الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الصوم

أحد الإبن الشاطر
(19 آذار 2017)

::: مـدخــل :::

• تُدرج الكنيسة المارونيّة مثل الإبن الشاطر في الأحد الثالث من الصوم الكبير، أي في منتصف الصوم الكبير.
• يُطلعنا مار بولس في الرسالة على أهميّة ملاقاة تفتيش الله عنا بتفتيشنا نحن عنه عبر طريق الإيمان.
• أمّا في الإنجيل، فيحتلّ هذا المثل موقعًا مميّزًا في إنجيل لوقا، يتشابه وموقعه من الصوم، الموقع المحوريّ للإنجيل الثالث، فيلخّص في آياته قصّة الخلاص بأكملها، وتفتيش الله عن أبنائه.
• في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إلى ملاقاة الله في درب الخلاص فنمدّ إليه توبتنا جوابًا على محبّته الممدودة دائمًا إلينا! 

:::::: صـلاة :::

أيها الآب الغفور، بحبال الحبّ تشدّنا، تُعجبُك رؤية وجهنا، ويطيب لك سماع صوتنا. إحنُ علينا ولا تدعنا نتوارى عن سّر حبّك حيث نهلك جوعًا. هب لنا أن نترك وراءنا جراح خطايانا لنسلك درب التوبة ونتّخذك عضدًا لنجرؤ على خوض غمار حرّيتنا التي لا يمكن عيشها إلاً في كنفِ حبّك وغفرانك. لك المجد إلى الأبد، أمين. 

::: الرسالة :::

5 إِخْتَبِرُوا أَنْفُسَكُم، هَلْ أَنْتُم رَاسِخُونَ في الإِيْمَان. إِمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُم. أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ الـمَسِيحَ يَسُوعَ فِيكُم؟ إِلاَّ إِذَا كُنْتُم مَرْفُوضِين!
6 فأَرْجُو أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّنا نَحْنُ لَسْنا مَرْفُوضِين!
7 ونُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ شَرّ، لا لِنَظْهَرَ نَحْنُ مَقْبُولِين، بَلْ لِكَي تَفْعَلُوا أَنْتُمُ الـخَيْر، ونَكُونَ نَحْنُ كَأَنَّنا مَرْفُوضُون!
8 فَإِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ لأَجْلِ الـحَقّ!
9 أَجَلْ، إِنَّنا نَفْرَحُ عِنْدَما نَكُونُ نَحْنُ ضُعَفَاء، وتَكُونُونَ أَنْتُم أَقْوِيَاء. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا نُصَلِّي لِكَي تَكُونُوا كَامِلِين.
10 أَكْتُبُ هـذَا وأَنا غَائِب، لِئَلاَّ أُعَامِلَكُم بِقَسَاوَةٍ وأَنا حَاضِر، بِالسُّلْطَانِ الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهُ الرَّبّ، لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
11 وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، إِفْرَحُوا، وَإسْعَوا إِلى الكَمَال، وتَشَجَّعُوا، وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام، وإِلـهُ الـمَحَبَّةِ والسَّلامِ يَكُونُ مَعَكُم!
12 سَلِّمُوا بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَة. جَمِيعُ القِدِّيسِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكُم.
13 نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح، ومَحَبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم أَجْمَعِين!

(الرّسالة الثانية إلى أهل قورنتس – الفصل 13 - الآيات 5 إلى 13) 

::: تأمّل من وحي  الرسالة :::

يطلب مار بولس من أهل قورنتس ويطلب منّا نحن اليوم أن نمتحن أنفسنا ونختبرها لنعرف كيف يعمل المسيح فينا ويرعانا، وكيف يسكن فينا. وكلمة "إمتحنوا" تستعمل للكشف عن العملات الذهبية أو الفضية إن كانت أصيلة أم مزيفة. فيليق بنا إذًا أن نفحص ذواتنا هل نحن بالحق في المسيح والمسيح فينا، أم نحن حاملو الإسم فقط. ويُعلن أنّ ما يُفرح قلب الله أن يجد أولاده أقوياء في البرّ والمواهب الروحية، ويسلكون طريق الكمال رغم الإضطهادات والآلام المرّة.

وكما إفتتح الرسالة بالتشجيع واللطف والحنو، هكذا يختمها بوصايا مفرحة: الفرح، طلب الكمال، الشجاعة، والإيمان. من خلال هذه الوصايا يستطيع الإنسان حتمًا أن يكتشف ويعيش بنوتّه لله.

إذًا نحن مدعوّون اليوم كي نعود إلى أنفسنا ونجلس أمام الله طالبين منه النعمة كي نمتحن أنفسنا. فهل نعيش مسيحيّتنا بكلّ ما للكلمة من معنى؟ وهل ندرك أن كل نمو في حياتنا يبدأ بقبول ما نحن عليه دون أن يقودنا هذا إلى اليأس والإستسلام وإلاّ بقي كل منّا رهينة ألم دائم وحرب متواصلة، وبقدر ما نقبل أنفسنا نتحرّر من الخوف الّذي يشلّ ويشوّه كل علاقتنا بالله؟ 

::: الإنجيل :::

11 وَقَالَ يَسُوع: "كانَ لِرَجُلٍ إبْنَان.
12 فَقالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيه: يَا أَبي، أَعْطِنِي حِصَّتِي مِنَ الـمِيرَاث. فَقَسَمَ لَهُمَا ثَرْوَتَهُ.
13 وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَة، جَمَعَ الإبْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ حِصَّتِهِ، وسَافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعِيد. وَهُنَاكَ بَدَّدَ مَالَهُ في حَيَاةِ الطَّيْش.
14 وَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيء، حَدَثَتْ في ذلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَة، فَبَدَأَ يُحِسُّ بِالعَوَز.
15 فَذَهَبَ وَلَجَأَ إِلى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ ذلِكَ البَلَد، فَأَرْسَلَهُ إِلى حُقُولِهِ لِيَرْعَى الـخَنَازِير.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الـخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الـخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، وَلا يُعْطِيهِ مِنْهُ أَحَد.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: كَمْ مِنَ الأُجَرَاءِ عِنْدَ أَبي، يَفْضُلُ الـخُبْزُ عَنْهُم، وَأَنا هـهُنَا أَهْلِكُ جُوعًا!
18 أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.
19 وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ إبْنًا. فَإجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ!
20 فَقَامَ وَجَاءَ إِلى أَبِيه. وفِيمَا كَانَ لا يَزَالُ بَعِيدًا، رَآهُ أَبُوه، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه، وَأَسْرَعَ فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
21 فَقالَ لَهُ إبْنُهُ: يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ إبْنًا...
22 فَقالَ الأَبُ لِعَبيدِهِ: أَسْرِعُوا وَأَخْرِجُوا الـحُلَّةَ الفَاخِرَةَ وَأَلْبِسُوه، وإجْعَلُوا في يَدِهِ خَاتَمًا، وفي رِجْلَيْهِ حِذَاء،
23 وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ وإذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
24 لأَنَّ إبْنِيَ هـذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد. وَبَدَأُوا يَتَنَعَّمُون.
25 وكانَ إبْنُهُ الأَكْبَرُ في الـحَقْل. فَلَمَّا جَاءَ وإقْتَرَبَ مِنَ البَيْت، سَمِعَ غِنَاءً وَرَقْصًا.
26 فَدَعا وَاحِدًا مِنَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا؟
27 فَقالَ لَهُ: جَاءَ أَخُوك، فَذَبَحَ أَبُوكَ العِجْلَ الـمُسَمَّن، لأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا.
28 فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُل. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه.
29 فَأَجَابَ وقَالَ لأَبِيه: هَا أَنا أَخْدُمُكَ كُلَّ هـذِهِ السِّنِين، وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ يَوْمًا أَمْرًا، وَلَمْ تُعْطِنِي مَرَّةً جَدْيًا، لأَتَنَعَّمَ مَعَ أَصْدِقَائِي.
30 ولـكِنْ لَمَّا جَاءَ إبْنُكَ هـذَا الَّذي أَكَلَ ثَرْوَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّن!
31 فَقالَ لَهُ أَبُوه: يَا وَلَدِي، أَنْتَ مَعِي في كُلِّ حِين، وَكُلُّ مَا هُوَ لِي هُوَ لَكَ.
32 ولـكِنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هـذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد".

(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 15- الآيات 11 إلى 32) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

"فرجعَ إلى نفسِه" بهذِهِ الكلمة يُعطي لوقا تفسيرًا للخطيئة، هي الخروج عن الذّات، عن المنطق، عن العقل، هي حالة من يُصبح خارج كيانِهِ فاقدًا لهويَّتِهِ وغير مالك لإرادتِهِ.

عودة الإبن هذِهِ إلى ذاته هي أيضًا عودة روحيّة، الدّخول إلى عمق أعماق الذّات بضميرٍ نيِّر والحكم على صوابيّة القرارات التي إتَّخذها. يمكن للإنسان أن يتهرَّب من الإجابة على أسئلة الآخرين، إنمّا كيف يمكن للمرء أن يتجاهل صوت الضَّمير، حين يُصبح وجودُه دون معنى بسبب غياب الآب عن حياته، حين يُصبح وجوده مجرّد تدفّق أيّام دون معنى، تُستَهلك في البحث عن ملء البطن بخرّوب خنازير لا يوفِّر شبعًا للقلب السّاعي إلى معنى الحياة وإلى الحريّة المبتغاة.

في لحظة العودة إلى الذّات قام الإبن الأصغر بمسيرة روحيّة ، مسيرة تحقّقت عبر مراحل خمسة:
- إعترف بخطيئتِه ضدَّ اللّه : لقد أخطأت إلى السماء
- إعترف بخطيئتِهِ ضدّ أبيه الأرضي : وأمامك
- تخلّى عن حقوق الإبن، فهو يعرف أنّهُ قد نال حقّه قانونيًّا ولا يحقّ له بطلب ميراث آخر. يعلم الإبن جيِّدًا أنَّ أباه قد قسّم ميراثه، وبالتّالي فلا بدّ من إستعمال ميراث أخيه لإعالته في حال قبله، لذلك عَرَض أن يكون أجيرًا يستحق أجرتَهُ بالعمل عندَ أبيه وأخيه. تعكس هذه الكلمات واقعًا أعمق، تتخطّى البعد المادَي لتصبح الكلمات كلمات طلب المغفرة للجرح العميق الّذي ألحقه الإبن بأبيه حين أخرجه من دائرة حياتِه وإعتبره ميّتًا وطالب بالميراث وأبوه لا يزالُ حيًّا.
- يطلب أن يكون أجيرًا، تربطه بوالده لا علاقة البنوّة والعائلة، إنّما علاقة المصالح الخاصّة، فمن صالح الإبن أن يعود إلى الآب ليحيا، أمَا الأب فما من مصلحة خاصّة تديره، وكلّ ما يقوم به سببه الحب والرّحمة، وهذا هو الفارق بين الله والإنسان، الإنسان يبني قراراته على ضوء المصلحة الخاصّة والإستفادة الشّخصيّة، أمّا الله فيقوم بما يقوم به مدفوعًا من الحب وروح الأبوّة.
- وضع هذا القرار موضع التّنفيذ، "فقام ومضى". وفعل "قام" يرتبط بقيامةِ المسيح من بين الأموات، لقد تمَّم هذا الإبن في حياته قيامة يسوع المسيح بطريقة شخصيّة وروحيّة، تغلّب على الشرّ وإختار الخلاص، عاد إلى بيت الآب.

عندما وصل الإبن إلى حضن أبيه أعلن النّدامة والتّوبة، لم يقل حرفيًّا الكلام الّذي أعدّهُ في السّابق، لم يطلب من أبيه أن يجعله أجيرًا، ففي فعل النّدامة والتّوبة ليس مطلوبًا من الإنسان إتّخاذ القرارات مكان الله، الله يطلب التّوبة والإنسان يعلن النّدامة ويضع نفسه بين يديّ أبيه السّماوي كما إرتمى الإبن الأصغر بين يديّ أبيه، المطلوب هو النّدامة، والإتّكال على رحمة الله والثّقة بمحبّته المطلقة ومغفرته غير المشروطة.

رغبة الإبن كانت أن يقبله الأب أجيرًا بين خدم عديدين أمّا جواب الأب فكان من نوع آخر، أنقذه من حالة العبوديّة التي أوقع نفسه فيها وأعاده إلى مكانة الإبن والوريث.

واليوم أطرح على نفسي ما يلي: كيف أعيش سّر التوبة في حياتي اليوم؟ هل أدركت أنه عندما أخرج من كرسي الإعتراف أضحي شخصًا مجدّدًا مهما كبرت وعظمت خطيئتي؟ أم أبقى عائشًا في عقدة الذنب بدون أن أغفر لنفسي وبدون أن أثق بغفران الله لي؟ 

::: تــــأمّـل روحي :::

الولادة الجديدة
إذا ما أوّنّا قصّة الإبن الضالّ على واقعنا اليوم لرأينا أن مراحل مسيرة الإنسان وعلاقته بأهله، هي نفسها على ما كانت عليه منذ 2000 عامٍ وأكثر، والتي نفسها تنطبق على علاقتنا بالآب السماوي.

طبيعيّة المسيرة
1-إيجابيّة: يولد طفلاً وينمو في كنف أهله، غالبًا ما يكون مطيعًا إلى حدٍّ ما، معتمدًا عليهم في أغلب الأمور. ثمّ يبدأ بالتفتّح والنضوج في سنّ المراهقة وتبدأ مسيرته في البحث عن حريّته وتحقيق ذاته خارج بيته (تبعيّته للأهل)، ليستردّ – بحسب ما يعتقده صوابًا - إستقلاليّته، بعيدًا عن حضن الأب والأم. أمّا المرحلة الأخيرة، عندما يكتمل نضوجه، بمعنى أنّه بات قادرًا على فهم الواقع، على تمييز ما هو خيرٌ وما هو شرّ، ورؤية ما هو الأفضل لحياته، ومصلحته بين هلالين، يرجع بتواضعٍ إلى مصدر خيره، مصدر الحبّ الحقيقي، مهما كان إبتعاده قاسيًا وطويلاً ومُتّسخًا إن صحّ التعبير، يرجع حاملاً بجعبته كلّ العرفان بالجميل والثقة بحبّ الحضن الّذي خرج منه. هذا إن كان قد قبِل أن يتنشّأ على رؤية الأمور بإيجابيّة، وسكنت زاويةً من زوايا كيانه في الصغر صورة الأب المملوء حبًّا ورحمة الأب المحترم شخص إبنه وحريّته.
2- سلبية: في المقلب الآخر، إن كان الإنسان قد كبر على السلبية التي تنبع من الأنا الحقودة في أُطرٍ مختلفة، فذلك سوف يُخرِج أولادًا منهم الثائر المتمرّد، القاسي القلب، ومنهم من تتآكله الغيرة من أخٍ له، فيعدّه منافسًا، فينكره ضمنيًا أو يتآمر عليه ويرذله ويحطّمه معنويًا وإجتماعيًا و... ويأتي بكلّ شرٍّ كي ينتقم ليستريح عل الأقلّ نفسيًا (والكتاب المقدّس مليءٌ بالشواهد على ذلك: قايين وهابيل، إسماعيل وإسحق، عيسو ويعقوب، يوسف وإخوته التسع...). منهم المُطيع طاعةً هشّة خالية من أيّ حبّ أو أيّ فهمٍ لِمعنى علاقته بأبيه، يطيعه فقط مقايضةً ليكسب رضاه دون الشعور ببنوّته له. ومنهم المدلّل الّذي يقنع نفسه بحقّه في التصرّف كما يشاء تجاه والده، فيستغلّ ذلك ليعبث بعواطفه على هواه حتّى ولو على حساب حياته (حياة الأب)، وإلى ما هنالك. هؤلاء قد مَحوا صورة الأب الحقيقيّة من قلوبهم غارقين في ظلمة جهلهم لحبّهم الكبير لذاتهم العمياء، فيموتون فيها وهم أحياء في الجسد.

من نحن؟
من منّا لا يدرك لهفة الأب على أبنائه؟ كم ينفطر قلبه لكلٍّ منهم في نزاعاتهم. كم يرغب في أن يتكاتف جميع أبنائه مع بعضهم البعض ويلتفّوا حوله ليبقوا في أمانٍ من شرّ نفوسهم ومن شرّ الآخرين والعالم والمادّة!
هنا يطرح السؤال نفسه اليوم: مَن نحن من بين كلّ هؤلاء؟ هل ندرك خطورة روح التمرّد على الله الّذي بات من الصعب جدًّا تمييزه في عصرٍ، كثرت فيه التيارات التي ترشقنا بالإيديولوجيات الجديدة المستحدثة على كلّ وسائل التواصل الإجتماعي، والإعلام، وحتّى في الإعلانات المبطنّة؟ هل نعي أنّنا في الكثير من الأحيان لا بل غالبًا، تُشَيّئنا المادّة وتجرفنا معها إلى هوّة الإنفصال عن أمان حضن الله دون أن ننتبه؟ هل فطِنّا لتخلّينا عن كلّ ما هو أساس لِصحّة كياننا، لشخصنا بالكامل، وذلك بإختيارنا إستبداله بالحريّة الغير مسؤولة؟ وكم من المرّات نكون كالإبن الأكبر، نظنّ أنفسنا نسير على الدرب الصحيح بتتميم واجباتنا الدينيّة داخلين في التديّن الطبيعي الفارغ البارد، معلّلين النفس أنّنا "نُنفّذ" إرادة الله ونحن بعيدين فعليًّا كلّ البعد عنه؟

يا حبّذا لو كنّا نشبه الإبن الأصغر "الضالّ"، بتوبته حتّى ولو كان دافعه الحاجة إلى العيش والكرامة. يا حبّذا لو نتوصّل يومًا إلى فهم معنى الحريّة الحقيقيّة المسؤولة في طبيعتها والتي لا تُقاس بالتفلّت ولا بإمتلاك الشخصانيّة الذاتيّة لها، هي التي لا تفرض ذاتها على الآخر ولا تتحقّق إلاّ بتقاسمها معه، والتي بدونها، لا قيمة ولا إحترام ولا حُرمة، لا حبّ ولا فرح ينمو ويُخصِب الحياة في النفس التي تتوق وتسعى إلى الكمال بالله.
 

في الختام لا بدّ من العودة إلى الأساس، إلى صورة الآب، الذّي هو هو من الأزل وإلى الأبد. هو ذاك الرَحَم الأصيل الّذي يحتضن فيه نفس الخاطئ والفاتر والبعيد والتائه و... ليلده بالحبّ من حشاه مرحومًا، منقّى، محَرّرًا من " شيئيّته" المستعبِدَةِ له (للإنسان)، مستعيدًا صورة الإبن القائم من الموت بيسوع المسيح إبن الله الأوحد الوحيد. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... قالوا لي آن الأوان لأستثمر النِعم التي أعطيتني إيّاها، ووقفت للحظة أفتكر "أيكون فائدة الإستثمار هو لمجدك أو خيرًا للآخرين أو لذاتي؟". آه، لماذا أُفكِّر وأنا أعلمُ بأن مِن كلِّ قلبك أعطيتني وأنَّ عطيّتك على الرغم مِن أنها لي إنما هي أصلاً مُلكًا لك وكان بإمكانك أن تُعطيها لغيري لذا أنتَ تبغي أن أُعطيها بحكمةٍ وبسرورٍ للآخرين محبّةً بك وبهم!

ربّي وإلهي ... كلما إفتكرتُ بتصرفاتي الخاطئة كلما أصنِّف نفسي من أتباع الإبن الضّال لأَنِّي بالحقيقة قد إستلمتُ منك كنز قلبك "المحبة والرحمة" ولكني خاصمت ولم أسامح، إستلمتُ منك "الكلمة" ولكني لم أعمل بها، إستلمتُ منك "البشرى السارة" ولكني لم أستطع أن أنقلها بل على العكس كنت حجر عثرة لآخرين.

ربّي وإلهي ... أرجو أن أستثمر النعم التي أعطيتني إيّاها بكل سرور لمجدك وليس لمجدي وإلا فإن إستثماري سيذهب سدى ويعود عليَّ بخسارة نفسي، وسأعود مرة أخرى من جديد نادمةً لأطلب النعم مرّة أخرى منك معتمدةً على حبّك الشديد لي وطيبة قلبك بأنك لن ترفضني ولكنك ستعطيني ما سبق وأعطيتني.

ربّي وإلهي ... إرحمني يا مَن طول الأناة من صفاته وأمْسك بيدي لأبدأ من جديد، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

1- (المحتفل) في أحدِ الإبن الضّال، نصلّي من أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يكونوا بِأعمالِهم وتعاليمِهم سببَ عَودةِ الكثير من البعيدين إلى أحضانِ الآب، نسألك يا رَب.
2- أعطنا ألاّ نحكمَ على الآخَرين، بَل ننظُرَ إلَيهِم بِعَينِ الرَّحمةِ والرّأفة، فلا نُدينُهم ولا نَرفضُهم، نسألك يا رب.
3- أعطِ شبيبَتَنا النّضوجَ الكافي والمعرفة الواعيَة، فلا يَلهثوا وراءَ مَلَذّاتِهم بِغَيرِ وعيٍ، بَل يبقَوا تحتَ رِعايةِ أهلِهم، ويَسمعوا لَهم ويستفيدوا مِن خِبرَتِهم، فتتعمَّقُ نظرتُهم إلى الحياة، نسألك يا رب.
4- نضع أمامك كلَّ إنسانٍ فقيرٍ وجائعٍ ومريض، كن له القوتَ والشِّفاء، فيعيشَ فرحَ الشّموليّةِ مع باقي الأبناء، نسألك يا رب.
5- (المحتفل) كما إستقبَلتَ الإبنَ الضّال بالعناقِ والقُبَل، إستقبل في حِضنِك الأبويّ كلَّ الّذينَ إنتقلوا من هذه الحياة، فيأكلوا على مائدتِكَ السَّماويَّةِ وليمة عرسِ الحمل، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2016)

لأنَّك أبٌ رحيمٌ،
تحبُّنا نحنُ أبناءَك، بعيدينَ كنَّا أم قريبين،
تنتظرُنا كَي نقومَ بالخُطوةِ الأولى، لِتركضَ إلَينا وتُعانِقنا،
نشكرك على أبوَّتِكَ الّتي تمنحُنا الطُمأنينةَ والسّلام،
نشكرك على إبنكَ الّذي يمنحُنا جسده ودمهُ زادًا لنا في الحياة،
نشكرك على روحِك الّذي يقودُنا دَومًا إلَيك،
نشكرك، نحمدك، ونعبدكَ مع الإبن والروح القدس إلى الأبد، آمين. 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري جوزيف بيسري
joseph_baissary@hotmail.com
https://www.facebook.com/joseph.baissary
 

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts