الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن العنصرة

الأحد السادس من زمن العنصرة
(9 تموز 2017)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد، نتأمّل مع الكنيسة فيما ينتظرنا كمسيحيّين في هذه الحياة من مهمّاتٍ وصعاب.
• تدعوك رسالة اليوم لتُعِيد إكتشاف هويّتك ومواهبك كي تزرع الخير في حياتك وحياة الآخرين!
• في إنجيل اليوم، نتأمّل في درب الخدمة وفي صعوباتها!
• في هذا الأحد، نرفع قلوبنا إلى العُلى، سائلين نعمة الرّوح القدس ليرشدنا إلى أفضل السبل لتأدية رسالتنا المسيحيّة. 

:::::: صـلاة :::

أيها المعلم والسيد الإلهي، أعطنا أن نتلمّس حكمتك في رعيّتنا ونتأمل بحبك لأبنائها. ثبتنا بكل ثقة على صخرتها، فنشارك حينئذ في نشاطاتها بوداعة الأبناء؛ ونبني معًا بحكمة هيكلها الّذي أنت حجر زاويته، ونُربّي أبناءنا تحت حمايتك كما ربّتك أمك بالحب. آمين. 

::: الرسالة :::

12 فكَمَا أَنَّ الـجَسَدَ هُوَ وَاحِد، ولَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَة، وأَعْضَاءُ الـجَسَدِ كُلُّهَا، معَ أَنَّهَا كَثِيرَة، هيَ جَسَدٌ وَاحِد، كَذلِكَ الـمَسِيحُ أَيْضًا.
13 فَنَحْنُ جَمِيعًا، يَهُودًا ويُونَانِيِّين، عَبِيدًا وأَحْرَارًا، قَدْ تَعَمَّدْنَا في رُوحٍ وَاحِدٍ لِنَكُونَ جَسَدًا وَاحِدًا، وسُقِينَا جَمِيعًا رُوحًا وَاحِدًا.
27 فأَنْتُم جَسَدُ الـمَسِيح، وأَعْضَاءٌ فِيه، كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا قُسِمَ لَهُ.
28 فقَدْ وَضَعَ اللهُ في الكَنِيسَةِ الرُّسُلَ أَوَّلاً، والأَنْبِيَاءَ ثَانِيًا، والـمُعَلِّمِينَ ثَالِثًا، ثُمَّ الأَعْمَالَ القَدِيرَة، ثُمَّ مَوَاهِبَ الشِّفَاء، وَإِعَانَةَ الآخَرِين، وحُسْنَ التَّدْبِير، وأَنْوَاعَ الأَلْسُن.
29 أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ رُسُل؟ أَلَعَلَّ الجَمِيعَ أَنْبِيَاء؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ مُعَلِّمُون؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ صَانِعُو أَعْمَالٍ قَدِيرَة؟
30 أَلَعَلَّ لِلجَمِيعِ موَاهِبَ الشِّفَاء؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِالأَلْسُن؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ الأَلْسُن؟

(الرّسالة الأولى إلى أهل كورنتوس – الفصل 12 الآيات 12-13 و 27-30) 

::: أفــكار من وحي الرسالة :::

أسئلة كثيرة إنتهى بها بولس الرسول في الفصل الثاني عشر من رسالته الأولى لأهل كورنتوس. أسئلة كثيرة تبدأ بكلمتين "ألعلّ الجميع...؟" (١كور ١٢: ٢٩). هاتان الكلمتان هي إنطلاقة لتنظيم كنسي على المستوى العقائدي والرسولي والراعوي والإداري. والسؤال يطرح نفسه عما كان يجري في أيام الرسل مما دفع بولس لكتابة هذه السطور؟
في البدء تكلم عن الجسد وشبّه به جسد المسيح وسمّى أبناء الكنيسة أعضاء هذا الجسد؛ وما يجمع فيما بينهم هي المعمودية الواحدة بالروح الواحد (١كور ١٢: ١٣). وسمّى مواهب هذه الأعضاء كلّها وحدّدها مُظهرًا بالتدرّج أهمية كلّ منها (١كور ١٢: ٢٨). ولكي لا تتضارب وظائفها بعضها ببعض جعلها الروح القدس تتفاعل بتناغم ومنجذبة كلها نحو الرأس، يسوع المسيح.
"ألعلّ الجميع..." كانوا يعتبرون أنفسهم "رسلاً وأنبياء ومعلمين وذوي قدرات...؟" (١كور ١٢: ٢٩-٣٠) لو لم يكن كذلك، ولو كانت واضحة لهم الرؤية عن الكنيسة كما نحن اليوم، لما كتب بولس الرسول هذه السطور مبيّنًا أن في الكنيسة مواهب متعدّدة وليست كلّها للجميع بل أعطي لكل "واحد كما قُسم له"(١كور ١٢: ٢٧).
بولس الرسول نظر للكنيسة على أنها جسد المسيح. إنها نظرة شمولية تبشيرية ومستقبلية، وصلت إلينا اليوم. وإن أردنا أن نتلمّس أبعاد هذه الرؤية في أيامنا هذه فلننظر إلى الرعية كصورة مصغّرة عن الكنيسة الجامعة:
1. الكاهن يقدّس، يعلّم ويدبّر مستندًا على الموهبة بوضع اليد التي منحه إيّاها أسقفه بقوة الروح القدس.
2. وكلاء الوقف هم أعضاء أساسيّون في الرعيّة. يرأسهم الكاهن وينقادون بموهبة التدبير التي منحهم إيّاها الأسقف بعد القسم على الإنجيل، ليدبروا وينظموا بمعية كاهنهم حياة الرعية وحاجاتها.
3. العلمانيون في الرعية، هم أعضاء ملتزمون في كنيستهم ضمن جماعات راعوية على إختلافها ومواهبها. تنحصر هذه المواهب على الشؤون الراعوية والرسولية في الرعية كالتعليم والتثقيف والتوجيه والنشء وزيارة المرضى والعناية بالفقراء والغرباء والإهتمام بالمسنين وذوي الحاجات الخاصّة. هؤلاء إذًا، هم يد الكاهن الممدودة لجميع الساكنين ضمن إطار الرعيّة على السواء. وعلى تلك الحركات العلمانية أن تتناغم مع بعضها البعض، "كل واحد كما قُسم له"، لتكون الرعية أرض خصبة تنمو فيها كلمة البشارة.
فهذا التنظيم للرعية والّذي بُني على صورة الكنيسة عبر الزمن، هو حقل عمل أُعطي لك أيها المتأمل لتبحث عن ذاتك فيه وترى موهبتك "كما قسم لك" الروح القدس لتستثمر وزناتك وتشارك كعضو فعّال في جسد المسيح. إنك لم تأتي صدفة إلى هذه الحياة بل لأجل غاية في قلب الآب؛ وأعطاك المواهب اللازمة لتكون ما أنت عليه الآن. فأنت من أنت؟ 

::: الإنجيل :::

16 هَا أَنَا أُرْسِلُكُم كَالـخِرَافِ بَيْنَ الذِّئَاب. فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالـحَيَّات، ووُدَعَاءَ كَالـحَمَام.
17 إِحْذَرُوا النَّاس! فَإِنَّهُم سَيُسْلِمُونَكُم إِلى الـمَجَالِس، وفي مَجَامِعِهِم يَجْلِدُونَكُم.
18 وتُسَاقُونَ إِلى الوُلاةِ والـمُلُوكِ مِنْ أَجْلي، شَهَادَةً لَهُم وِلِلأُمَم.
19 وحِيْنَ يُسْلِمُونَكُم، لا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَو بِمَاذَا تَتَكَلَّمُون، فَإِنَّكُم سَتُعْطَونَ في تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ.
20 فَلَسْتُم أَنْتُمُ الـمُتَكَلِّمِيْن، بَلْ رُوحُ أَبِيْكُم هُوَ الـمُتَكَلِّمُ فِيْكُم.
21 وسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلى الـمَوْت، والأَبُ إبْنَهُ، ويَتَمَرَّدُ الأَوْلادُ عَلى وَالِدِيْهِم ويَقْتُلُونَهُم.
22 ويُبْغِضُكُم جَمِيْعُ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ إسْمِي، ومَنْ يَصبِرْ إِلى الـمُنْتَهَى يَخْلُصْ.
23 وإِذَا إضْطَهَدُوكُم في هـذِهِ الـمَدِينَة، أُهْرُبُوا إِلى غَيْرِهَا. فَالـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: لَنْ تَبْلُغُوا آخِرَ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ إبْنُ الإِنْسَان.
24 لَيْسَ تِلْميذٌ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، ولا عَبْدٌ مِنْ سَيِّدِهِ.
25 حَسْبُ التِّلْمِيذِ أَنْ يَصِيْرَ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ، والعَبْدِ مِثْلَ سَيِّدِهِ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُ البَيْتِ قَدْ سَمَّوْهُ بَعْلَ زَبُول، فَكَمْ بِالأَحْرَى أَهْلُ بَيْتِهِ؟

(إنجيل متى – الفصل 10 – الآيات 16 إلى 25) 

::: أفــكار من وحي الإنجيل :::

الإنسان هو في إمتحان دائم في الحياة. يحتاج دائمًا إلى التفكير مليًّا قبل القيام بأي خطوة جديدة. فخطواته هذه ترسم له مستقبلاً يحقّق فيه ذاته. كمسيحيون نرى أن ما يصبح عليه هذا الإنسان هو دعوة من الله، خلقه ودعمه بالمواهب والنعم ليحقق ذاته فيتقدّس ويتقدّس به الّذين من حوله.
لكن ذلك أحيانًا لا يعجب البعض، بل يلجأ هؤلاء إلى التذمّر والمضايقات ويذهب البعض الآخر أبعد من ذلك إلى الملاحقات والإضطهاد ليقع في الشرك وربما تكلّفه حياته. من هنا عليه التحلّي بالرويّة ليجد الطريق الّذي سيخرجه منها بسلام.
إن كنّا نتكلم عن الحياة بهذا الشكل فكم بالحريّ إن بحثنا في زوايا الحياة عن المضطهَدين من أجل برّ الإيمان بالمعلم الضابط الكل؟


متّى في الفصل العشر من إنجيله يستوقفنا عند كلام يسوع عن الإضطهاد. ويرسم لنا الرّب لوحات ثلاث يربطها ببعضها كاشفًا لنا عن مضامينها. هذه اللوحات الثلاث هي:
- الحيوانات الأربع
- المحكمة
- التلميذ والمعلم، العبد والسيد
لكل من هذه اللوحات مسحة معيّنة تهدف إلى الإضاءة لا على المضطَهِدين، مَن هم وكيف يفكرون وإلى ماذا يهدفون؟ بل على المضطَهَدين من أجل إسمه، الّذين يرون ذواتهم بحاجة إلى الحكمة والوداعة والثقة والحب والقدوة ليتخطوا هذه المخاطر والإساءات في تلك الساعة.
اللوحة الأولى هي الحيوانات الأربع، الخراف والذئاب، الحيّات والحمام. الخراف والذئاب بطبيعتها لا تستطيع أن تعيش إلاّ ضمن جماعات. فالخروف بتواضعه يخضع إلى الجماعة ويرمز إلى الخير، إلى الحياة. وتسعى جماعة الخراف إلى العيش كذلك. والذئب من أجل غاياته يخضع إلى الجماعة ويرمز إلى الشر، إلى الموت؛ وتسعى جماعة الذئاب إلى القتل للعيش كذلك. إلاّ أن الرّب أعطى هذه الخراف حكمة الحيّات ووداعة الحمام. فبالحكمة يطوّر المسيحي من صورته كخروف إلى التفكير كيف يمكن العيش في هذه الحياة حيث تتربص له الشرور في كل زمان ومكان، وهذا واقع الحياة. وبالوداعة يتدرّع بالروية والصبر كي لا يلاقي الشرّ بالشرّ فيعطي ذريعة للذئاب وتبريرًا لشرّها.
من هنا سيساق هذا المؤمن إلى محكمة الحياة، يُحاسَب على إيمانه ويُسأل عنه. تُنصب له الفخاخ للتخلّي عنه. لكن "في تلك الساعة لا يهتم بما يقول وكيف يقوله" (متى ١٠: ١٩)، فمن خبرة الثقة والحب التي إكتسبها سيتكلم بقوة الروح القدس بحكمة الحيّات ووداعة الحمام، هذه هي اللوحة الثانية. تعود بنا هذه اللوحة إلى مشهد يسوع ماثلاً أمام قيافا (متى ٢٦: ٥٧): يتكلّم بحكمة، يصمت بحكمة؛ ويُظهر جليًّا في كلتي الحالتين الوداعة في ردّات فعله وفي صمته. لقد أعطانا القدوة.
القدوة كلوحة ثالثة، هي قدوة التلميذ بمعلمه وقدوة العبد بالسيّد. فلن يكون "أفضل منه" بل "حسبه أن يصبح مثله" (متى ١٠: ٢٤ - ٢٥). أظهر لنا الرّب بالحكمة والوداعة والثقة والحب صورة القائد في المعلم والسيّد. خبرة القديسين في تاريخ الكنيسة هي الشهادة الحقة على "الإقتداء بالمسيح"، السيّد والمعلم. "كالحمل سيق إلى الذبح ولم يفتح فاه" (أشعيا ٥٣: ٨، أع ٨: ٣٢)؛ تكلّم في المجالس بحكمة فصمتوا جميعًا. وظلّ متحليًا بالوداعة هو الّذي له القدرة بكلمة واحدة "أن يُخرج من الصخر أبناء لإبراهيم" (لو ٣: ٨). وهذا ما قد حدث، فقد أخرجنا من صخرة الإيمان أبناءً لإبراهيم أبناءً للآب. أبناءٌ ثابتون كمعلمنا وسيدنا في الحب والثقة والحكمة والوداعة؛ هو القدوة ونحن تلاميذه وعبيده.

أخوتي هذه اللوحات الثلاث هي الواقع في حياة كل مسيحي. لا ليعيش بشكل مَرَضيّ "الشعور بالإضطهاد" وأبدًا؛ بل ليعرف أنه لا يعيش في عالم الواقع إلاّ وسيتعرّض لهكذا أنواع من المضايقات من أجل إيمانه. فلنقتدِ بمعلمنا يسوع المسيح وسيدنا. ولنتحلّى بالحكمة والوداعة ولنتكلّم بثقة وحب بدون خوف بل بقوة الروح القدس؛ علّه تصبح هذه الذئاب خرافًا، وتشفى من شرورها. هذه هي دعوتنا في الحياة، لهذه الغاية خلقنا الله، ليتقدس أسمه ويتحقق ملكوته على عالم يفتقد اليوم إلى السلام. 

::: تــــأمّـل روحي :::

أرسلكم:
كم من الصعب لا بل من العسير حتّى، أن تدخل حربًا وأنت لا تدرك مخاطرها عليك ولست على إستعدادٍ لخوضها بكلّ كيانك وجوارحك لإنعدام الهدف المحدّد لديك لتناضل من أجله، بالإضافة إلى عدم إمتلاكك لمهارات إستخدام السلاح المناسب في المكان المناسب، لا تملك إستراتجية دفاعيّة ولا خطّة إنقاذية: حتمًا أنّك لَخاسرٌ. ما العمل إذًا كي نربح الحرب التي لطالما حدّثنا عنها يسوع وأرسلنا إلى وسطها حيث الذئاب الكاسرة تنتظر خرافه (خراف يسوع) (متى 16:10)؟ ما هو الهدف؟ ما هي أسلحته وإستراتجيّته ...؟

الصبر والوداعة
إن خُيِّر أيّ شخصٍ منّا اليوم بقبول هذه الدعوة، ربّما أكون أوّل الرافضين لها مع سماع أوّل آية: "ها أنا مرسلكم مثل الخراف بين الذئاب" (آ.16). بماذا تنفعني وداعة الحمام وصبر الخراف أمام التضحيات المطلوبة من أجل يسوع؟ ذبحٌ، تعذيبٌ، تشتيتٌ تهجيرٌ فقط لأنّ المسيح هويتنا وحياتنا، وكأنّنا عدنا إلى زمن ولادة المسيحيّة والإضطهادات العمياء.
لكن، إن تأمّلنا بمفاعيل هاتين الفضيلتين نستنتج أنّهما من الركائز الأساسيّة للإيمان الثابت بيسوع الّذي يشكّل الرأس لجسدنا الروحي. فالوداعة تجعلني قادرًا على رؤية الحبّ المفقود في قلب المضطهد وضياعه الموجع الّذي يأخذه في متاهاتٍ هو نفسه لا يدرك إلى أين تسير به بعيدًا عن منبع الحبّ الأساسي أي الله بالذات، ويأتي الصبر ليساعدني، بمعونة الروح القدس، كي أقبله كما هو مثلما قبلني ربّي يوم كنت بعدُ تائهًا، أرحمه لضعفه وعمى بصيرته، فيحوّل "حالي" من مُضطَهَد، إلى رسولٍ للكلمةِ أزرعها بصدقٍ وأغمض عيناي مؤمنًا أنّ كلمة الله لا ترجع خاوية أبدًا، مطمئنًّا واثقًا أنّه وحده يعلم متى تزهر تلك النبتة مهما كانت صغيرة ومهما طال الوقت، محوّلاً يباسها إلى حياة.
أمّا الأمثلة فلا تُعّدّ ولا تُحصى منذ اليوم الأوّل للمسيحيّة حتّى يومنا هذا، أرغب في أن أذكر منها إثنان: من الزمن البعيد، كيف أنّ القديسة بربارة أُسلِمَت إلى الموت على يد أبيها الملك بسبب إتّباعها يسوع. أمّا في زمننا الحاضر فالشهادات كثيرة منها مجموعة الشهداء الّذين سُجِنوا في المغاور مكبّلين بالحديد، صابرين على التعذيب والتنكيل بهم وهم يتمسّكون بحبل الخلاص الأكيد يسوع المسيح، فرحين بحضور الله معهم وروحه يشدّدهم، تزلزل أصوات تسابيحهم -التي بلغت قلب الآبِ- أعماق الجبال قبل إستشهادهم ممّا أرعب مضطهديهم الّذين هربوا مرتاعين ممّا يحدث، وساعة سيقوا إلى الموت -الّذي لم يختاروه هم بل قبِلوه يإيمانٍ- لم يُرى في وجوههم إلاّ نظرة الرجاء، وفرح اللقاء بإبتساماتهم، وشفاههم الهامسة في أذن الآب تسليمهم الكلّي له، وعيونهم شاخصةً إلى الهدف المنشود، فقبلوا الإستشهاد وقدّموا أجسادهم بخورًا زكيًا متمسّكين بالحفاظ على رأسهم مصدر كلّ حياةٍ فيهم.

الحذر والحكمة
كلّنا نحبّ الحياة كذلك نحبّ أن تكون علاقتنا بالله ثابتة وجميلة حتّى ولو تخلّلتها بعض الصعوبات التي يمكن تخطّيها. وعَلّي أفتكر أنّ هذه الحرب المعلنة على كلّ من حمل أسم يسوع صعبٌ قبولها، وكلّ تلك الفضائل لا تنجّيني من الموت والفقر والمجاعة وغيرها من الضيقات. ربّما لعدم إدراكنا بقيمة الهدف الّذي من أجله نحن في قلب المعركة، ولجهلنا بوجود سلاح الصبر والوداعة وذخيرتهما "حكمة الحيّات" (آ:16) الّذين لم نتعرّف إليهم منذ بدايات حياتنا العمليّة، ولقلّة خبرتنا في وضع إستراتجية دفاعية وخطّة إنقاذية محكمة قوامهما الإيمان الثابت والرجاء، والتمثّل بالله الّذي حاكانا في الدرك الأسفل من إنسانيتنا بتجسّد إبنه وحياته فموته وقيامته.
صحيح، ولكن ليس من المطلوب أن نستسلم للموت هكذا ببساطة، بل أن تكون لنا حكمة الحيّات التي تُسلم جسدها دون رأسها من الضربات مهما كانت قاسية لأنّ فيه (رأسها) تكمن إستمرارية حياتها. ألم يفعل ذلك، وما زالوا، كلّ الّذين تعرّضوا للإضطهاد من أجل أسمه القدّوس؟ لقد تركوا كلّ شيءٍ وراءهم للسلب والنهب والحرق والتدمير، متقبّلين ما حدث لهم من تشتّتٍ وتهجيرٍ وإغتيالٍ للأنوثة وغيرها وفقدانهم لأهلٍ وأحباء قُتِلوا، كلّ ذلك من أجل الحفاظ على هويّتهم الإيمانيّة، رأسهم الروحيّ الأساس، حيث ستنبت جذورٌ جديدة أشدّ صلابة وأكثر خصبًا وزهوًا وثباتا [...].
لذلك فلنتسلّح بما وضعه الله بين أيدينا من المجد الأبدي، ولا نفصلنّ الواحدة عن الأخرى، أي الوداعة والصبر عن الحكمة والحذر، لأنّهما إن لم يتزوّجا تبقان منفردتان لا ثمار فيهما فيفقدان معنى الفضيلة في أساسهما ليحتلاّ، منفردتين، عناوين حياةٍ منمّقة من الخارج وفارغة من الداخل تشبه جرسًا يطنّ وصنجًا يرنّ هباءً في صحراء نفوسنا القاحلة. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... سألتُ نفسي: ما هي الغاية التي من أجلها أعطيتَ مواهب متعددة؟ وما هو هذا الجسد الواحد؟ ووجدت فكري يقودني إلى ما قاله الرّب يسوع "والحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحقّ وحدك ويعرفوا الّذي أرسلته يسوع المسيح" (يوحنا 17: 3)، وكانت الغاية من إرساله أن "يشْهَدَ للحقّ" (يوحنا 18: 37) ليأتي ملكوتك، لأفهم بأنك من محبتك للإنسان وجَّهته إليكَ بطرق مختلفة ليحيا معك فأيَّدْت مرسليك "المرشدين" خلال العصور بمواهب تُقنع السامع لهم بما يقولون عنكَ ويُبشّرون: سلطة، حكمة وطلاقة لسان، قدرة عمل أعاجيب وشفاء بإسمك، تقوى وقوة تحمّل وحب خدمة للآخرين محبّةً بك وبهم. ولعلّ الشيطان الّذي يود إبعاد الإنسان عنك لن يتوانى عن فعل أيّ شيء لعرقلة مسيرة المُرسل، ولكن هيهات، فالمُعلّم قد سلّح تلاميذه بنِعم وبنصائح إن إتّبعوها نجحوا في نشر الملكوت: الجسد الواحد بالمسيح.
ربّي وإلهي ... إستخدمني لنشر ملكوتك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

1- (المحتفل) في زمن العنصرة، زمن الروح، نصلّي من أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيدكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يبقَوا رُغمَ تميُّزِهم، جسدًا واحِدًا في روحٍ واحدٍ وفِكرٍ واحد، مِثالاً للعالم، نسألك يا رَب.
2- نخاف الآخَر، نخافُ الإضطهاد، نخاف الموت، نخافُ الإمّحاء، إنزع عنا ما يُخيفُنا، وإزرع فينا روح القوّة والثّقة بإعتنائك بنا، نسألك يا رب.
3- وهبتَ كلَّ واحدٍ منّا موهِبته الفريدة، أعطنا أن نفرح بها، نشكرك عليها، ونستثمرَها لِنَشرِ كلمتِك وعيشِ تعاليمك، نسألك يا رب.
4- كثُرَتِ الأمراضُ وتكاثَرَتِ الشّرور بين البشر، نضع أمامك مرضَى النَّفسِ والجَسَد، كُن لهم الشِّفاءَ مِن كلِّ ما يُؤذي نفوسَهُم ويُهلِكُ أجسادَهُم، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) إستقبل في حِضنك الأبويّ جميعَ الّذينّ صَبَروا إلى المُنتهى، إمنحهُم الخلاصَ بالحياةِ الأبديّة معك، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

على صورتِك، كمِثالِكَ خلقتَنا،
ومن مواهبِكَ منَحتَنا،
على الخطيئةِ سلَّطتَنا،
وبالخليقةِ وكَّلتنا،
أسأنا إليك، وأسأنا إستعمال ما وهبتنا،
ورغمَ ذاك، لم تيأس ولم يَنقص حبُّك لنا،
إذ لا زلتَ معنا بِجسدك ودمك المقدَّسَين،
تنفحُنا بِروحِكَ، تعزِّينا وتقوِّينا،
فالشكر لك والحمد لإسمِك، مع أبيكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة،

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الأب طوني الياس المرسل اللبناني
tonilias@live.com
https://www.facebook.com/tonilias

 

تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts