الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الصوم

أحد شفاء المنزوفة
(12 آذار 2017)

::: مـدخــل :::

• أحد المنزوفة هو أحد الإيمان بيسوع المسيح. فبعد شفاء الأبرص وموقف يسوع المحبّ، نتأمّل اليوم في الإيمان، المدخلِ إلى كل حياة مسيحيّة.
• في الرّسالة، يؤكد القديس بولس في هذه الرسالة أنّ الحزن للتوبة يُولِّد تغييرًا شاملًا في الفكر والسلوك وأنّ حزن العالم يُحطِّم النفس ويفسد السلام ويضعف الجسد.
• في الإنجيل، نحن أمام إيمان واثق وخجول معًا وأمام قدرة الرّبّ الشافية.
• نصلّي إلى الربّ أن يمنحنا شجاعة لمسه فنتحرّر من خوفنا ومن بعدنا عنه! 

:::::: صـلاة :::

نعترف لك، أيها الرب يسوع، ونصلّي أمامك بإرث الخطيئة المتبقّي لنا والّذي لم نعد نملك سواه وهو لم يستطع أن يملأ فراغ نفوسنا. نقيم عهدنا معك ونعدك دومًا بأننا سوف نتوب إليك ونترك طريق المعصية، لكننا غالبًا ما نقع في حالة التردّد فلا نفي بوعدنا لك. نذهب إليك كي لا نعود نخطأ ثم نعود إلى حيث كنّا وتجرح الخطيئة فضائلنا. دعنا نؤمن بأن غفرانك يخلقنا دومًا من جديد وينتشلنا من ظلمة الخطيئة، وإجعلنا ندرك أننا ببعدنا عنك نخسر كل شيء وعندما نعود إليك نستعيد كل شيء لأنّك أنت وحدك مصدرنا وغايتنا. لك المجد إلى الأبد، آمين. 

::: الرسالة :::

4 إِنَّ لي عَلَيْكُم دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ إمْتَلأَتُ تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ.
5 فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل!
6 لـكِنَّ اللهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ طِيْطُس،
7 لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِإشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا، وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي إزْدَدْتُ فَرَحًا.
8 وإِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى ذلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين،
9 قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة. فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛
10 لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا.
11 فَأنْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ الإجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الإعْتِذَار، بَلْ مِنَ الإِسْتِنْكَار، بَلْ مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذلِكَ أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.

(الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس – الفصل 7 – الآيات 4 إلى 11) 

::: تأمّل من وحي  الرسالة :::

يؤكد القديس بولس في هذه الرسالة أنّ الحزن للتوبة يُولِّد تغييرًا شاملًا في الفكر والسلوك وأنّ حزن العالم يحطم النفس ويفسد السلام ويضعف الجسد.
إذًا، يُميِّز الرسول بين نوعين من الحزن:
أولًا: حزن حسب مشيئة اللَّه، حزن بسبب كسر للوصية الإلهية. هذا الحزن المقدس هو من أجل التمتع ببهجة الخلاص. فلا يستريح الإنسان التائب حتى يجد موضعًا في الأحضان الإلهية خلال عمل المسيح الخلاصي، فيرتفع قلب التائب إلى السماء.
ثانيًا: حزن العالم الّذي يقوم على فقدان بعض أمور العالم المادية أو المعنوية، سواء كانت ممتلكات أو حقوق زمنية أو كرامة أرضية. هذا الحزن يحطم النفس والجسد معًا.
يقدم الرسول مفهومًا إنجيليًّا رائعًا للحزن حسب مشيئة اللَّه، فإنه يدفع إلى التوبة بمعنى الرجوع إلى أحضان اللَّه لا اليأس، ويولد إصلاحًا وتجديدًا مستمرًا، ويصحبه سلام اللَّه وفرح داخلي. فلا يندم الإنسان أو يحزن على ممارسته للحزن المقدس. التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.
يكشف الرسول بولس عن ثمار الحزن المقدس، ألا وهي:
- الإجتهاد أو الإهتمام العملي بالنفوس لكي تتمتع بالحياة المقدسة في الرّب. الإجتهاد في التمتع ببركات الطاعة للوصية الإلهية، والتخلص من كل فساد لحق بها بسبب الخطية.
- الإحتجاج والغيظ، بمعنى رفض التجاوب مع أية خطية تسللت إلى الجماعة. التوبة تولد ثورة مقدسة ضد الفساد.
- الخوف على المشاعر الإلهية الأبوية، فيود التائب أن يلتزم بعلاقات الحب المقدسة مع اللَّه، ولا يجرحها بأية خطية ظاهرة أو خفية.
- الشوق نحو الإلتقاء باللَّه والتمتع بالشركة معه، وشوقهم للرسول بولس الّذي كان حازمًا معهم في رسالته الأولى.
السؤال الّذي أطرحه اليوم على ذاتي: هل أعي حقيقةً أهمية التوبة في حياتي، أم أصبحت لامباليًا تجاه إرتكابي الخطيئة وبالتالي تجاه التوبة عنها؟ 

::: الإنجيل :::

40 وَلَمَّا عَادَ يَسُوع، إسْتَقْبَلَهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
41 وَإِذَا بِرَجُلٍ أسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ المَجْمَع، جَاءَ فإرْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ،
42 لأَنَّ لَهُ إبْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نُحْوُ إثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الـمَوْت. وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الـجُمُوعُ يَزْحَمُونَهُ.
43 وَكانَتِ إمْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ إثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا.
44 دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.
45 فَقَالَ يَسُوع: "مَنْ لَمَسَنِي؟". وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!".
46 فَقَالَ يَسُوع: "إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!".
47 وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وإرْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال.
48 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا إبْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!".
49 وَفيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الـمَجْمَعِ يَقُول: "مَاتَتِ إبْنَتُكَ! فَلا تُزْعِجِ الـمُعَلِّم!".
50 وَسَمِعَ يَسوعُ فَأَجَابَهُ: "لا تَخَفْ! يَكْفي أَنْ تُؤْمِنَ فَتَحْيا إبْنَتُكَ!".
51 وَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبي الصَّبِيَّةِ وأُمِّهَا.
52 وكَانَ الـجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فَقَال: "لا تَبْكُوا! إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ. لـكِنَّهَا نَائِمَة!".
53 فَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بِأَنَّها مَاتَتْ.
54 أَمَّا هُوَ فَأَمْسَكَ بِيَدِها وَنَادَى قاَئِلاً: "أَيَّتُهَا الصَّبِيَّة، قُومِي!".
55 فَعَادَتْ رُوحُهَا إِلَيْهَا، وَفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُطْعِمُوهَا.
56 فَدَهِشَ أَبَوَاها، وَأَوْصَاهُمَا يَسُوعُ أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِمَا حَدَث.

(إنجيل القدّيس لوقا - الفصل 8 – الآيات 40 إلى 56) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

إن المعجزتين الّتين أتمّهما يسوع هما على ترابط وتكامل، المعجزة الأولى تشرح لنا ما هو الإيمان، أمّا الثانيّة فتُعلن أن الإيمان ينتصر على الموت نفسه.

بحسب هذا النص نعرف أن الإيمان هو دخول بعلاقة مباشرة وشخصيّة مع يسوع: لم تكتفي الإمرأة بما سمعته، لم تبقى فردًا بين حشود لا نعرف قصّتها، بل تميّزت عنهم. في حركات الإمرأة يلخّص لوقا مسيرة إيماننا المسيحيّ:

الكائن الباحث عن خلاص بعيدًا عن يسوع المسيح: "أنفقت كلَّ ما تملك على الأطبّاء وما قدر أحد أن يشفيها". لقدّ فتّشت هذه المرأة، صورة كلّ واحد منّا، عن خلاصها بقواها الذاتيّة وبمالها وبإتّكالها على حكماء هذا الدهر ففشلت.

الكائن بين الجموع: هو الإنسان الّذي يتلخّص إيمانه بما يقوله الآخرون. هو كلّ واحد منّا يسمع في صغره عن يسوع ويسمع من والديه التعليم حول ما هو واجب وما هو صحيح وما هو خطأ وما هو ممنوع. يذهب إلى الكنيسة ويشارك في الأسرار، إنّما خطأه هو أنّه بقي على ما سمعه، لم يدخل في علاقة مباشرة مع السيّد.
الدخول في علاقة مع الرّب بحثًا عن الخلاص: "دنت من خلف يسوع، ولمست هدب ثوبه، فوقف نزف دمها في الحال". بحثت هذه المرأة في هذه المرحلة عن خلاص الجسد، أرادت أن تُشفى من مرض يجعلها غير طاهرة، بحسب شريعة موسى، بعيدة عن الهيكل ويُسبِّب نجاسة للآخرين.

الإيمان الأعمق يتحقّق لحظة الدخول في علاقة مباشرة مع يسوع: "حين علمت أنّ أمرها لم يخف عليه، جاءت راجفة وإرتمت عند قدميه". الإرتماء عند قدمي شخص لا يعني فعل تقوى كما نفهم نحن اليوم. نحن نركع لنصلي، لنعبد الله، أمّا في العالم القديم فلم يكن الأمر يتعلّق بالعبادة فقط، إنّما بالتتلمذ. هذه المرأة قد عرفت أنّه لا يمكنها الهرب من وجه السيّد، عرفت أنّه يعرفها بعمقها، هو الوحيد الّذي إنتبه لها، وعمل الرّب الحنون هذا لم يسمح لها أن تبقى غير مبالية. وبالنسبة ليسوع فقد صارت هي محور الوجود بأسره، أراد أن يعرف مَن هي وأين هي، أراد أن يقودها إلى الخلاص الحقّ. الإيمان العميق هو "أن أعرف أنّ الربّ يعرفني"، ويريد صداقتي، أنّه يفتّش عنيّ دومًا ويبالي بوجودي، يريد أن يقودني إلى الخلاص الحقّ، لا أن أبقى متغمسًا في سدّ حاجاتي دون النـزوح إلى ما هو أعمق وأسمى.

ثمرة الإيمان هو سلام القلب: أرسل المسيحُ الإمرأةَ بعد أن شفاها قائلاً لها: "يا إبنتي، إذهبي بسلام"، هو المسيح الّذي يلد إلى حياة جديدة إمرأة لا بدّ أن تكون أكبر منه عمرًا. كلمة "يا إبنتي" تصبح علامة الحياة الجديدة: "إبنة للرب".

أين أنا اليوم من إيمان الإمرأة النازفة؟ هل أثق بيسوع وأعلنه مخلّصي الأوحد؟ كم أتّكل على المال، أنفق كلّ ما لديّ، أستنـزف قواي كلّها مفتّشًا عن الخلاص، كم إصطدمت مرارًا بعجزي وبفشلي! فهل عندي الشجاعة لأرمي بذاتي بين يدي الله؟ هل أسمح له أن يعمل في داخلي؟ هل أسعى إلى لمسه؟ كم تهرّبت من النظر في عينيه مغمضًا عينيّ عن تقصيري وإهمالي. أعرف جيّدًا إرادته في حياتي، من خلال أهلي ورعيّتي، أقرأ إرادته في الكتاب المقدّس، وأسمعها في تعاليم الكنيسة، أعرف ماهيّة إرادته في ألم الفقير والمتألّم والوحيد، وبرغم هذه كلّها، أبقى مغمضًا عينيّ، ألمس الربّ من الخلف، لا أملك الشجاعة للذهاب اليه والنظر في عينيه لأرى نقصي فأعترف به وألمس الشفاء. 

::: تــــأمّـل روحي :::

إختبار الحبّ والإيمان
في كلّ مرّة نختبر فيها الحبّ الإلهيّ، تتاح لنا فرصة التعرّف على بؤسنا وشقائنا دون أن نُسحَق. لكن، هل يكفي أن نتعرّف إليه ونبقى مكتوفي الأيدي؟

خطوة أولى
عندما نعيش هذا الإختبار، إختبار الحبّ، نتشجّع أكثر على الدّخول إلى عمق الحقيقة المُلِحّة، حقيقة ضعفنا الحميميّ الّذي لا نجرؤ غالبًا على كشفه حتّى إلى ذاتنا، وحالما نقوم بهذه الخطوة يبدأ التحرّر من أجل الشفاء. لكن أن نكتشفه ونقف عنده هو كمن يكتشف مرضه ويهمل الذهاب إلى الطبيب بدل أن يلبّي نداء جسده، لذلك علينا أن نذهب بكلّ كياننا نحو المبادر الأوّل ونتلقّف بإيمانٍ مبادرة حبّه الإلهيّ المجّانيّ تجاهنا، نقبلها ونتفاعل معها، على مثال المرأة المنزوفة التي وثقت بحبّ يسوع لكلّ من أتاه، وآمنت بقدرته دون محادثته لتسرق منه الشفاء الكامل.

أمّا الملفت في الحدث أنّ بعد وقف نزفها، أخبرت الجمع ما كان بها، ولو بدافع الخوف من إفتضاح أمرها، دون أن تشعر بالإنسحاق والذلّ. لقد تحرّرت من قيود فكرة النجاسة (في حالتها) والخطيئة التي كبّلتها لسنواتٍ عديدة، لقد وُلِدَت من جديد حين إحتضنها يسوع بأبوّته ("يا إبنتي" لو 8: 48)، ولم يدنها بل حمّلها كلّ الثقة بالنفس، كلّ الحبّ، وكلّ سلام القلب ("إذهبي بسلام" لو 8: 48) مؤكّدًا لها أنّ الله صالحها بمشاركتها إيّاه ذاتها العميقة المؤمنة.

خطوة ثانية
بعد أن صدّقنا الله ولم نره، يعني أنّنا آمنّا به وبهذا الحبّ الفيّاض وسلّمنا "أنا وحياتي" إلى "أنت وكلّيّتك"، وتحوّلت حياتنا من ظلمة إلى نور، هل يعقل ألاّ نتفاعل مع ما حدث لنا من تغيير بسبب ولادتنا الجديدة، كالنازفة؟ ألا نندهش أمام ذلك كما إندهش أبَوا طاليتا وأقاربها والجمع الحاضر هناك؟ هل نرضى أن نعود للتقوقع على ذاتنا أم نعطي الأولويّة للكلمة ونعلنها بكلّ حواسنا إلى الملأ ونتشاركها معهم، ساعين لخير الجسد بأكمله الّذي نحن أعضاءه ورأسه المسيح؟

إيمان قائد المئة تخطّى ذاته ليحاور المسيح الإنسان - المتجسّد - الّذي به أراد الله أن يأتي الى الإنسان كي يكون قريبًا منه لنرى فيه الحبّ الّذي لم نفهمه من قبل (قبل التجسّد). إيمانه جاء به إليه حاملاً كلّ ذاته، طارحًا بنفسه على قدميه (لو8: 41) وكأنّه يقرّ بصغره أمام يسوع، محاكيًا إيّاه بالصوت والشعور والعواطف ورغبة قلبه والدموع ربّما يسبقها كلّها إيمانه الكبير: طرح حقيقته أمام النور لأنّه فهم أنّ الإيمان ليس فكرةً أو مبدأً طنّانًا بل هو حياة (طالبًا الشفاء لإبنته المشرفة على الموت، لو 8: 42) دون أن يوقفه مركزه الرفيع من التصرّف على هذا المنوال. ذلك لأنّه تحرّر من ذاته واضعًا إيّاها بين يديّ القدير.

مَن منّا اليوم ليس مدعوًّا لهذا اللقاء الشخصي الإيماني مع الله، مع يسوع، لإختبار الحبّ الإلهي الّذي يعطي معنىً للحياة؟

هو وحده من يستطيع أن يسبر أغوار كياننا بحيث أنّ يسوع الغير محسوس والغير ملموس، والبعيد يصبح محسوسًا وملموسًا وقريبًا، لا بل أقرب من ذاتنا إلى ذاتنا، ونكتشف أنّ حضوره الدائم فينا هو المعنى الحقيقي لوجودنا، هو من يشجعنا كي نُخرِج إلى النور كلّ ما يريد أن يحجب الفرح والإندهاش والحبّ عنّا. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... عانى القديس بولس الرسول "صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل"، وهنالك من الشعب المؤمن مَن هو "أبٌ يتألم بسبب إبنتهُ وسيدةٌ مرضها الداخلي أخافها" وكأن الجميع في فُلك نوح يجابهون الأمواج من الخارج والخوف في القلوب لعدم اليقين بالنجاة والأسئلة تتزايد بإزدياد الوقت في داخل الفُلك. ألمٌ وخوفٌ روحي أُعاني به بسبب ضعفي على الرغم مِن ثقتي بك وتسلّحي بكلمتك وأسمعُ صوت قلبي يقول "متى ينتهي كلّ هذا؟"، وأسمعك تقول: "أنا هنا، لا تخافي. إمسكي بيدي وأنا أُقيمك على الرغم من هوانك، فأنا أُحبّك ومَن أَحبَّ رفع محبوبته إلى مستواه وجعلها تستقيم وتقف بجانبه مُزيّنةً بحسبِ غِناه".
ربّي وإلهي ... لا تجعل يدي تفلتُ من يدك فما لي سواك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2015)

1- (المحتفل) نُصَلِّي من أجلِ الكنيسة المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخري، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يُعلِنوا البِشارَةَ ويَعيشوها بِكلِّ أمانةٍ، وصِدقٍ، نسألك يا رَب.
2- أعطِنا أن ننتَصِرَ على خَوفِنا الدّاخليّ، فنُعلِنُ إيمانَنا بِكلِّ ثِقةٍ، ونُناقِشُ آراءَنا بِكلِّ أمانةٍ، واثقينَ بِكَ، مُتَّكلينَ علَيك، مُتَّحدينَ بك، مُنتَصرينَ على روحِ الغِشِّ والكبرياءِ والكَذِبِ، نسألك يا رب.
3- نُصَلي مِن أجلِ كلِّ مَن لَدَيهِ مُصيبةٌ أو مُشكلةٌ نفسيَّةً كانت أوِ إجتماعيَّة، كَي لا تنتصرَ عليه فيَنزَويَ على نَفسِهِ، بَل يتشجَّع ويطلبَ المَعونةَ، ويَعودَ مُجَدَّدًا إلى الجَماعة، نسألك يا رب.
4- نضعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً ذَوي الأمراضِ المُستَعصِيَة والمُميتَة، كُن لَهُم الشِّفاء، فَما مِن شَيئٍ مُستَحيلٍ لَدَيكَ، ولَيِّن قلوبَ الّذينَ يَخدِمونَهُم، فَيُعامِلوهُم بِصَبرٍ وحنان، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) نذكرُ أمامَك الّذينَ إنتقلوا من هذه الحياة، مُستَعدِّينَ كانوا أو غَيرَ مُستَعدّين، إمنَحهُم أن يَستَيقِظوا في مَلكوتِكَ، ويتناولوا الطعامَ على مائدتِك السَّماويَّة، مانَحًا العزاءَ لِمَن يَفتقِدَهُم، وغافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2015)

تُساعِدُنا لِنَقوَى على ضُعفِنا، على أمراضِنا، وحتى على المَوتِ في حياتِنا،
دائمًا تُريدُ لنا الأفضَل، وتريدُنا أن نكونَ أشجَعَ وأقوى،
لذلك، تمنحنا الفرصةَ أن نلتمسَك بسماعِ كَلِمَتِك في الإنجيل،
أو بِتذَوُّقِكَ في القربانِ المقدَّس،
فتلمسَ قلوبَنا، وتُغيِّرَ نظرتَنا إلى الآخَر، وتُقيمُنا من الحِقدِ القاتِل والمُميت،
فالشكر والحَمدُ والسجودُ، لك، ولأبيكَ، ولِروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين. 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري جوزيف بيسري
joseph_baissary@hotmail.com
https://www.facebook.com/joseph.baissary
 

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts