان والله، فيرتّب من جديد كلّ ما تشوّه من مسيرتنا الخلاصية بحسب مشروعه لنا، مُخرِجًا نفوسنا إلى أرضِ الميعاد المقدّسة التي إكتملت بالصلب والقيامة.
أمام نور المسيح العظيم هذا، الّذي جلّلنا حتّى الفيض يوم خُتمنا على أسم الثالوث بشهادة الجماعة المسيحية الشاهدة، ألسنا مدعوّين إلى أن نشعّ في العالم تألقًا من خلال كل ما ننطق ونفكّر به ونفعله بتأنٍ وتناغمٍ وتناسق مع باقي الأعضاء في جسد المسيح السرّي بفضل حركة الروح الحيّة؟

لنصلّي اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى أن نخرج من فكر العالم دون أن نهتمّ للمكان والمكانة، ولنطلب من الثالوث أن يهبنا القوّة الشجاعة كي نقبل نوره في حياتنا كي نتبع خطواته دون أن نضلّ الطريق متمثّلين به في وهب الّذات بكلّ التواضع والفرح والترنيم، آمين.

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربي وإلهي ... "الإنتظار" ... الكلّ ينتظر حدوث شيئًا ما في حياته أو قدوم إنسانًا يُغيّر له حياته؛ ولعل أجمل إنتظار بإعتقادي هو مَن ينتظر الإرتباط بمَن يُحِب أو قدوم مولودًا جديدًا، وأكثرهم صعوبة هو إنتظار الأم لعودة إبنها المأسور بالحرب. هناك مَن ينتظر الحصول على وظيفة براتبٍ جيّد، أو الإنتقال إلى مسكنٍ أكبر، أو إنتظار الحصاد، أو حتى إنتظار موت إنسانًا، وأسباب الإنتظار لا تحصى.

ربي وإلهي ... أنا لا أعلم إن كان الجميع ينتظر قدومك الثاني بفرح، ولكني متيقنة بأن ظهورك الأول كان فرحًا لإنسانٍ إنتظر بفارغ الصبر قدومك، ولولا معونتك بالإدلاء على ذاتك له لما إستطاع أن يُميّزك ... هو إنتظر وأنت أريته ... هو إعتمد عليك وأنت أعنته ... هو فعل ما إستطاع أن يفعل وأنت أكملت ... هو عرف قيمة ذاته ومَن هو بالنسبة لك فقدمها لك دون تقيّد وأنت رفعته إلى رتبة "أكبر أولاد النساء" وجعلته أفضل مِن الأنبياء (متى 11: 7-14) ... هو أراد الحقّ وأنت علّمته وأريته إيّاه وقوّيته، فمَن يستطيع أن يُوبّخ دون خوفٍ من ردة الفعل بل بسلطانٍ وليس له ثقة تامة بأنك بجانبه على الدوام؟ ... هو بنعمةٍ منك، بإمتلاءه بالروح القدس وهو ما يزال بحشا أمه، كان أوّل مَن سجد فرحًا لمجرّد الإحساس بوجود "الإله المتأنس" أمامه فكان العلامة والخطوة السابقة لإمتلاء والدته بالروح القدس ومعرفة أنكَ هناك في حشا العذراء مريم.

ربي وإلهي ... يا مَن محبةً بنا رحمْتنا بالمعموديّة بإسم "الآب والإبن والروح القدس"، الميلاد الثاني لنا، أَفِض علينا الروح القدس بغزارة، بإسم يسوع الـمسيح مخلِّصنا، لنكون نحنُ أيضًا إصبعًا يُشير للآخرين إليك ويدعوهم للولادة الثانية والملكوت السماوي، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصر الله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يَقودوا الشعبَ إلى المسيحِ بأعمالِهم الصّادقة وتواضُعِهم، نسألك يا رَب.
2- إمنَحنا النِّعمةَ والقوَّةَ، فنُطيعَ وصاياكَ بلا تردُّد، مُبتَعِدينَ عنِ الحِقدِ والحَسَد، مُلتَزِمينَ بالوَداعةِ، مُتَسَلِّحينَ بالصَّلاة، فتجمَعُنا كالقَمحِ في أهرائك، نسألك يا رب.
3- أعطنا الجُرأةَ فنقولَ الحقَّ من دونِ وقاحةٍ، ونُشيدُ بِفَضلِكَ في كلِّ أعمالِنا النَّاجحة، جاعلاً مِنَّا أبناءً لكَ بالمسيحِ يسوع، وبهِ ومعه ننالُ رِضاكَ، نسألك يا رب.
4- كثيرٌ منَ المَرضَى ومِن مُنكَسِري القلوبِ ينتظرونَ ظهورَكَ الإلَهيَّ في حياتِهم لِتُبَلسِمَ جِراحَهم، لِيَكُن ظهورُك دايِم دايِم دائمًا في كلِّ ظروفِ حَياتِنا، فننالُ الشِّفاءَ بالرَّجاء، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) إستقبِل في حِضنِك الأبَوِيّ جميعَ المُنتَقِلينَ من هذه الحياة، لا تنظُر إلى خطيئتِهم، بل أنظر إلى مَنِ تجسَّدَ وإعتمدَ لِيَعيشَ إنسانيَّتَنا ويُخَلِّصَنا من خَطيئتنا، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

لم تنظُر إلى أعمالِ برٍّ عَمِلناها،
بَل على قَدرِ رَحمتِكَ خلَّصتَنا بِغَسلِ الميلادِ الثَّاني،
وما الميلادُ الثَّاني إلاّ المَعموديّة،
لَم تنظُر إلى إثمِنا،
بَل شاهدتَ ضُعفَنا وشِدّةَ حاجَتِنا إلى الخلاص،
فأرسلتَ المسيحَ مُتَجسِّدًا،
لِيَكونَ المِثالَ أمامَنا بِمَعموديَّتِه وحياتِه الخاليةِ من الخطيئةِ،
نشكرك، نحمدك، ونعبدكَ مع إبنكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.


الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة، أفكار على ضوء الإنجيل وقراءة آبائية

من إعداد

الخوري فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

رتبة تبريك المياه
من طباعة
الخوري فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts