الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن العنصرة

الأحد الثالث من زمن العنصرة
(18 حزيران 2017)

::: مـدخــل :::

• في الأحد الثالث من زمن العنصرة، نتأمل في تعليم الرّوح القدس لنا تحت عنوان "الرّوح يُعلّم"!
• في الرّسالة، نتأمّل مع مار بولس في مفهوم "الحكمة" الّتي تستند بشكلٍ أساسيّ إلى الإنفتاح على عمل الرّوح القدس الّذي يزرع فينا بذور الحكمة.
• في الإنجِيل، يذكر يوحنا الإنجيلي كلمة "الحبّ" سبع مرات في سبع آيات وليست صدفة طبعًا أن يُركّز يسوع على "الحب"... فالإنجيل كلّه هو إنجيل "الحب". والروح القدس يُعلِّم "الحب" فـ"الله محبة".
• في هذا الأحَد نحنُ مَدعوون لنغرف بالرّوح القدس الحكمة والحبّ لنُجسّد مسيحيّتنا في كلّ ما نقوم به أو نقوله أو نشهد به! 

:::::: صـلاة :::

أيها الإبن الحبيب يا ربنا يسوع المسيح، أعرف أنك تحبني فعلمني كيف أحب. أعرف أنك واثق بي فعلمني كيف أثق. أنت معلمي وحكمتك هي غذائي. دعني أتأملك على الصليب فأرتوي من قلبك المتدفق دمًا وماءً: "نِعم ورحمة"، وأشهد بالتالي إلى الحب والسلام النابعان من نور قيامتك، لك المجد إلى الأبد، آمين. 

::: الرسالة :::

1 وأَنَا، أَيُّهَا الإِخْوَة، لَمَّا أَتَيْتُكُم لأُبَشِّرَكُم بِسِرِّ الله، لَمْ آتِ بِبَرَاعَةِ الكَلاَمِ أَوِ الـحِكْمَة؛
2 لأَنِّي قَرَّرْتُ أَنْ لا أَعْرِفَ بَيْنَكُم شَيْئًا إِلاَّ يَسُوعَ الـمَسِيح، وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا!
3 وقَدْ جِئْتُ إِلَيْكُم بِضُعْفٍ وَخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ شَدِيدَة.
4 ولَمْ يَكُنْ كَلامِي وَتَبْشِيري بِكَلِمَاتِ الْحِكْمَةِ والإِقْنَاع، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالقُدْرَة،
5 لِئَلاَّ يَكُونَ إِيْمَانُكُم قَائِمًا عَلى حِكْمَةِ النَّاس، بَلْ عَلى قُدْرَةِ الله.
6 غَيْرَ أَنَّنَا نَنْطِقُ بِالـحِكْمَةِ بَيْنَ الكَامِلين، ولـكِنْ لا بِحِكْمَةِ هـذَا الدَّهْر، ولا بِحِكْمَةِ رُؤَسَاءِ هـذَا الدَّهْرِ الَّذِينَ مَصِيرُهُم إِلى الزَّوَال.
7 بَلْ نَنْطِقُ بِسِرِّ حِكْمَةِ اللهِ المَحْجُوبَة، الَّتي سَبَقَ اللهُ فَحَدَّدَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا.
8 وهيَ الـحِكْمَةُ الَّتي لَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ هـذَا الدَّهْر، لأَنَّهُم لَوْ عَرَفُوهَا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الـمَجْد.
9 ولـكِنْ، كَمَا هوَ مَكْتُوب: "مَا لَمْ تَرَهُ عَيْن، ولَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُن، ولَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَر، قَدْ أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ".
10 لـكِنَّ اللهَ أَعْلَنَهُ لَنَا بِرُوحِهِ، لأَنَّ الرُّوحَ يَسْبُرُ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ الله.

(الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس – الفصل 2 – الآيات 1 إلى 10) 

::: أفــكار من وحي الرسالة :::

أحباء الله وغيرهم من البشر يتسألون ما سرّ صمت الله إزاء كل الّذي يمارس بحقّ البشرية وخاصة في أيامنا هذه؟ فما سرّ هذا الصمت؟ أهي حكمة منه؟ أم أنه يعمل بصمت؟ أم أننا أصماء لا نسمع صوت الله ولا نفهم حكمته؟
في نص بولس هذا لأهل كورنثوس (١ كور ٢: ١-١٠) يظهر صراعٌ بين حكمة الله وحكمة الناس. وتأتي هذه الأخيرة مقنعة، قائمة على براعة الكلام وتدعو إلى إيمانٍ متجذّر في تعاليم تناقض حينًا تعاليم الله وتتماهى حينًا آخر معها. وبين هذين المتناقضين في كيان حكمة الناس وممارستها، يبرز ضياع غامض في تعاليمها فيضحي إيمانها هش. وأحيانًا تكون عنيفة لدرجة أنها تمحو الآخر عن الوجود حتى ولو كان هذا الآخر هو الله بذاته؛ إذ بجهل "رؤساء هذا الدهر صلبوا ربّ المجد" (١ كور ٢: ٨). وهذا العدم في "معرفة حكمة الله" نابعٌ بحدّ ذاته من حكمة الناس الفارغة. إنه جهلٌ مظلمٌ يقضي على البريء ويحمي المجرم. مثال على ذلك بعض وسائل الإعلام، يتم إستغلالها إما بكفٍ يهدّد أو بآخر يغري لتروّج لهذا الفكر وتبرره؛ فتضحي أدوات قتّالة تدمر الإنسان كل الإنسان.
رُبَّ قائلٍ أن قوة العالم مصدرها سياسة رؤساء الدول العظمى؛ فيتسأل كيف بالمقابل يكون للمرء الخيار لإتباع شخص ضعيف مات مصلوبًا؟
"ببرهان الروح والقدرة" (١ كور ٢: ٤). هذا ما يعنيه مار بولس حين أراد أن يعبّر عن "سرّ الله، وحكمته المحجوبة" (١ كور ٢: ٧). وعلى هذا السرّ يُبنى الإيمان بالله وتثبته الحكمة التي "حدّدها الله قبل الدهور لمجدنا" (١ كور ٢: ٧). فلا من يدٍ تُرهب فتغتصب الحرّية؛ فعمل الله بصمت هو برهان على إحترامه حرّية الإنسان وسرّ حياته مهما كان خاطئًا (مت ٥: ٤٥). ولا من يدٍ أخرى تغري وترغّب فتستغل حرية الإنسان لدرجة أن "ما أعده الله للّذين يحبونه، لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر" (١ كور ٢: ٩).
هذه هي حكمة الله، هي تدعو وعلى الإنسان بحريته المحدودة أن يتخذ القرار الّذي به يقول للربّ: "زدني إيمانًا (لو ١٧: ٥) زدني معرفة". إذًا، ليس بصمت من الله بل هو عمل الله بصمت؛ يعلن بدون ضجيج، يعلنه لنا بروحه، "لأن الروح يسبر كل شيء حتى أعماق الله" (١ كور ٢: ١٠) ويكشف لنا عن غنى محبته وقوة حكمته لدرجة أن من يحبّونه يتخلّون عن حكمة الناس بإتباعهم "حكمة الله" المصلوبة على الصليب (١ كور ٢: ٢). إنها القوة الوحيدة التي تبني وتثقّف وتربّي وترفق وترشد الإنسان على طريق كماله. إنه ليس بصمت، بل هو عمل بصمت، هو حكمة إلهية "فإن الحكمة تدخل بيتك ونفسُك تلتذ بالعلم" (أم ٢: ١٠).
فيا أخي الإنسان، إعلم أن حكمة الله هي نبع كل الفضائل؛ إن أحببتها وعشقتها، أحبتك وأدخلتك بيتها فترى نعيم الله وتلمس حبّه (أم ٨: ١٧-٢١). 

::: الإنجيل :::

21 مَنْ كَانَتْ لَدَيْهِ وَصَايَاي ويَحْفَظُهَا، هُوَ الَّذي يُحِبُّنِي. ومَنْ يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وأَنَا أُحِبُّهُ وأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي".
22 قَالَ لَهُ يَهُوذَا، لا ذَاكَ الإِسْخَريُوطِيّ: "يَا رَبّ، مَاذَا جَرَى حَتَّى تُظْهِرَ ذَاتَك لَنَا، لا لِلعَالَم؟".
23 أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: "مَنْ يُحِبُّنِي يَحْفَظُ كَلِمَتِي، وأَبِي يُحِبُّهُ وإِلَيْهِ نَأْتِي، وعِنْدَهُ نَجْعَلُ لَنَا مَنْزِلاً.
24 مَنْ لا يُحِبُّنِي لا يَحْفَظُ كَلِمَتِي. والكَلِمَةُ الَّتِي تَسْمَعُونَهَا لَيْسَتْ كَلِمَتِي، بَلْ كَلِمَةُ الآبِ الَّذي أَرْسَلَنِي.
25 كَلَّمْتُكُم بِهـذَا، وأَنَا مُقِيمٌ عِنْدَكُم.
26 لـكِنَّ البَرَقْلِيط، الرُّوحَ القُدُس، الَّذي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِإسْمِي، هُوَ يُعَلِّمُكُم كُلَّ شَيء، ويُذَكِّرُكُم بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُم.
27 السَّلامَ أَسْتَودِعُكُم، سَلامِي أُعْطِيكُم. لا كَمَا يُعْطِيهِ العَالَمُ أَنَا أُعْطِيكُم. لا يَضْطَرِبْ قَلْبُكُم ولا يَخَفْ!

(إنجيل يوحنا – الفصل 14 – الآيات 21 إلى 27) 

::: أفــكار من وحي الإنجيل :::

"لا يضطرب قلبكم ولا يخف!" (يو ١٤: ٢٧). إضطراب القلب رفيق حياتنا. يزعجنا كل يوم تقريبًا. لأن قلبنا ضعيف خالٍ من الحب والثقة. إضطراب القلب يؤدي إلى الخوف وليس العكس، لأنه يستند على ومضات قليلة وضعيفة من واقع الحياة غير مرتبطة ببعضها ويطلق العنان للمخيلة فتبالغ هذه الأخيرة بالربط بثوانٍ فتتوالى أفكار وهمية ويولد الخوف. أسمّي غالبًا هذا الخوف بالخوف الوهمي أي القائم على الأوهام. كل هذا سببه محدوديتنا في معرفتنا للمستقبل القريب أو البعيد. فعندما يزول الوهم يتبدّد الخوف معه. وإزالت الوهم يتطلب حبّ وثقة بآخر يعيد القلب إلى الواقع وإلى حقيقة الأمور "كما هي".

"فلا يضطرب قلبكم ولا يخف". إفتحوا قلبكم للحب، إفتحوه للكلمة، إفتحوه للإنجيل؛ هذه دعوات البابا فرنسيس كل يوم. دعوة الحبّ في العهد القديم تتغذّى من حفظ الوصايا (لو ١٨: ٢١). وقد ربط يسوع هذه الأخيرة بالكلمة بشكل أن كلمته تكمّل الوصية ولا تنقضها؛ "لم آتِ لأنقض بل لأكمّل" (مت ٥: ١٧). والّذي يجمع بين حفظ الوصايا وحفظ الكلمة هو الحب. وبما أن الوصية والكلمة لها روح واحد، الروح القدس، فهي واحدة مولودة منه وتعيش فيه وتخلق وتجدّد بقوّته. فربط يسوع الوصية والكلمة بالحب يهدف إلى عودة القلب إلى السلام المفقود وشفائه من الإضطراب والخوف.
ثالوث يشبه الثالوث، ويأخذ صورته ومثاله: الحب والكلمة والسلام؛ حب الآب للعالم، تجسد الكلمة فيه وسلام الروح القدس له. ثالوثٌ يفتح القلب على الحقيقة. ثالوثٌ يجيب على سؤال "يهوذا لا ذاك الإسخريوطي: يا رب، ماذا جرى حتى تظهر ذاتك لنا، لا للعالم؟" (يو ١٤: ٢٢). من نحن حتى يُظهر لنا ذاته؟

نحن الكنيسة المولودة من رحم الآب في المعمودية، المقترنة بسرّ الزواج بالمسيح، الحاملة في عنقها كلمته بقوة الروح القدس، في الشوارع والأزقة. فبقاء الكنيسة هو بإرادة الحب "وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت ١٦: ١٨) وإستمراريتها متجذّرة في قلب كل مؤمنٍ يفتح إنجيله كل يوم، يُصلّيه ويجدّد عهود معموديته بثقة وحب بالكلمة. وله كل الثقة أن الآب مقيم فيه مع الإبن والروح القدس. فلا خوف إذًا ولا إضطراب بل حبّ وسلام. 

::: تــــأمّـل روحي :::

"نجعل لنا عنده مقامًا" (يو23:14)

"نأتي إليه" (يو23:14)
يا لهذا الحبّ العظيم، حبٌّ ثالوثيّ إلهي للإنسان، حبٌ يحترم الإرادة، ينتظر موافقة الشخص المخلوق تلبيةً لنداء الله كي يأتي ويقيم في أعماقه (أعماق الإنسان).
لَعَمري ما شهدت حبًا أبويًّا ثالوثيًّا أعظم من هذا: "نأتي: الآب والإبن يحلاّن بالروح في مسكن قلبنا".
بعد ألفيّ عام على تجسّد الكلمة، ما زال صعبٌ علينا فهم هذه الحقيقة بسبب فصلنا لأشخاص الثالوث واحدهم عن الآخر والتركيز فقط على شخص يسوع الإبن. وأسأل نفسي قبلكم عن هذا السرّ، فتتكشّف لي الحقيقة يومًا بعد يوم، جليّةً حتّى لمنطقنا البشري. فلا يمكن للإبن أن يكون دون أبٍ ومجرّدًا من الروح، ومن المستحيل أن يكون الحبّ محصورًا في شخصٍ واحدٍ ويبقى حيًّا وتحوّل إلى أنانيّة، لأنّ الحبّ هو عطاء وإستقبال وهو مشاركة لا تفرّد.
في واقع حياتنا، غالبيّتنا ما زالت تعتقد أنّ الآب هو بعيدٌ عنّا، لا نستطيع تحديد مواقفه منّا ولا وجه له، بينما الإبن، يسوع المسيح الّذي تجسّد فرأيناه ولمسناه بالرسل والتلاميذ والشهود التي لا تحصى ولا تُعدّ من الّذين تبعوه أو إنقلبوا ضدّه ونادوا بصلبه... نشعر به أقرب إلينا من الآب، على الرغم ممّا قاله عنه الإبن: "من رآني رأى الآب"، و "مَن يحبّني ونأتي إليه" (يو 23:14). هنا لا بدّ من الإشارة أنّ لا أحد "لا أحد يمضي إلى الآب إلاّ بيسوع" (يو 6:14). إذًا، كي يدخل المؤمن إلى الثالوث لا بدّ له أن يمرّ بـ"الباب" (يو 9:10) أي بيسوع المسيح الّذي نرى فيه وجه المخلّص الآتي من لدن الله، هذا الوجه بالذاتِ كم نرغب في إكتشافه وكم نحن بحاجةٍ إليه اليوم.

"من يحبّني حفظ كلامي"
أن نحبّ يعني أن نعرف حقيقة معنى الحبّ، وصيّة الوصايا، فهو ليس مجرّد كلمة تقال أو شعور تحرّكه ميولنا الجسدية، بل هو عطيّة مجانيّة وفيضٌ من قلب الله، نناله في سرّ العماد يملأ قلب الإنسان (القلب في الكتاب المقدّس هو باطن الإنسان بكلّ ما فيه من فكرٍ وذاكرة وقرار...) حتّى الأعماق، بحيث نصبح كلّنا مدعوّين لعيش كمال هذا الحبّ: "إنّ محبّة الله أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس الّذي وُهِبَ لنا" (رو 5:5).
بفهمنا لهذه الوصيّة يتحوّل فتورنا إلى إضطرامٍ بمحبّة الله بكلّ عقلنا وفكرنا وقوّتنا بحيث أنّه يصبح ساكنًا في كلّ مفاصل كياننا وقلبنا لنتناغم مع روح الحبّ، حركة الفيض الأبديّ تلك بين أشخاص الثالوث أولاً ثم مع الإنسان، فكيف لا نثمر فرحًا وتجاوبًا مع كلّ "مَن أعطانا إيّاهم الآب"؟ بالتالي، كيف لا يرى هؤلاء وجه الآب في وجوهنا إن عشنا مسيحيّتنا مُشِعّةً بالعطاء والأمانة حتّى ولو شاب حياتنا الكثير من الضعف، "فمن أحبّ كثيرًا يغفر له كثيرًا" ويكون رسول المسيح في العالم؟

ونتساءل
كيف أنمو والضعف يأخذ منّي الكثير؟
صحيحٌ، ولكن ألا نؤمن "أنّ الله يجعل من ضعفنا قوّة" كما يقول القديس بولس؟ أيّ طفلٍ ينمو دون أن يتعرّض لأزماتٍ صحيّة مؤلمة أحيانًا (مثلاً عند ظهور أسنانه الأولى التي من دونها لا يستطيع أن يكتمل نموّه)، وصعوباتٍ في التأقلم مع رفاقه في الحضانة بعيدًا عن حضن أمّه، وتأرجحٍ بين الفشلِ والنجاح في تثبيت خطواته الأولى والتمكن من لفظ الكلماتِ واحدة تلو الأخرى إلى أن يصل إلى الجملة الصحيحة...

هكذا نحن: في داخلنا طفلٌ روحيٌّ وُلِد ثانيةً في العماد، توّاقٌ إلى السعادة وسلام القلب ومصدرهما الله. فبقدر ما يثق (طفلنا الروحي) به وبقدرته وحبّه الفائق، بقدر ما ينمو في الله ملتصقًا بالمسيح داخلاً في سرّ موته وقيامته مقتبلاً كلّ موت عن السيئات والخطيئة، متخطيًا كل الصعوبات برجائه بالقويّ القدوس، واثقًا أن التأرجح بين الفشل والنجاح ما هو إلاّ طريق لتصويب مسيرة نموّه المستمرّ، لينهض، مع يسوع، من سقطاته مستنيرًا مرنّمًا بالقلب والعقل واللسان بالتسابيح والحمد والشكران إلى الأبد: أشكرك يا إلهي يسوع لأنّك كشفت لنا وجه الآب، وجه الحبّ، وأتيت معه لتقيما عند كلّ من حفظ وصاياك وأحبّك، كما أنّك أرسلت روحك القدّوس ليعلّمنا كلّ شيء، تاركًا لنا سلامك الخاصّ كي لا تدع قلوبنا تضطرب وتخاف. كلّ التسبيح والسجود والحمد والإكرام لك إلى الأبد. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... بمَن أُشبِّه نفسي؟ فأنا إنسانٌ يُحبُّك ولكني ما أزال لا أحفظ وصاياك وأعيشها. هل أضحكُ على نفسي حين أقول أنّي أُحبّك، أو ماذا؟

ربّي وإلهي ... تكلّمتُ اليوم ولأول مرة مع سيدة كنتُ أراها تأتي تقريبًا يوميًّا إلى الكنيسة لتُشارك بالإحتفال بالذبيحة الإلهية، وكانت في بعض الأيام تجلب معها حفيدها البالغ من العمر بحدود الثمان سنين، ومِن ملامحها وتصرفاتها مع حفيدها كنتُ أظنّ بأنها قاسية، ولكن بعد أن تكلّمتُ معها إكتشفتُ بأنها كانت مُعلّمة موسيقى وأنَ عائلتها جميعًا لهم آذان موسيقية وذو أصوات جميلة، وعرفتُ بداخلي بأني قد ظلمتها حين إفتكرتُ بأنها قاسية. إكتشفتُ بأن محبتها لكَ قد تجاوزت بكثير مرحلة إعتبارك "الأب" الّذي يُوفّر الإحتياجات إذ أنّها لا تأتي للكنيسة لتقول لك "أنا أُريد..." فهي تعلم بأنّ "عينيكَ عليها" ولكن لتقول لكَ "أنا أُحبّك". أخبرتني بأنّ زوجها على قاب قوسين أو أدنى من الموت فهو يُعاني منذ فترة من عجزٍ في القلب، وما أدهشني أنّها قالت بأنه يعيشُ مع إبنته لتعتني به؛ وقبل أن تأخذني الأفكار بعيدًا عن واقعها قالت: "هو مؤلم جدًّا أن ترى إنسانًا تُحبّه يتلاشى أمام عينيك وخاصة وأنت قد عاشرته سنين طويلة وعرفته حين كان قويًّا يهز الأرض حين يمشي". أحسستُ من كلماتها بحبها العميق لزوجها وألمها الشديد لما يحدث له، كما أحسستُ بشعورها بضعفها لعدم مقدرتها على رؤيته بهذه الحال والوقوف بجانبه تعطيه محبتها كما كانت تفعل سابقًا. أخبرتني بأنها تنتظر بقلقٍ شديد أن يرن التلفون ليبلغوها بأنه قد توفى، ولكن هذا أفضل لها من أن تكون معه في تلك اللحظة. وحينها أدركتُ بأن في وقت الشدة هناك مَن يهرب وهناك مَن يبقى ولكن الإثنان يُحبّان من كلّ قلبهم. لا أستطيع أن أقول بأن أحدهما كان ضعيفًا والآخر قويًّا، إذ لا بدّ للضعيف من أن يكون قويًّا ليتحمّل فكر الآخرين من حوله بأنه قد تنكّر لمّن أحب غير مُدركين بمدى ألمه وضعفه.

ربّي وإلهي ... يا مَن علِمْتَ بضعفي وبحبّي لك فلم تُبعدني عن عينيك وقُلتَ لي بالإبن الحبيب والروح القدس أنّك تُحبّني وبأنك ستمسك بيدي وتُقوّيني، الشكر لك على الدوام، آمين.  

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2015)
1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة القائمة بِقوَّةِ الرّوح، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يَنطقوا دَومًا بالحَق، ويَقْوُوا على كلِّ تجربة، نسألك يا رَب.
2- ذَكِّرنا دَومًا بِوَصاياك، وأعطِنا أن نحفَظَها، فَنُظهِرَ لك حُبَّنا وتُظهِرَ لنا ذاتكَ، وتقيمَ عندنا مع إبنِك بِقُوَّة الرّوح الّذي يسبُرُ الأعماق، نسألك يا رب.
3- أخطارٌ كثيرة تُهَدِّدُ وجودَنا المسيحيّ، منهم مَن يَضطَهِدُنا بالسلاحِ ومِنهم مَن يستَعمِلُ الإلحادَ والإستلشاءَ وسيلةً، إمنَحنا الشَّجاعةَ والحِكمةَ، وقَوِّ إيمانَنا الضَّعيف، فَنُواجِهَ بِثَباتٍ ونثبُتَ بِشَجاعةٍ في وَجهِ كلِّ الصِّعاب، نسألك يا رب.
4- المَرضَى كُثُر، والمُتَألِّمونَ أكثَر، والمُهمَلونَ أكثَر وأكثَر، أرسل روحَك الشّافي والمُعَزّي، فَيُغَيِّرَ الأحوال، ويُعطي الصِّحَّةَ والسعادةَ والإهتمام لِكلِّ مُحتاج، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) إستقبِل في حِضنِك الأبَوِيّ جميعَ المُنتَقِلينَ من هذه الحياة، لا تنظُر إلى آثامِهِم، بل إلى الحُبِّ الفادي الّذي سفكَ دَمهُ مِن أجلِ خلاصِهم، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2015)

تجسَّدتَ مِن أجلِنا، عِشتَ معنا وبِيننا،
أحبَبتنا، فأظهَرتَ لنا ذاتَكَ،
ولَم تَكتَفيَ بِذَلكَ،
إذ، بالمُناوَلةِ، إتَّخذتَ جَسَدنا مَسكِنًا لك ولأبيك،
ما مِن حِكمةٍ بشريّةٍ تفهمُ هذا السِّرّ،
بل حِكمةُ اللهِ المَحجوبَةُ هيَ الّتي تسبرُ عُمقَك،
تُنيرُ دَربَنا وتُرشِدُنا إلَيك،
الشكرُ والسجودُ والحمدُ، لك ولأبيك ولروحك، من الآنَ وإلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة والصلاة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الأب طوني الياس المرسل اللبناني
tonilias@live.com
https://www.facebook.com/tonilias

 

تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts