الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن القيامة

خميس الصعود
(25 أيار 2017)

 

::: مـدخــل :::

• الآن، وقد قدَّم المسيح ثمن خلاصنا بالكامل بقيامته من بين الأموات، صار بإستطاعة البشرية أن تتمتع بالدخول إلى السماويات، وهذا ما صار ممكنًا بصعود الرب يسوع إلى السماء.
• يشرح القديس لوقا لتيوفيل الذي كتب له سفر أعمال الرسل وصيَّة الرب يسوع الأولى لتلاميذه بالشهادة له في العالم، وهو بذلك يشرح لنا نحن اليوم مهمتنا كمسيحيين وهي أن نشهد لما نؤمن به.
• أما في إنجيل القديس مرقس فيشدّد الربّ يسوع على مهمّة الشهادة له، مانحًا تلاميذه، ونحن أيضًا القدرة على أن نحيا إيماننا المسيحي الّذي يجب أن ننادي به قولاً وفعلاً في هذا العالم.
• تدعونا أمنا الكنيسة إذًا في هذا العيد لكي نُصعِد قلوبنا من الإهتمام في هذا العالم الزائل إلى الإهتمام بملكوت السماوات، الّذي دعانا الرب يسوع إلى إعلانه في حياتنا اليومية. 

:::::: صـلاة :::

أيها الرّب يسوع، في عيد صعودك إلى السماء، نشكرك على نِعمك التي تمنحنا إياها، وخاصة نعمة القوة للشهادة لك في حياتنا اليومية. ثبِّتنا في محبتنا لك، وساعدنا بقوة روحك القدوس كي لا يُنسينا هذا العالم الزائل دعوتنا الأساسية الوحيدة، وهي أن نكون على الدوام شهودًا لمحبّتك التي سنحيا بها إلى الأبد في ملكوتك السماوي، لك المجد مع أبيك وروحك الحيّ القدّوس، إلى الأبد، آمين. 

::: الرسالة :::

1 لَقَدْ دَّوَنْتُ في الكِتَابِ الأَوَّل، يَا تِيُوفِيل، كُلَّ مَا عَمِلَ يَسُوعُ وعَلَّم، مُنْذُ بَدْءِ رِسَالَتِهِ،
2 إِلى اليَوْمِ الَّذي رُفِعَ فِيهِ إِلى السَّمَاء، بَعْدَ أَنْ أَعْطَى بِـالرُّوحِ القُدُسِ وَصَايَاهُ لِلرُّسُلِ الَّذينَ إخْتَارَهُم.
3 وقَدْ أَظْهَرَ لَهُم نَفْسَهُ حَيًّا بَعْدَ آلامِهِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَدِلَّة، وهُوَ يَتَرَاءَى لَهُم مُدَّةَ أَرْبَعِينَ يَومًا، ويُكَلِّمُهُم عَنْ شُؤُونِ مَلَكُوتِ الله.
4 وفِيمَا هُوَ يَأْكُلُ مَعَهُم، أَمَرَهُم أَلاَّ يُغَادِرُوا أُورَشَلِيم، بَلْ أَنْ يَنْتَظِرُوا فيهَا وَعْدَ الآبِ "الَّذي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي؛
5 لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِـالـمَاء، أَمَّا أَنْتُم فَسَوفَ تُعَمَّدُونَ بِـالرُّوحِ القُدُسِ بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّام".
6 وكَانَ الـمُجْتَمِعُونَ يَسْأَلُونَهُ قَائِلين: "يَا رَبّ، أَفِي هـذَا الزَّمَانِ تُعِيدُ الـمُلْكَ لإِسْرَائِيل؟".
7 فَقَالَ لَهُم: "لَيْسَ لَكُم أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ والأَوْقَاتَ الَّتِي حَدَّدَهَا الآبُ بِسُلْطَانِهِ الـخَاصّ.
8 لـكِنَّكُم سَتَنَالُونَ قُوَّةً بِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيْكُم، وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض".
9 ولَمَّا قَالَ هـذَا، رُفِعَ بِمَرأًى مِنْهُم، وحَجَبَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ عُيُونِهِم.
10 وفيمَا كَانُوا شَاخِصِينَ إِلى السَّمَاء، وهُوَ ذَاهِب، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وقَفَا بِهِم في ثِيَابٍ بَيْضَاء،
11 وقَالا: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الـجَلِيلِيُّون، مَا بَالُكُم واقِفِينَ تُحَدِّقُونَ إِلى السَّمَاء؟ إِنِّ يَسُوعَ هـذَا الَّذي رُفِعَ عَنْكُم إِلى السَّمَاءِ سَيَأْتي كَمَا رَأَيْتُمُوهُ ذَاهِبًا إِلى السَّمَاء!".
12 حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلى أُورَشَليمَ مِنَ الـجَبَلِ الـمَدْعُوِّ جَبَلَ الزَّيْتُون، وهُوَ قَرِيبٌ مِنْ أُورَشَلِيم، على مَسِيرَةِ سَبْتٍ مِنهَا.
13 ولَمَّا دَخَلُوا الـمَدينَة، صَعِدُوا إِلى العِلِّيَّة، الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا، وهُم: بُطْرُسُ ويُوحَنَّا ويَعْقُوبُ وأَنْدرَاوُس، فِيلبُّسُ وتُومَا، بَرْتُلْمَاوُسُ ومَتَّى، يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وسِمْعَانُ الغَيُورُ ويَهُوذَا بْنُ يَعْقُوب.
14 هـؤُلاءِ كُلُّهُم كَانُوا مُوَاظِبينَ عَلى الصَّلاةِ بِنَفْسٍ وَاحِدَة، مَعَ بَعْضِ النِّسَاء، ومَرْيَمَ أُمِّ يَسُوع، ومَعَ إِخْوَتِهِ.

( أعمال الرسل – الفصل 1 – الآيات 1 إلى 14) 

::: أفــكار من وحي الرسالة :::

في سفر أعمال الرسل يُخاطب القديس لوقا الإنجيلي تيوفيل عن الكتاب الأول ويقصد به الإنجيل الّذي دوَّنه خصيصًا له، وأوضح فيه عمل الرّب يسوع مع تلاميذه خلال فترة الأربعين يومًا من يوم قيامته حتى صعوده، حيث حاول سحب قلوبهم إلى ملكوت الله لكي يشتاقوا إلى الحياة الجديدة المقامة في المجد الأبدي.

لقد وعد الرّب يسوع في حديثه الوداعي بكل وضوح بعطية روحه القدوس المعزّي، الّذي يقدم كل الحق، ويفتح أذهانهم لمعرفة الكتب المقدسة، ويجتذب العالم إلى معرفته، حيث يُبكِّت على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة، كما نفخ في وجوه تلاميذه وأعطاهم نفخة الروح لكي كل ما يحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء، وما يربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. أما بعد قيامته فقد "أوصاهم بالروح القدس". ولعلهم كانوا يتساءلون علانية أو خفية: من يستطيع أن يسلك في شركة مع القائم من الأموات؟ جاءت إجابة المسيح لهم: بالروح القدس! فبصعوده إلى السماء وتتميم وعده بإرسال الروح القدس، الّذي هو حارس الكنيسة ومقدسها. ولم تكن هذه النعمة جزئية، بل هي قوته في كمالها، لأنه كما أن الّذي يغطس في المياه ويعتمد تغمره المياه من كل جانب، هكذا هم إعتمدوا بالروح القدس بالكمال. ويمكننا أن نأخذ مثالًا واقعيًا وإن كان فقيرًا وعامًا، إن كانت النار تعبر من خلال قطعة حديد فتجعلها كلها نارًا، هكذا من كان باردًا صار محترقًا، ومن كان أسودًا صار لامعًا، فإن كانت النار التي هي جسم هكذا تخترق الحديد وتعمل فيه بغير عائق وهو جسم أيضًا، فهكذا أيضًا الروح القدس يخترق أعماق النفس الداخلية ليكشف لها المسيح القائم.

خلال فترة دامت أربعين يومًا، كانت ظهورات المسيح لتلاميذه هي إعلانات لا يمكن أن تحمل أي نوعٍ من الخداع، بل كانت تجتذب من يلتقون به. ربط المسيح ظهوراته بآلامه وصلبه، إذ كشفت عن مجد الصليب بتأكيد قيامته، فما كان يمكنهم التمتع بمجد هذه الظهورات الإلهية وإدراك حقيقة شخص السيد المسيح ورسالته لو لم يجتز الألم. هي طريق مجده، أي طريق تحقيق رسالته كمخلصٍ لنا، به ومعه نجتاز الألم لنعبر إلى الأمجاد.

إنَّ ملكوت الله هو ما قدمه الرّب يسوع المسيح لتلاميذه خلال هذه الفترة كرصيدٍ حيٍ لكرازتهم وهو الكشف عن سرّ صليبه والتمتع بقوة قيامته. يقدم ذاته لهم بكونه المصلوب القائم من الأموات. بهذا صار ملكوت الله منظورًا ومسموعًا وملموسًا بالمسيح القائم من الأموات. فالشهادة العملية لقيامته من الأموات هي الجانب العملي لخبرة ملكوت الله فينا. أو بمعنى آخر ملكوت الله في جوهره هو إتحاد مع المسيح المصلوب القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات.

ربما يتساءل البعض: لماذا لم يظهر السيد علانية لكل البشرية كما صُلب علانية، وإنما ظهر للتلاميذ والرسل ولمجموعاتٍ معينة؟ لو ظهر علانية للجميع لظن الكل أنه مجرد ظهور لشخصه، وليس قيامة من الأموات. فالتلاميذ أنفسهم مع سماعهم عدة مرات عن قيامته قبل صلبه، وظهوره لهم، ولمسه، بل وإشتراكه مع بعضهم في الأكل... مع كل هذا كانوا في حالة إضطرابٍ شديدٍ وإرتباكٍ، إذ لم يكن من السهل قبول قيامة ميت! لهذا أراد السيد بكل الطرق تأكيد قيامته لهم بكل وسيلة حتى يكونوا شهودًا لها في كرازتهم في العالم أجمع. حتى بعد قيامته وظهوراته المستمرة لهم كانوا في إرتباكٍ شديدٍ، مع الشعور بثقل المسئولية، بل واستحالة تحقيق رسالتهم الموكلة إليهم. لهذا حدثهم عن "الأمور المختصة بملكوت الله"، ليس كالأحاديث السابقة قبل قيامته، إنما أحاديث عملية بالكشف عن شخصه لهم، ليدركوا أن ملكوت الله هو التعرف عليه والتمتع بحبه والشركة معه. فالملكوت هو لقاء حي عملي معه. كما كشف لهم عن إرسالية الروح القدس الّذي يسكن فيهم ويهبهم القوة للشهادة له، فيتحقق ملكوت الله في قلوب الكثيرين في العالم كله!

إن موت المسيح كان قد حطَّم كل أملٍ للتلاميذ في إقامة يسوع ملكًا أرضيًّا وسؤال التلاميذ للمسيح عن إعادة الـمُلك لإسرائيل يكشف عن مدى خطورة الأفكار الخاطئة التي تبعث بجذورها في أعماق الفكر، فمع كل هذا الزمن الّذي عاش فيه التلاميذ أثناء خدمة المسيح، ومع قيامته وأحاديثه معهم عن الملكوت السماوي خلال الأربعين يومًا، لازالت أفكارهم القديمة المتجذرة تقود أعماقهم. إنهم في حاجة إلى الروح القدس، روح المسيح، أن يحتل أعماقهم ويجدد أفكارهم ويخلصهم من الأفكار القديمة الخاطئة.

لم تكن قلوب التلاميذ قد إرتفعت بعد مع المسيح إلى السماء ليطلبوا مملكة سماوية. بينما كان السيد المسيح يقدم لهم الوعد بالروح القدس ليصعد بهم منذ الآن إلى السماء، بينما كانت قلوبهم لاتزال ملتصقة بالزمن والمجد الأرضي. كانوا يحملون في صدورهم حنينًا قويًّا نحو ملكوت إسرائيل. لهذا كانت آخر وصية لهم ألا ينشغلوا بالأزمنة والأوقات، حتى تنفتح قلوبهم على الأبدية، وتسمو أفكارهم فوق حدود الزمن. وهنا نسأل أنفسنا: هل هناك أفكار خاطئة تدور في قلوبنا عن الحياة مع المسيح؟ أن نرجو المسيح لهذه الحياة الأرضية فحسب؟ هل نطلب المسيح فقط لكي يدبِّر حاجاتنا المادية؟ أم أن ملكوت الله السماوي هو ما يُلهِب قلوبنا وما نسعى إليه أولاً وأخيرًا وإن كنا لا نزال نحيا هنا؟

وفي الختام نُشير إلى أن المسيح أراد ألا يعرف أحد الأزمنة والأوقات حتى لا يسقط في الكبرياء بسبب هذه المعرفة ولا ينشغل في حسابات تلهيه عن حياته الروحية وسعيه نحو الملكوت. ففي عصرنا الحالي مع الشعور بقرب النهاية ينشغل كثيرون بدرس نهاية بالأزمنة والأوقات، ولقد تحولوا بذلك في دراستهم للكتاب المقدس إلى باحثين في الأزمنة والأوقات، التي حذرنا منها السيد المسيح في آخر كلمات مع تلاميذه قبل صعوده. على سبيل المثال يتساءل الكثيرون:
1- متي ينتهي العالم؟
2- هل نتوقع حربًا عالمية مدمرة؟ من يشترك في الحرب؟ وما هي التحالفات؟
وهذا ما يشوِّش على مسيرة الحياة الروحية للمؤمنين ويجعلها أسيرة الخوف بدل الإشتعال بحب المسيح والسعي إليه. 

::: الإنجيل :::

15 ثُمَّ قَالَ لَهُم: "إِذْهَبُوا إِلى العَالَمِ كُلِّهِ، وَإكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّها.
16 فَمَنْ آمَنَ وَإعْتَمَدَ يَخْلُص، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ فَسَوْفَ يُدَان.
17 وهـذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنين: بِإسْمِي يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِين، ويَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ جَدِيدَة،
18 ويُمْسِكُونَ الْحَيَّات، وَإِنْ شَرِبُوا سُمًّا مُمِيتًا فَلا يُؤْذِيهِم، ويَضَعُونَ أَيْدِيَهُم عَلى الـمَرْضَى فَيَتَعَافَوْن".
19 وبَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ يَسُوع، رُفِعَ إِلى السَّمَاء، وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الله.
20 أَمَّا هُم فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا في كُلِّ مَكَان، والرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُم وَيُؤَيِّدُ الكَلِمَةَ بِمَا يَصْحَبُها مِنَ الآيَات.

(إنجيل مرقس - الفصل 16 - الآيات 15 إلى 20) 

::: أفــكار من وحي الإنجيل :::

عندما ظهر لهم المسيح القائم من بين الأموات قدَّم لتلاميذه إمكانية الكرازة للخليقة كلها، حتى عندما ينعم الرسل بالحياة المقامة في الرّب يقدمون للعالم "قوة القيامة".

ويمكننا أن نلاحظ في حديث ربنا يسوع مع تلاميذه بعد قيامته الآتي:
إنَّ أول عمل في حياتنا خلال قيامة المسيح هي تغييرنا الداخلي الشامل، فنحمل إيمانًا حيًّا وقلبًا مملوء حبًّا. بمعنى يشمل التغيير الإيمان والعمل ملتحمين معًا، هو يهبنا الإيمان به وهو الّذي يعمل فينا وبنا. هذا الإيمان الحي، يعمل على تغيير القلب لممارسة الحياة الفاضلة في الرّب، ومن هنا أتت الوصيّة على شكل أمر للرسل بأن يكرزوا في العالم كله وللخليقة كلها. فالقيامة تنزع عنَّا إنغلاق القلب أو ضيقه وترفعه فوق كل تعصب. فنبدأ بأن نرى في أنفسنا أننا كسائر البشر قد سقطنا تحت ثقل الموت وقيامتنا هي دون فضل من جانبنا، لذلك لا يمكن للمسيحي الحقيقي إلا أن يشهد للمسيح في العالم كله لكي ينقل للآخرين الحياة الجديدة المجانية.

إنَّ المعمودية ملتحمة بالإيمان وهو الموضوع الرئيسي للخلاص، من خلالها ينعم طالب العماد بالحياة المقامة الجديدة، إذ يقول: "من آمن وإعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن". هذه الولادة التي ليست من أم وأب بشريين، ولكن من الروح القدس الّذي يصنع للمؤمن أنسجة الطبيعة الجديدة، لأنه في مياه المعمودية نُشكل من جديد، ومن الماء نُولد سرًّا كما من الرحم الإلهي، ففي المعمودية يتحقق عربون ميثاقنا مع الله: الموت والدفن والقيامة والحياة بالروح القدس، يحدث هذا كله دفعة واحدة.

وهذه المعمودية المقدسة، هي التي تعطي الـمُعمَّدين إمكانيات ليست من عندهم، وهي التي تسندهم في الكرازة لملكوت السماوات أو الشهادة العملية للمسيح، وعِماد هذه الشهادة أو البشارة هي المحبة، فاللغة الجديدة التي يجب على كل مسيحي حقيقي أن يتكلم بها هي لغة المحبة مقابل لغات الشر الأخرى، والمحبَّة هي وحدها القادرة على إخراج "شياطين" العنف والظلم والكراهية والشر... التي تعمل في عالمنا اليوم. والمحبَّة هي الوحيدة القادرة على أن تحمي من يحياها من سموم قاتلة يعاني منها البشر اليوم كالأنانية والكبرياء والمادية... فتمنع المحبة من الموت الروحي، وبالمحبة تُصنع المعجزات، فصلاة محبة تشفي قلوب وأذهان كثيرة. هذه العطية التي هي المحبة النابعة أساسًا من محبة المسيح، تمنح المؤمن كلّ شيء، وهي قطعًا ليست قوة إنسان بل نعمة الله هي العاملة فينا.

فلنسأل أنفسنا:
أين هو إيماننا اليوم؟
ماذا فعلنا بعطيَّة معموديتنا؟
هل نحيا حُب المسيح فينا، أم أن العالم يحيا في قلوبنا؟ 

::: تــــأمّـل روحي :::

الصعود

هل صدف وتأمّلت العصافير كيف تطعم صغارها الحديثيّ الولادة الّذين ينظرون إلى جناحيها وهي ترفرف بها كي تحط بقربهم أو تطير بعيدًا بحثًا عن طعامٍ لهم، ثم، وبعد أيّامٍ تتركهم يحاولون الطيران بمفردهم لِتنموا عضلات أجنحتهم رويدًا رويدًا إلى أن يتمكّنوا من التحليق بثقةٍ حاذين حذوها، متسلّمين منها مسؤولية أنفسهم ليبدأ دورهم في العملِ، فينطلقون بحرّيةٍ يجوبون السماء فرحين أنّهم باتوا قادرين أقوياء؟
صورةٌ جعلتني أرى فيها العلاقة بين حدث صعود يسوع بعد القيامة والإنسان، التي بدأت مع التلاميذ.

حاجتنا

جميعنا ولدنا على الإيمان الموروث عن الأهل والأجداد، لكنّ حاجتنا إلى نمو هذا الإيمان فينا هي أكبر بكثيرٍ ممّا نتصوّر، لذلك، كان لا بدّ للكلمة (يسوع)، الإله والإنسان في آنٍ، من أن تتخذ جسدًا من جسدنا ودُعِيَت عمّانوئيل (الله معنا) لتكون حقًا معنا، منظورةً، ملموسة، منذ كان قلب الإنسان ما زال "حجرًا"، فعاشت بيننا بملء بشريتنا (أكلَت وشربَت فرحَت وحزنَت وتألمَت)، كما أظهرت لنا ملء ألوهيتها التي لم نفهمها إلاّ بعد القيامة والصعود. كنّا بحاجة إليها - وما أحوجنا إليها اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى - كي نتعرّف إلى غذاء الخبز الحقيقي في الإفخارستيا، طريق الإتحاد بها وعربون الخلاص ومفتاح العهد الجديد المختوم بالحبّ حتى الصلب. كنّا ومازلنا نحتاج جناحيها كي نتأمّل في حركتهما لنتعلّم منها التحليق بحرّية أبناء الله في دروب البشارة بثبات. كلنّا نحتاج إلى روحها لننطلق بطمأنينة فنتجرّأ على تحمّل مسؤولية مسيحيّتنا ومسيرتنا، فنَتسلّق القمّة التي يمرّ طريقها في العالم دون أن تتلوّث به ولا أن تكون منه رغم المسلك الشّاق وكثرة الحجارة والعثرات.
حديثيّ الولادة في الكلمة؟ نعم، وسنستمرّ في النموّ ما دام لنا الروح "حتّى نبلغ قامة المسيح"، ويكون فرحه فينا كاملاً.

الصعود

كم من الجميل أن تكتب مذكراتك الآنيّة، لكن هل حاولت تصوّر حياتك ما بعد الموت؟ هل فكّرت أنّ ما تكتبه عن قصّة حياتك الأرضية مهما بلغت سِنيها، ما هو سوى نسمةٌ عابرة "كأمس اليوم الغابر وكهجعةٍ من الليل" أمام صفحات الحياة الأبدية في حضن الآب؟
إنّ يسوع أتى كي يفتح أذهاننا على الحياة الآخرة، فجعلها لنا أكثر شفافية وحضورًا ببساطته العميقة وجدّيته الفرِحة المنفتحة. جعلنا نتلمّسها يوميًا من خلال ما عاشه هو بنفسه بيننا، فَفتح بصيرتنا على كيفية تحضير ذواتنا بالنفس والروح والجسد إلى الحياة الأخرى الحقيقية حيث الولادة النهائية في الأبدية، إذ أنّ حياتنا هنا ما هي إلاّ قبسٌ من نور الأبدية، نشعر به إن قبلنا روح الله فينا الّذي بيده الشعلة. ثمّ، قصّ شريط تدشين الملكوت بصعوده إلى السماء على مرأى من تلاميذه ليقول لنا أنّ السماء لا تبدأ حين نترك الأرض بل عندما "نعيش مع المسيح على الأرض" وأنّ الصعود هو إنتقال من حالة الرجاء إلى حالة حقيقة ما بعد القيامة، هو أبعد من الإحتجاب المادّي، هو سرّ حضورّ الله العميق فينا بالمسيح والإتحاد به من خلال الأسرار وأوّلها الإفخارستيّا.
إيماننا بالصعود يجعلنا نلقي الضؤ أكثر على حياتنا ويدعونا للغوص في أعماقها حيث نكتشف كرَم الله وفيض حنانه علينا، فلا يبقى لنا وقتها سوى العبور من الأنا إلى الإضطرام حبًّا، والعمل من أجل خير العالم كي "يستطيع أن يرى نور المسيح في قلبه"؛ ورغم ضعفنا وعاهاتنا فالحبّ والعطاء من أجل المسيح يجعلانا نطوف الأقطار كلّها كي نعلن بشرى الحياة التي قدّمها لنا الله بيسوع المسيح. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... الكلّ يتساءل عن يوم مجيئك الثاني، ولعل البعض يستخدم أسلوب التخويف من عقاب النار والهلاك قائلين أنَّ يوم مجيئك هو قريبٌ جدًّا ومِن المستحسن لغير التائب أن يتوب ولغير المؤمن بالرّب يسوع أن يؤمن!! لا أعلم، ولكني أتساءل أليس من واجب كل إنسان مؤمن أن يعيش حياة قداسة في كل وقت وفي كل الظروف؟ أليس من واجب كل إنسان مؤمن تعمّد بالروح القدس أن يُبشِّر وينشر بسلطان أسم الرّب يسوع الخبر السار بموت وقيامة الفادي الرّب يسوع؟ أنظر من حولي وأُراقب تصرفات البعض فأتساءل: هل تمتلأ القلوب من حبِّها لك؟ أليست هذه المحبة هي "القوة" التي يضعها الروح القدس في القلب فتختنه ويُصبح مُكرّسًا لك؟

ربّي وإلهي ... لقد أدركتُ بأنّ من محبتك للإنسان فإنك لا تود هلاكه ولكنك ترغب له أن يتقرّب إليك فأعطيته معلِّمًا آخر: "الروح القدس"، معلِّمًا لا يحدّه الزمن ولكنه يدفع الإنسان نحو محبتك من خلال أشخاصٍ ملأهم من حبك وعلّمهم ما لم يعلموه فكانوا مثالاً لغيرهم الَّذِين لم يكونوا ذوي علمٍ بك ولا ذوي حكمة أو قوة لتحمّل الصعاب من أجلك ولكنهم آمنوا لأنهم شهِدوا من خلال حياة غيرهم بأن قوتك تكمن في ضعفهم فقدّموا لك ذواتهم ليكونوا كالريشة بين يديك وكالبوق في فمك تنادي به على البعيدين عنك فيجلبهم إليك.

ربّي وإلهي ... نسألك بإسم الإبن أن تُمطر علينا الروح القدس فنُصبح شهودًا لك، ولك الشكر على الدوام، آمين.  

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)
1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما ومار بينيديكتوس السادس عشر البابا الفخريّ ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يَعملوا دَومًا بِما أوصاهُمُ المسيح، فيَكرزوا بالإنجيل للخليقةِ كلِّها، نسألك يا رَب.
2- أعطنا أن نؤمنَ بك إيمانًا قَويمًا، فنَطرُدُ الشَرَّ والبُغضَ والغيرةَ ونتكلَّمُ بِلُغَةِ المحبَّة ونشفي المَرضَى بإسمِ المسيحِ يسوع، نسألك يا رب.
3- أهِّلنا أن نتفاعلَ مع الروحِ القدسِ في حياتِنا، وأن نتجدَّد ونتقوَّ به، فلا نَعثُر ولا نَخيب، نسألك يا رب.
4- نضع أمامك مرضَى النَّفسِ والجَسَد، كُن لهم الشِّفاءَ مِن كلِّ ما يُؤذي نفوسَهُم ويُهلِكُ أجسادَهُم، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) إستقبل في حِضنك الأبويّ جميعَ الّذينّ فارقوا هذه الحياة، ولا تنظر إلى آثامِهم، بل إدعِهم ليَجلسوا معك على مائدتِكَ السماويَّة، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

أحبَبتنا حتى المَوتَ والقيامة،
ومِن شِدَّةِ حبِّكَ، صَعَدتَ إلى السَّماءِ لِتُرسِلَهُ إلَينا،
هوَ الرّوحُ المُعَزّي والمُقَوِّي،
هوَ روحُ الحِكمةِ والفَهم،
شكرًا لك، على كلِّ ما صنَعتَهُ لأجلنا،
على جسدك ودمك، على روحك القدّوس،
على بُنُوَّتِنا لأبيكَ،
شكرًا لك وحمدًا لإسمِك، مع أبيكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts