Email: elie@kobayat.org

back to 

 

أحد شفاء المنزوفة
(17/02/2008)

 

 

صلاة
يا ربّ، يا من شُفيت النازفة بمجرّد اقترابها منك، ألمس قلوبنا بروحك فنعرف أنّك وحدك الدواء الشافي لنفوسنا وقلوبنا وأفكارنا، آمين.

 

الرِّسالة

إِنَّ لي عَلَيْكُم دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ امْتَلأَتُ تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ.
فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل! لـكِنَّ اللهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ طِيْطُس، لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِاشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا، وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي ازْدَدْتُ فَرَحًا.
وإِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى ذـلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين، قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة.
فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛ لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا. فَانْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ الاِجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الاِعْتِذَار، بَلْ مِنَ الاِسْتِنْكَار، بَلْ مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذـلِكَ أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.
(2قور 7/4-11)
 

حول الرِّسالة
أمام هذا المقطع من الرِّسالة أطرح سؤالاً على ذاتي :
هل تعوّدت على حياة الخطيئة أم ما يزال في قلبي توقٌ وشوقٌ للشفاء بقوّة ومحبّة الربّ يسوع؟

 

الإنجيل
وَلَمَّا عَادَ يَسُوع، اسْتَقْبَلَهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
وَإِذَا بِرَجُلٍ اسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ الـمَجْمَع، جَاءَ فارْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، لأَنَّ لَهُ ابْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نُحْوُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الـمَوْت.
وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الـجُمُوعُ يَزْحَمُونَهُ. وَكانَتِ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا. دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا. فَقَالَ يَسُوع: "مَنْ لَمَسَنِي؟". وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!".
فَقَالَ يَسُوع: "إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!". وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال. فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!".
وَفيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الـمَجْمَعِ يَقُول: "مَاتَتِ ابْنَتُكَ! فَلا تُزْعِجِ الـمُعَلِّم!". وَسَمِعَ يَسوعُ فَأَجَابَهُ: "لا تَخَفْ! يَكْفي أَنْ تُؤْمِنَ فَتَحْيا ابْنَتُكَ!".
وَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبي الصَّبِيَّةِ وأُمِّهَا. وكَانَ الـجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فَقَال: "لا تَبْكُوا! إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ. لـكِنَّهَا نَائِمَة!". فَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بِأَنَّها مَاتَتْ. أَمَّا هُوَ فَأَمْسَكَ بِيَدِها وَنَادَى قاَئِلاً: "أَيَّتُهَا الصَّبِيَّة، قُومِي!". فَعَادَتْ رُوحُهَا إِلَيْهَا، وَفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُطْعِمُوهَا.
فَدَهِشَ أَبَوَاها، وَأَوْصَاهُمَا يَسُوعُ أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِمَا حَدَث.

(لو8 /40-56)
 

فهم الإنجيل – عيش الإنجيل

في مطلع الأسبوع الثالث من الصوم تقدم لنا الكنيسة نازفة كانت تنتظر الموت منذ اثنتي عشرة سنة ولكنها عرفت أن تميِّز بين عجز الأطباء الذين فشلوا في معالجتها وبين قدرة المسيح على الشفاء.
هذه الحياة الضائعة يوماً بعد يوم مع نزف الدم هي حياة عقيمة نهايتها حتماً الموت. ولكن هل تنسى هذه المرأة البلسم الشافي والطبيب المداوي لعاهاتنا وأمراضنا والماحي أوجاعنا وآلامنا الذي هو يسوع المسيح؟
طبعاً لا.فهي التي عرفت أن يسوع ماضٍ لشفاء صبيَّة فأسرعت وجازفت واختلست الشفاء بلمس طرف رداء يسوع. وما فعلها هذا إلا دليل إيمان وهذا الإيمان القوي هو الذي شفاها وجعل يسوع يتوقف لكي تجاهر به أمام الجميع. فبعد أن كانت مختبئة وراء يسوع ولا تريد أحد أن يراها لخجلها من حالتها، نراها تقف بعد الشفاء أمام جميع الناس لتؤكد بجرأة كبيرة أن يسوع هو الذي شفاها . لم تستطع أن تحتفظ بهذا الشفاء لنفسها بل شاركت الجميع به وكان فرحها لا يوصف. لقد نسيت كل حزن وألم وإحباط خلال سنواتها الماضية وبدأت حياة جديدة بعد أن حصلت على نعمة الشفاء.
واليوم هذه النازفة تجعلنا نعود إلى ذواتنا لنقف وقفة ضمير ونسأل: أين يكمن النزف فينا؟ أين يكمن النزف في مجتمعنا؟ في عائلتنا؟ في رعيتنا؟ في كنيستنا؟ وفي وطننا...؟
أين نبحث عن الشفاء؟ ومن يوقف نزفنا؟ ومن يقيمنا من الموت ويضمن لنا الحياة؟
الأطباء كثيرون لكن الشافي واحد نحن نقضي عمرنا كالنازفة نبحث عن الحياة بعيدا عن نبع الحياة فيزداد النزف ونخسر ما نبحث عنه.
وكثيرون هم الذين يقدمون ذواتهم على أنهم أطباء قادرون على اعطاء الحياة .
تتكاثر حولنا البدع على أنواعها وتنتشر الإغراءات على أشكالها وألوانها وتتباهى العلوم المكتفية بذاتها ويتسابق أصحاب الأجوبة المضلّة معتبرين أنفسهم "محتكري" الحقيقة.
ونحن بينهم تائهون، ننفق كل مالنا وممتلكاتنا وحياتنا دون جدوى.
ليتنا اليوم نختصر الوقت ونذهب مباشرة الى النبع نستقي منه لنرتوي، ليتنا نذهب إلى يسوع مباشرة نلمسه لنحيا. ليتنا نعترف بجرأة، كالنازفة، بأمراضنا الظاهرة والخفية التي تميت، فنترك كل ما سواه ونتبعه لا بل نلتصق به هو نبع الحياة.

 

الخوري رولان معربس
خادم رعيّة سيدة الانتقال – القبيات الضهر
(زمن الصوم 2008)


تأمل: وأنا أنزف أيضا !........

في تلك الساعة كنتَ تسير يسوعي بين الجموع الغفيرة, موزّعاً الحبّ على الكلّ بالنظرة الحنون, بالبسمة المعزّية أو باليد المباركة. كلّهم يزحمونك, منهم المتفرّج أو المستمع ومنهمُ الطّالب آية, لنفسه كي يٌشفى أم لغيره كي يؤمن.
ومن البعيد أطلّت امرأة نجّسها مرضها (لأنّ اليهود اعتبروا المرض عقاباً على الخطيئة وتحديداً نزف الدمّ الّذي اعتبر نزفاً للحياة!) وسجنها داخل مأساتها المريرة: فممنوعٌ عليها – بحسب الشريعة – أن تدنو من المجتمع ومحرّمٌ على كلّ إنسانٍ أن يتناول شيئا مسّته لئلاّ يتنجّس هوَ الآخر.
سجنٌ اوّل من ضيقٍ، طويل الأمد, لم يجدِ الأطبّاء له شفاء, وسجنٌ آخر من رزلٍ ومقتٍ لشخصها, وكأنّما الإنسان جسدٌ فقط , صنمٌ متحرّك لا سَكَبَ الخالق فيه روحاً من روحه ولا نَفَساً من ذاته العُظمى.
حكموا عليها وكأنّهم هم أولياءُ الشأن في خَلقِهِ تعالى وهي المذنبة في ما هي عليه من حال!....
رغم ذلك, أطلّت حاملةً في أعماقها إيماناً لا حدود له, وهي المدركة لقدرته على الشفاء, لم تتوانَ عن التسلّل بين الهاتفين والمصلّين, بين أصحاب المراكز كقائد المئة والفقراء . تحلّقوا حوله وهو سائرٌ في وسطهم ككوكبٍ من نور يتجه نحو "طابيتا" المائتة ليقيمها وإذ بتلك النازفة قد وصلت إليه وشفيت مذ لامست طرف ردائه.
"من لمسني؟", وكأنّه قد التقى الشخص الذي يبحث عنه كي يكون شهادةً الإيمان تلك للذين يزحونه .
ألم يكن من مريضٍ غيرها هناك؟ بالطبع كان منهم الكثير ولكن ما الذي كان ينقص لشفائهم؟!
إنه لم يرها تقترب ولم يأمرها بأن تشفى بل هي من أخذت الشفاء منه إيماناً منها بانّ الله "المتجسّد" يراها في قلبه ويدرك حاجتها وإنّه قد"طبعها على كفّه من قبل أن تولد" وكم كانت عظيمةٌ ردّة فعله عندما ناداها: "يا ابنتي .....".
إبنة يسوع؟ كيف وهي لم تحظ َ يوماً حتّى بنظرة حنان من "بني آدم " من حولها؟
تلك الكلمة أعادت إليها الكرامة المفقودة والعزّة البشرية كسائر أفراد مجتمعها , والثقة بقدرتها على حمل الحياة كباقي النساء.
ونحن, ألسنا ننزف يومياً ؟ ألا نؤدّي اللقاء بالحبيب يسوع يوم الأحد على الأكثر في قدّاسٍ باردٍ خالٍ من لمسة الإيمان تلك وحياتنا "مدمّلة" بالقشور الفارغة والضحكات الصفراء والعادات الرنّانة كالصنج؟ نقترب ولا نتقرَّب منه يلمسنا بالقربان ولا نشعر بلمسته, نهلّل بالترانيم, أمّا الصلوات فبالشّفاه فقط نفعل وإنّما القلب فبعيد ٌ كلَّ البعد عن حضوره.
هي لمسته بالقلب قبل يدها فبادلها رغبتها وأعطاها المبتغى. نظر إليها لأنها آمنت بحضوره داخلها, بادلها الكلام وهي أصغت , طلب منها أن تعلن ما جرى ففعلت لأنّها وثقت بأنّ الحدث الذي كان يخصّها أصبح الآن من حقّ الجميع كي يتمجّد اسم الرّب ويؤمن من لم يدرك بعد كيف يتفاعل مع حضور الله في حياته.
إنّه موجود, وكلّنا نعلن ذلك, ولكن هل نسمح لحضوره بالتجلّي من خلال ما نعمله أو ما نكون عليه؟
هل أنا "دينارُ قيصر" أم حبّة الخردل الفاعلة؟
هل أقرُّ بضعفي مسلّماً إيّاه الإله القدير كي "يحوّله إلى قوّة" أم أتلطّى وراءَ كبريائي وغروري خوفاً من ألسنة المتربّصين بأََتباع الكلمةِ الحقّ ونعتي بالمتخلّفِ أوِ الجاهلِ, في نظرهم؟
عالم الإنسان تتنازعه الشدائد والمحن, لذلك أدعوك اليوم يا صديقي أن تدخل الحياة بالإيمان مع سيّد الحياة كي تزداد فرحاً, قوّةً وثبات.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
yamiledaher@hotmail.com