الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن القيامة

الأحد الثالث للفصح
ظهور يسوع لتلميذيّ عمّاوس
(30 نيسان 2017)

::: مـدخــل :::

• في الأحد الثالث بعد القيامة تقدِّم لنا أمنا الكنيسة المقدسة تعليمًا وتشجيعًا من خلال رسالة القديس بولس وإنجيل القديس لوقا.
• في رسالته الثانية إلى تلميذه طيموتاوس، تذكير بأربعة عناصر مهمة في مسيرتنا الروحية نحو القداسة: أن يبقى ذكر المسيح في قلوبنا دومًا، أن ندرك أن قوّة قيامة المسيح تحرِّرنا دومًا من كل قيود شر العالم، أن نعيش للمسيح، مهما تغيّرنا أو قوِيَ علينا ضعفنا يبقى الرب دومًا أمينًا لوعده المقدس لنا.
• أما في الإنجيل يروي لنا القديس لوقا عن لقاء السيد المسيح بتلميذي عِمّاوس اللذين أُمسكت أعينهما عن معرفته، وهي قصة كل مؤمن منّا يرافقه الرب في الطريق، ويقوده بنفسه، ويُلهب قلبه، ويكشف له أسرار إنجيله، ويعلن له قيامته، ويفتح بصيرته لكي يعاينه ويفرح به.
• تشجعنا أمنا الكنيسة المقدسة، في هذا الأحد، وتدعونا إلى عيش الرجاء بقدرة الربّ القائم من الموت على الإنتصار على كلّ ما قد يقودنا إلى اليأس، وتقدِّم لنا طُرُقًا نتّبعها لخلاصنا. 

:::::: صـلاة :::

أللهُمَّ إن ذروة عملك فينا هو أن تهبنا قوة قيامتك، كما حدث مع تلميذي عِمّاوس، فبعد أن كانا متجهين إلى عِمّاوس مُعطين ظهرهما لأورشليم، حوّلت بنعمة حضورك ظهرهما لعِمّاوس بإعادة نحو الإتجاه الصحيح أي أورشليم. هكذا يا رب، ساعدنا لكي نلتقي بك رغم ضجيج وقلق حياتنا اليومية، وحوِّل إتجاهنا من اليأس والعيش لهذا العالم، لنكون بقلبنا وفكرنا متّجهين نحو أورشليم السماوية حيث نراك وجهًا لوجه، آمين. 

::: الرسالة :::

8 تَذَكَّرْ يَسُوعَ الـمَسِيحَ الَّذي قَامَ مِنْ بَينِ الأَمْوَات، وهُوَ مِنْ نَسْلِ دَاوُد، بِحَسَبِ إِنْجِيلِي،
9 الَّذي فِيهِ أَحْتَمِلُ الـمَشَقَّاتِ حَتَّى القُيُودَ كَمُجْرِم، لـكِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُقَيَّد.
10 لِذلِكَ أَصْبِرُ على كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الـمُخْتَارِين، لِيَحْصَلُوا هُم أَيْضًا على الـخَلاصِ في الـمَسِيحِ يَسُوعَ مَعَ الـمَجْدِ الأَبَدِيّ.
11 صَادِقَةٌ هِيَ الكَلِمَة: إِنْ مُتْنَا مَعَهُ نَحْيَا مَعَهُ،
12 وإِنْ صَبَرْنَا نَمْلِكْ مَعَهُ، وإِنْ أَنْكَرْنَاهُ يُنْكِرْنَا،
13 وإِنْ كُنَّا غَيرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لأَنَّهُ لا يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ!

(الرّسالة الثانية إلى طيموتاوس – الفصل 2 – الآيات 8 إلى 13) 

::: أفــكار من وحي الرسالة :::

لكي يشجع مار بولس تلميذه طيموتاوس على إحتمال المشقات يذكِّره بالرّب يسوع الّذي إحتمل آلام الصليب، وبما أن المسيح تمجَّد هكذا سيتمجَّد بالتالي كلّ مَن يعتصم به في مسيرته الروحيَّة، إذ أنّ المسيح الـمُنتصر سيُقيم معه كل مؤمن تعب وجاهد وإستعدَّ. وهذا هو موضوع كرازة مار بولس، أنه كما أن الموت لم يستطع أن يحبس المسيح في القبر فقام هكذا نحن أيضًا في المسيح، فالمسيح وهو كلمة الله لا يستطيع الموت أن يحبسه أو يقيّده لأنه الخالق الـمُحيى. وبعد أن قدم مار بولس المسيح كمثال، قدم نفسه كمثال أيضًا، فهو يحتمل المشقات إذ قُيِّد وعُومِل كمجرم، لكنه كان حُرًا في كلمة الله التي يكرز بها وهي لا يمكن أن تُقيَّد. وفي كل ذلك لم يهتم بولس بنفسه بل بمَن يكرز لهم لكي يحصلوا هم على الحياة الأبدية. وهكذا أيضًا مع خدام الله كطيموتاوس وكلّ مؤمن اليوم، عليهم أن يكونوا شهودًا في حياتهم اليومية للمسيح القائم من بين الأموات.

وإذ نتابع تأملنا مع مار بولس، نتذكَّر أنه في المعمودية جميعنا نموت مع المسيح عن الخطية، وهذا علينا أن نعيشه كل يوم في حربنا الروحية، وفي قلوبنا إستعداد دائم وقصد بأن نموت عن شر العالم، حتى الإستشهاد بالدم إن إقتضى الأمر، كما يحدث مع مسيحيين كُثُر من حولنا وفي العالم. وإن تسلّحنا بهذه النيَّة وإحتملنا الآلام مع المسيح بصبر، فسنملك معه، أي نرث ملكوت السماوات الّذي أعدَّه لنا. أما إن أنكرناه في حياتنا اليومية بخوفنا وتخاذلنا وتكاسلنا وإهمالنا تقديم الشهادة للمسيح، فسوف ينكرنا هو أيضًا. ولكنَّ، وإن تشوَّهت أمانتنا للربِّ بسبب إنجرافنا وراء صنميات العالم وما أكثرها، فالرّب سيظل أمينًا لوعوده المقدسة لنا لأن الأمانة هي طبعه، فالمسيح لا ينكر نفسه، بمعنى أنه إن كنا لا نعيش إيماننا بقيامته، فعدم عيشنا لإيماننا لن يضرّه، كما أنه لن يُغيِّر شيئًا من الحقيقة. وإن كان المسيح لن يصيبه ضررًا نهائيًا بإنكارنا إياه في حياتنا اليومية، فإنه لا يرغب في شهادتنا له إلاَّ لمنفعتنا نحن، فنحن الـمتضررون من عدم إيماننا. 

::: الإنجيل :::

13 وَفي اليَوْمِ عَينِهِ، كانَ إثْنَانِ مِنْهُم ذَاهِبَيْنِ إِلَى قَرْيَةٍ تُدْعَى عِمَّاوُس، تَبْعُدُ نَحْوَ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ عَنْ أُورَشَلِيم.
14 وَكانَا يَتَحَادَثَانِ بِكُلِّ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي حَدَثَتْ.
15 وفيمَا هُمَا يَتَحَادَثَانِ وَيَتَسَاءَلان، إِذَا يَسُوعُ نَفْسُهُ قَدِ إقْتَرَبَ مِنْهُمَا، وَرَاحَ يَسِيرُ مَعَهُمَا.
16 ولـكِنَّ أَعْيُنَهُمَا أُمْسِكَتْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
17 أَمَّا هُوَ فَقَالَ لَهُمَا: "مَا هـذَا الكَلامُ الَّذي تَتَحَادَثَانِ بِهِ، وَأَنْتُمَا تَسِيرَان؟". فَوَقَفَا عَابِسَين.
18 وَأَجَابَ أَحَدُهُمَا، وأسْمُهُ كِلْيُوبَاس، فَقَالَ لَهُ: "هَلْ أَنْتَ وَحْدَكَ غَرِيبٌ عَنْ أُورَشَلِيم، فَلا تَعْلَمَ مَا حَدَثَ فِيهَا هـذِهِ الأَيَّام؟".
19 فَقَالَ لَهُمَا: "ومَا هِيَ؟". فَقَالا لَهُ: "مَا يَتَعَلَّقُ بِيَسُوعَ النَّاصِرِيّ، الَّذي كَانَ رَجُلاً نَبِيًّا قَوِيًّا بِالقَوْلِ وَالفِعْل، قُدَّامَ اللهِ وَالشَّعْبِ كُلِّهِ.
20 وكَيْفَ أَسْلَمَهُ أَحْبَارُنا وَرُؤَسَاؤُنَا لِيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالـمَوْت، وَكَيْفَ صَلَبُوه!
21 وكُنَّا نَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذي سَيَفْدِي إِسْرَائِيل. وَلـكِنْ مَعَ هـذَا كُلِّهِ، فَهذَا هُوَ اليَوْمُ الثَّالِثُ بَعْدَ تِلْكَ الأَحْدَاث.
22 لـكِنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ مِنْ جَمَاعَتِنَا أَدْهَشْنَنَا، لأَنَّهُنَّ ذَهَبْنَ إِلَى القَبْرِ عِنْدَ الفَجْر،
23 وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ يَسُوع، فَرَجَعْنَ وَقُلْنَ إِنَّهُنَّ شَاهَدْنَ مَلائِكَةً تَرَاءَوْا لَهُنَّ وَقَالُوا إِنَّهُ حَيّ!
24 ومَضَى قَوْمٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَنَا إِلى القَبْر، فَوَجَدُوهُ هـكذَا كَمَا قَالَتِ النِّسَاء، وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يَرَوْه".
25 فقَالَ لَهُمَا يَسُوع: "يَا عَدِيمَيِ الفَهْم، وَبَطِيئَيِ القَلْبِ في الإِيْمَانِ بِكُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاء!
26 أَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى الـمَسِيحِ أَنْ يُعَانِيَ تِلْكَ الآلام، ثُمَّ يَدْخُلَ في مَجْدِهِ؟".
27 وَفَسَّرَ لَهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ في كُلِّ الكُتُبِ الـمُقَدَّسَة، مُبْتَدِئًا بِمُوسَى وَجَمِيعِ الأَنْبِيَاء.
28 وإقْتَرَبَا مِنَ القَرْيَةِ الَّتي كَانَا ذَاهِبَيْنِ إِلَيْهَا، فتَظَاهَرَ يَسُوعُ بِأَنَّهُ ذَاهِبٌ إِلى مَكَانٍ أَبْعَد.
29 فَتَمَسَّكَا بِهِ قَائِلَين: "أُمْكُثْ مَعَنَا، فَقَدْ حَانَ الـمَسَاء، وَمَالَ النَّهَار". فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا.
30 وفِيمَا كَانَ مُتَّكِئًا مَعَهُمَا، أَخَذَ الـخُبْزَ، وبَارَكَ، وَكَسَرَ، ونَاوَلَهُمَا.
31 فإنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا، وَعَرَفَاهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ تَوَارَى عَنْهُمَا.
32 فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَر: "أَمَا كَانَ قَلْبُنَا مُضْطَرِمًا فِينَا، حِينَ كَانَ يُكَلِّمُنَا في الطَّرِيق، وَيَشْرَحُ لَنَا الكُتُب؟".
33 وقَامَا في تِلْكَ السَّاعَةِ عَيْنِهَا، وَرَجَعَا إلَى أُورَشَلِيم، فَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ وَالَّذِينَ مَعَهُم مُجْتَمِعِين،
34 وَهُم يَقُولُون: "حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ قَام، وتَرَاءَى لِسِمْعَان!".
35 أَمَّا هُمَا فَكانَا يُخْبِرانِ بِمَا حَدَثَ في الطَّرِيق، وَكَيْفَ عَرَفَا يَسُوعَ عِنْدَ كَسْرِ الـخُبْز.

(إنجيل لوقا - الفصل 24 – الآيات 13 إلى 35) 

::: أفــكار من وحي الإنجيل :::

يروي لنا القديس لوقا الإنجيلي لقاء السيد المسيح مع تلميذين وهما في طريقهما إلى عِمّاوس، وهذان التلميذان سلوكهما في هذا الطريق يشير إلى الإنسان الّذي يؤمن بالقيامة في فكره وتكون موضوع حديثه لكنه لا يتمتع بها ولا يمارسها عمليًّا، أي لم يبلغ بعد قوة القيامة وكمالها. لقد إنشغل التلميذان بما حدث من هَول الصليب وخبر القيامة، يتكلمان ويتحاوران، وفي ضعفهما لم يستطيعا إدراك الحق، فحّل الحق نفسه في وسطهما يعلن ذاته لهما ويسندهما.

ربما عجزا عن معرفته إذ صار له الجسد الروحي الـمُمَجَّد ولا يخضع جسده لقوانين الطبيعة البشرية الأرضي بل للقانون الروحي. وهذا لم يسمح لهما أن يعرفاه، لأنه إذ قام حمل جسده البشري مجدًا، لذا لم يستطيعا معرفته، وربما كان علة عجزهما عن معرفته ضعف إيمانهما وتباطؤهما في الفهم الروحي، أو أيضًا بقصد إلهي حتى يكشف لهما المسيح أسراره الإلهية وتحقيق النبوات فيه. فكثيرون يؤمنون بالقيامة بل ويكرزون بها لكنهم لا يعيشونها. هؤلاء لا يزالوا في طريق عِمّاوس يحتاجون إلى ظهور السيد لهم وحديثه معهم ليلهب قلوبهم في الحياة الداخلية بالحياة الـمُقامة، فيعيشونها قبل رحيلهم من هذا العالم.

بلا شك إنَّ تلميذي عِمّاوس لم يكونا بعد قد إستطاعا أن يدركا لاهوت المسيح، ولا أن يقبلا سرّ الصليب، إنما كانا يتوقعان فيه محررًا من الحكم الروماني. وقد حطم الصليب آمالهما. وإن كان المسيح قد تألم وصلب فالموت لم يفصله عن تلاميذه، وإن كان قد قام فقيامته لم تبعد به عنهم. من أجلنا قد صلب ومات وقام لكي يقترب إلينا ويبادرنا بالحب، مشتاقًا أن يدخل معنا في حوار، لكي يقدم ذاته لنا، فنفتح أعيننا لمعاينته وقلوبنا لسكناه فينا.

ليس غياب الله غيابًا. آمن به فيكون معك حتى وإن كنت لا تراه. فعندما إقترب الرّب من التلميذين لم يكن لهما الإيمان، لم يصدقا أنه قام، أو أنه يمكن لأحد أن يقوم، لقد كانا بلا رجاء. كانا يمشيان معه في الطريق، كموتى مع الحيّ. كانت "الحياة" تمشى معهما، غير أن قلبيهما لم يكونا ينبضان بالحياة.

وكم مرة كنا فيها مثل تلميذي عِمّاوس، نطلب الخلاص بالطريقة التي نراها نحن وليس كما يريد الرب. فمن هو مريض ولا يستجيب الله صلواته ويشفيه يظن أن الله لم يخلصه كما ظن تلميذي عِمّاوس أن المسيح لم يخلصهم لأن الخلاص في تفكيرهم هو خلاص من الرومان. وإذا تعارضت إرادتنا مع إرادة الرب فإن عيوننا تعمى ولا نعرف الرب ولا نراه كما حدث مع تلميذي عِمّاوس بل نتصادم معه. لكن إن التمسنا الرّب وقبلناه كما هو فسنعرفه، فلنتعلم أين نطلب وكيف نطلب الرّب فنحظى به على مائدة الطعام أي مائدة المذبح، فالرّب يعلن نفسه عند كسر الخبز، لذلك عندما نكسر الخبز نتعرف على الرّب، فهو لم يعلن نفسه إلا هنا على المائدة، لنا نحن الّذين لم نستطع أن نراه في الجسد، ولكنه أعطانا جسده لنأكل. فإذا كنا نؤمن بهذا فلنأت مهما كنا، وإذا كنا نثق ستُفتح أعيننا عندما نقبل الخبز المقدس، لأن جسد الرب يحمل قوته العظيمة.  

::: تــــأمّـل روحي :::

من الموت إلى الحياة

في ربيع القيامة إنبثق نورٌ جديد آتٍ من بعيد نبوءات ومزامير العهد القديم، ليجعل براعم بشرى العهد الجديد تتفتّح محمّلةً بعظمة العطيّة: عطيّة الخلاص وجمال الحياة مع المسيح القائم من الموت، ونقاء الكلمة والتعليم فيما نقله لنا الرسل في الأناجيل والرسائل. فأين نحن من هذا الحدث؟

رفقة طريق

الطريق طويلٌ ومحفوفٌ بالمخاطر بين أورشليم وعمّاوس، يعود التلميذان مُحبَطين بسبب موت معلّمهما.
هي طريقنا نحن أيضًا، الطريق التي نسلكها في صعوباتنا ومآسينا وفقداننا لأحبتنا. نسلكها في جميع مراحلها إن كنّا نؤمن بالقيامة وإلاّ سجنتنا في جهلنا لها باليأس.

مرحلة أولى: وجعٌ وأنين

- إنّها طريق تساؤلاتٍ كبيرة لا نجد أجوبةٍ لها، شكوكٌ، هربٌ وشكوى، أحاديث ملوّنة بالإحباط ومثقلة بالحزن وجدلية الرحمة الإلهيّة التي نخال أنفسنا فقدناها، نموت مع موت يسوع ونبقى عند الصليب مسمّرين بالألم إلى درجةٍ ننسى فيها القيامة وفرحها.
- نسير في طريقٍ تُعيدنا إلى بيتنا، أعني نفسنا الداخليّة ما قبل القيامة، فنتقوقع هناك وقلبنا يعتصره وجعٌ مجهولٌ غالبًا ما يكون مجبولاً بالأسى العميق.
- ويدنو يسوع منّا، آخذًا بالسير معنا (لو 24: 15) مصغيًا بصمتٍ إلى كلّ ما يعتصر قلبنا، لكنّنا لا نتعرّف إليه: عمى بصيرتنا واستشهاد دعوتنا التي بقيت معلّقة على الصليب بسبب جهلنا لحقيقة فرح القيامة وتغَلُّب الشعور على الإيمان، يحوّلنا إلى أداةٍ في لا روح فيها، بل مملؤة إمّا بالغضب أو بالإنزواء، إمّا بالثورة على حبّ الله الّذي لم نستطع فهمه في وقت ضيقنا أو بتحجّر القلب وموت علاقتنا به وبالآخر. أمّا يسوع الصامت، فهو يصغي إلى أنيننا ووجعنا بكلّ هدوء ورَويّةٍ ولين، ليجعلنا ندخل رؤيته ونكتشف أنّه "هو"، فنؤمن به بكامل إرادتنا ووعينا.

المرحلة الثانية: على طريق القيامة

من القلق وانكسار القلب إلى بزوغ أولى أشعّة فجر الخلاص، برفقة يسوع، بالإتّقاد مكان انكساره، في الأعماق. مسيرة أخرجت إلى النور ما كان يعيقها من تكدّرٍ وانحباسٍ، فَلمَعَت من هناك شرارة التحرّر حين وجدا في رفيقيهما (وهما ما زالا لا يعرفانه) اللطف والكثير من صفات معلّمهم الّذي فقدوه.
مرّةً أخرى نرى أنفسنا في الموضع عينه حين نرتاح لهذا الآخر آتيًا يسير قُربنا:
- بمجرّد قبوله وإحساسنا بالإرتياح له، نشعر به يتغلغل إلى أعماقنا، تدفعنا رغبةٌ شديدة للإصغاء إلى ما يقوله والتفكير والتأمّل فيه، لنكتشف حاجتنا الشديدة إليه.
- شيئًا فشيئًا تُخرِج كلمته قلوبنا من الظلاميّة لنبدأ بتلمّس النور الّذي نفتقده.

المرحلة الثالثة: سرّ الأسرار فبشارة

اقترَبوا من البيت إلاّ أنّ هناك شيئاً ما كان ما زال فارغًا في أعماقهما لا يملؤه سوى رفيق دربهما فتمسّكا به وألحّا عليه بالدخول " ليبقى قليلاً بعد": إنّهما ما زالا بطيئيّ الفهم، فدخل وهو مرئيٌ للتلميذين. عند العشاء قام بأفعاله الأربعة المعتادة: أخذ (الخبز)، بارك، كسر وناولهما. فأُزيحت الغشاوة عن أعينهما وعرفاه وفي تلك اللحظة أصبح غير مرئيّ، وتحوّلت الكلمة المسموعة والمشروحة إلى إفخارستيّا.
ليسأل كلّ منّا ذاته: هل أتمسّك به خلال مسيرتي وأشعر بحاجتي إليه؟ بالتالي، هل نعرف ونؤمن أنّ هدف الله ليس رؤية يسوع بالجسد بل دعوتنا للتعرّف إليه بانفتاحنا على معنى سرّ الإفخارستيّا، أم أنّنا ما زلنا نحاول رسم صورةٍ له في مخيّلتنا والإحتفاظ بها دون إدراك حقيقة حضوره الدائم إسراريًا بكليّته؟ عند تناولنا القربان المقدّس، هل ننتظر بإيمانٍ إشراقة نوره علينا لِيُجدّد حياتنا ويُضرمها بالحب والفرح؟ والأسئلة كثيرة...
اليوم هو دعوة لنا. هلمّوا نتشارك فرح التلميذين بالخبز الإلهي، خبز السماء، خبز الحياة التي غلبت الموت وفتحت البصائر على الخلاص واضمحلّ ظلام القلب لتملأه أنوار الفجر الأبدي، منطلقين بالبشارة مع كنيسة المسيح حتى أقاصي الأرض. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... كثيرون من المسيحيّين لا يهتمون بما حدث قبل مجيء الرّب يسوع ويعتقدون أن ما كُتب بأسفار العهد القديم لا يخصّهم وبأنه يضعك أمام الإنسان الغير مؤمن بإطار الإله الّذي يُحب الحروب ويُساندها والإله الّذي يُفضِّل جماعة عن سواها مُتناسين بأن ما جاء في أسفار العهد القديم من نبوات على لسان الأنبياء إبتداءً من موسى هو ما جعل معظم الشعب اليهودي والشعوب الأخرى تؤمن بيسوع المُرسل مخلّصًا من عبودية الخطيئة وأجرتها أي الموت الأبدي ومعطيًا السلام للروح بالحياة الأبدية. سبحانك يا رب. كثيرون يعتقدون بأنك تغيّرت ولم يُدركوا بأن محبّتك ورغبتك بعيش الإنسان بجانبك كانت منذ البدء وكان لا بدّ من التحضير لها ليُصدّقها العقل البشري ليغوص بقلبه نحو قلبك القدّوس ويلتصق به.
ربّي وإلهي ... لو سألني أحدهم كيف عليّ أن أُبشر فسأقول له أنَّ عليكَ أن تشمل في التعليم أهم العناصر الأساسية في تقديم دورة متكاملة لنشر البشرى السارة كما وضعها الله وعلّمها الرسل:
• الإنتقال من رحمة الله المُحبة التي رفّت على الخليقة في البدء؛ إلى
• الإعداد في العهد القديم؛
• فالتجسد وعمل المسيح؛
• فالصليب والشفاء والخلاص والقيامة؛ ثم
• حلول الروح القدس؛
• وإنتهاءً بتقديم حب يسوع الّذي يُصاحب قطيعه عن طريق سر وجوده في القربان المُقدّس حتى نهاية العصور.
ربّي وإلهي ... أعطنا حكمةً وفهمًا وجَلَدًا، وإفتح شفاهنا فيُخبِّر فمُنا بتسبحتك (مزمور 51: 17)، ولك الشكر على الدوام، آمين.  

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)
1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي تبقى أمينةً على عيشِ القيامةَ ونشرِها في العالمِ كلِّه، نسألك يا رَب.
2- إفتح عيونَنا، فنرى بصمتَك في مسيرةِ حياتِنا اليوميّة، ونؤمنَ بِحضورِك الدّائم معنا وبيننا، ترافقنا، تُرشِدنا وتقَوِّمُ خطواتِنا، نسألك يا رب.
3- أمورٌ كثيرة تحدثُ في حياتِنا، كالمرَض والمَوت المُبكِر والفقر والقهر، أمورٌ تقوّي تساؤلاتنا، وتدعم شكَّنا؛ رافقنا كما رافق المسيحُ تلميذَي عِمّاوس، وإشرح لنا كلَّ هذه الأمور لِنَكونَ مؤمنين، نسألك يا رب.
4- اشفي مرضانا من أمراضِهم المُزمنة والخبيثة، وأقِمهم من يأسِهم، فيعيشوا الأمل والرجاء بِغَدٍ أفضَل، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) إستقبل في حِضنك الأبويّ جميعَ الّذين فارقونا من هذه الحياة، ولا تنظر إلى آثامِهم، بل أنظر إلى مَن ماتَ وقامَ لِتكونَ لهم الحياة الأبديّة، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

لأنّك تفتح عيونَنا على أمورٍ نجهلُها،
وتصبرُ علينا إلى النهاية،
لأنَّكَ أمينٌ رُغمَ عدمِ أمانتنا،
وتحبّنا وتعذرنا رُغمَ ضُعفِنا،
لأنّك إلهٌ قادرٌ، نشكرك ونحبّك ونلتجئ إليك،
نشكرك على جسدك ودمك،
نشكرك، نحمدك، ونعبدكَ مع أبيكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts