الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن القيامة

الأحد السادس للفصح

ظهور يسوع للرسل في العليّة
(21 أيّار 2017)

 

::: مـدخــل :::

• في الأحد السادس بعد القيامة، نتابع تأملنا مع أمّنا الكنيسة المقدسة في ظهورات المسيح القائم، الّذي يمنح السلام ويُبدِّد الخوف والقلق، كما نُدرك قيمة الخلاص المجاني الّذي وهبه لنا المسيح، وعندما نعيش المسيح القائم يُثمر إيماننا الحي أعمالاً صالحة تُثبت صحة إيماننا.
• يشرح مار بولس في هذا المقطع من رسالته إلى الكنيسة في روما مشكلة "إختيار شعب الله" التي أساء اليهود إستخدامها، فعِوض شعورهم بحب الله الفائق لهم، وإلتزامهم بمسئولية الكرازة بين الأمم، تحجّرت قلوبهم بالجحود، وتعثروا في السيد المسيح "حجر الزاوية"، الّذي صار لهم حجر صدمة وصخرة عثرة. بينما قبله المؤمنون حجرًا كريمًا مختارًا.
• أما في إنجيل القديس لوقا نرى المسيح يظهر لتلاميذه مؤكدًا لهم حقيقة قيامته من بين الأموات، كما يُهيّئهم للكرازة الإنجيلية التي تقوم بأساسها على إعلان موت وقيامة المسيح، الّذي يمنح من يؤمن بإسمه الخلاص.
• في هذا الأحد تُذكّرنا أمنا الكنيسة المقدسة، أن خلاصنا يعتمد قبولنا القلبي للمسيح القائم من بين الأموات وعيشه في الحياة اليومية، وهذا ما يمنحنا السلام والشجاعة إعلان إيماننا بالمسيح مانح الحياة. 

:::::: صـلاة :::

أيها الرّب يسوع المسيح، يا من بدَّدت خوف تلاميذك حين ظهرت في وسطهم، وبجراحاتك شفيت جراحات شكوكهم. تعال الآن إلى قلوبنا وبدِّد ضعف خوفنا وقلقنا وإمنحنا سلامك الّذي يقوِّنا لكي نكون "شهودًا" لقيامتك ولخلاصك. فنشكرك ونبارك أسمك القدوس وإسم أبيك وروحك القدوس الآن وإلى الأبد، آمين. 

::: الرسالة :::

1 أَيُّهَا الإِخْوَة، إِنَّ بُغْيَةَ قَلْبي وتَضَرُّعِي إِلى اللهِ مِنْ أَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَخْلُصُوا.
2 فأَنَا أَشْهَدُ لَهُم أَنَّ فيهِم غَيْرَةً لله، وَلـكِنْ بِدُونِ مَعْرِفَةٍ صَحيحَة.
3 فقَدْ جَهِلُوا بِرَّ الله، وحَاوَلُوا أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِم، فَلَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ الله؛
4 لأَنَّ غَايَةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا هِيَ الـمَسِيح، لِكَي يَتَبَرَّرَ بِهِ كُلُّ مُؤْمِن.
5 وقَدْ كَتَبَ مُوسَى عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقَال: "مَنْ يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ يَحْيَا بِهَا".
6 أَمَّا عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الإِيْمَانِ فَيَقُول: "لا تَقُلْ في قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلى السَّمَاء؟"، أَيْ لِيُنْزِلَ الـمَسِيحَ مِنَ السَّمَاء.
7 ولا تَقُلْ: "مَنْ يَهْبِطُ إِلى الـهَاوِيَة؟"، أَيْ لِيُصْعِدَ الـمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
8 بَلْ مَاذَا يَقُول؟ "الكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، في فَمِكَ وَقَلْبِكَ"، أَيْ كَلِمَةُ الإِيْمَان، الَّتي نُنَادِي بِهَا.
9 فَإِنِ إعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الرَّبّ، وآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، تَخْلُص.
10 فالإِيْمَانُ بِالقَلْبِ يَقُودُ إِلى البِرّ، والإعْتِرَافُ بِالفَمِ يَقُودُ إِلى الـخَلاص؛
11 لأَنَّ الكِتَابَ يَقُول: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لا يُخْزَى".
12 فلا فَرْقَ بَيْنَ يَهُودِيٍّ ويُونَانِيّ، لأَنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفْسُهُ لِجَميعِهِم، يُفِيضُ غِنَاهُ عَلى جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ.
13 فَكُلُّ مَنْ يَدْعُو إسْمَ الرَّبِّ يَخْلُص.

( الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 10 – الآيات 1 إلى 13) 

::: أفــكار من وحي الرسالة :::

يعالج مار بولس الرسول موضوعًا شائكًا للغاية، فهو يُعلن من حين إلى حين مدى حُبّه لإخوته اليهود حسب الجسد، وعن عدم تجاهله لما نالوه من إمتياز دون سائر الأمم في عصر الآباء والأنبياء، وأيضًا عن غيرتهم الدينيّة، وإن كانت بلا إدراك روحي حقيقي. يا لها من روح إنجيلية ملتهبة بالحب لدى القديس بولس، فمقاومة اليهود المستمرّة له لم تجرح مشاعر محبّته، إذ لا يجد ما يسرّ قلبه مثل خلاص الآخرين حتى المقاومين له. هم في قلبه، يشتهي خلاصهم، ولا يكفّ عن الصلاة من أجلهم. وما سقط فيه اليهود يمكن أن يسقط فيه بعض المسيحيين، إذ تكون "لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة"، كأن يسلك الإنسان بفكر متعصّب دون إدراك روحي للإيمان المستقيم أو إتساع قلب لمحبّة الغير؛ أو كأن يجاهد في طريق الفضيلة غير متكئ على قوة الله بل على ذراعه البشري وقدراته الخاصة ومعرفته الزمنيّة...

إنَّ سر جحود اليهود بحسب مار بولس يكمن في جهلهم أمرين؛ أولًا: برّ الله، ثانيًا: غاية الشريعة. يقوم الأول على جهلهم عمل الله في حياة المؤمن، فطلبوا برّ أنفسهم، لا برّ الله، فصار ذلك عائقًا عن خلاصهم، والثاني جهلهم غاية الشريعة وأحكامه فتمسّكوا بالحرف القاتل دون الروح الّذي يحيي.

حينما تتضخم "الأنا ego" تملأ القلب، فلا تطيق آخر في داخله، حتى إذ تديّنت تعمل لحساب ذاتها المغلقة، فتطلب تثبيت "برّ نفسها" عِوض إتساعها بالحب لتقبل نعمة الله واهبة البرّ بالإيمان. إن كانت "الأنا" قد حجبت عن اليهود الإلتقاء مع الله بعمله فيهم، فصار برّهم الذاتي المزعوم عائقًا عن تمتّعهم ببرّ الله، فإن تمسكهم بحرفيّة الناموس وشكليّاته أفقدهم غاية الناموس الحقيقية، ألا وهو الإلتقاء بالمخلّص ولهذا قال مار بولس: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ، لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الّذي بالناموس، أن الإنسان الّذي يفعلها سيحيا بها".

ربّما يتساءل البعض: إن كان اليهود قد عجزوا عن تحقيق البرّ بالشريعة بتنفيذ وصاياها، فماذا يكون حالنا أمام الوصايا الإنجيليّة وهي أصعب من وصايا الشريعة؟ ولذلك أسرع مار بولس ليوضّح الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال السيد المسيح والتي يمكن تركيزها في نقطتين جوهريتين:
أولاً: أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منّا للغاية.
ثانيًا: أن الأب أقام المسيح، ليهبنا قوّة القيامة عاملة فينا.

وبهذا فُتح لنا باب الإيمان لنعيشه بكونه سهل المنال، خلال الحياة المقامة لنا في المسيح ربنا. فإن كان برّ الشريعة صعبًا بل ومستحيلًا، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات"
وإن كان القلب يُشير إلى الإنسان الداخلي، فإن الفم يُشير إلى الحياة الظاهرة؛ إيماننا في جوهره لقاء النفس الداخليّة مع عريسها المسيح لكن دون تجاهل للجسد بكل أعضائه! بمعنى آخر إيماننا يمس أعماقنا الداخليّة وتصرفاتنا الظاهرة. بدون القلب يصير إعترافنا الظاهري تعصبًا وشكليّات، وبدون الحياة العاملة والإعتراف الظاهر لا ننعم بهذه المكافأة: "كل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الّذي في السماوات".

ليتنا نؤمن بربنا يسوع بكل قلبنا، فيملك علينا كرَبٍّ، ويخلص أعماقنا من كل ظلمة، متجاوبين مع مخلصنا بحياتنا المقدّسة فيه، فنعترف به بشفاهنا. ولنتذكِّر دومًا أن الإعتراف بالفم بربنا يسوع المسيح لا يعني مجرّد شهادة الشفتين له، وإنما تعني إبراز الحياة المقدّسة لا لمجدنا، وإنما لمجد الله نفسه.  

::: الإنجيل :::

36 وفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا، وَقَفَ يَسُوعُ في وَسَطِهِم، وقَالَ لَهُم: "السَّلامُ لَكُم!".
37 فإرْتَاعُوا، وإسْتَوْلى عَلَيْهِمِ الـخَوْف، وكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُم يُشَاهِدُونَ رُوحًا.
38 فقَالَ لَهُم يَسُوع: "مَا بَالُكُم مُضْطَرِبِين؟ وَلِمَاذَا تُخَالِجُ هـذِهِ الأَفْكَارُ قُلُوبَكُم؟
39 أُنْظُرُوا إِلى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، فَإِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي، وأنْظُرُوا، فإِنَّ الرُّوحَ لا لَحْمَ لَهُ وَلا عِظَامَ كَمَا تَرَوْنَ لِي!".
40 قالَ هـذَا وَأَرَاهُم يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه.
41 وَإِذْ كَانُوا بَعْدُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَح، وَمُتَعَجِّبِين، قَالَ لَهُم: "هَلْ عِنْدَكُم هُنَا طَعَام؟".
42 فَقَدَّمُوا لَهُ قِطْعَةً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيّ، وَمِنْ شَهْدِ عَسَل.
43 فَأَخَذَهَا وَأَكَلَهَا بِمَرْأًى مِنْهُم،
44 وقَالَ لَهُم: "هـذَا هُوَ كَلامِي الَّذي كَلَّمْتُكُم بِهِ، وَأَنا بَعْدُ مَعَكُم. كانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ كُلُّ مَا كُتِبَ عَنِّي في تَوْرَاةِ مُوسَى، وَالأَنْبِيَاءِ وَالـمَزَامِير".
45 حِينَئِذٍ فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفْهَمُوا الكُتُب.
46 ثُمَّ قالَ لَهُم: "هـكذَا مَكْتُوبٌ أَنَّ الـمَسِيحَ يَتَأَلَّم، وَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في اليَوْمِ الثَّالِث.
47 وبِإسْمِهِ يُكْرَزُ بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرةِ الـخَطَايَا، في جَمِيعِ الأُمَم، إِبْتِدَاءً مِنْ أُورَشَلِيم.
48 وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ.

(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 24 – الآيات 36 إلى 48) 

::: أفــكار من وحي الإنجيل :::

عندما قام الرّب يسوع المسيح من بين الأموات، لم يعد يمارس الحياة البشرية اليومية. صحيح أنه قام يحمل جسده بذاته، لكنه جسد ممجد، بمعنى آخر صار وضعه الطبيعي الجديد أن يصعد إلى ملكوته لكي ينتظر عروسه الكنيسة التي إفتداها بدمه لتكون معه إلى الأبد. لكنه بقي بعد قيامته وحتى صعوده، يظهر لأحبائه المشتاقين إليه ليسحب قلوبهم من الأرض نحو السماء. حقًّا كان السيد المسيح ينتهز كل فرصة لكي يعلن قيامته ويؤكدها في حياة محبيه المؤمنين به. ويمكننا أن نلاحظ في لقاء إنجيل هذا الأحد ما يلي:

إذ كانوا يتحدثون عن القيامة إلتهب الكل شوقًا للمسيح، فحقق لهم المسيح شهوة قلوبهم إذ وقف بنفسه في وسطهم. وبحلوله في وسطهم تحولت العُليَّة إلى كنيسة مقدسة، أو لنقل لقد صارت العُليَّة في هذه اللحظات تمثل نموذجًا حيًّا لما ينبغي أن تكون عليه الكنيسة، ألا وهو إلتهاب أعضائها بالمسيح المقام، وحلول المسيح في وسطها كرأس حيّ يهب قوة القيامة لأعضاء جسده من جسده ودمه الأقدسين.

لقد كشف لهم السيد المسيح عن شخصه أولًا بإعلانه لتلاميذه أنه عارف بما في أفكارهم وقلوبهم، ثم عاد يؤكد لهم أنه المسيح المصلوب، فقد كشف لهم أيضًا آثار الجراحات بوضوح، وفيها شفى جراحات خوف التلاميذ، جراحات عدم إيمانهم! وفي ذلك قدم المسيح لتلاميذه "سلامه" الفائق، لا كعطية خارجية، إنما كهبة تمس الأعماق في الداخل، في الحقيقة إنه يقدم لهم ثمرة الصليب، وهو "السلام".

هو المسيح أيضًا اليوم يظهر في وسطنا، في وسط الكنيسة عند إعلان الكلمة وعلى المذبح، وهو يعرف جيدًا قلوبنا بما فيها من خوف أو شكِّ أو قلق، ويمنحنا سلامه، ويدعونا لنتشجّع فنعلن إيماننا لأنفسنا أولاً، ثم لكل من نلتقيه ثانية. لا نخف، فإن كان المسيح قد أعلن قيامته لتلاميذه، إنما يعلن قيامة الرأس من أجل الجسد، فلقد قام ليقيمنا معه. بمعنى آخر، قيامته هي إرسالٌ لكل من يؤمن به ليقدّم قوة قيامته للبشرية، وهذه دعوتنا في حياتنا على الأرض. 

::: تــــأمّـل روحي :::

(سبق نشرها في 2016)

من السلام إلى المائدة

الكثيرون يقولون "المسيح ليس إبن الله"، وبعضهم يقول: "لم يقم"، وآخرون لا يؤمنون بوجود الله ومنهم من يقول أنّ "الله مات".
كيف ذلك وهو من خلق الكون وأعطى معنّى للوجود. كيف ذلك وهو الّذي جاد بإبنه الوحيد من أجل الإنسان. كيف، والمسيح إبنه وهب حياته وغلب الموت وقام حيًّا كي تكون لنا الحياة، معطينا سلامه الّذي لا يشبه ولا بأيّ وجهٍ من الوجوه سلامًا آخر.
أصدّقنا ذلك أم لم نصدّق، هو حيّ ويعمل فينا بروحه القدّوس، ونلمسه بالإيمان بالإفخارستيا كلّما إشتركنا بها وإقتبلناها.

سلامًا لكم

كلمتان أوجعتا التلاميذ لكنّها ولدتهم من جديد كطفلٍ فُتِحت أعينه على الحياة الجديدة، وصرخة الخوف الممزوج بالفرح لم تنطلق بعد لأنّهم ما زالوا تحت تأثير صدمة صلب المعلّم وآلامه وموته، وهروبها (مع كلّ التلاميذ عدا يوحنّا) من الواقع الواقف لهم بالمرصاد. لكنّ الخوف ما لبث أن تبدّد وإنطلقت صرخة الحياة من أعماقهم: إنّه هو يسوع، يكلّمهم، وهو حيٌ وليس شبحًا. هذا السلام جعلهم يتغلّبون به على خوفهم فدخلوا معه في عمق الرسالة ليحملوا مع رفاقهم سلامه (كما أعطاهم) إلى أقاصي الأرض.
ما بالنا اليوم قد نسينا حقيقة وجود الله فينا؟ ما بالنا لم نعد نكترث بالسلام الّذي أعطانا إيّاه كي نعيشه وننشره ليس بالكلام بل بالعمل، بالحبّ؟ ماذا فعلنا بهده الوديعة التي تركها لنا كي نتذّوق من خلالها طعم الملكوت؟ أنا أخجل من نفسي في كلّ لحظةٍ أقف بها أمام إلهي الّذي قبِل الفداء من أجلي، من أجل أن أعيش بسلام، مطمئنّةً فرِحةً به فيَّ وبكلّ مَن يحيط بي وما وهبني إيّاه من أجل خيري أنا الإنسان. أخجل حين أكتشف أن خوفي قد تملّكني: خوفي من التخلّي، من فقدان الأصدقاء أو إنتزاع مركزٍ ما منّي، من عدم إهتمام الآخرين بي، من الإستخفاف بي، خوفي من الكثير من الأشياء في يوميّاتي لا تعد ولا تحصى، كلٌ بحسب معطيات حياته... فيصبح هو (الخوف) الحقيقة في حياتي ليحتلّ في كياني مكان الحقيقة الحقيقيّة، حقيقة يسوع المسيح الإله المتأنّس والحيّ القائم من بين الأموات.
سلامه هذا (الآتي من الله)، وحده يجعلنا نعيش الراحة، ووحده الّذي يُبعد كلّ شكٍّ وخوفٍ وإرتباكٍ، هو ينير خبايا القلب المظلمة حيث لا يستطيع بل لا يجرؤ أحدٌ على دخولها، ولا ثقافة ولا علم أن يخرجها إلى النور، وحده هو الّذي يفعل، فيجعلني أكتشف معنى الحياة.

مائدة المحبّة

كم من المعاني تحمل ولائمنا اليوم: موائد فرح الإحتفال بالأسرار، موائد لقاءات العائلات وعودة مغترب ونجاح أحد أفراد العائلة، موائد المحبة، موائد العزاء والرحمة...؟ كلّها تجمع الأحبّة وتعبّر عن فرحٍ في المشاركة. هو لقاءٌ فيه الكثير من المعاني العائلية وتوطيد أواصر اللُحمة ودعم الواحد للآخر بوقوفه إلى جانبه في أيّ وقتٍ وأي موقف وأكثر. ومائدة الموائد هل تدخل ضمنها؟ أعني الإفخارستيا الّتي بها أكّد يسوع، للرسل الخائفين، في كلّ مرّة بعد قيامته على أنّه هو هو ولم ولن يتغيّر. على هذه المائدة فقط ننتبه إلى أنّه جعلنا على صورته فمثاله لأنّنا بهذا القدر محبوبين حتّى ولو سقطنا في ضعف إنساننا فهو لم يبخل حتّى بوحيده كي يرفعنا ويعيد إلينا بهاء صورته التي تكتمل به يوم اللقاء الأخير. بهذه الوليمة لم يطلب منّا سوى الحبّ: أن نحبّ في غمرة الشدائد ونحمل الآخر في قلقه ويأسه مع قرباننا ليتحوّل به (بهذا القربان، الحبّ الإفخارستي) إلى راحة ورجاء، بذلك تدخل جراحاتنا في جراحاته ولا تعُد علامة للألم ولا إتّهامًا ضدّ "المعذِّبين" (أسباب الحزن والألم وقساوة الحياة و...)، بل تصبح علامةً أبديّة تقرأ فيها بأحرفٍ من نور: "الحبّ كان وسيبقى أقوى من الموت". 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... لم أرى بحياتي جسدًا يسيرُ بدون رأس، وهذا الإرتباط بين الرأس والجسد وإدراكي بأن أتباع الرّب يسوع هم جسد المسيح وهو الرأس يجعلني أُدرك كم أحببتنا وأردتنا منذ أن خلقت الإنسان بهيئته أن نكون معك ولكننا نحن لم نفهمك ونُحبّك كما أحببتنا. أَيُعقل أن يقوم الرأس من بين الأموات ولا يقوم الجسد معه؟ هذا ما أراد القديس بولس أن يُفهمنا ليكون لنا ثقة كاملة بإيماننا بالرّب يسوع القائم من بين الأموات.

ربّي وإلهي ... هناك مَن يعتقد أنّ الإيمان بوجودك ومعرفتك هو قائم على ثلاثة أديان، وللأسف هؤلاء لم يفهموا ويلمسوا حبّك للإنسان، ولعلّي أعطيهم العذر إذ أنَّ أغلبهم لم يُشرح لهم ما جاء في توراة موسى، والأنبياء والمزامير عن الـمسيح وآلامه، وقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث، وبإسمهِ يُكرز بالتوبة لمغفرة الـخطايا، في جميع الأمم، إبتداءً من أورشليم. هذا الربط بين أزمنة كثيرة بأحداثها وشخصيّاتها وزمنًا واحدًا أتى بعدهم بأحداثه وشخصيّاته لهو أمرٌ لا يسعني أمامه سوى قول "سبحانك يا رب". هذا الربط إن أصبح واضحًا لإمتلأ القلب بالسلام إذ يُدرِك هبتك المجانية وحبّك له.

ربّي وإلهي ... أَشعرُ بحزنك إن إبتعد الإنسان عنك وتركك، وأسمع صوت الإبن مِن على الصليب قائلاً "أنا عطشان"، وأدركتُ لسعة قلبك أنَّكَ ترتوي بدمعةٍ واحدة وإن تُلقى ببئرٍ عميقٍ وخالٍ من الماء، دمعة ندم من الإنسان الخاطيء، وإرتواءك يُفرِحك ويُفرح مَن دمعت عيناه أيضًا فأنت قد قدّمتَ له الإبن الحبيب مُقابل هذه الدمعة، قدّمتَ لهُ قلبك وأعطيته الخلاص بمغفرة خطاياه.

ربّي وإلهي ... وكأني بظهور الرّب يسوع للتلاميذ بعد أن تركوه خوفًا على أنفسهم أسمع صوتك يقول لهم: "عودوا إليَّ، عودوا لقلبي، أنا أحبّكم، أنتم جزءٌ مني" ويجعلني أبكي على نفسي ومِن أجل نفسي، يجعلني أستفيق من نومي وألمس حقيقة إبتعادي عنك فإقبل توبتي وإفتح ذهني وإغفر لي وإجعلني مِمَّن يُبشرون بعطيّتك وغنى قلبك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر البابا الفخري ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يقودوا الشعبَ نحوَ الإيمان، بِأفعالِهم وأقوالِهم، نسألك يا رَب.
2- إستقبل منّا كلَّ ما يؤكَل، إستقبل أعمالنا، وضُعفِنا، وخطايانا، وحَوِّلهُم بِنِعمتِك إلى نِعَمٍ تُقَرِّبُنا منك وتُبعِدُنا عنِ الشَّر، نسألك يا رب.
3- نؤمنُ بك إلهًا قويّا، أقَمتَ المسيحَ منَ المَوت، نؤمن بك أبًا مُحِبًّا للبشريّةِ جَمعاء، قوِّي إيمانَنا الضعيف، فلا نَعثُرَ في حياتِنا، بَل نَخلُص، نسألك يا رب.
4- نضع أمامك مرضَى النَّفسِ والجَسَد، كُن لهم الشِّفاءَ مِن كلِّ ما يُؤذي نفوسَهُم ويُهلِكُ أجسادَهُم، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) إستقبل في حِضنك الأبويّ جميعَ الّذينّ فارقوا هذه الحياة، ولا تنظر إلى آثامِهم، بل أدعِهم ليَتغدَّوا معك على مائدتِكَ السماويَّة، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.  

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

تجسَّدتَ، عشتَ معنا وبَيننا،
عشتَ إنسانًا، لِتُرينَا كيفَ نعيشُ إنسانيَّتنا،
إحتملتَ الألمَ والذّلّ بكلِّ حُبٍّ
غفرتَ للخائن ولم تُدِنِ الخاطئ،
خَدمتَ الإنسانَ حتى الموتَ والقيامة،
وها أنتَ الآن تطلب منه أن يمنحك ما لديه،
أن يُطعِمَكَ ممّا صنعت يَداه، لتباركه وتقدِّسَه،
شكرًا لك، لأنّك تشركنا بأعمالك الخلاصيَّة،
شكرًا لك على جسدك ودمك،
شكرًا لك وحمدًا لإسمِك، مع أبيكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts