Email: elie@kobayat.org

back to 

 

أحد شفاء الأعمى

(9/03/2008)

 

صلاة

ربَّنا، أنر عيوننا كما أنرت عيني الأعمى، فنرى وجه قيامتك ونبصر جمال رأفتك ونهتدي بأنوار محبتك، ونعرفك ونسير طريقك، طريق الجلجلة، ونصل معك إلى القيامة، رغم كل ما يدور حولنا من أصوات تحاول إسكاتنا، وإسكات صوتك فينا. إرحمنا، كما رحمت إبن طيما وغيره من الذين شفيتهم وحننت عليهم، حيث نمجِدك وأباك وروحك القدوس إلى الأبد، آمين .

 

الرِّسالة

 أَنَا بُولُسُ نَفْسي أُنَاشِدُكُم بِوَدَاعَةِ الـمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا الـمُتَواضِعُ بَيْنَكُم عِنْدَمَا أَكُونُ حَاضِرًا، والـجَريءُ  عَلَيْكُم عِنْدَما أَكُونُ غَائِبًا. وأَرْجُو أَلاَّ  أُجْبَرَ عِنْدَ حُضُورِي أَنْ أَكُونَ جَريئًا، بِالثِّقَةِ الَّتي لي بِكُم، والَّتي أَنْوِي أَنْ أَجْرُؤَ بِهَا  عَلى الَّذينَ يَحْسَبُونَ أَنَّنا نَسْلُكُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين.

أَجَل، إِنَّنا نَحْيَا في الـجَسَد، ولـكِنَّنا لا نُحَارِبُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين؛لأَنَّ أَسْلِحَةَ جِهَادِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هيَ قَادِرَةٌ بِاللهِ  عَلى هَدْمِ الـحُصُونِ الـمَنِيعَة؛ فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الـخَاطِئَة، وكُلَّ شُمُوخٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ الله، ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ الـمَسِيح. ونَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ أَنْ نُعَاقِبَ كُلَّ عُصْيَان، مَتى كَمُلَتْ طَاعَتُكُم. إِنَّكُم تَحْكُمُونَ عَلى الـمَظَاهِر! إِنْ كَانَ أَحَدٌ وَاثِقًا بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لِلمَسيح، فَلْيُفَكِّرْ في نَفْسِهِ أَنَّهُ كَمَا هوَ لِلمَسيحِ كَذـلِكَ نَحْنُ أَيْضًا.

(2قور 10/1-7)

 

حول الرِّسالة

يعلّمنا مار بولس بأنّنا تعلّمنا أو اكتسبنا الوداعة من المسيح الّذي يحيا فينا.

في هذه الرسالة، يردّ بولس على التهمة الموجّهة إليه: "في الحضرة ذليل ... وفي الغيبة متجاسر" أي أنّه يضعف أمام خصمه بينما يتجاسر في غيبته، عن طريق رسائله وهو يردد التهمة ليرد ّعليها.

لقد فهمت الجماعة محبّته ووداعته على أنّها ضعف. أمّا هو ففي محبته ووداعته تشبّه بالمسيح، وتصرّف معهم بوداعة بل حتّى كذليل وذلك لحبه لهم ولخوفه على مشاعرهم.

أمّا في غيابه، ولخوفه عليهم من الذئاب الخاطفة، كان وبقي قويًّا، يعمل لا بحسب الجسد بل بحسب الروح، وأسلحته روحيّة لا ماديّة .

 

الإنجيل

ووَصَلُوا إِلى أَرِيحا. وبَيْنَمَا يَسُوعُ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحا، هُوَ وتَلامِيذُهُ وجَمْعٌ غَفِير، كَانَ بَرْطِيمَا، أَي ابْنُ طِيمَا، وهُوَ شَحَّاذٌ أَعْمَى، جَالِسًا عَلَى جَانِبِ الطَّريق.

فلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيّ، بَدَأَ يَصْرُخُ ويَقُول: "يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ  ارْحَمْنِي!". فَانْتَهَرَهُ أُنَاسٌ كَثِيرُونَ لِيَسْكُت، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَزْدَادُ صُرَاخًا: "يَا ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي!". فوَقَفَ يَسُوعُ وقَال: "أُدْعُوه!". فَدَعَوا الأَعْمَى قَائِلِين لَهُ: "ثِقْ وانْهَضْ! إِنَّهُ يَدْعُوك".

فطَرَحَ الأَعْمَى رِدَاءَهُ، ووَثَبَ وجَاءَ  إِلى يَسُوع. فقَالَ لَهُ يَسُوع: "مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ لَكَ؟". قالَ لَهُ الأَعْمَى: "رَابُّونِي، أَنْ أُبْصِر!".

فقَالَ لَهُ يَسُوع: "إِذْهَبْ! إِيْمَانُكَ خَلَّصَكَ".

 (مر10 /46-52)

 

فهم الإنجيل – عيش الإنجيل

إنجيل اليوم يظهر أنّ الأعمى الحقيقي ليس من فقد النظر بالعين لأن هذا الأعمى، رغم انه فقد النظر بعينيه، إلا أنّه يبصر بقلبه وعقله وفكره وما قوله ليسوع : "يا ابن الله"، في وسط الجموع، إلا تأكيداً على أنّ قلبه وفكره كانا مستنيرين ومبصرين.

العمى الحقيقي إذاً هو العمى الداخلي أي العمى عن الحقيقة الّتي أضحت البشرية بأمس الحاجة لمعرفتها.

"يا يسوع ابن الله الحي ارحمني"، فالرحمة البشرية جيّدة ولكن الرحمة البشرية هي عطف وحنان إلى حين أمّا الرحمة الإلهية فهي تُدخل المرء في الرحم الروحي لتلده ثانية معافًى، متمتعاً بمواهب الروح القدس السبع.

صوت قلب الأعمى يصرخ في حين أنّ صوت العالم يريد إسكاته.

لكنّ إصراره وإيمانه جعلا صوته أعلى من صراخ العالم، فمن هو في العالم وليس من العالم يكون صوته صوت الحق، الصوت المدوّي الّذي لا يقف بوجهه ضجيج الألوف المؤلّفَة.

دهش يسوع من إيمان الأعمى فسأله: "ماذا تريد أن أصنع لك؟"

كان جواب أعمى العينين: "أن أُبصر... " فالرب هو نور الأنوار وهذا النور هو الوحيد الذي يمكنه أن يعطي الأنوار نورها.

النور هو عطيَة السيد لمن يطلبه كما نرى ذلك في نص إنجيل تلميذي عماوس حين تفتّح بصرهما وعرفاه من كسر الخبز.

طلب أن يبصر الطريق ليسير مع الطريق وفي الطريق وبالطريق إلى نهاية الطريق، طريق الحق والحياة لأنه، أي يسوع، هو وحده الطريق والحق والحياة.

في الطريق إلى أورشليم، يدرك كل منا عماه تجاه سرّ يسوع وكل من يتبع خطى المعلِّم دون استعداد يبقى أعمى وكلّ من يجلس ولا يطلب ما يكمِّل وجوده يبقى على طريق الآلام، دون أن يتمكن من مواكبة يسوع إلى القيامة، فالمهم هنا هو أن لا تجعل الظلام عادة لا نسعى بعدها إلى النور .

يسوع يسأل الأعمى ويسألنا: " ماذا تريدون أن أفعل لكم؟" 

يسوع يمر باستمرار بحياتنا ولكنه يبقى غير مرئي لمن لا يرون فيه معنى لوجودهم وحياتهم، إنه لا يزال يدعو كل واحد إلى الخروج من الظلمة والعالم الفاسد ليسير معه.

 

خاطرة

الأعمى منع من الصراخ ليس لأن صوته مزعج بل ليبقى على حاله يعيش تحت رحمة وفضلة هؤلاء. فليس مطلوب الفقير أن نعطيه فضلتنا ولكن أن نجعل له حصة في حياتنا.

إن كلاً من الفقير والمريض والمضطهد يروم أن يجد ذاته وأن يعي أنه بشر كباقي البشر وأن له حقٌ أن يحيا وواجبٌ أن يأمل. فعلينا أن نجد وسيلة ليؤمن بنفسه رزقه ورزق غيره وأن لا نكتفي بتركنا له أموالاً نأخذها من حقيبتنا، وإنما يترتب علينا أن نشاركه ألمه وحزنه كما فرحه وأن يشاركنا في ما يخصّنا، على حد قول المثل الصيني : "لا تطعمه سمكاً بل علِّمه اصطياد السمك" فبهذا تقوم حقيقة حبنا له .

 

الشدياق جوزيف أنطون
(زمن الصوم 2008)


تأمل: " كن متبصّراً فمبصراً "

بحرٌ من الحجّاج يتماوج في الطريق نحو أورشليم وبينهم يسوع والتلاميذ؛ يحيط بهم أشخاصٌ عرفوه وسمعوا بمعجزاته. الكلّ يتحرّك لأداء فروض الحج قبل الفصح، محمّلين بالتقادم والزّاد إلاّ "ابن طيما"، أعمى من أريحا، يجلس على قارعة الطريق مهمّشاً ومرزوِلاً لعاهته، ومحُسوباً منجّساً وصاحب خطيئة، فأضحى الكلام عنه ممنوعاً ولو حتّى للمطالبة بحقٍّ له. ومن عمق الألم الذي طالما رافقه أطلق صرخة الرحمة فمزّقت زمجرة الشوارع وضجيج المارة:" إرحمني يا ابن داوود !"
ومن سيسْمَع لهكذا أعمى؟
-"من أنت؟
- من تحسب نفسك؟
- أهكذا يصيحون بالمعلّم؟
- ابقَ حيث أنت… المعلّم؟ لا وقت لديه….
ولكنّ الإيمان بأنّه "هو" من ينتظر، "هو"ابن داوود، وقد عرفه، "هو" صاحب الرحمة والقدرة على الشفاء،"هو" وحده من سينتشله من موت الجمود ، موت الحياة الاجتماعية ، الروحية، العملية…
توقّف يسوع وناداه، فوقفت الجموع كلّها معه، وكأنّ الزمن توقّف ليبدأ مخاضه وَيلِدَ "طيما" المبصر المُجَدَّد بالروح والجّسد، إنّها ساعة ُ صفر ٍ لعهدٍ مضى من حياة ذاك الأعمى، أوقف كلّ حركة لأنّ هناك أحدٌ كان مسمّراً في مكانٍ ما وليس باستطاعته أن يمشي.
وقف، خطى ونزع عَباءته عن منكبيه إشارة إلى نزع التقاليد والشرائع المفروضة عليه والّتي أنهكته سنين طوال واسْـتَبْعدَتْه عن الجماعة: خلعها ليتعرّى من إنسانه " العتيق" ويلبس حلّته الجديدة بمعمودية الإيمان. لم تقف تلك القواعد ولا حتّى الجموع حاجزاً بينه وبين يسوع لأنّ قلبه كان متبصّراً، فما رآه بنور عينيه بل بالإيمان وبصيرة العقل.
ويسوع ! ...ذاك الراعي الأمين،هو وحده سمع لذاك الصارخ في برّية أولئك الناسّ حتى التلاميذ منهم؛ وحده الذي عرف بأنّ"ابن طيماوس" هو المبصر الوحيد بينهم للحقيقة.
شفاه، ولاتّقاد قلب ذاك الشاب المُعَرّف عنه باسمه، اتّحد بصره بالبصيرة وأكمل الدرب مع "الشافي"، مسبّحاً شاكرا ً دون أن يرجع حتّى إلى ذويه ليخبرهم: قد وجد البيت الحقيقي له، فلن ينظر إلى الوراء.
- كلّنا نعرف بمرور المسيح يومياً في الذبيحة الإلهية، في المجتمع والآخر. فهل أراه أو أتحرّك للقياه؟
- عمى العينين حَدّتا من حركة ذاك الشاب، لكنّ قلبه كان متّقداً في داخله. فهل قلبي هو كذلك أم مصابٌ بالعمى الروحي منعكساً على حركة حياتي الشخصيّة، العائليّة، الإجتماعيّة….، وبتُّ أتهرّب من علاقتي بالله بحجج ٍ لا نهاية لها؟
- هل أصبحتُ أصغي لأصحاب الإيديولوجيات المُعَصرَنة، المقتحمة لإيماننا المسيحي، فأصدّقها على أننا "مودرن" ونُغَلّبها على حبّ المسيح؟
- هل توقّفت للحظاتٍ من وقت ٍ لآخر أمام ذاتي وحضرة الله باحثا ً عن واحة صمت في غمرة ضجيج عالمي اليومي ؟

خذ استراحة وأوقف عقارب أنانيتك أو "بروتوكول" منصبك للحظات كي تسمع صراخ من هم بحاجة إليك. وسوف تكتشف أنّك نفسك من هو بحاجةٍ لوقفة مع الذات وذات الله التي فيك.
أزح رماد الفتور عن قلبك لمرّة كي تتأجّج نار الحبّ التي داخلك بالتّأكيد، فتتحوّل أنت إلى حياة عاكسةً فرحها وسلامها على الآخرين.
خذ صمتك إلى زاويةٍ من زوايا الخالق العظيم وتأمّل في ما أعطاك من حبّ، آمن بقدرته التي يكنزها داخلك وانطلق مع الأعمى المُجَدّد في طريق الرحمة والحقّ.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
yamiledaher@hotmail.com