الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد


أحد بشارة زكريا
(19 تشرين الثاني 2017)

::: مـقدّمــة :::

في هذا الأَحَد، نَبدَأ مَسيرَتَنَا التَّأَمُّلِيَّة بِسِرِّ التَّجَسُّد العَظيم، وَنَتَهَيَّأ من خِلال هذه المَسيرَة لإستِقبال "المَسيح إبنُ الله الحَيّ" في قُلوبِنَا... في أَحَد بِشَارَة زَكَرِيَّا، تَضَعُ الكَنيسَة أَمامَنَا قِراءَتَين مُهِمَّتَيْن على صَعيدِ إيْماننا الشَّخصِي بالله، وَعَلاقَتنا الشَّخصِيَّة بِهِ:
- في الرِّسالَةِ إلى أَهْلِ رومَا يُشَدِّد بُولُس على وحدة النَّسل الّذي لَهُ الوَعد. هذا النَّسل ليسَ إرتِباطًا بيولوجِيًّا، إنَّمَا إرتِباطًا إيمانِيًّا. فَكُلّ مُؤمِنٍ بالله، وَكُلّ مُؤمِنٍ بِأَنَّ اللهَ سَيُحَقِّق وَعْدَهُ الّذي قَطَعَهُ لإبْراهِيْم، هُوَ إبْنٌ لإبْرَاهيم، وَمُرتَبِطٌ بِنَسْلِهِ.
- في الإنجيل، يَضَعُ لوقَا أمامَنَا مَشهَد زَكَرِيَّا الكاهن البارّ، المَدعو للحِفاظ على إيْمان إبراهيم، يُشْبِهُ إبراهيم بِأَنَّهُ صاحِب الطّلبَة الوَحيدَة: "أُريدُ وَلَد". وَبَعدَ إستِجابَة الطّلبة المُتَكَرِّرَة، تَتَواجَه حِسَاباتُهُ الشَّخصِيَّة مَعَ الإرادَة الإلهِيَّة، فَتَظهَر أَزَمَة الإيْمان التي أَرهَقَتْهُ لِسِنين...
في هذا الأَحَد نحنُ مَدعوون لِنُجيبَ على سُؤالَيْن أَساسِيَّين:
- هَل نحن أَبناءً حَقيقيين لإبراهيم؟
- لِمَنْ نُصَلِّي وَمَاذا نَطْلُبُ مِنْهُ؟ 

:::::: صـلاة :::

يا أَبَانَا السَّماوي، نُمَجِّدُكَ على عَطاياكَ اللامُتَنَاهِيَة. أَنْتَ الّذي بِحُبِّكَ أَعْطَيْتَنَا بإبنِكَ كُلَّ شَيء وَوَهَبْتَنَا الحَيَاة. أَعْطِنَا أَنْ نَشْكُرَكَ على هذه النِّعمَة، وَنُقَدِّرَهَا، لِنَجْعَلَ فينَا وَفي الآخَرينَ كُلَّ شَيء جَديدًا.
أَيُّها الإبن الوَحيد يَسوع، أَنْتَ الآتِي إلى ظُلمَةِ قُلوبِنَا، إلَى عَتمَةِ أَفْكَارِنَا، إلى دُروبِ حَيَاتِنَا، لِتُضِيءَ فيهَا بِنُورِ حَقِّكَ... عَلِّمنَا أَنْ نَقومَ بِكَ أَمامَ الآب قابِل الصَّلَوَات وَمُسْتَجِيب الطِّلبات، فَنَعْرِفَ أَنْ نُنَاديه أبانا...
أَيُّها الرُّوحُ المُحيي، يا مُعطِي المَوَاهِب. إجعَل حَيَاتَكَ في قُلوبِنَا، فَنَعْرِفَ مَعنَى وُجودِنَا، وَنَحمِل نور المَسيح إلى العالم. آمين. 

::: الرسالة :::

13 فَالْوَعْدُ لإِبْرَاهيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلعَالَم، لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ الشَّرِيعَة، بَلْ بالبِرِّ الَّذي نَالَهُ بالإِيْمَان.
14 فلَوْ كَانَ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ هُمُ الوَارِثِين، لأُبْطِلَ الإِيْمَان، وأُلْغِيَ الوَعْد؛
15 لأَنَّ الشَّرِيعَةَ تُسَبِّبُ غَضَبَ الله؛ وحَيْثُ لا شَرِيعَة، فَلا تَعَدِّيَ لِلشَّرِيعَة.
16 لِذلِكَ فَأَهْلُ الإِيْمَانِ هُمُ الوَارِثُون، لِكَي تَكُونَ الوِرَاثَةُ هِبَةً مِنَ الله. وهـكَذَا تَحَقَّقَ الوَعْدُ لِكُلِّ نَسْلِ إِبْرَاهيم، لا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِيْمَان، إِيْمَانِ إِبْرَاهِيم، الَّذي هُوَ أَبٌ لَنَا أَجْمَعِين؛
17 كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "إِنِّي جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَة". فَإِبْرَاهِيمُ الَّذي آمَنَ باللهِ هُوَ أَبٌ لَنَا أَمَامَ الله، الَّذي يُحْيي الأَمْوَات، ويَدْعُو غَيْرَ الـمَوْجُودِ إِلى الوُجُود.
18 وقَدْ آمَنَ إِبْرَاهيمُ رَاجِيًا عَلى غَيرِ رَجَاء، بِأَنَّهُ سَيَصيرُ أَبًا لأُمَمٍ كَثيرَة، كَمَا قِيلَ لَهُ: "هـكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ".
19 ولَمْ يَضْعُفْ بِإِيْمَانِهِ، بِرَغْمِ أَنَّهُ رأَى، وهُوَ إبنُ نَحْوِ مِئَةِ سَنَة، أَنَّ جَسَدَهُ مَائِت، وأَنَّ حَشَا سَارَةَ قَدْ مَات.
20 وبِنَاءً عَلى وَعْدِ الله، مَا شَكَّ وَلا تَرَدَّد، بَلْ تَقَوَّى بالإِيْمَان، ومَجَّدَ الله.
21 وأَيْقَنَ مِلْءَ اليَقِينِ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُنْجِزَ مَا وَعَدَ بِهِ.
22 فَلِذلِكَ حُسِبَ لَهُ إِيْمَانُهُ بِرًّا.
23 ولَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ "حُسِبَ لَهُ بِرًّا"،
24 بَلْ كُتِبَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا بِرًّا، لأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِالَّذي أَقَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يَسُوعَ رَبَّنَا،
25 الَّذي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ زَلاَّتِنَا، وأُقيمَ مِنْ أَجْلِ تَبْريرِنَا.

(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 4 – الآيات 13 إلى 25) 

::: حـــول الرسالة :::

في هذا المَقطَع من الرِّسالَة إلى أهل روما يُرَكِّزُ بولُس الرَّسول على نُقطَتَين هامَّتَين:
- إبراهيم المُؤمِن بِوَعدِ الله "ما شَكَّ وَلا تَرَدَّد، بَل تَقَوَّى بالإيْمَان": فَالشَّك وَالتَّرَدُّد هُمَا عَدُوَّي الإيْمان، وَقاتِلَي الرَّجَاء، وَمُمَيتا الرُّوح. فالشَّك هُوَ وَضع قُوَّة الله المُحيية موضع التَّساؤل، والتَّرَدُّد هُوَ عَدَم القِيَام بِمَا علينا، بسبب خَوفِنَا من الله... فإبرَاهيم لَمْ يَشُكّ وَلَمْ يَتَرَدَّد، وَلَمْ يَضَع الله في خانَة المُسَائَلَة. لقد قَبِلَ مِنْهُ كُلَّ شَيء بِطِيْبِ خاطِر، وَمَجَّدَهُ على كُلِّ عَطَيَاه. فإبراهيم يَعلَمُ جَيِّدًا أنَّهُ لَمْ يُعْطِ اللهَ شَيئًا، بَلِ اللهُ هُوَ الّذي أَعْطَاهُ كُلَّ مَا لَدَيْه. صَحيحٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ في الوَقتِ الّذي يُريدُهُ كُلَّ مَا يَتَمَنَّاه، بَلْ أَعْطَاهُ كُلَّ مَا هُوَ خَير في الوَقتِ المُنَاسِب.
- إبراهيم المُؤمِن بِوَعْدِ الله "أَيْقَنَ مِلءَ اليَقينِ أنَّ اللهَ قادِرٌ أَنْ يُنْجِزَ مَا وَعَدَ بِهِ": فاليَقين، هُوَ الشُّعور بِأَنَّ ما وُعِدَ بِهِ سَيَكونُ لَوْ مَهما طال. فاليَقينُ بالرَّب هُوَ التَّمَتُّع بِأَمَانَتِهِ التي لا يُمكِنُ لأَحَدٍ على الأَرض أن يَعيشَهَا. فَكُلُّ مَحدودٍ أَمينٌ على مَا هُوَ مَحدود. وَالعَطِيَّة اللامُتَنَاهِيَة يُعطِيها الأَمينُ الّذي لا نِهَايَةَ لَهُ.

ونحن:

- كَثيرًا ما نَشُكُّ بالله لأَنَّهُ لا يُلَبِّي إرَادَتَنَا بالطَّريقَةِ وَالوَقْتِ الّذَيْنِ نُريدَهُمَا. وَكَتيرًا ما نَتَرَدَّدُ بِقِيَامِنَا بِمَا عَلَيْنَا أمامَ الله خَوْفًا من عَدَم حُصُولِنَا على الأَجْر. فإن كُنَّا أَبْنَاءً لله، فَلِمَاذا لا نَثِقُ بِهِ كَمَا نَثِقُ بِآبَائِنَا الأَرْضيين؟ وَإنْ كُنَّا أبْنَاءً لله، لِمَاذا ننتَظِرُ مِنْهُ الأَجْرَ كالعَبيد؟ الشَّك وَالتَّرَدُّد هُوَ عَلامَة لِعَدَمْ فَهْمِنَا لِمَشِيئَةِ اللهِ في حَيَاتِنَا. أَلا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَقَوَّى بالإيْمَانِ لِنَكونَ أَبْنَاءً فِعْلِيينَ للآبِ السَّماوي؟
- هَلُ نُؤمِن بِأنَّ اللهَ قادِرٌ على كُلِّ شَيء؟ فَإن كُنَّا نُؤمِنُ كَذلِك، لِمَاذا نَتَّكِلُ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ على قُدُرَاتِنَا، في حِين يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُوْكِلَ إلى الله أَفْكَارَنَا وَعُقُوْلَنَا وَقُلُوْبَنَا لِكَيْ يَعْمَلَ بِهَا مَشيئَتَهُ وَيَظْهَرَ مِنْ خِلالِهَا للعالَم؟ 

::: الإنجيل :::

1 بِمَا أَنَّ كثيرينَ أَخَذُوا يُرَتِّبونَ رِوَايةً لِلأَحْدَاثِ الَّتي تَمَّتْ عِنْدَنا،
2 كَمَا سَلَّمَها إِلَيْنَا مَنْ كَانُوا مُنْذُ البَدْءِ شُهُودَ عِيَانٍ لِلْكَلِمَة، ثُمَّ صَارُوا خُدَّامًا لَهَا،
3 رَأَيْتُ أَنا أَيْضًا، أَيُّهَا الشَّرِيفُ تِيُوفِيل، أَنْ أَكْتُبَها لَكَ بِحَسَبِ تَرْتِيِبهَا، بَعْدَما تَتَبَّعْتُهَا كُلَّها، مُنْذُ بِدَايَتِهَا، تَتَبُّعًا دَقيقًا،
4 لِكَي تَتَيَقَّنَ صِحَّةَ الكَلامِ الَّذي وُعِظْتَ بِهِ.
5 كَانَ في أَيَّامِ هِيرُودُس، مَلِكِ اليَهُودِيَّة، كَاهِنٌ أسْمُهُ زَكَرِيَّا، مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، لهُ إمْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ أسْمُها أليصَابَات.
6 وكَانَا كِلاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ الله، سَالِكَيْنِ في جَمِيعِ وصَايَا الرَّبِّ وأَحْكَامِه بِلا لَوْم.
7 ومَا كَانَ لَهُمَا وَلَد، لأَنَّ أليصَابَاتَ كَانَتْ عَاقِرًا، وكَانَا كِلاهُمَا قَدْ طَعَنَا في أَيَّامِهِمَا.
8 وفِيمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُومُ بِالخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ أَمَامَ الله، في أَثْنَاءِ نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ،
9 أَصَابَتْهُ القُرْعَة، بِحَسَبِ عَادَةِ الكَهَنُوت، لِيَدْخُلَ مَقْدِسَ هَيْكَلِ الرَّبِّ ويُحْرِقَ البَخُور.
10 وكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلِّي في الـخَارِج، في أَثْنَاءِ إِحْرَاقِ البَخُور.
11 وَتَراءَى مَلاكُ الرَّبِّ لِزَكَرِيَّا وَاقِفًا مِنْ عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُور،
12 فَإضْطَرَبَ زَكَرِيَّا حِينَ رَآه، وإسْتَولَى عَلَيْهِ الـخَوف.
13 فقَالَ لهُ الـمَلاك: "لا تَخَفْ، يَا زَكَرِيَّا، فَقَدِ إسْتُجيبَتْ طِلْبَتُكَ، وَإمْرَأَتُكَ ألِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ إبْنًا، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا.
14 ويَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَإبْتِهَاج، ويَفْرَحُ بِمَوْلِدِهِ كَثِيرُون،
15 لأَنَّهُ سَيَكُونُ عَظِيمًا في نَظَرِ الرَّبّ، لا يَشْرَبُ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا، وَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ بَعْدُ في حَشَا أُمِّهِ.
16 ويَرُدُّ كَثِيرينَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ إِلى الرَّبِّ إِلـهِهِم..
17 ويَسيرُ أَمَامَ الرَّبِّ بِرُوحِ إِيلِيَّا وقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلى الأَبْنَاء، والعُصَاةَ إِلى حِكْمَةِ الأَبْرَار، فيُهيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُعَدًّا خَيْرَ إِعْدَاد".
18 فقالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاك: "بِمَاذَا أَعْرِفُ هـذَا؟ فإِنِّي أَنَا شَيْخٌ، وإمْرَأَتي قَدْ طَعَنَتْ في أَيَّامِهَا!".
19 فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لهُ: "أَنَا هُوَ جِبْرَائِيلُ الوَاقِفُ في حَضْرَةِ الله، وقَدْ أُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وأُبَشِّرَكَ بِهذَا.
20 وهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا، لا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّم، حَتَّى اليَوْمِ الَّذي يَحْدُثُ فِيهِ ذلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِكَلامِي الَّذي سَيَتِمُّ في أَوَانِهِ".
21 وكَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظرُ زَكَرِيَّا، ويَتَعَجَّبُ مِنْ إِبْطَائِهِ في مَقْدِسِ الـهَيْكَل.
22 ولَمَّا خَرَجَ زَكَريَّا، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا أَنْ يُكَلِّمَهُم، فأَدْرَكُوا أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في الـمَقْدِس، وكَانَ يُشيرُ إِلَيْهِم بِالإِشَارَة، وبَقِيَ أَبْكَم.
23 ولَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ، مَضَى إِلى بَيْتِهِ.
24 وبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّام، حَمَلَتِ إمْرَأَتُهُ ألِيصَابَات، وكَتمَتْ أَمْرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُر، وهِيَ تَقُول:
25 "هـكَذا صَنعَ الرَّبُّ إِليَّ، في الأَيَّامِ الَّتي نَظَرَ إِليَّ فِيهَا، لِيُزيلَ العَارَ عَنِّي مِنْ بَيْنِ النَّاس!".

( إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 1 - الآيات 1 إلى 25 )

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا المَقطَع من إنجيل لوقا نَتَأَمَّل بِصورَة زَكَرِيَّا وَأليصابات: "كَانا كِلاهُمَا بارَّين أَمامَ الله، سَالِكَيْنِ في جَميعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلا لَوم". هُمَا "المُطَابِقَين للمُواصَفَات" المَطلوبَة من كُلِّ مُؤمِن، وَلَمْ يَكُن لَهُمَا وَلَد. والوَلَد هوَ أَهَمّ العَطَيَا الإلهِيَّة التي عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَنَعَّمَانِ بِهَا لأَنَّهُمَا بارَّين. مِنَ الطَّبيعي، لِكَاهِنٍ مِثلَ زَكَرِيَّا، وَهوَ الأقرَب إلى الله والهَيكَل، أَنْ يَكون لَهُ -على مَدَى السِّنين التي خَدَمَ فيها في سلك الكَهنوت- طلبة واحدة فقط! طلبة واحدة: ولد. هذه الطِّلبَة التي كانَ يُقَرِّبها مَرَّات وَمَرَّات مَعَ البَخُّور، أَتَى مَلاكٌ ذاتَ مَرَّةٍ لِيَقولَ لَهُ: "لا تَخَف يا زَكَرِيَّا! فقد اسْتُجِيْبَتْ طِلْبَتُكَ!". فَمَا كانَ مِنْ زَكَرِيَّا إلاَّ أنْ يَشْرَحَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ شَاخ هُوَ وَزَوْجَتُهُ... فكانَ على الله أَنْ يَسْتَجيبَ مِنْ قَبل وَلَيْسَ الآن! لَقَد بَرْهَنَ زَكَرِيَّا أَنَّ صَلاتَهُ لَمْ تَكُن لله، بَل لِذاتِهِ! كانَ يُريدُ أَنْ يَكونَ لَهُ وَلَد لِيَظهَرَ للنَّاس أَنَّهُ طَبَّقَ الشَّريعَةَ من أَلِفِهَا إلى يائِهَا. لا يُريدُ الوَلَد في الوَقت الّذي يُريدُهُ الله، لأَنَّ الوَلَد يَجِب أَنْ يُتَمِّمَ رِسَالَةَ مَنْ وَهَبَهُ وَمَشْرُوعَ مَنْ خَلَقَهُ. لِذلِكَ:
- شَكَّ زَكَرِيَّا وَتَرَدَّدْ وَلَمْ يَتَقَوَّى بالإيمان: فَهوَ لَمْ يَعْرِف العاطِي، وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْهَمَ قيمَةَ العَطِيَّة.
- لَم يَكُن لِزَكَرِيَّا اليَقين أَنَّ اللهَ قادِرُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعدَه: فَقَدَ هذا اليَقين، وَأَصْبَحَت صَلاتُهُ مُجَرَّد تَرداد، وَصارَ بِحُكْمِ اليَائِس. حَتَّى أَنَّهُ قَرَأَ شَيْخوخَتَهُ وَشَيخوخَة إمرَأَته على أَنَّها عَلامَة لِعَدَم إسْتِجابَة الله لِطِلبَتِهِ.
ولهذَين السَّبَبَين، أَتت الصَّدمَة الإيجَابِيَّة: بَكَّمَ اللهُ فَمَهُ الّذي يَبِسَ من كَثرَةِ تَردادِ الصَّلاة لِيَفْتَحَ قَلْبَهُ النَّابِض بِحُبِّ الأُبُوَّةِ التي لَمْ يَذُقْ طَعْمَها إلى الآن.
ونحن: كَثيرًا ما نَطلُبُ وَنُكَرِّر طَلَبَنَا يائِسين... هَلْ لَنَا أَنْ نُسْكِتَ أَفْوَاهَنا وَنَفتَحَ قُلوبَنَا التي تَفيضُ مِن حُبِّ الله، فَيَصيرَ لِصَلاتِنَا مَعنَى وَطَعم مُختَلِف، وَتُصبِحَ طِلباتُنَا مَزيدًا من التَّعَلُّقِ بِمَشيئَةِ الله وَعَمَلِه؟ 

::: تــــأمّـل روحي :::

إبن البشارة ينتظر
هل عاينت ردّة فعل زوجين لم يُرزقا بولدٍ يملأ دنياهما بالفرح وحركة الحياة؟ كم من الوسائل يستعملان كي تنكسر حلقة الفراغ واليأس تلك وغالبًا ما تفشل؟ كم يتخطّيان مشروع الله لهما ويبحثان عن إنجاب إبنٍ لا حبًّا به (بالولد) بل إرضاءً للأنا المتعالية (ليش أنا؟) التي ترفض العقم وتأبى أن يشار إليها أو يُهمَس في السرّ: "مساكين ما طعمهم الله ولد"؟ صعبَةٌ هي الحالة، ولا يُحسدان عليها أبدًا.
لكن ما بالنا نحن الّذين نؤمن بمشيئة الله في حياتنا؟ هل الله هو رائع، هو محبة خالصة وعطاء دون حدود، نمجّده على كلّ ما يعطيناه وننشد له التسبيح والشكران حين يكون كلّ شيءٍ على ما يرام ويتماشى مع مزاجيتنا ومع ما نظنّه خيرٌ لمصلحتنا، أمّا وإن حدث الّذي ليس في الحسبان – في الكثير من الحالات ومنها العقم- ترانا نُحَوّل الله إلى إلهٍ غير عادلٍ يقيس على هواه ويكيل بمكيالين لأنّه لم يلبّي سؤلنا ولم يسمع لصلواتنا وتضرّعاتنا وإلى ما هنالك من أفكارٍ وألفاظٍ وأفعال نقوم بها، مشوّهين صحة علاقتنا بالخالق، مشكّكين بقدرته وإرادته في فعل الخير لكلٍّ منّا؟

كم نشبهه
لقد كان زكريّا خير شاهدٍ لنا على ذلك: في الصلاة والإنتظار هو وزوجته أليصابات سارا حتّى الشيخوخة ولم يُهينا الله بكلمة "بل وَكانا كِلاهُما بارَّيْنِ أَمامَه اللهِ، سالِكَيْنِ بِغَيْرِ مَلامةٍ، في جَميعِ وَصايا الرَّبِّ وَرُسومِه" (لو1: 6).
لكن يوم دنت الساعة، وحان وقت بشارة زكريا بهدية الله له، شكّك بما سمعه من الملاك طالبًا علامةً تؤكّد كلمة الله له متسائلاً: "بِمَاذَا أَعْرِفُ هـذَا؟"( لو 18:1) عبارة واحدة كانت كافية لتعبّر عن رفض تفكيره البشري تصديق ما سمعه كما ترجمت خسارة ثقته بواهب الحياة ومُعطيها ليصطفّ في تلك اللحظات مع الغير مؤمنين الّذين يبحثون دومًا عن أدلّة وبراهين لتدعيم إيمانهم وإستعادة ثقتهم بالله.
تلك اللحظة المفصلية في حياة زكريا هي نفسها تسقط ذاتها علينا لتأخذ ما إستطاعت من مكانٍ في أعماق حياتنا الإيمانيّة وتنزع منا ثقتنا بمن أحبّنا حتى الملئ. تشكّكنا حتّى في رحمة الله دون أن ندري، إن كان على الصعيد الشخصي أو الجماعي. فحلمنا سرعان ما يتحطّم ونُصاب بخيبة أملٍ كبيرة حين ندرك أنّنا نعيش في عالمٍ غير مثالي وأنّ آمالنا لن نستطيع تحقيقها كالحفاظ على حبّ الشريك أو شفاء قريبٍ أو حبيب مرضٍ عضال، أو النجاح والتميُّز في الحياة المهنيّة أو الإجتماعيّة وحتّى الروحيّة عند البعض، أو، عند وقوع حادث سيرٍ مثلاً، تتكشّف عدم قدرتنا على تقبّل نور الله الموهوب لنا لنرى ونقبل الحقيقة، فنرفضه بالصراخ هربًا من الواقع الإيماني مُلقين كل اللّوم عليه (على الله)، وصرخات العتاب الخالية من أي ثقة به تصدح : "وينك مش شايف؟"، "ليش أنا بالذات؟"، "ليش عملت فينا هيك؟"، "وين كنت، ليش تركتو يموت؟...."
يا ليتنا ندرك في تلك اللحظات العصيبة، كم هو ضروريٌ أن نتجاوز تفكيرنا البشري- المطلوب أحيانًا - كي نستطيع الوثوق بـِ"الله الآب أبو ربنا يسوع المسيح" بفعل حبّه الّذي لا يُدرَك ولا يُسبر عمقه والّذي لبس إنساننا حتى في ذروة الألم والموت.

صمت وصوت

البرهان الّذي طلبه ليؤمن أبكم فم زكريا عن الكلام. لم يدرك أن مولوده المُبَشَّر به سيكون "ذاك الصوت الصارخ في البراري" الممهّد لـِ"حمل الله مخلّص العالم"، ولم يثق بالكلمة فضاعت منه ليدخل إلى صمت مدرسة الإيمان من جديدٍ كطفله الساكن في حشا أليصابات لِيتعلّم كيف يمشي خطواته الإيمانية بثباتٍ واثقًا بمن يحيطه بيديه كي لا يقع.
ألسنا بأمسّ الحاجة اليوم كي ندخل في هذا الصمت المقدّس وسط عجقة مواد التواصل الإجتماعي والإعلام والإعلانات، وسط تعدّد إيديولوجيات وتنوّع الإنحرافات وغيرها من قنابل شرّ الإنسان الموقوتة التي تدخل حياتنا دون إستئذان؟ أليس علينا الخروج من التفكير في الغد، "الّذي يغنّي الصيف مع الجندب" وهو ما زال في المجهول، لنكون أولاد اللحظة الحاضرة النابضة وحدها بالحياة دون غيرها؟
دعونا اليوم نأخذ كلّ لحظة على أنّها مغامرة جديدة تستحقّ أن نعيشها مع الله، صانع الإنسان وجابله، نعيشها بهدوءٍ ورجاءٍ، وحبّ وإيمان، هذه "الثقة الذكيّة" كما يسميه أحد علماء اللاهوت، فمعه لا إنتصار لخيبة أو يأسٍ على رجاء، حتّى عندما يبدو أنّ كلّ شيءٍ قد إنتهى، فما من شيءٍ قد إنتهى وإبن البشارة لكلٍّ منّا ينتظر في فم الله حتّى تحين الساعة. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربي وإلهي ... إبراهيم وزكريا كلاهما أشركتهما بتنفيذ وعدك الأول للإنسان بالحياة الأبدية وخصوبة الإثمار. أحدهما تميَّز عن الآخر بطول الأناة التي تتطلبها الثقة بوفاءِك لوعدك مهما طال الزمن ومهما صعبت الظروف وأصبح من المستحيل بالنسبة للإنسان أن يُتمَّ تحقيقها. بالنسبة للإنسان فإن ما يحتاجه لتغيير الظروف هو "طوفان" يقضي بالكامل على ما هو خطأ ليبقى الصح فقط، أما بالنسبة لك فأنت قادرٌ أن تفعل المستحيل دون إبادة شاملة وهذا ما حدث بالفعل.

ربي وإلهي ... لعلك قصدت من "الطوفان" الّذي حدث في أيام نوح أن تُرينا بأنه ليس حلاً، فالإنسان غالبًا ما يعود إلى "الإبتعاد عنك"، ولذلك كان وهْبكَ للخلاص هبةً أبديةً لمن أراد أن يتقرّب منك ويُقرِن أسمه بإسمك ويُصبحُ إبنًا لك، وأضحى العمل بالتبشير من قِبل الإنسان المؤمن هو دالة لإتمام تحقيق وعدك.

ربي وإلهي ... زدنا صبرًا وثقةً وإيمانًا فنكون سفراء أمينين لك حاملين حبّك للآخرين، ولك الشكر الجزيل على الدوام، آمين.  

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

1- (المحتفل) في أسبوع بشارة زكريا، نضعُ بَينَ يَدَيكَ بيعتَك المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمَك القدّوس، كَي يكونوا عُظماءَ في عَينَيك، مُمتَلئينَ دَومًا من الروح القدس، سائرينَ أمامكَ، عُيونُهم شاخِصَةً صَوبَكَ، نسألك يا رَب.

2- نُصَلّي ونطلُب وما مِن مُجيب، أعطنا أن نثِقَ بِكَ وبِحُبِّك اللامُتناهي لنا، فنُصَدِّقَ أنَّك لَن تَهَبَنا، مَهما ذَرَفنا مِن دُموع، ومَهما طالَت صَلاتُنا، إلاّ ما يُفيدُنا، ويكونُ خَيرًا لنا، نسألك يا رب.

3- في بِدايةِ زمنِ الخصوبةِ، زمنِ الميلاد، نضَعُ أمامكَ عُقمَنا الجسديّ والروحِيّ، لِتُحَوِّلَهما بِنِعمتِك إلى خصوبةٍ وافِرة، تلدُ البَنينَ والأعمالَ الصالحة، مهما شِخنا وقَسى علَينا الزَمَن، نسألك يا رب.

4- نضَعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً مَن طالَ مَرَضُهُم وفقدوا الأملَ بالشِفاء، إستَجِب طِلبَتَهُم وإمنَحهُم الشِفاءَ، وإمنَح مَن يُحيطُ بِهم، أن يُعاملوهُم بِحُبٍّ ورأفة، نسألكَ يا رب.

5- مرّاتٍ نُصَلّي كزَكريّا، ومرَّاتٍ أخرى نُصَلّي كَإبراهيم، إستجِب طِلبَتنا كما إستَجَبتَ لِزَكريَّا، وأعطِنا أن نؤمنَ كَإبراهيم، بِأنَّك قادرٌ على سَماعِ صلاتِنا وإستِجابةِ تضَرُّعاتِنا رُغمَ الشرِّ الّذي يُحيطُ بنا ويُضعِفُنا، ورُغمَ السنينَ الّتي مرَّت بِنا وأخذَت أجملَ ما لَدَينا، نسألك يا رب

6- (المحتفل) نَضَعُ أمامكَ جميعَ المُنتَقِلينَ مِن هذه الحَياة، إستَقبِلهُم بِرَحمتِكَ وإجعَلهُم مِن وَرَثَتِكَ، ولا تَنظُر إلى آثامِهِم، بَل أنظُر إلى المسيح الّذي أُسلِمَ مِن أجلِ زَلاّتِهم وزَلاّتنا، وأُقيمَ مِن أجلِ تبريرِهِم وتبريرِنا، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

وعَدتَنا بالخَلاص، ونحنُ نؤمنُ بأنَّكَ قادرٌ أن تُنجِزَ ما وَعَدتَ به،
وعَدتَ إبراهيم بِتَكثيرِ نَسلِهِ، وها نَحنُ مِن نَسلِ إبراهيم، نؤمنُ بأنَّك سَوفَ تُحَقِّقُ وعدَكَ،
لَدَيكَ طُرُقَكَ الّتي لا نَفهَمُها، ولكنَّنا نؤمنُ بكَ أبًا، أخًا ومُقَوِّيًا،
ونشكركَ لأنَّك تُحاوِلُ دَومًا أن تشرَحَ لنا هذه الطُرُق،
نشكرك لأنَّك تعرفُنا أكثرَ مِمّا نعرفُ أنفُسَنا وتعرفُ ما هوَ الأفضَلُ لنا،
نشكرك على جسدِك ودمِكَ، نسجدُ أمامكَ، ونحمدُك مع إبنك وروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين. 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts