Email: elie@kobayat.org

back to 

 

أحد قيامة الرب
(23/3/2008)

 

المسيح قام! ونحن نؤمن بذلك، نؤمن أن موته وقيامته هما أساس حياتنا الجديدة. في عالمٍ يبشّر بالموت والخوف، نحن نؤمن بأن الحياة هي أقوى من الموت لأن المسيح انتصر على الموت، وأعطانا الحياة. لذلك نحن المسيحيين نعيش حياتنا على ضوء هذا الانتصار: فلا نخاف الموت، ولا نخاف الحب حتى الموت، لأن معلمنا فعل ذلك. نحن المسيحيين نعلن أمام العالم، من خلال أسلوب عيشنا، أن الألم والتعب حباً للاخوة ولله، يكسبان القيمة الأساسية من خلال موت يسوع وقيامته؛ ونحن لا نخاف التعب والألم والموت، لا بل هذه تجعلنا، مثل معلّمنا أقوياء حازمين الرأي على مواصلة مسيرته لكي نعطي العالم الأمل والرجاء.

صلاة: يا رب علّمنا أن نكون شهوداً حقيقيين لقيامتك في العالم الذي نعيش فيه.أشركنا في جسدك ودمك، عربون الحياة الجديدة، لكي نحمل في جسدنا قوتك وقوة حبك لإخوتنا. نريد أن نؤمن بك، زدنا إيماناً بك، وبأبيك وروحك القدوس، لك المجد الى الأبد. آمين 

من رسالة القديس بولس الأولى الى أهل قورنتس 15/12-26 إِذا أُعلِنَ أَنَّ المسيحَ قامَ مِن بَينِ الأَموات، فكَيفَ يَقولُ بَعضُكُم إِنَّه لا قِيامةَ لِلأَموات؟ فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا. وإِن كانَ المسيحُ لم يَقُمْ، فتَبشيرُنا باطِلٌ وإِيمانُكُم أَيضًا باطِل. بل نَكونُ عِندَئِذٍ شُهودَ زُورٍ على الله، لأَنَّنا شَهِدْنا على اللهِ أَنَّه قد أَقامَ المسيح وهو لم يُقِمْه، هذا إِن صَحَّ أَنَّ الأَمواتَ لا يَقومون. فإِذا كانَ الأَمواتُ لا يَقومون، فالمسيحُ لم يَقُمْ أَيضًا. وإِذا لم يَكُنِ المسيحُ قد قام، فإِيمانُكم باطِل ولا تَزالونَ بِخَطاياكم، وإِذًا فالَّذينَ ماتوا في المسيحِ قد هَلَكوا . وإِذا كانَ رَجاؤُنا في المسيحِ مَقصورًا على هذهِ الحَياة، فنَحنُ أَحقُّ جَميعِ النَّاسِ بِأَن يُرْثى لَهم. كَلاَّ! إِنَّ المسيحَ قد قامَ مِن بَينِ الأَموات وهو بِكرُ الَّذينَ ماتوا. عَن يَدِ إِنسان أَتى المَوتُ فعَن يَدِ إِنسانٍ أَيضا ً تَكونُ قِيامةُ الأَموات، وكما يَموتُ جَميعُ النَّاسِ في آدم فكذلك سَيُحيَونَ جَميعًا في المسيح، كُلُّ واحِدٍ ورُتْبَتُه. فالبكرُ أَوَّلاً وهو المَسيح، ثُمَّ الَّذينَ يَكونونَ خاصَّةَ المسيحِ عِندَ مَجيئِه. ثُمَّ يَكونُ المُنتَهى حِينَ يُسَلِّمُ المُلْكَ إِلى اللهِ الآب بَعدَ أَن يَكونَ قد أَبادَ كُلَّ رِئاسةٍ وسُلطانٍ وقُوَّة . فلا بُدَّ لَه أَن يَملِكَ "حتَّى يَجعَلَ جَميعَ أَعدائِه تَحتَ قَدَمَيه". وآخِرُ عَدُوٍّ يُبيدُه هو المَوت.

يسوع هو بكر القائمين من بين الأموات:

نحن المسيحيون نؤمن بالقيامة من الموت، والعالم يسعى منذ البداية لكي يجد حلاً لمعضلة الموت والألم. وأجمل رسالة يمكننا أن نؤديها اليوم في العالم هي أن نثبت في هذا الايمان بالقيامة، وأن ننشره من حولنا، من خلال اسلوب عيشنا وتفكيرنا وسلوكنا.

فصل من بشارة القديس مرقس الانجيلي البشير (مرقس 16/1-8)

ولَمَّا انقَضَى السَّبتُ اشتَرَت مَريمُ المِجدَلِيَّة ومَريمُ أُمُّ يَعقوبَ وسالومة طِيباً لِيَأتينَ فيُطَيِّبنَه. وعِندَ فَجْرِ الأَحَد جِئنَ إِلى القَبْرِ وقد طَلَعَتِ الشَّمْس. وكانَ يَقولُ بَعضُهُنَّ لِبَعض: "مَن يُدَحرِجُ لنا الحَجَرَ عن بابِ القَبْر؟" فنَظَرْنَ فَرأَيْنَ أَنَّ الحَجَرَ قَد دُحرِجَ، وكانَ كبيراً جِدّاً. فدَخَلْنَ القَبْرَ فأَبصَرْنَ شَابّاً جَالِساً عنِ اليَمينِ عَلَيه حُلَّةٌ بَيضاء فَارتَعَبنَ. فقالَ لَهُنَّ: "لا تَرتَعِبنَ! أَنتُنَّ تَطلُبْنَ يسوعَ النَّاصريَّ المَصْلوب. إِنَّه قامَ وليسَ ههُنا، وهذا هو المَكانُ الَّذي كانوا قد وضَعوه فيه. فَاذهَبنَ وقُلنَ لِتَلاميذِه ولِبُطرس: إِنَّه يَتَقَدَّمُكم إِلى الجَليل، وهُناكَ تَرَونَه كَما قالَ لكم". فخَرَجْنَ مِنَ القَبْرِ وهَرَبْنَ، لِما أَخَذَهُنَّ مِنَ الرِّعدَةِ والدَّهَش، ولَم يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيئاً لأَنَّهُنَّ كُنَّ خائِفات.

حاملات الطيب:

هنّ أولى من شاهدن القبر الفارغ وشَهِدن بذلك. أستنرن بنور القيامة وسمعن بشارة الملاك: "لماذا تطلبن الحيَّ بين الأموات، ليس هنا بل قام". وحملن البشارة الى اخوتهنّ. لقد شهدن للقيامة.كنّ خائفات يتساءلن عمن يمكنه أن يدحرج لهن الحجر: وسمعن الملاك يقول لهن: لماذا أنتنّ خائفات؟"لا تَرتَعِبنَ! أَنتُنَّ تَطلُبْنَ يسوعَ النَّاصريَّ المَصْلوب. إِنَّه قامَ وليسَ ههُنا"يسوع يعطي موعداً لتلاميذه، ليس في القبر الفارغ، بل في الجليل. والانجيل يسمّي بطرس، لأنه رأس الكنيسة، ويسمّي الجليل لأنها المكان الذي تنطلق منه الكنيسة الى الأمم، وهي المكان الذي بدأ فيه يسوع رسالته مع تلاميذه.فالقيامة بالنسبة لنا هي بداية مسيرة طويلة، خارج القبر، فعلينا أن ننطلق الآن، علينا أن نخرج من خوفنا ورعبنا، ومن انغلاقنا، لكي ننطلق نحو الذين ينتظرون رسالة الرجاء.نتأمل القبر الفارغ... ونؤمن بالقيامة، ونعلن للعالم: المسيح قام! حقاً قام! 

فصح الرجاء:

إن عنوان الارشاد الرسولي للبنان: "رجاء جديد للبنان"؛ هذا الرجاء هو شخص يسوع الذي نؤمن به، هو يجدد التزامنا ومعرفتنا ويطوّر قدرتنا على اعلان البشرى السارةللذين من حولنا.أسأل نفسي اليوم: هل ان الذين يرون المسيحي اليوم في لبنان يمكنهم أن يجدوا في حياته رسالة رجاء؟وهذا السؤال محرج، لأن الله صالحنا في موت ابنه، لكننا نحتاج كل يوم الى أن نتصالح مع أنفسنا ومع اخوتنا، لأن أمور كثيرة من هذا العالم دخلت لكي تعكّر صفو رسالتنا وشهادتنا.إن المعمّدين عليهم أن يدركوا أنهم مدعوين لكي يكونوا خلائق جديد، التزموا عيش السر المسيحي في حياتهم اليومية، ويتذكرون مواعيد معموديتهم والتزاماتهم أمام الرب الذي مات وقام من أجلهم. خاصة وأن الموت والخوف يحدقان بمجتمعاتنا، فكنائسنا هي كنائس فصحية.عندما يسألني العالم عن إيماني، أتكلم عن شخص يسوع الذي انتصر على الموت، وجعلني معه أنتصر. إن معلمنا يسوع أتي لكي يخدمنا، وبذل نفسه من أجلنا، أحبنا حتى الموت على الصليب، وغفر خطايانا. ومعلمنا أعطى الكنيسة أن تكون رسولة في العالم تحمل رسالة الرجاء.لقد كتب البابا بندكتس السادس عشر رسالة عنوانها: "بالرجاء خلّصنا" يشرح فيها أهمية الرجاء والقيامة في حياتنا. نستعرض أهم ما ورد فيها من أفكار.

بالرجاء خُلّصنا"

فإِنَّنا نَعلَمُ أَنَّ الخَليقةَ جَمْعاءَ تَئِنُّ إِلى اليَومِ مِن آلامِ المَخاض، ولَيسَت وَحْدَها، بل نَحنُ الَّذينَ لَنا باكورةُ الرُّوحِ نَئِنُّ في البَاطِن مُنتظِرينَ التَّبَنِّي، أَيِ افتِداءَ أَجسادِنا, لأَنَّنا في الرَّجاءِ نِلْنا الخَلاص" (روما8 23-24). "فلْنَدْنُ بِقَلْبٍ صادِقٍ وبِتَمامِ الإِيمان... 23 ولْنَتَمَسَّكْ بما نَشهَدُ لَه مِنَ الرَّجاءِ ولا نَحِدْ عَنه، لأَنَّ اَّلذي وَعَدَ أَمين." (عبرانيين 10/22-23).فالايمان والرجاء في حياة المسيحي لا يهدفان فقط الى اعلامنا عن حقائق في المستقبل نؤمن بها ونعرفها، بل هو إيمان ورجاء ينتج عنه أعمال تبدّل حياتنا. فالذي يملك الرجاء يحيا حياةً جديدة وُهبت له.

لقاء مع الرب:

هذا الرجاء المسيحي لا يقوم على ثورة أو تعليم أو عقيدة، بل يقوم على اللقاء مع يسوع المسيح الرب. إنه الاله الحي ورب الأرباب. واللقاء معه يغلب كل ألم وموت وعبودية؛ والمسيح قد غيّر العالم من الداخل. في المسيح نصبح كلنا إخوة، لأننا أبناء الكنيسة الواحدة.ففي الرجاء المسيحي نعيش المستقبل الذي استبقناه بالمسيح لأننا نحيا بالمسيح. هذا المبدأ الذي نعيشه يتخطى العقلانية الفلسفية. والقانون الذي يحكم العالم ليس قانون المادة والعلم والنمو الطبيعي، بل هو الله الشخصي الذي يحكم النجوم والمعرفة والعقل،هو العقل والارادة والحب، أي ألله الشخصي.

وعندما نعرف هذا الاله نُصبح أحراراً متحررين من كل ما عداه.يسوع المسيح يقول لنا من هو الانسان وماذا يجب عليه أن يعمل لكي يكون انساناً حقاً؛ وبما أنه هو الطريق والحق والحياة، فيقول لنا ما هو الطريق الذي يجب أن نسلكه لكي تكتمل انسانيتنا. هذا الطريق قد سلكه هو نفسه في عزلة كاملة حتى الموت، لكنه انتصر، ومن المؤكّد أننا سننتصر معه؛ وهو يعطينا التأكيد على ذلك. الرب راعي فلا شيء يعوزني... (مزمور 22)فجوهر الايمان والرجاء ليس فقط أن نتوق ونسعى الى العالم الجديد الذي بشّرنا به المسيح، بعد الموت، بل نحن قد حصلنا عليه الآن. فالايمان يعطينا شيئاً من الحياة التي لم تكتمل بعد في الملكوت. والواقع المعيوش يشكل بالنسبة لنا البرهان على وجود الخيرات التي لم نمتلكها حتى الآن.

فالمستقبل موجود في الحاضر. وبما أن هذا المستقبل هو موجود في الحاضر فهو قد يبدّل حتما الواقع الحاضر الذي يصبح متأثراً بالحقيقة المستقبلية، والخيرات المستقبلية تمتزج بالخيرات الحالية، والخيرات الحالية هي خيرات المستقبل. هذا النوع من الاختبار المسيحي في الايمان يعطي الانسان قاعدة جديدة يرتكز عليها في أسلوب عيشه وتستمد منها حياتُه قاعدةً ثابتة تتخطى الارتكاز على المعطيات المادية التي تصبح نسبية.من هنا ينبع مبدأ حرية الانسان المؤمن. من هنا يمكننا أن نفهم موت الشهداء الذين قاوموا الطغاة بسبب إيمانهم. من هنا نفهم قيمة حياة أشخاص تركوا كل شيء حتى الاستشهاد، مثل فرنسيس الأسيزي؛ الحياة الرهبانية والمكرسة المعاصرة...

هذه الحياة الجديدة التي يجد الانسان فيها حراً تصبح مصدرا لاعطاء الحياة الى آخرين. أمّا الخيرات المستقبلية لا يمكننا أن نحصل عليها إلاّ بالصبر والمثابرة. (عبرانيين 10/36-39)

الحياة الأبدية:

الايمان ليس عملاً اجتماعياً من خلاله يدخل المؤمن في حياة المجتمع الكنسي، بل هي المعمودية التي تهب الانسان حالة الانسان المخلَّص الذي يحصل على الحياة الأبدية. واذا كان الايمان والرجاء هو جوهر الأمور الآتية: هل يريد الانسان فعلاً الحصول على الحياة الأبدية؟فكرة الحياة الأبدية لم تكن وليست دوماً مقبولة من الكثيرين، وفي نفس الوقت الوقت لا يمكن للانسان أن يتجنّب الموت الذي يفصله عن حياةٍ يحبها وأصدقاء ومقتنيات...  وفي عمق نفسه الانسان يرغب في العيش والوجود... فما هي الحياة الحقيقية؟"إِذا كُنَّا نَرْجو ما لا نُشاهِدُه فبِالثَّباتِ نَنتَظِرُه. وكَذلِكَ فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب, ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف. والَّذي يَختَبِرُ القُلوب يَعلَمُ ما هو نُزوعُ الرُّوح فإِنَّهُ يَشفَعُ لِلقِدِّيسينَ بما يُوافِقُ مَشيئَةَ الله. (روما 8/25-27). ولكن الانسان في أعماق ذاته يعرف أن هذه الحياة هي موجودة، وهو يريدها دون أن يلمسها أو يعرفها. هذا الواقع تسمّيه المسيحية الحياة الأبدية، التي هي ملء الرغبات الأساسية التي يحملها الانسان في باطنه تجاه المعطيات التي تعطي معنى حقيقياً لرغبته العميقة بالحياة.هذا ما يريد المسيح أن يقول في انجيل يوحنا: 16/22  "فأَنتُم أَيضاً تَحزَنونَ الآن ولكِنِّي سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح.

"والانسان اليوم يجد خلاصه فقط في الحب، هذا الحب له أهميته في الاطار الانساني، ولكنه عاجلاً ما يتفاجأ بواقع الموت، لذلك هو سريع العطب. ويبقى الانسان بحاجة للطمأنينة التي تساعده على أن يقول مع بولس الرسول (روما8/38-39) "وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ، ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا "فقط هذا الحب اللامحدود والمطلق يمكنه أن يعطي للانسان الضمانة بالسعادة والخلاص. هذا يؤكد لنا أننا خُلّصنا وأن الله ليس فقط علّة وجود العالم، لأن ابنه قد تجسد وأصبح بشراً مثلنا، لذلك نحن نقدر أن نقول مع بولس أيضاً: "فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًَجْلي." (غلاطية 5/22).

إن رجاء الانسان الوحيد، وليس دونه رجاء، هو في الله الذي أحبّ ويحبّ دوماً، "حتى النهاية" "حتى يكتمل كل شيء". ومن لمسه الحب يبدأ يفهم حقً معنى "الحياة". يبدأ يفهم ما معنى كلمة "الرجاء" الذي قبلناه في المعمودية: من الايمان أنتظر الحياة الأبدية. لقد شرح لنا يسوع أنه جاء لكي يعطينا الحياة ويعطيها حتى الكمال، شرح لنا ما معنى الحياة: والحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح. (يوحنا 17/3). إن الحياة بمعناها الحقيقي، لا يمكننا أن نملكها بحد ذاتها،  من ذاتها تلقائياً...

الحياة هي علاقة.في شموليتها هي علاقة مع من هو بذاته مصدر الحياة. إذا كنا في علاقة مع من لا يموت، الذي هو بحد ذاته الحياة والحب، عندها فقط نكون في الحياة. عندها نحيا. هذه العلاقة مع مصدر وأصل الحياة، لا يمكننا أن نقيمها لوحدنا، بل هي تقوم بواسطة الاتحاد بالمسيح الذي؛ فقدراتنا الذاتية غير كافية لذلك، لأن المسيح قد بذل ذاته لخلاصنا جميعنا. واتحادنا بالمسيح يضعنا في اتحادٍ بعضُنا مع بعض. إن محبة الله هي فوق كل شيء، لكنها تقود دوماً الى محبة القريب:  "فمن يحب الله، يحب أيضاً قريبه بدون تردد. لا يمكنه أن يحتفظ بهذا الغنى لنفسه، لذلك يهبه كما يفعل الله، مقدماً ما يحتاج اليه الآخر" (مكسيموس المعترف).  

فمحبة الله تشرك في محبة القريب.  لنا رغبات ورجاءات كثيرة في حياتنا، منها يتحقق ومنها لا، غالباً ما تكون مرتبطة بمراحل حياتنا، لكن في النهاية هناك رجاء واحد يتحقق ويثبت أمام جميع المتغيرات وخاصة أمام الموت، الرجاء في الله الحي الوحيد الذي يملك وجهاً بشرياً، والذي يحبنا شخصياً، فردياً وجماعياً. حبّه وحده يعطينا القوة لكي نثابر ونستمر حتى النهاية بالرغم من وجه عالمنا الناقص والصعب، والذي يتعرّض للمتغيرات الكثيرة. وهذا الحب عينه، وحده يؤكد لنا وجود الحياة الحقيقية التي نملك فكرة غامضة عن وجودها وعن حقيقتها.

وهناك في حياتنا مواضع أساسية يمكننا من خلالها أن نتعلّم ممارسة والنضج في الرجاء:الصلاة مدرسة الرجاءإن أحد الأركان الأساسية لتعلّم الرجاء وعيشة هي الصلاة. فعندما لا أجد من يُصغي اليَّ ، يستمرّ الله في الاصغاء إليّ. وإذا فقدتُ القدرة على الكلام مع الأخرين، وعجزت عن أن أستغيث بمَن حولي، أقدِر دوماً أن أتكلم مع الله. وإذا عجِز العالم عن مساعدتي، حيث تكون هناك حاجةٌ أو رغبةٌ تفوق القدرات البشرية، يبقى الله وحده قادراً، وبانتظاري ليساعدَني. عندما أكون مكبّلاً في عزلتي العميقة...، في الصلاة لن أكون أبداً وحدي ... لأن مَن يصلّي لن يكون أبداً وحيداً.

في العمل وفي الألم نتعلّم الرجاءكل عمل جدّي ومستقيم في حياة الانسان هو ممارسة للرجاء الفعلي. ذلك يدل أولاً أننا نبحث عن رجاءاتنا الخاصة (حسب حاجاتنا ومراحل حياتنا) نتمم واجباتنا لكي تستمر حياتنا. نقوم بواجبنا ونلتزم هكذا نقدم مساهمتنا التي تساعد العالم من حولنا على النمو والانفتاح نحو المستقبل. لكن عملنا اليومي هذا يمكنه أن ينغلق على ذاته أو يتحوّل الى ارهاق ذاتي إذا ما أضاء علينا نور الرجاء الكبير الذي لا يغلبه فشلنا المتكرر أو أحداث العالم المتبدّلة والمتعلقة بالتاريخ. مهما حدث من حولي في اللحظات التاريخية الصعبة، ومهما بدت الأمور داعية الى الياس، يمكنني أن أستمر في الرجاء.

إن قوة الحب الغير القابلة للفساد، هي ضمانة حقيقية وفعلية ضد اليأس الذي يمكن أن تزرعه من حولي التداعيات السلبية للأحداث. وهذا ما يعطيني القوة للجرأة على العمل والاستمرار.نحن لا نقدر أن نبني ملكوت الله في قوانا الشخصية، وما نبنيه نحن يبقى دوماً ملكوت الانسان مع الحدود الخاصة بالطبيعة البشرية.  إن ملكوت الله هو هبة، وهو جميل ولا محدود، لذلك هو الجواب الوحيد على حاجة الانسان للرجاء الثابت. ولا يمكن للانسان أن يستحق السماء بسبب اجتهاداته وقدراته الشخصية. إنه دوما يفوق استحقاقاتنا 

 

الأب ريمون عبدو الكرملي

 

Email: elie@kobayat.org

back to