الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

مدخل السنة الطقسيّة


أحد تجديد البيعة
(12 تشرين الثاني 2017)

::: مـقدّمــة :::

في هذا الأَحَد المُبَارَك، نُكمِلُ مَسيرَةَ تَأَمُّلِنَا بِأُمِّنَا الكَنيسة المُؤَسَّسَة على يَسوع الفادي وَإيمان الرُّسُل بِأَنَّ يَسوع هُوَ المَسيح إبنُ الله الحَيّ. وَفي أَحَد التَّجديد، تَضَعُنَا الكنيسة أمامَ قِرَائتَين أَسَاسِيَّتَين بالنِّسبَة لِحَيَاتِنَا المَسيحيَّة:
- في الرِّسالَةِ إلى العِبرانيين، يُشَدِّد الكاتِب على الفَرق الكَبير بَينَ دَم العَهد القَديم وَدَم العَهد الجَديد. فالأوَّل يَؤول إلى الخَطيئَةِ لأنَّهُ لا يُطَهِّرُ الضَّمير، وَالثاني إلى الحَيَاةِ الأبَدِيَّة بالرَّب يَسوع وَعِندَ الله الآب.
- في الإنجيل، نَرَى المُوَاجَهَة القَوِيَّة بَينَ العَهد القَديم والعهد الجَديد. فَأهل العهد القديم كانوا يَسمَعونَ الكَلِمَة وَيُفَتِّشونَ فيها عَن التَّجديف، أَمَّا أهل العَهد الجَديد فَيَسمَعونَ الكَلِمَة وَيُمَجِّدُونَ الله على عَطَاياه.
في أيّ عَهدٍ نحنُ نَعيش؟ وَهَل لَدَيْنَا الإيمان لِنَقبَلَ يَسوع مُخَلِّصًا أَوحَدَ في حَيَاتِنَا، لِنَتَجَدَّد بِغَسْلِ دَمِهِ: دَم العَهد الجَديد؟ 

:::::: صـلاة :::

أَيُّها الآب السَّماوي، أنْتَ الّذي وَهَبْتَ إبْنَكَ للأرض التي خَلَقتَهَا بِقُوَّةِ حُبِّكَ، فَوَلَدْتَ الإنْسَانَ ثانِيَةً من رحم حُبِّكَ اللامُتَنَاهي...
أَيُّها الإبن الوَحيد يَسوع، أنْتَ الكَلِمَة التي دَخَلَتْ قُلوبَنَا وَأَزْهَرَتْ وَأَثمَرَت، فَإنْتَقَلْنَا بِهَا من حالَةِ العَبيدِ إلى حالَةِ الأَبْنَاء...
أَيُّها الرُّوحُ القُدُس، أَيُّها الأَزَلِيُّ الّذي بِهِ قَرَّبَ الإبنُ نَفْسَهُ قُربانًا لا عَيْبَ فيه، لِيُطَهِّرَ ضَمائِرَنَا من الأعمال المَيتَة. وَجِّه أَفكارنا وعُقولَنَا وَقُلوبَنَا نَحوَ الآب، فَنُقَدِّرَ عَطَايَاهُ... إملأ قُلوبَنَا حُبًّا وَفَرَحًا، لِنَعْرِفَ أَنْ نُجَسِّدَ مَحَبَّة يَسوع في حَيَاتِنَا اليَومِيَّة. لَكَ المَجدُ مَعَ الآبِ وَالإبْنِ إلى الأَبَد، آمين. 

::: الرسالة :::

11 أمَّا الـمَسِيحُ فَقَدْ ظَهَرَ عَظِيمَ أَحْبَارِ الـخَيْرَاتِ الآتِيَة، وإجْتَازَ الـمَسْكِنَ الأَعْظَمَ والأَكْمَل، غَيرَ الـمَصْنُوعِ بِالأَيْدِي، أَيْ لَيْسَ مِن هـذِهِ الـخَليقَة،
12 فَدَخَلَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ الـتُّيُوسِ والعُجُول، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَحَقَّقَ لنَا فِدَاءً أَبَدِيًّا.
13 فإِذا كانَ رَشُّ دَمِ الـتُّيُوسِ والثِّيْرَانِ ورَمَادِ العِجْلَةِ على الـمُنَجَّسِين، يُقَدِّسُ أَجْسَادَهُم فَيُطَهِّرُهُم،
14 فَكَم بِالأَحْرَى دَمُ الْمَسِيح، الَّذي قَرَّبَ نَفْسَهُ للهِ بِالرُّوحِ الأَزَلِيِّ قُرْبَانًا لا عَيْبَ فِيه، يُطَهِّرُ ضَمِيرَنَا منَ الأَعْمَالِ الـمَيْتَة، لِنَعْبُدَ اللهَ الـحَيّ!
15 ولِذلِكَ فَهُوَ الوَسِيطُ لِعَهْدٍ جَدِيد، وقَدْ صَارَ مَوتُهُ فِدَاءً لِتَعَدِّيَاتِ العَهْدِ الأَوَّل، حَتَّى يَنَالَ بِهِ الـمَدْعُوُّونَ وَعْدَ الْمِيْرَاثِ الأَبَدِيّ.

(الرسالة إلى العبرانيين - الفصل 9 – الآيات 11 إلى 15) 

::: حـــول الرسالة :::

في هذا الأَحَد، نَسْتَكْمِل ما بَدَأناه في الأحد المَاضي، وَنَتَأَمَّل بِمَقطَع آخَر من الرِّسالَة إلى العبرانيين، إذ تَضَعهُ الكَنيسة لِيُقرَأ على مَسَامِعِنَا في هذا الأَحَدِ المُبَارَك، لِتَقولَ لَنَا كَمْ هُوَ عَظِيمٌ حُبّ الله للكَنيسة: جَعَلَ فيها الإبن يَسوع، فادِيًا وَمُخَلِّصًا. فَيَسوع أَلغَى -بِتَقْدِيم ذاتِهِ ذَبيحَةً لأَبيه- كُلّ مَفَاعيل ذبائِح العَهد القَدِيم التي لم تَكُن قادِرَة على تَطهيرِ ضَمائِرِ مُقَدِّمِيْهَا. وَالمُقَارَنَة هُنَا جَلِيَّة بَيْنَ دَم العَهدَين:
- دم العَهد القَديم: دَمٌ حَيَوانِيٌّ يُقَدِّمُهُ الكاهِن عَن الخَطَأَة فَيَتَطَهَّرُوا. يَرُشُّ بِهِ قُدسَ الأَقداس فَتُغفَر خَطَايا الشَّعب. إنَّهَا تَقْدِمَةٌ مُتَكَرِّرَة لا تَجْعَلُ المُؤمِن كامِلاً من حَيثُ الضَّمير.
- دَم العَهد الجَديد: هُوَ دَمُ يَسوع المَسيح، الّذي لَمْ يُقَرِّبُهُ كاهِن، بَل يَسوع نَفْسَهُ. لَمْ يُقَرَّب على مَذبَح الهَيكَل، بَلْ عَلَى مَذبَحْ الصَّليب في الجُلجُلَة. لَمْ يُرَاق في وَسَط المَدينَة -أي في الهَيكَل-، بَل في خارِجِهَا حَيثُ طَهُرَ البُرصُ وَأَبْصَرَ العُميَانُ وَمَشَى العُرجُ وَقامَ المَوتَى. لا حَاجَةَ لأَن يُراقَ ثانِيَةً... مَرَّةً واحِدَةً كانَتْ هِيَ الذَّبيحَةَ الدَّائِمَة التي مِنْهَا نَنَالُ الثِّقَةَ بِأنَّنَا مُشتَرَين، لَيسَ بالفِضَّة والمَال، بَل بِدَمِ البَريء الّذي قَدَّمَ ذاتَهُ على المَذَابِح تحتَ شَكْلَي الخُبز والخَمر.
ونحن:
- يَسوع فَدَانا بِدَمِهِ، ماتَ مَصلوبًا بَريئًا، حامِلاً خَطَايَانَا، لِيَلِدَنَا من جُرحِ جَنْبِهِ الّذي مِنهُ نَزَلَ الماء (المَعمودِيَّة) وَالدّم (الإفخارستيّا)، لِنَصيرَ بِهِمَا أبْناءً حَقيقيين لله... فَمَاذا نَفْعَل بِمَعمودِيَّتنا؟ هل نُحَافِظ على بُنُوَّتِنَا للآب، بِأَعْمالِنَا وَأَقْوَالِنَا؟ أمْ ننفي مَفَاعيل هذه المَعمودِيَّة بِلَحظَة تَجربة بَسيطة؟ ماذا نَفعَل عِنْدَمَا يَختَلِط جَسَدُنَا بِجَسَد المَسيح وَدَمُنَا بِدَمِهِ في القُدَّاس؟ هَل نَقْبَل يَسوع مُخَلِّصًا أَوْحَد في حَيَاتِنَا، وَنُمَجِّدُهُ وَحْدَهُ كَمَا نَقولُ قَبْلَ المُنَاوَلَة "تَبَارَكَ أسْمُ الرَّب لأَنَّهُ وَاحدٌ في السَّماءِ وَعَلَى الأَرض لَهُ المَجدُ إلى الأَبَد"؟ أَمْ نَقولُ ذلِكَ لِنَخْرُجَ بَعْدَهَا من الكَنيسة وَنُمَجِّد ذَوَاتَنَا تحت عُنوَان "الكَرامَة الشَّخصِيَّة" وَنُمَجِّد الآخَرين تحت عُنوان "المَصلَحَة الشَّخصِيَّة"؟
وَعِنْدَمَا يَتَقَدَّم أَحَد أبنائِنَا من سِرّ المَعمودِيَّة أو الإفخارستيَّا، ما الّذي نَفعَلهُ لِنُعَبِّرَ عَنْ إيْماننا بِعَمَل الخَلاص الّذي أَقَامَهُ يَسوع لَنَا بِدَمِهِ- دَم العَهد الجَديد؟ أم نحنُ مُتَلَهِّين عَن ذلِك بِإقامَة الحَفلات الباهِرَة تَكريمًا لِذَوَاتِنَا؟ 

::: الإنجيل :::

22 وحَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ في أُورَشَلِيم، وكَانَ فَصْلُ الشِّتَاء.
23 وكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى في الـهَيْكَل، في رِوَاقِ سُلَيْمَان.
24 فَأَحَاطَ بِهِ اليَهُودُ وأَخَذُوا يَقُولُونَ لَهُ: "إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الـمَسِيح، فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً".
25 أَجَابَهُم يَسُوع: "قُلْتُهُ لَكُم، لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون. الأَعْمَالُ الَّتِي أَعْمَلُهَا أَنَا بِإسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.
26 لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون، لأَنَّكُم لَسْتُم مِنْ خِرَافِي.
27 خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي.
28 وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.
29 أَبِي الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الكُلّ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ يَدِ الآب.
30 أَنَا والآبُ وَاحِد".
31 فَأَخَذَ اليَهُودُ، مِنْ جَدِيدٍ، حِجَارَةً لِيَرْجُمُوه.
32 قَالَ لَهُم يَسُوع: "أَعْمَالاً حَسَنَةً كَثِيرَةً أَرَيْتُكُم مِنْ عِنْدِ الآب، فَلأَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونِي؟".
33 أَجَابَهُ اليَهُود: "لا لِعَمَلٍ حَسَنٍ نَرْجُمُكَ، بَلْ لِتَجْدِيف. لأَنَّكَ، وَأَنْتَ إِنْسَان، تَجْعلُ نَفْسَكَ إِلـهًا".
34 أَجَابَهُم يَسُوع: "أَمَا كُتِبَ في تَوْرَاتِكُم: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُم آلِهَة؟
35 فَإِذَا كَانَتِ التَّوْرَاةُ تَدْعُو آلِهَةً أُولـئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِم كَلِمَةُ الله، ولا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الكِتَاب،
36 فَكَيْفَ تَقُولُونَ لِي، أَنَا الَّذي قَدَّسَهُ الآبُ وأَرْسَلَهُ إِلى العَالَم: أَنْتَ تُجَدِّف؛ لأَنِيِّ قُلْتُ: أَنَا إبْنُ الله؟
37 إِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي، فلا تُصَدِّقُونِي،
38 أَمَّا إِذَا كُنْتُ أَعْمَلُهَا، وإِنْ كُنْتُم لا تُصَدِّقُونِي، فَصَدِّقُوا هـذِهِ الأَعْمَال، لِكَي تَعْرِفُوا وتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنِّي في الآب".
39 فَحَاوَلُوا مِنْ جَدِيدٍ أَنْ يَقْبِضُوا عَلَيْه، فَأَفْلَتَ مِنْ يَدِهِم.
40 وعَادَ يَسُوعُ إِلى عِبْرِ الأُرْدُنّ، إِلى حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدْ مِنْ قَبْلُ، فَأَقَامَ هُنَاك.
41 وأَتَى إِلَيْهِ كَثِيرُونَ وكَانُوا يَقُولُون: "لَمْ يَصْنَعْ يُوحَنَّا أَيَّ آيَة، ولـكِنْ، كُلُّ مَا قَالَهُ في هـذَا الرَّجُلِ كَانَ حَقًّا".
42 فآمَنَ بِهِ هُنَاكَ كَثِيرُون.

(إنجيل يوحنا – الفصل 10 – الآيات 22 إلى 42) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا المَقطَع من إنجيل يوحَنَّا نَرَى مُوَاجَهَة حَقيقيَّة بين شَعب العَهد القَديم وَيَسوع الّذي سَيُقِيم وَيُتَمِّم بِدَمِهِ العَهدَ الجَديد. فَاليَهود يَطلُبونَ من يَسوع أن يَقول لَهُم صَراحَةً أنَّهُ المَسيح. فَلَوْ قالَها يَسوع صَراحَةً لَوَقَعَ في وَرطَة لأنَّهُ لا يَمُتّ إلى الصُّورَة التي كَوَّنَها اليَهود عَنْ المَسيح بِشَيء. وَلَو لَمْ يَقُلها، ظَلُّوا حائِرين، بالرُّغم من الأعمال القَديرَة التي يَعمَلُهَا من لَدُن الآب. وَيَسوع يَعلَم ذلِك، فَأَشَرَ إلى الأَعمال القَديرَة، لِيُثبِتَ أنَّهُ في الآب والآب فيه، وَبِهَا قالَ أنَّهُ المَسيح.
- مُؤمِن العَهد القَديم، لا يَنظُر إلى ذلِكَ لِيَبْحَثَ من خِلالِهِ عَن رَحمَة الله... بَل، يَنسَى كُلّ الأَعمَال القَديرة والحَسَنَة، لِيَهُمَّ بِرَجْمِ يَسوع بِسَبب كَلامٍ وَصَفَهُ بالـ"تَجديف". هذا المُؤمِن الّذي يَقومُ بِهذا العَمَل، يَرَى نَفْسَهُ مُخَوَّلاً الدِّفاع عن الله من المُجَدِّفِين. فَيَضَع الشَّريعَة أَمامَ عَيْنَيْه، مُحَاوِلاً تَطبيقَهَا، فَتُعمِيه.
- أمَّا مُؤمِن العَهد الجَديد، فَهوَ من خِراف المَسيح. يَسْمَعُ صَوْتَه، أي يَسمعَ كَلِمَتَهُ وَيَعمَل بِهَا. يَعرِفُ يَسوع، أي يُدرِك أنَّهُ الإبن الّذي لَبِسَ جَسَدَ الإنسان لِيَرفَعهُ إلى اللهِ أَبيه. وَيَسوع يَعْرِفُهُ، لأنَّهُ أَحَبَّ إخوَتَهُ، وَصارَت حَيَاة المَحَبَّة وَبَذل الذّات الّذي يَقوم به في سَبيل إخوَتِهِ، إمتِدادًا لِذَبيحَةِ الصَّليب التي قَرَّبَ فيهَا يَسوع دَمَهُ.
ونحن:
- هَل ما زِلنا نَحيَا إيْماننا بِذِهنِيَّة العَهد القَدِيم؟ هل نَصرِف وَقتَنَا بالكَلام عن البِدَع والمُمَارَسَات الخارِجَة عَن الإيْمان، وَنَتَلَهَّى بِهَا لِدَرَجَة تُبْعِدُنَا عَن الإيْمان وَأُسُسِهِ؟
- هَل نَعْمَل على أن نَكون من مُؤمِني العَهد الجَديد، فَنَكونَ خِراف المَسيح: نَسْمَع الكَلِمَة وَنَعْمَل بِهَا؛ نَعرِف المَسيح وَنُحِبُّهُ كَمَا أَحَبَّنَا؛ نَتَلَوَّن بِدَمِهِ فَتَصيرَ المَحَبَّة التي نَعيشها مع إخوتنا البَشَر عَلامَة تُعَرِّف يَسوع عَنَّا؟ 

::: تــــأمّـل روحي :::

إنّه يعرفني

ما أجمل أن نكتشف أنّ الله وهو الحيّ الأزلي، إختارنا لنكون هيكله الحيّ. لقد أحبّ منّا القالب والقلب، أمّا هذا الأخير فكان لنا عربون حبّه حتّى الثمالة على الصليبِ حيث شهدت علامة سيل الدم والماء، على الإنتقال من الموت إلى القيامة - الحياة. نعم، لقد أحبّه جدًّا فينا، فسكنه بسرِّ العماد وسكب فيه كلّ الحبّ وجلَّله بأنوارٍ من ذاته الإلهيّة ليتألّق بالحنان والرحمة ويزهو بالفرح وهو يشهد للمسيح، ويمتلئ بالسلام وهو في غمرة الصعاب. وهبنا (كلّ إنسان يقبله) هذا الإمتياز وكرّسنا له علنيًّا كي تبدأ حياتنا معه في مسيرة إشتياقٍ ورغبةٍ وتجدّدٍ دائمٍ من أجلِ إدراك المعنى الحقيقي للحياة به. فأين نحن من هذا المسكن وساكنه؟

نُفُوسنا حَائِرَة

صحيح قلق اليهود، هي حائرة لا تعرف ما تريد ولا مَن هو الّذي يَمْثل أمامها بكلّ الآيات والأعاجيب والتعليم الصحيح لكلِّ مَن تبِعهُ وسمعه. ففي منطقهم هم ينتظرون ملكًا جبّارًا يعتقهم من نير العبودية للرومان، أرادوه مُرسلاً سياسيًا فإذ بهم يصدَمون لرؤيته ملكًا روحيّ، يبادل العنف بالصبر والمغفرة، والبغض بالحبّ، والخيانة بالمسامحة والرحمة إلخ...
ألسنا نشبههم إلى حدٍّ كبيرٍ اليوم؟ هل المسيح الّذي "نعبده"، نؤدّي له "الواجبات" لأنّه بالنسبة لنا هو إله خدمات؟ ألسنا نقحمه غالبًا في أهوائنا السياسية وميولنا الثورية والإنتقاميّة، خاصّةً في حالات الإضطهاد والتعنيف والإستغلال والإغتصاب على أنواعه منتظرين مساعدته لنا على النصر؟ ألسنا نحسبه مصرفًا (بنك) فيه تُستبدل شيكاتِ واجباتنا الدينية ومسابحنا وأصوامنا وصلواتنا بحاجاتٍ ورغباتٍ ماديّة ووظيفيّة مع الختم والإمضاء أنّنا سدّدنا له ما يريده كي نستلم ما نرغب به؟
من البديهي جدًا أن تُحار نفوسنا حين نخرج صفر اليدين في كلّ مرّةٍ نمارس هذا الإبتزال مع مَن خلقنا وسكن قلبنا لِنعرفه. نحار في هذه الحال لأنّنا لا ننتظر مسيحًا روحيًّا أتى ليرمّم تشوّهات نفوسنا ويُعيدنا إلى حشا الآب ليلدنا مُجدِّدًا بُنوّتنا له. نحار لأنّنا ما زلنا ندور في فلك أنانيّتنا وكبريائنا فلا ننظر إلى الهدف الّذي من أجله أتانا متجسِّدًا ليعرّفنا إلى أبيه ويُعيد لنا ما خسرناه بجهلنا ومعصيتنا، ولا نأبه للدعوة التي سلّمنا إيّاها بأن نحمل البشارة بكلّ كياننا إلى العالم أجمع - وما أسهلها اليوم نظرًا للإنفتاح على العالم بكلّ الوسائل التكنولوجية والتقنيات وطرق التواصل الإجتماعي المتاح أكثر بكثيرٍ ممّا مضى.
نعم، تحار نفوسنا لأنّنا بتنا نمزج بين روح الله وروح العالم، ونميل إلى تغليب فكر العالم على فكر الكلمة، بالتالي ليس هو مَن "يبقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة" (يو 24:10) بل نحن من نكبّلها بعنادنا البشري.

أيّ مسكنٍ عندي له؟

يا لطيبة ربّي يسوع! كم هو وديعٌ ومسالمٌ، يحترم قراراتنا وينتظر عودتنا إليه بهدؤٍ كبير. أليس هو مَن أتانا متجسّدًا ليعلمنا كيف نكتشف ذواتنا وندرك قيمتها فنتصالح معها؟ أليس هو مَن بكلّ الصبر والسكون إحتمل الإنسان ومعاصيه وخيانته له ليعلّمنا كيف نحيا مسيحيّتنا؟ ألم يثق بالإنسان فسلّمه رعاية شعبه بشخص بطرس رغم نكران هذا الأخير له؟ هذا الإله سكن في أعماق ذواتنا لنجدها به حيث الصمت والسكون، حيث لا أحد إلاّيَ أمام ذاتي بحضرته. لندخل اليوم هذا المسكن عراة من كلّ شيء ألبسنا إيّاه العالم ورغباتنا الدونية الدنيوية والمادية.
هناك أتبصّر لأدرك أنّ ليس كلّ شيءٍ مقدّسًا فيه (المسكن)، لا الأفكار ولا الرغبات، لا الأحاسيس ولا الكلمات... هناك الكثير ممّا لا يليق بشخص الله ساكنه. هناك عدم أمانتي في تقديم "تضحيتي" التي ينتظرها الرّب منّي على صغرها، هناك أصواتٌ قادحة تقتحم حرمة ذاك المسكن لتخنق صوت الروح فيه، هناك، على ذاك المذبح كم إنتظر ربّي سكوني في الصلاة وبخّور أعمالي لترتفع تمجيدًا وتسبيحًا لمن وهبني القوّة والعقل والحبّ والحكمة لأنجح وأستمرّ وأتغلّب على الضعف. هناك وفقط هناك أسمع صوته فأستريح، إنّه يعرفني، وهو هنا معي، يراني، يسمعني، يُطمئنني، فلا خوف ولا قلق بعد الآن فلست وحيدًا. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... إن سألوني بمَن أؤمن وأُحب وأخضع فأتبع، سأقول:
أَحببْتُ الخالق، المولود، الَّذي لا يُرى، لهُ كلَّ الإكرام والسجود
مُدهشٌ بخلقِهِ، قويٌ بمحبّتِهِ، عظيمٌ بحكمتِهِ، لهُ كلَّ المجد والوجود
هو القدّوس، الرّاعي الصالح، المُحْيِ، لهُ كلَّ الشكر والنفوس
الآخذُ من قلبي لهُ مَسكَنًا، أُسمهُ ربِّي، مُرشدي مُعزِّيَ، لهُ كلَّ الحب والخضوع
ربّي وإلهي ... يُحزنني أن لا يعرفك الجميع، وتُعزّيني في الوقت ذاته كلمة الرّب يسوع عن مَن آمن به: "أَبِي الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الكُلّ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ يَدِ الآب. أَنَا والآبُ وَاحِد"، فالجميع هم لكَ وبالتالي لهُ، وإنا لا أعرفُ كيف سيكون هذا دون التبشير بإنجيل الخلاص، لذا أرجو أن تستخدمني لمجدك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

1- (المحتفل) نتَضَرَّعُ إلَيكَ مِن أجلِ البيعةِ في أحدِ تَجديدِها، ومن أجلِ المسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخري، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمَك القدّوس، كَي يَعيشوا التجدُّدَ في دَعوَتِهِم، ويَنشُروهُ بَينَ أبناءِ رَعاياهُم، نسألك يا رَب.
2- أعطِنا أن نسمعَ صَوتَكَ في ضَمائِرِنا، ونرى أعمالكَ في قلوبِنا، فَنؤمنُ بِحُضورِكَ في أصغَرِ تفاصيلِ حياتِنا، ونَتبَعَكَ دَومًا كالخِرافِ الصالِحة الّتي تتبعُ راعيها، نسألك يا رب.
3- أعطِنا أن ننظُرَ بِعَينَيْكَ إلى الآخَرين، ونُصغي بِأُذُنَيكَ لأَقوالِهِم، فلا ننبذَ الآخَر، ولا نَتَّهِمَهُ زورًا، بَل نَتحاوَرَ معه بالمَنطِقِ والحِكمة، نسألك يا رب.
4- نضَعُ بينَ يَدَيك مَرضانا جَميعًا، إشفِهِم بِنِعمَتِكَ، وعَزِّهِم بِرَأفَتِكَ، وإمنَح مَن يُحيطُ بِهم، أن يُعاملوهُم بِحُبٍّ ورأفة، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) نَضَعُ أمامكَ جميعَ المُنتَقِلينَ مِن هذه الحَياة، لا تَنظُر إلى آثامِهِم، بَل أنظُر إلى المسيح الّذي بِدَمِه إفتَدانا لِننالَ وعدَ الميراثِ الأبديّ، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

بِدَمِكَ دَخَلتَ قُدسَ الأقداسِ، فَحقَّقتَ لنا فِداءً أبديًّا، طَهَّرتَ ضَميرَنا وكُنتَ لنا الوَسيطَ لِعَهدٍ جديدٍ أبَديّ، جعَلتَنا مِن خِرافِكَ، ولَن يَخطُفَنا أحدٌ أبدًا، لأنّك تَسهرُ علَينا، وتَترُكُ بَصمَتَكَ في تَفاصيلِ حَياتِنا، وفي عُمقِ قلوبِنا، نشكركَ على حُبِّك، نشكرك على إهتِمامِكَ، نشكرك على تجسُّدِكَ، نشكرك على جسدِك ودمِكَ، نسجدُ أمامكَ، ونحمدُك مع أبيك وروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين. 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts