الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد


أحد بشارة زكريا
(13 تشرين الثاني 2016)

::: مـقدّمــة :::

• في هذا الأحَد، نَدْخُلُ في مَسيرَة تَأمُّلِنَا بِإنتِظارِ ميلاد المُخَلِّص، مَعَ بِشَارَة زَكَرِيَّا.
• في الرِّسَالَة إلى أهل روما، يُشَدِّدُ بولُس الرَّسول على إيْمان إبْرَاهيم، الّذي، لَم يَضعُف رَجاؤُهُ بِرُغمِ إسْتِحالَة أن يَكون لَدَيه وَلَد... وَلَكِن، بِخِلافِ كُلِّ مَنْطِقٍ بَشَرِيّ، أعْطَاهُ اللهُ وَلَدًا لأنَّ اللهَ أمَيْنٌ لِوَعْدِهِ. وَيَأتِي بِرّ إبرَاهيم بِنَاءً على إيْمَانِهِ بِأمَانَةِ الله لِوُعودِهِ.
• في الإنجيل يُخبِر لوقا مَا جَرَى مَعَ زَكَرِيَّا الكاهِن، الّذي لَمْ يُرزَق بِوَلَد لأنَّ إمرَأَتُهُ عاقِر... هذا الكاهِن الّذي يَعرِف جَيِّدًا إبْرَاهِيم، لَمْ يَتَمَثَّل بِهِ، فَفَقَدَ رَجائَهُ، وَكَانَ وُقوفُهُ أمامَ اللهِ في الهَيكَلِ كِنَايَةً عَنْ شَعائِرَ مَيتَة، وَلَمْ يُدرِك يَوْمًا أنَّ الله يُكَلِّمُ البَشَر وَيَدخُل قُلوبَهُم في الوَقتِ وَالزَّمَانِ المُنَاسِبَيْن.
• في هذا الأحَد نحنُ مَدْعُوونَ إلى تَوْطِيد رَجائَنَا بِوُعودِ الله لَنَا، فَنَكْتَشِفهَا وَنَنْتَظِرهَا بِدونِ كَلَل، لأنَّ لله أمينٌ لِوُعودِه. 

:::::: صـلاة :::

أيُّها الآب السَّماوِي، أنْتَ الّذي وَعَدْتَ إبرَاهيم، وَإسحق ويَعقوب والآباء بالخَلاص، وَحَقَّقتَهُ لَهُم. أنْتَ أحبَبْتَ الإنْسَانَ وَوَهَبْتَهُ روحَكَ بالعِمَاد، فَصَارَ إبْنًا لَكَ. حَقِّق وَعدَكَ وَأَعْطِنَا رَحْمَتَكَ التي بِهَا ننتَصِر على آلامِنَا.


أَيُّها الإبنُ المَحبوب. أنْتَ وَعدُ الآبِ لَنَا. أنْتَ الطَّريق الذي يُوْصِلنا إلى الآب السَّماوي. أنْتَ الوَعدُ الذي قَطَعَهُ الآبُ لَنَا. أنْتَ الذي جَسَّدْتَ بِحُضورِكَ على الأرْضِ المَحَبَّةَ الكامِلَة، وَالرَّحمَة التي لا تَنضب. عَزِّنَا بِحُضورِكَ فينَا من خِلال سِرّ القُربان، لِنَعْرِفَ أنَّنا أحِبَّاء الآب، فَنُجَسِّدَ الرَّحمَةَ وَالمَحَبَّة على مِثالِكَ، أنْتَ الحَيُّ الذي لا يَموت. لَكَ المَجْدُ مَعَ أبيكَ وَروحِكَ القُدُّوس إلى الأبَد. آمين.  

::: الرسالة :::

13 فَالْوَعْدُ لإِبْرَاهيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلعَالَم، لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ الشَّرِيعَة، بَلْ بالبِرِّ الَّذي نَالَهُ بالإِيْمَان.
14 فلَوْ كَانَ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ هُمُ الوَارِثِين، لأُبْطِلَ الإِيْمَان، وأُلْغِيَ الوَعْد؛
15 لأَنَّ الشَّرِيعَةَ تُسَبِّبُ غَضَبَ الله؛ وحَيْثُ لا شَرِيعَة، فَلا تَعَدِّيَ لِلشَّرِيعَة.
16 لِذلِكَ فَأَهْلُ الإِيْمَانِ هُمُ الوَارِثُون، لِكَي تَكُونَ الوِرَاثَةُ هِبَةً مِنَ الله. وهـكَذَا تَحَقَّقَ الوَعْدُ لِكُلِّ نَسْلِ إِبْرَاهيم، لا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِيْمَان، إِيْمَانِ إِبْرَاهِيم، الَّذي هُوَ أَبٌ لَنَا أَجْمَعِين؛
17 كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "إِنِّي جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَة". فَإِبْرَاهِيمُ الَّذي آمَنَ باللهِ هُوَ أَبٌ لَنَا أَمَامَ الله، الَّذي يُحْيي الأَمْوَات، ويَدْعُو غَيْرَ الـمَوْجُودِ إِلى الوُجُود.
18 وقَدْ آمَنَ إِبْرَاهيمُ رَاجِيًا عَلى غَيرِ رَجَاء، بِأَنَّهُ سَيَصيرُ أَبًا لأُمَمٍ كَثيرَة، كَمَا قِيلَ لَهُ: "هـكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ".
19 ولَمْ يَضْعُفْ بِإِيْمَانِهِ، بِرَغْمِ أَنَّهُ رأَى، وهُوَ إبنُ نَحْوِ مِئَةِ سَنَة، أَنَّ جَسَدَهُ مَائِت، وأَنَّ حَشَا سَارَةَ قَدْ مَات.
20 وبِنَاءً عَلى وَعْدِ الله، مَا شَكَّ وَلا تَرَدَّد، بَلْ تَقَوَّى بالإِيْمَان، ومَجَّدَ الله.
21 وأَيْقَنَ مِلْءَ اليَقِينِ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُنْجِزَ مَا وَعَدَ بِهِ.
22 فَلِذلِكَ حُسِبَ لَهُ إِيْمَانُهُ بِرًّا.
23 ولَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ "حُسِبَ لَهُ بِرًّا"،
24 بَلْ كُتِبَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا بِرًّا، لأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِالَّذي أَقَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يَسُوعَ رَبَّنَا،
25 الَّذي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ زَلاَّتِنَا، وأُقيمَ مِنْ أَجْلِ تَبْريرِنَا.

(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 4 – الآيات 13 إلى 25) 

::: حـــول الرسالة :::

يُشَدِّد بُولُس الرَّسول على فِكْرَة أسَاسِية ومِحوَرِيَّة في إيْماننا المَسيحي، في مَعرِض كَلامه عن إيْمَان إبْرَاهِيم: " فَإبْراهيمُ ٱلذي آمَنَ بالله هوَ أبٌ لَنا أمامَ ٱلله، الذي يُحْيي ٱلأمْوات، وَيَدْعو غَيْرَ ٱلمَوْجودِ إلى ٱلوُجود". فإبراهيم هُوَ أبٌ لَنَا أمامَ الله. هُوَ أَبُ كُلِّ مُؤمِن. وَكَمَا يَعمَل الإبن أعمال أبيه فَيَرِثُ كَثيرًا من طِبَاعِهِ وَأفْكَارِهِ وَأعْمَالِهِ، كَذلِكَ على المُؤمِن أنْ يَعمَلَ أعْمَالَ أبيه في الإيْمان، إبْراهيم، فَيُؤمِن بِأنَّ الله أمينٌ بِوَعْدِهِ، حَتَّى لَو غابَت المُؤَشِّرَات الـ"مَنْطِقِيَّة" لِتَحْقيق هذا الوَعد. فللَّه عَمَلَين أساسِيَّين يُشَدِّدُ عَلَيْهِمَا بولُس الرَّسول:
- الله يُحيي الأمْوَات: فَهوَ الّذي أَقامَ يَسوع من بَين الأموات، وَهوَ القادِر أن يُعيدَ الحَيَاة إلى كُلّ ما هُوَ مَيت. هُوَ الكُلِّي القُدرَة الّذي بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُوجِدُ كُلَّ شَيء، وَهوَ المُحيي الّذي بِروحِهِ يُعطِي الحَيَاةَ للجَميع.
- الله يَدعو الغير الموجود إلى الوُجود: فَكُلّ ما في فِكرِ الله هُوَ مَوجود. وَلَو ذَهَبَ هذا الكَون من فكر الله للحظة، لأصبح خارج الوُجود. فَكُلّ مَوجود هُوَ في فكر الله! فالله لم يَخلُق الكَون وَيَترُكهُ لِمَصيرِه... بَل خَلَقَهُ وَما زالَ يَرعاهُ بِفِكرِه، وَيُحافِظ على وُجودِهِ وَيُنَمِّيهِ وَيُجَدِّدُهُ وَيُكَمِّلُهُ. هذه هِيَ العِنايَةُ الإلهِيَّة التي تَعتَني بالوُجود بِأَسْرِهِ، وَتَعتَني بِكُلّ إنْسَان عِنَايَة خاصَّة، لأنَّ لِكُلِّ إنْسَان مَكَانَة خَاصَّة في فِكرِ الله.

ونحن:
- هَل نحنُ حَقًّا "أبْناء إبْرَاهيم" فَنَعمَلَ أَعْمَالَهُ وَنُؤمِنُ بِوُعودِ الله وَنُحافِظ على رَجَائنا بِهِ؟ أم نحنُ أبناء مَن يُبعِدنا عَن هذا الرَّجاء، وَيُشعِرنا بِأنَّ اللهَ غَير موجود، وكاذب في وُعودِهِ، إبليس؟
- هَل نُؤمِن بِأنَّ اللهَ هُوَ مُعطِي الحَيَاة؟ أم نَعمَل ما يَتَنافَى مَع هذا الإيمان، فَنَلجَأ في حَيَاتِنَا إلى أسَاليب بَشَرِيَّة تَتَنافَى مَعَ هذا المَبدَأ؟ ألَيْسَ التَّدَخُّل الطبّي للإنجاب (طفل الأنبوب) هُوَ شَكل من أشكال عَدَم إحتِرام المَبدَأ القائِل بِأنَّ الله هُوَ مُعطِي الحَيَاة؟ ألَيْسَ عَدَم إحتِرَام هذا المَبدَأ يُؤَدِّي إلى إفقاد الإنسان لِكَرَامَتِهِ، إذ يَشعُرُ البَعض بِأنَّ لَدَيْهِم القُدْرَة على "إيْجَاد" إنسان جَديد؟
هَل نُؤمِن بِأنَّنا في فِكر الله، وَبِأنَّ الله يَرعانا وَيَحفَظنا لأنَّهُ يُحِبُّنَا مَحَبَّةً خاصَّة؟ وَهَل نَتَصَرَّف في هذا العالَم بِمَا يَتَناسَب مَع مَكانَتِنَا في عَيْنِ الله؟ فَإن إرْتَفَعَت مَكَانَتُنَا في عَين النَّاس، نُعَدِّل تَصَرُّفاتِنَا بِمَا يَتَناسَب مَع هذه المَكانَة... أَلَيْسَ بِالأحرَى بِنَا أنْ نَرْتَفِعَ بِتَصَرُّفَاتِنَا إلى المُستَوَى الّذي يَقول بِأنَّ مَكانَتَنَا في عَينِ الله أعلَى بِكَثير من مَكانَتنا في عَينِ أيّ إنْسَان؟! 

::: الإنجيل :::

1 بِمَا أَنَّ كثيرينَ أَخَذُوا يُرَتِّبونَ رِوَايةً لِلأَحْدَاثِ الَّتي تَمَّتْ عِنْدَنا،
2 كَمَا سَلَّمَها إِلَيْنَا مَنْ كَانُوا مُنْذُ البَدْءِ شُهُودَ عِيَانٍ لِلْكَلِمَة، ثُمَّ صَارُوا خُدَّامًا لَهَا،
3 رَأَيْتُ أَنا أَيْضًا، أَيُّهَا الشَّرِيفُ تِيُوفِيل، أَنْ أَكْتُبَها لَكَ بِحَسَبِ تَرْتِيِبهَا، بَعْدَما تَتَبَّعْتُهَا كُلَّها، مُنْذُ بِدَايَتِهَا، تَتَبُّعًا دَقيقًا،
4 لِكَي تَتَيَقَّنَ صِحَّةَ الكَلامِ الَّذي وُعِظْتَ بِهِ.
5 كَانَ في أَيَّامِ هِيرُودُس، مَلِكِ اليَهُودِيَّة، كَاهِنٌ أسْمُهُ زَكَرِيَّا، مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، لهُ إمْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ أسْمُها أليصَابَات.
6 وكَانَا كِلاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ الله، سَالِكَيْنِ في جَمِيعِ وصَايَا الرَّبِّ وأَحْكَامِه بِلا لَوْم.
7 ومَا كَانَ لَهُمَا وَلَد، لأَنَّ أليصَابَاتَ كَانَتْ عَاقِرًا، وكَانَا كِلاهُمَا قَدْ طَعَنَا في أَيَّامِهِمَا.
8 وفِيمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُومُ بِالخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ أَمَامَ الله، في أَثْنَاءِ نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ،
9 أَصَابَتْهُ القُرْعَة، بِحَسَبِ عَادَةِ الكَهَنُوت، لِيَدْخُلَ مَقْدِسَ هَيْكَلِ الرَّبِّ ويُحْرِقَ البَخُور.
10 وكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلِّي في الـخَارِج، في أَثْنَاءِ إِحْرَاقِ البَخُور.
11 وَتَراءَى مَلاكُ الرَّبِّ لِزَكَرِيَّا وَاقِفًا مِنْ عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُور،
12 فَإضْطَرَبَ زَكَرِيَّا حِينَ رَآه، وإسْتَولَى عَلَيْهِ الـخَوف.
13 فقَالَ لهُ الـمَلاك: "لا تَخَفْ، يَا زَكَرِيَّا، فَقَدِ إسْتُجيبَتْ طِلْبَتُكَ، وَإمْرَأَتُكَ ألِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ إبْنًا، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا.
14 ويَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَإبْتِهَاج، ويَفْرَحُ بِمَوْلِدِهِ كَثِيرُون،
15 لأَنَّهُ سَيَكُونُ عَظِيمًا في نَظَرِ الرَّبّ، لا يَشْرَبُ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا، وَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ بَعْدُ في حَشَا أُمِّهِ.
16 ويَرُدُّ كَثِيرينَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ إِلى الرَّبِّ إِلـهِهِم..
17 ويَسيرُ أَمَامَ الرَّبِّ بِرُوحِ إِيلِيَّا وقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلى الأَبْنَاء، والعُصَاةَ إِلى حِكْمَةِ الأَبْرَار، فيُهيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُعَدًّا خَيْرَ إِعْدَاد".
18 فقالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاك: "بِمَاذَا أَعْرِفُ هـذَا؟ فإِنِّي أَنَا شَيْخٌ، وإمْرَأَتي قَدْ طَعَنَتْ في أَيَّامِهَا!".
19 فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لهُ: "أَنَا هُوَ جِبْرَائِيلُ الوَاقِفُ في حَضْرَةِ الله، وقَدْ أُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وأُبَشِّرَكَ بِهذَا.
20 وهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا، لا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّم، حَتَّى اليَوْمِ الَّذي يَحْدُثُ فِيهِ ذلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِكَلامِي الَّذي سَيَتِمُّ في أَوَانِهِ".
21 وكَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظرُ زَكَرِيَّا، ويَتَعَجَّبُ مِنْ إِبْطَائِهِ في مَقْدِسِ الـهَيْكَل.
22 ولَمَّا خَرَجَ زَكَريَّا، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا أَنْ يُكَلِّمَهُم، فأَدْرَكُوا أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في الـمَقْدِس، وكَانَ يُشيرُ إِلَيْهِم بِالإِشَارَة، وبَقِيَ أَبْكَم.
23 ولَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ، مَضَى إِلى بَيْتِهِ.
24 وبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّام، حَمَلَتِ إمْرَأَتُهُ ألِيصَابَات، وكَتمَتْ أَمْرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُر، وهِيَ تَقُول:
25 "هـكَذا صَنعَ الرَّبُّ إِليَّ، في الأَيَّامِ الَّتي نَظَرَ إِليَّ فِيهَا، لِيُزيلَ العَارَ عَنِّي مِنْ بَيْنِ النَّاس!".


(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 1 - الآيات 1 إلى 25) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا النّص من الإنجيل وُضِعَ زَكَرِيَّا على المِحَك: إن كانَ هُوَ فِعلاً إبنٌ لإبراهيم، لِمَاذا فَقَدَ رَجائَهُ بِأنْ يُعطيه الله وَلَد؟ وَلِمَاذا طَلَبَ عَلامات لِيَتَأكَّدَ من صِدقِ الله، وَهوَ مُؤمِنٌ بِأنَّ قِصَّة إبراهيم في التَّوراة، تُؤَكِّدْ بِأَنَّ الله أمينٌ لِوُعودِه؟ فإبراهيم كان شَيخ، وإمرَأتهُ طَعَنَتْ في أيَّامِهَا، وَحافَظَ على إيْمانِهِ بِأمَانَة الله. وَها هُوَ زَكَرِيَّا يَطْلُبُ دَليلا لأنَّهُ شَيخ وَلأنَّ إمرَأتهُ طَعَنَت في أيَّامِهَا! لَقَدْ عَمِلَ تَمامًا عَكسَ مَا وَرَدَ في التَّوراة التي وفق تعالِيمِها يَخدُمُ مَذبَح الله ككاهن! حَتَّى الشَّعب، لَمْ يَكُن يَشعُرُ بِأنَّ اللهَ قادِرٌ أنْ يُكَلِّمَهُ، لِدَرَجَة أنَّ الطُّقوس كانَت تُقامُ على شَكلِ شَعائِرَ سَرِيعَة وَمَيتَة، وَقَد إسْتَغرَبَ إبطاءَ زَكَرِيَّا في المَقدِس!

ونحن:
- كَيفَ نُصَلِّي؟ هَل نُرَدّد الكَلام من دون أن نُدرِك أنَّ هُنَاكَ مَنْ يَسمَعُنَا؟ أم نَتَكَلَّمُ مَعَ الله بِصَلاتِنَا عالِمِنَ أنَّنَا نُكَلِّمُ رَبًّا حَنونًا أحَبَّنَا للغايَة؟
- هَل نَقرَأ العَلامات المَنطِقِيَّة في حَيَاتِنا وَنَعتَمِد عَلَيْهَا وَحدَهَا؟ أم ننتَظِر أيْضًا تَدَخُّل الله الّذي يُمكِن أن يَخرُجَ عَن المَنطِق فقط لأنَّ مَحَبَّتَهُ لَنَا تَتَخَطَّى كُلّ مَنطِق نَعتَقِدْ أنْفُسَنَا أنَّنَا خاضِعينَ لَهُ؟
لننظر إلى ذواتنا، وَلنقرَأ ما حَدَثَ مَعَنَا، وَهوَ لا يَخضَع لِمَنطِقنا، وَلِنَتَذَوَّق في هذه الأحداث حُضور الرّب الحَنون، الرَّحوم، والمُحِبّ للبَشَر! 

::: تــــأمّـل روحي :::

دهشة وفرح
لقد خبرت الإيمان والشكّ في حياتي حين سمعت، وذقت طعم فرح الدهشة والخوف منها حين رأيت. قد ملأتني الكلمة حين طلبتها فهلّلتُ وحملتها في قلبي وعلى لساني وفي جسدي حينًا فشكرت، وتخاذلت حينًا آخر، فصَمَتُّ.
من أنا يا ترى؟ أشبه مَن في مسيرتي؟ أأُشبه زكريّا أم مريمَ لا أدري! ففي حلقي مذاق طعمِ الكلمة و"نعم" مريم اللَتان لا يفوقهما طيبة أي مذاقٍ آخر، وفي قلبي، هزيز روح الله يحملني إلى جمال تجسّد إبنه، طفلا صغيرًا وهو الإله، مثلي ومثلك أنتَ، وأنتِ، كي يعيش تاريخنا ويكتب فيه خلاصنا بالفداء. أمّا جسدي المادّي وفكري البشري ففيهما يختبىء الإيهام بالعجز والشكّ والعتاب مشوبًا بلمسة حزنٍ ويأسٍ أحيانًا... وكأنّني أجعل من نفسي الفهيم المدرك للأنسب وللأفضل أكثر من ربّي وإلهي، تمامًا كزكريّا.

رآه، سَمِعه
هل رؤية الأشياء الفائقة الجمال هي الّتي تملؤك فرحًا وتدهشك، أم نظرتك إليها هي التي تحدّد موقفك منها وشعورك نحوها؟ زكريّا يدخل قدس الأقداس (مكان حضور الله) وعيون قلبه تتأمّل الله الّذي هو في حضرته في تلك اللحظة التاريخيّة من عمره، وإذ يُضاف إلى فرحه الّذي لا يوصف دهشةً حتّى الإنبهارِ بنور "ملاك الربّ عن يمين مذبح البخور" الآتي من عَلو ليزفّ له خبر عطيّة الله له وقبوله أدعيته: سيُرزق بالولد الّذي حُرِم منه طيلة ثمانون عامًا ("لا تخف يا زكريا لان طلبتك قد سمعت وامرأتك أليصابات ستلد لك ابنا و تسميه يوحنا")
ولكن
ماذا؟ تلعثم ولم يجد سوى كلماتٍ عبّرت عن عتبٍ كبير وكأنّ تلك اللحظة العظيمة كانت أكبر من أن يستوعبها، فتجمّد إيمانه بثلج الشّك، وأمّحت كلّ معرفته بالله وقدرته ومشروعه للإنسان ووعده له بالخلاصِ وهو الكاهن التقيّ العارف بالكتب المقدّسة، "بما أعرف هذا وأنا شيخٌ كبيرٌ، وإمرأتي طاعنةٌ في السّن؟" ( لوقا :1-18).
وبلمح البصر أصبح كلّ شيءٍ خارج الزمان والمكان (زمان النعمة الحاضرة ومكان حضور الله وملاكه جبرائيل): بعد أن رأى وسمع، لم يعرف كيف يستقبل تلك النعمة الّتي لطالما إنتظرها ليتذوّق طعمها، لا بل أغلق نوافذ قلبه على نورها وكمَّ النعمة الفائضة عليه بالعطية فكان إندهاشه ناقصًا ولم يدع الفرحة تكتمل داخل قلبه. أمّا الله ولأنّه أبٌ صادقٌ وأمين، ولا يحنث بوعده أبدًا، لم يستردّ ما وهبه بحبٍّ كبير، بل أراد تأديبه كي يعي فعلته ويدخل في تأمّلٍ عميق وواعٍ لإكتشاف وجه الله الحقيقي.

على أرض واقعنا
هل نشعر بحاجتنا للإندهاش؟ هل نقبل بنور الكلمة أن يدخل حياتنا ويكشف لنا كرم الله ومقدار حبّه وحنانه؟ أين نحن في وسط هذه المعمعة التي تُغرق بضجيجها الإصغاء الصامت الهادئ، وتعمي ببهرجتها البصيرة؟ وفي الزواج، هل الشريك يرى جمال روح شريكه فـَ"يندهش"؟ هل يعرفان أن جمال وحدتهما وحبّهما هو على صورة الثالوث فيندهشا؟
لم يبقَ هناك الكثير من الأشياء الّتي تدهش الإنسان، فحسّه للحياة بات مختلفًا، وهمّه بات أكثر مادّيّة، ونظره بات موَجّهًا صوب ذاته فكيف سيندهش؟ كيف سيفرح بما يراه خارج ذاته حتّى ولو كان سماويًا، فإن لم يحقّق له مبتغاه لا يعد يعنيه بشيء.
أن تندهش لشخصٍ وتفرح هذا يعني أنّك تنظر إلى آخر وترى فيه ما هو ليس عندك، ما هو أقوى وأعظم منك فيحرّك فيك توقًا لتسمعه وتصغي إليه، وشوقًا لتقترب منه أكثر فأكثر وتكتشفه يومًا بعد يوم لترى فيه نور الله يتلألأ أمام ناظريك من خلال عطاء ذاته لفعل الخير وخدمة المحتاجين والمرضى والمتروكين والمعنّفين، أو لتكريس بعض الوقت لك بكلّ بساطة.
أن تندهش لسماعك صرخة ولادة أوّل طفلٍ لك، متعجّبًا أمام هذا المخلوق الصغير الّذي من لحمك وعظامك ونفحة روح الله فيه قد تَكَوَّن.
أن تندهش لولدك الّذي أصبح بعمر الثلاث سنوات، وتسمعه ينطق للمرّة الأولى بأوّل كلمة بها يناديك، أو لإبنك المراهق الّذي يدهشك بوقوفه إلى جانبك في ضيقتك ويسهّل الطريق أمامك ليُريحك رغم أن المرحلة التي يمر بها، فهو من يحتاجك بقربه. أو بطريقة تفكيره المتّزنة، أو بمشاركتك الحوار السليم ببساطة حول مشاكل الإيمان والممارسة، فتُفاجأ وتشعر بأنّه هو من يقودك إلى قلب الله بدلا من أن يكون العكس...
أن تندهش أمام المخلوقات كلّها، فتسحرك وردة ٌبعطرها وجمال هندامها، أو تجذبك بنفسجةٌ تختبئ بين الصخور الرطبة بشذاها والرحيق، تقف برهبة أمام سرّ الخالق، تمجده، تشكره وتسبّحه على كلّ ما خلق...
أن تندهش كلّ يومٍ يعني أن تنظر لترى نورًا ينسكب في أعماقك فلا يراه أحدٌ سواك، وتسمع في داخلك صوتًا يقول: "سبحانك يا الله، أنت القادر الحنّان، لقد أدهشني حبك فيما رأيته وسمعته، ويومي لم يذهب سدىً!"
ففي كلّ مرّةٍ تعيش هذا الواقع تكون قد لمسَت النعمة قلبك، وآمنت بولادةِ "يوحنّا" في حياتك، لتكتشف معه حنان الله وحبّه، حتّى ولو كان ذلك لتغريدةِ طيرٍ يمرّ في طريقك.
رسالة هي الحياة تحملها معك في مسيرةٍ لا تعلم متى يأتيك فيها ملاك النور حاملاَ إليك بشرى فرحٍ، فلا تسمح لمسيرتك أن يهدّدها اليأس كزكريّا حين إنطوى على نفسه دون أن يهلّل للبشارة ويفرح مسبِّحًا، بل تنبَّهْ وكن حاضرًا دون أن تنسى أن هناك مخلّصٌ على بابك يقرع ليبشّرك. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربي وإلهي ... يا قدّوس، يا مَن تفيَ بوعدك ... كم فرحتُ اليوم حين قرأتُ أنَّ إيماني بالرَّب يسوع المُخلِّص، الَّذي أرسلتَهُ ليقول لي أنَّ في بيتك منازل كثيرة وهو الَّذي يُعِدُّها وهو الطريق إليك، سيُحسب لي بِرًّا فأنال منزلةً في قلبك وفي ملكوتك وأنا غير مستحقّة.
ربي وإلهي ... أنا واثقةٌ بمحبتك لي وبما فعلته مِن أجلي على مدى العصور، وإلى أن نلتقي لك الشكر الجزيل على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

1- (المحتفل) في الأسبوعِ الأوَّل مِن زَمَنِ الميلاد، نضعُ بَينَ يَدَيكَ بيعتَك المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمَك القدّوس، كَي يكونوا عُظماءَ في عَينَيك، مُمتَلئينَ دَومًا من الروح القدس، سائرينَ أمامكَ، عُيونُهم شاخِصَةً صَوبَكَ، نسألك يا رَب.

2- نُصَلّي ونطلُب وما مِن مُجيب، أعطنا أن نثِقَ بِكَ وبِحُبِّك اللامُتناهي لنا، فنُصَدِّقَ أنَّك لَن تَهَبَنا، مَهما ذَرَفنا مِن دُموع، ومَهما طالَت صَلاتُنا، إلاّ ما يُفيدُنا، ويكونُ خَيرًا لنا، نسألك يا رب.

3- في بِدايةِ زمنِ الخصوبةِ، زمنِ الميلاد، نضَعُ أمامكَ عُقمَنا الجسديّ والروحِيّ، لِتُحَوِّلَهما بِنِعمتِك إلى خصوبةٍ وافِرة، تلدُ البَنينَ والأعمالَ الصالحة، مهما شِخنا وقَسى علَينا الزَمَن، نسألك يا رب.

4- نضَعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً مَن طالَ مَرَضُهُم وفقدوا الأملَ بالشِفاء، إستَجِب طِلبَتَهُم وإمنَحهُم الشِفاءَ، وإمنَح مَن يُحيطُ بِهم، أن يُعاملوهُم بِحُبٍّ ورأفة، نسألكَ يا رب.

5- مرّاتٍ نُصَلّي كزَكريّا، ومرَّاتٍ أخرى نُصَلّي كَإبراهيم، إستجِب طِلبَتنا كما إستَجَبتَ لِزَكريَّا، وأعطِنا أن نؤمنَ كَإبراهيم، بِأنَّك قادرٌ على سَماعِ صلاتِنا وإستِجابةِ تضَرُّعاتِنا رُغمَ الشرِّ الّذي يُحيطُ بنا ويُضعِفُنا، ورُغمَ السنينَ الّتي مرَّت بِنا وأخذَت أجملَ ما لَدَينا، نسألك يا رب

6- (المحتفل) نَضَعُ أمامكَ جميعَ المُنتَقِلينَ مِن هذه الحَياة، إستَقبِلهُم بِرَحمتِكَ وإجعَلهُم مِن وَرَثَتِكَ، ولا تَنظُر إلى آثامِهِم، بَل أنظُر إلى المسيح الّذي أُسلِمَ مِن أجلِ زَلاّتِهم وزَلاّتنا، وأُقيمَ مِن أجلِ تبريرِهِم وتبريرِنا، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

وعَدتَنا بالخَلاص، ونحنُ نؤمنُ بأنَّكَ قادرٌ أن تُنجِزَ ما وَعَدتَ به،
وعَدتَ إبراهيم بِتَكثيرِ نَسلِهِ، وها نَحنُ مِن نَسلِ إبراهيم، نؤمنُ بأنَّك سَوفَ تُحَقِّقُ وعدَكَ،
لَدَيكَ طُرُقَكَ الّتي لا نَفهَمُها، ولكنَّنا نؤمنُ بكَ أبًا، أخًا ومُقَوِّيًا،
ونشكركَ لأنَّك تُحاوِلُ دَومًا أن تشرَحَ لنا هذه الطُرُق،
نشكرك لأنَّك تعرفُنا أكثرَ مِمّا نعرفُ أنفُسَنا وتعرفُ ما هوَ الأفضَلُ لنا،
نشكرك على جسدِك ودمِكَ، نسجدُ أمامكَ، ونحمدُك مع إبنك وروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد
الشدياق فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts