الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد


عيد الميلاد
(25 كانون الأول 2017)

::: مـقدّمــة :::

• إنتَمَى اللهُ لِبَشَرِيَّتِنَا! إنْتَمَى إلَيْنَا لِنَنتَمِيْ نحنُ إلَيْه... لِذَلِكَ قالَ المَلاك للرُّعاة: "إنِّي أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظيم!" وَعَظَمَةُ هذا الفَرَح تَكْمُنُ في أَنَّ الإلهَ القَدير، صارَ طِفلاً مُقَمَّطًا في مِذوَد. لَمْ يَعُد الحُبُّ فِكْرَةً مُجَرَّدَة، بَل أصْبَحَ جَسَدًا...
• في الرِّسالَةِ إلى العِبرانيين يُشَدِّد الكاتِب على عَطِيَّة الله للبَشَرِيَّة: يَسوع. فالآب، وَلأنَّهُ أَحَبَّ الإنْسَان، رَضِيَ بإبنِهِ أنْ يُصبِحَ إنْسَانًا، وَذلِكَ لِيَقولَ للبَشَرِيَّةِ جَمْعاء أنَّهُ أَبَاها المُحِبّ.
• في الإنجيل يَروي لوقا حدث الميلاد، وَيُرَكِّز على الفَرَح الّذي حَلَّ في الأرض إذ صارَ اللهُ إنْسَانًا لِيُخَلِّصَ البَشَر.
• نحنُ مَدعوون في هذا العيد لِنَتَأمَّلَ بِإنْسَانِيَّتِنَا التي أَحَبَّها اللهُ أَكْثَرَ مِمَّا نُحِبُّها. لِنَتَأمَّل بِإنْسَانِيَّتِنَا وَنَكْشِف دَعوَتَهَا الأَساسِيَّة، وَهيَ أنَّها بِيَسوع صارَت من الله وَبالله! 

:::::: صـلاة :::

»أنتَ ٱبْني، أنا ٱليَوْمَ وَلَدْتُكَ« نَعَم يا رَبّ! في كُلِّ مَرَّةٍ أَسْمَعُ هذه الآيَة أتَذَكَّرُ كَمْ أَحْبَبْتَنِي لأنِّي إبنَكَ! أنتَ لَمْ تَنْظُر إلَيَّ كَمَا أنْظُرُ أنَا لِنَفْسِي... أنْا أَقولُ عَنْ نَفْسِيْ أَجيرًا عِنْدَكَ، وَأنْتَ السَّيِّد، وَأنْتَ تُعلِن: »أنا أكونُ لَهُ أبًا، وَهوَ يَكونُ لِيَ ٱبْنًا«... فَما أَعْظَمَكَ يا أبي!
لَمْ تَكْتَفِ بِذلِكَ، بَل أرْسَلْتَ إبْنَكَ لِيَصيرَ أَخي بالإنْسَانِيَّة، وَأمَرْتَ: »فَلْتَسْجُد لَهُ جَميعُ مَلائِكَةِ ٱلله!« لأَعْرِفَ أنِّي لَنْ أُدْعَى عِنْدَكَ عَبْدًا بَعْدَ الآن، بَلْ إبْنًا حَبيبًا بالمَجْدِ وَالكَرَامَةِ كَلَّلْتَهُ! المَجْدُ لَكَ، أنْتَ »الصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أرْواحًا، وَخُدَّامَهُ لَهيبَ نار«!
تَعَالَ يَا رَبّ، وَإمْلِك في نَفْسِي العَطشَى لِحُضُوْرِكَ، »فَعَرْشُكَ، يا الله، لِدَهْرِ ٱلدُّهور، وَصَوْلَجانُ ٱلإسْتِقامَةِ صَوْلَجانُ مُلْكِكَ. أحْبَبْتَ ٱلبِرَّ وَأبْغَضْتَ ٱلإثم. لِذلِكَ مَسَحَكَ إلهُكَ، يا الله، بِدُهْنِ ٱلبَهْجَةِ أفْضَلَ مِنْ شُرَكائِكَ« وَأَنَ أُسَبِّحُكَ، أَفْرَحُ فَرَحًا عَظيمًا وَأنْتَ تَدْعُوْنِي لأَجْلِسَ مَعَك: »إجْلِسْ عَنْ يَميني حَتَّى أجْعَلَ أعْداءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ«. »أنتَ، يا رَبّ، في البَدْءِ أسَّستَ ٱلأرض، وَٱلسَّماواتُ صُنْعُ يَدَيْكَ. هِيَ تَزولُ وَأنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّها كالثَّوْبِ تَبْلَى، وَتَطْويها كالرِّداء، وَكالثَّوْبِ تَتَبَدَّل، وَأنْتَ أنْتَ وَسِنوكَ لَنْ تَفْنَى«... لَكَ المَجدُ مَعَ إبْنِكَ وَروحِكَ القُدُّوس إلى الأَبَد، آمين. 

::: الرسالة :::

1 إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى،
2 وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الإبْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين.
3 وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الـجَلالَةِ في الأَعَالِي،
4 فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الإسْمُ الَّذي وَرِثَهُ أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم.
5 فَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ اللهُ يَومًا: "أَنْتَ إبْنِي، أَنَا اليَومَ وَلَدْتُكَ"؟ وقَالَ أَيْضًا: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وهُوَ يَكُونُ ليَ إبْنًا"؟
6 أَمَّا عِنْدَمَا يُدْخِلُ إبْنَهُ البِكْرَ إِلى العَالَمِ فَيَقُول: "فَلْتَسْجُدْ لَهُ جَمِيعُ مَلائِكَةِ الله!".
7 وعَنِ الـمَلائِكَةِ يَقُول: "الصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أَرْوَاحًا، وخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار".
8 أَمَّا عَنِ الإبْنِ فَيَقُول: "عَرْشُكَ يَا الله، لِدَهْرِ الدَّهْر، وصَولَجَانُ الإسْتِقَامَةِ صَولَجَانُ مُلْكِكَ.
9 أَحْبَبْتَ البِرَّ وأَبْغَضْتَ الإِثْم. لِذلِكَ مَسَحَكَ إِلـهُكَ، يا الله، بِدُهْنِ البَهْجَةِ أَفْضَلَ مِنْ شُرَكَائِكَ".
10 ويَقُولُ أَيْضًا: "أَنتَ، يَا رَبّ، في البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْض، والسَّمَاوَاتُ صُنْعُ يَدَيْك.
11 هِيَ تَزُولُ وأَنْتَ تَبْقَى، وكُلُّهَا كَالثَّوبِ تَبْلَى،
12 وتَطْوِيهَا كَالرِّدَاء، وكالثَّوبِ تَتَبَدَّل، وأَنْتَ أَنْتَ وسُنُوكَ لَنْ تَفْنَى".
13 وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قالَ اللهُ يَومًا: "إِجْلِسْ عَن يَمِينِي حَتَّى أَجْعَلَ أَعدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْك"؟
14 أَلَيْسُوا جَمِيعُهُم أَرْوَاحًا مُكَلَّفِينَ بِالـخِدْمَة، يُرْسَلُونَ في خِدْمَةٍ لِلَّذِينَ سَوْفَ يَرِثُونَ الـخَلاص؟

 (الرسالة إلى العبرانيّين – الفصل 1 – الآيات 1 إلى 14) 

::: تـأمّــل من وحي الرسالة :::

(سبق نشره في 2015)

في هذا النّص من الرِّسالَة إلى العِبرانيين، يُشَدِّد كاتب الرِّسالَة على أَمر أساسي وَهوَ أنَّهُ بِيَسوع المَسيح، لَمْ يَعُد هُنَاكَ فاصِلٌ يَحجُبُ السَّماءَ عَنِ الأَرض! فالكَاتِب يُظهِر لَنَا عَظَمَة الإبن الّذي تَجَسَّدَ لِتَطهيرِ خَطَايانا، وَبِوَصْفِهِ هذه العَظَمَة يَفهَم القارِئ أَنَّهُ مَعنِيٌّ مُباشَرَةً بِهَا، بِمَا أنَّ الإبن صارَ أَخًا لَهُ بالإنْسَانِيَّة:
- أنْتَ إبْنِي، أَنَا اليَومَ وَلَدْتُكَ: فالوِلادَةُ مِنَ الله لَيْسَت حَدَثًا ماضِيًا، بَلْ هُوَ حَدَثٌ آنِيّ (اليَوم) وَهوَ حَدَثٌ مُتَجَدِّدٌ دائِمًا أَبَدًا...
- فَلتَسْجُدْ لَهُ جَميعَ مَلائِكَةِ الله: فالمَلاك هُوَ المُرسَل من الله، وَهوَ الخادم الأمين لله. فَبِسُجُود المَلائِكَة للإبن المُتَجَسِّد، نَفهَم أنَّ كُلّ مَنْ يَقبَل الإبن، وَيَجْعَلهُ في أساس حَيَاتِهِ هُوَ عَظيمٌ في مَلَكوت الله.
- إجلِسْ عَنْ يَميني حَتَّى أجْعَلَ أَعْدَائَكَ مَوطِئًا لِقَدَمَيك: فالعَدُوّ الأَوْحَد وَالأكبَر هُوَ المَوت، وَالنَّصر الأَكبَر هُوَ الإنتِصَارُ على المَوت. فَتَجَسُّد الإبن يَقول لنا أنَّهُ كَمَا بِجَسَدِهِ البَشَرِيِّ ذاقَ المَوتَ وَقَام، سَنَقومُ نحنُ أَيْضًا بِجَسَدِنَا وَنَكسِر المَوت. وَالله بِتَجَسُّد المَسيح، يُعْلِنُ لَنَا النَّصْرَ مُنذُ بِدَايَةِ مَعْرَكَتِنَا، وَلا أَحَدَ يُحِبُّ الله يَخسَر مَعْرَكَتَهُ!

ونحن:
- هل نحنُ مُدرِكُون لِعَظَمَة مَحَبَّة الله لنا؟! هذا السُّؤال يَتَكَرَّر في كُلّ أَحَد من آحاد زمن الميلاد، لأنَّهُ في أساس إيماننا!
- لِنَتَأمَّل بِذَوَاتِنَا، هل نحنُ للإبن لِنَصيرَ بِذلِكَ أَبْنَاءَ الآب؟ أم نحنُ لِشَهَوَاتِنَا، وَنَظَرَاتِنَا الحاقِدَة، وَمَشَاريعِنَا الزَّائِفَة؟
- هَلْ نُدْرِكُ بِأنَّ مَعرَكَتَنَا في هذه الحياة هِيَ دَوْمًا مَعرَكَة رابِحَة، إن كُنَّا لله كَمَا صارَ اللهُ مِنَّا بِتَجَسُّد إبنِهِ؟ 

::: الإنجيل :::

1 وفي تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ كُلِّ الـمَعْمُورَة.
2 جَرَى هـذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا على سُورِيَّا.
3 وكانَ الـجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ، لِيَكْتَتِبوا فِيهَا.
4 وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الـجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة، إِلى اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم، لأَنَّهُ كَانَ مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ،
5 لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل.
6 وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد،
7 فوَلَدَتِ إبنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف.
8 وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الـحُقُول، ويَسْهَرُونَ في هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم.
9 فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ حَولَهُم، فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا.
10 فقالَ لَـهمُ الـمَلاك: "لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ،
11 لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ الـمَسِيحُ الرَّبّ، في مَدِينَةِ دَاوُد.
12 وهـذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في مِذْوَد!".
13 وإنْضَمَّ فَجْأَةً إِلى الـمَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الـجُنْدِ السَّمَاوِيِّ يُسَبِّحُونَ اللهَ ويَقُولُون:
14 "الـمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ الصَّالِحُ لِبَني البَشَر".
15 ولَمَّا إنْصَرَفَ الـمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ الرُّعَاةُ بَعْضُهُم لِبَعْض: "هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى هـذَا الأَمْرَ الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ".
16 وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في الـمِذْوَد.
17 ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هـذَا الصَّبِيّ.
18 وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة.
19 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هـذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا، وتتَأَمَّلُهَا في قَلْبِهَا.
20 ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على كُلِّ ما سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.

 (إنجيل لوقا – الفصل 2 - الآيات 1 إلى 20) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

لا يمكن لأيّ إنسانٍ مسيحيّ ألّا أن يتوقّف في هذا اليوم أمام عظمة سرّ التجسّد الإلهيّ!
الله، خالق هذا الكون وما فيه، يتجسّد طفلاً صغيرًا مُعرّضًا لشتّى أنواع المخاطر ولاحقًا الإضطهاد الّذي لاحقه منذ الطّفولة وحتّى لحظة الصلب التي أدّت إلى الموت فالقيامة!
كم يحبّنا هذا الله الّذي "أخلى ذاته" (فيليبّي 2: 7) كليًّا"من أجلنا ومن أجل خلاصنا" (كما نقول في قانون الإيمان).
اليوم، أمام هذه المحبّة، لا بدّ لنا من سؤال ذواتنا: هل نُقدِّر فعلاً ما قام به الله من أجلنا؟ وهل نحن على إستعداد لمبادلته هذه المحبّة؟
ولد المسيح... هللويا! 

::: تــــأمّـل روحي :::

بين الأمس واليوم كلّ شيءٍ تغيّر في حياة الإنسان: من الـ"نعم" للعالم وقوّته في إطارٍ محدود، نعمٍ أورثتنا إيّاها حواء الأولى، إلى "نعم" مريم، حواء الثانية، لمشروع الله الخلاصيّ للإنسان وقدرته القدّوسة في المشارق والمغارب كلّها. أمّا نحن فما زلنا نتأرجح بينهما؛ وإذا ما تأملنا في مذود يسوع نرى أن هاتين الإرادتين لِلْـ"نعم" تلتقيان في حدث ميلاد يسوع:

فرض الإكتتاب: بـ"نعمٍ" لمشروعٍ بشريّ، توّجهت الناحية كلّها –ومنها مَن كان مرغمًا- إلى بيت لحم من أجل الإكتتابِ بأمرٍ من أغوسطوس قيصر، بهدف إحصاءٍ يضع قدرته وإمتداد نفوذه في الميزان، يتغذّى بقاؤه من تعب البشر وعرق جبينهم، الّذين هم إكسير حياته السُلطَويّة.

الجميع دون إستثناءٍ عليه طاعة الأوامر المفروضة بحيث يصبح كلّ شيءٍ يدور في فلكه ولا أحد سواه. هكذا، وبِيَدٍ من حديد يستطيع أن يمسك زمام الأمور ليُبرهن لنفسه قبل الآخرين أنّه وحده الآمر الناهي وهو وحده له الحكم وفعل ما يراه مناسبًا للإبقاء على ثبات عرشه. ومنذ ذلك الوقت أصبح من غير الممكن له أن يتصوّر ظهور قوّةٍ أو قدرةٍ أو سلطة تفوقه لإعتبارها تهديدًا له ولبقائه في سدّة القيادة من جهة، وخوفًا ألاّ يبقى محطّ أنظار الجميع ونقطة الإرتكاز لكلّ عملٍ سياسي -توسّعي- "إمبراطوريّ" في المنطقة من جهةٍ أخرى.

دعوة للحياة: وفي قلب عتمة هذا كلّه، تظهر ثمرة "نعم" الحبّ، "نعم" النور للقلوب المظلمة، "نعم" الحياة التي جذبت إليها ملوك المشرق، وكلّمت الرعاة في البريّة، الّذين هم أيضًا أتوا إلى مكان الإكتتاب نفسه، إلى اليهوديّة، ولكنّ، هم عرفوا كيف يرون النور ويميّزونه بنعمة من الروح الساكن فيهم فتبعوه، كما أنّ الرعاة، لبساطة إيمانهم وإنتظارهم بشوق لتحقيق الوعد بمجيء المخلّص، أتتهم البشرى ودخلت أعماقهم كما موسيقى الناي التي إعتادت التغلغل في كيانهم مع مغيب وشروق كلّ شمس، والتي ما لبثت أن رافقت الملائكة بترانيم "المجد للّه في العلى وعلى الأرض السلام". نعم صحيح، ملائكة الربّ بشّرت بميلاد السلام في مذودٍ صغيرٍ على الأرض حيث لن يبقى من مكانٍ للموت، لا للحقد ولا للكراهية. في عمق هذا التواضع والفقر، تغذّت هذه الـ"ثمرة" المولودة، من حنان أم النعم ولُفّت بأقمطة الحبّ الخالص، وتدفّأت على اللهاث في الإسطبل. هناك تجلّى حضور الله بين البشر وشاركنا بشريّتنا بكلمته المتجسّدة، يسوع إبنه، كي نشاركه بواسطته ألوهيّته. هناك، جمع الطفل المولود، الفقير والغنيّ، الملك والراعي ليقول لنا أنّه هو الملك والراعي الحقيقي لخرافه (الشعب)، وأنّه قد أتى من أجلهم ومن أجلنا جميعًا "ليُبطِل كلّ رئاسةٍ وكلّ سلطانٍ وكلّ قوّة".

هذه الحياة المولودة، نادت كل إنسانٍ بطريقة مختلفة، بلطفٍ كبير، برقّةٍ لا مثيل لها، وفرحٍ لا نختبره إلاّ في السماء الحيّة فينا، دون أن تفرض نفسها. نادت لتقول لنا أن الوعد قد تحقّق، وأنّ الحريّة قد إستعدناها بميلاد عهدٍ جديدٍ مصالَحٍ مع السّماء.

اليوم، ووسط تحديّاتٍ لا حصر لها تسرق منّا النور الحقيقي لتوهمنا بسرابٍ يبرق في صحراء حياتنا، نجِد في أعماقنا صوت الله يدعونا لإتّباع نوره نحو واحة الحياة، إبنه يسوع الّذي منه نستقي الماء الّذي لا يجعلنا نعطش أبدًا. ربّما يشدّنا السراب حين نشعر بالضعف، لكن الحياة الحقيقيّة رغم أنّها أبعد من محدوديتنا، ومن كلّ توقّعاتنا، فهي أقوى ولا تفتأ تنادينا لنعيشها بالملء. هي تدعونا لنعود إلى بيت لحم لنتحرّر من أحمالٍ ترهق كاهلنا بعالمها، تدعونا لنَقبَل لفائف الطفل يسوع وأقمطته، ونأخذ مكاننا بين ذراعيه في المذود ليعيد إلينا حياةً من حياته، وبراءةً من براءته وفرحًا بحبٍ يفيض من ذاته فينا. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... الوقت هو أول ما خلقته حين ميَّزتَ بين الليل والنهار ومن ثم التأريخ بتوالي الأيام والمواسم، وجعلت لكل موسم ميّزات وأيضًا شواهد لتُعلن قرب مجيئها فيتهيء الإنسان ويعرفها متى حلّت. أمورٌ تتكرر كل سنة، ألأجل أن لا تُنسى أو لمَن سيأتي في الجيل القادم ولَم يحظى بحدوثها فلا يُحرمُ منها؟

ربّي وإلهي ... سنةٌ بعد سنة تُذكّرنا في يوم ذكرى ميلاد الرّب يسوع المجيد بأننا من خرافك وقد أعددتَ لنا غذاءً، وتقول لنا: "أيها القطيع الصغير لا تخافوا فإنّكم لن تجوعوا بعد الآن، فغذائكم قد أُعطي لكم وهو سيكون معكم على الدوام، وأنا قد أرشدْتُ رعاتكم إلى المذود الّذي ملأته بخبز الحياة الّذي لا يَنفِد. تعالوا لتحيوا". سنةٌ بعد سنة نتأمّل بمدى تواضعك إذ تجسّدتْ "الكلمة" فوُلِد "إبن الله" بعيدًا عن مكان الراحة وقُمّط ووُضع في مذود في مكانٍ لا يليق بالملك المُنتظر، وبهذا أردت لنا أن نتنازل عن كبريائنا والـ"أنا" ونُصبح وضعاء على مِثاله ومِثال أمّه لنتمكن من رؤيتك وحبك فنمجّدك ونُسبّحك بفرحٍ وإبتهاج إلى الأبد، ونُخبِّر الآخرين بعظمتك.

ربّي وإلهي ... نشكرك على الهدية الغالية التي أعطيتنا إيّاها في ليلة عيد الميلاد. هذه الهدية التي إبتدأ العالم بفتح ما يُغلّفها في يوم ميلاد إبنك الحبيب، ويومًا بعد يوم نكتشف ونُشاهد جمال وغِنى هذه الهدية، ونستمتع وننتعش بالينابيع التي تدفّقت منها دون إنقطاع، من قلبك السامي لمحبتك لنا. يومٌ بعد يوم يزدادُ إندهاشنا وفرحنا بإستلام ما وعدتنا به حين تكلّمت مع نبيّك أشعيا (41: 13-20). نشكرك يا إلهنا لأننا بالإيمان يمكننا حين نتقدّم لأخذ القربان المقدس أن نشاهد المسيح المتجلّي وبيده إناء الماء الحي، يُعطينا روحه القدوس فنأخذ منه ‘القداسة والمحبة‘ و‘المغفرة والتعزية والسلام‘ و‘القوة للتغلب على إبليس وأعوانه‘ و‘الرحمة والمعونة الإلهية‘ ومن ثم نعطيها للآخرين (يوحنا 7: 37، رؤيا يوحنا 22: 17). بهذه الخيرات التي وعدت بها أبناء يعقوب [إسرائيل]، جعلت شعوب العالم أجمع روحيًّا من "بني إسرائيل" الّذين ينظرون إلى مدينتك المقدسة "أورشليم الأرضية والسماوية" ويقولون: "فيكِ جميعُ ينابيعي" (مزمور 87: 7). الشكر لك على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) في ذكرى ولادةِ المسيح على الأرض، نصلّي من أجلِ كنيستِنا والمسؤولينَ فيها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يكونوا رُعاةً حقيقيّين يسهرونَ على سلامةِ قطيعِهم الروحيّ في هجعاتِ الليل، نسألك يا رب.
2- أعطنا أن نفهمَ معنى الخلاص الّذي وُلِدَ لنا في مثلِ هذا اليوم، فلا نتركهُ خارِجًا لأنّ لا مكانَ له، بل نستقبلُه في قلبِ حياتِنا، كَي يُنيرَ الخَبايا المُظلِمة ويُخلِّصَها مِن كلِّ خوفٍ وإدمانٍ وحُزنٍ ورذيلة، نسألك يا رب.
3- أعطنا أن نعيشَ الفرحَ الحقيقيَّ بِوِلادةِ المسيح، مهما بلغَ بنا الثراءَ أوِ الفَقر، فنحتفلَ بِصاحبِ العيد وليسَ بما يُحيطُ بِهذا الحَدَث مِن مَظاهِرَ زائلة، نسألك يا رب.
4- في ذكرى ولادةِ المسيح على الأرض، نُهديكَ مَرضانا، بَلسِم جروحاتِهم النفسيَّة والجسديَّة، وإمحُ آلامَهم، فيَعيشوا الميلادَ بِسلامٍ وراحةٍ، نسألك يا ربّ.
5- (المحتفل) إستقبِل في أحضانِك، كلَّ الّذين سبقونا كَي يكتبوا أسماءَهُم في سفرِكَ السّماوي، فلا يكونوا ضيوفًا لا مَكانَ لهم، بل أبناءً منازِلُهُم مُعَدَّة مِن قَبلِ إنشاءِ العالم، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

سَمِعتَ صُراخَ إستِغاثَتِنا،
فلَم تَقوَ أن تترُكَنا في اليأسِ والعبوديَّة،
ترَكتَ مجدَك، لِتُولَدَ في مِذوَد،
تركتَ عرشَكَ لِتَعيشَ مع الإنسان،
تركتَ الخالقَ لِتأخذَ جسدَ المَخلوق،
لا لِشَيءٍ، بَل لأنّك أحببتَنا... فشكرًا لك
شكرًا على جسدك ودمكَ الأقدسَين،
شكرًا وحَمدًا على أبيكَ وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.


الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة وأفكار من الرّسالة

من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts