Email: elie@kobayat.org

back to 

 

أحد الابن الشاطر
(24/02/2008)

 

صلاة
يا ربّ، يا من قبلت الابنين تحت سقفك، رغم قلّة إيمانهما ومعرفتهما بك، أنر قلوبنا لندرك أنه بك وحدك خلاصنا وعلى عنايتك نكلُ رجاءنا، آمين.

 

الرِّسالة

إِخْتَبِرُوا أَنْفُسَكُم، هَلْ أَنْتُم رَاسِخُونَ في الإِيْمَان. إِمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُم. أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ الـمَسِيحَ يَسُوعَ فِيكُم؟ إِلاَّ إِذَا كُنْتُم مَرْفُوضِين! فأَرْجُو أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّنا نَحْنُ لَسْنا مَرْفُوضِين! ونُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ شَرّ، لا لِنَظْهَرَ نَحْنُ مَقْبُولِين، بَلْ لِكَي تَفْعَلُوا أَنْتُمُ الـخَيْر، ونَكُونَ نَحْنُ كَأَنَّنا مَرْفُوضُون!
فَإِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ لأَجْلِ الـحَقّ!
أَجَلْ، إِنَّنا نَفْرَحُ عِنْدَما نَكُونُ نَحْنُ ضُعَفَاء، وتَكُونُونَ أَنْتُم أَقْوِيَاء. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا نُصَلِّي لِكَي تَكُونُوا كَامِلِين.
أَكْتُبُ هـذَا وأَنا غَائِب، لِئَلاَّ أُعَامِلَكُم بِقَسَاوَةٍ وأَنا حَاضِر، بِالسُّلْطَانِ الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهُ الرَّبّ، لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، إِفْرَحُوا، وَاسْعَوا إِلى الكَمَال، وتَشَجَّعُوا، وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام، وإِلـهُ الـمَحَبَّةِ والسَّلامِ يَكُونُ مَعَكُم!
سَلِّمُوا بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَة. جَمِيعُ القِدِّيسِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكُم.
نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح، ومَحَبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم أَجْمَعِين! (2قور 13/5-13)
 

حول الرِّسالة
أمام هذا المقطع من الرِّسالة أطرح سؤالاً على ذاتي :
كم نحن بعيدون في مجتمعاتنا عن دعوة الرسول بولس لنا:" ... وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام" ؟

 

الإنجيل
وَقَالَ يَسُوع: "كانَ لِرَجُلٍ ابْنَان.
فَقالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيه: يَا أَبي، أَعْطِنِي حِصَّتِي مِنَ الـمِيرَاث. فَقَسَمَ لَهُمَا ثَرْوَتَهُ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَة، جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ حِصَّتِهِ، وسَافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعِيد. وَهُنَاكَ بَدَّدَ مَالَهُ في حَيَاةِ الطَّيْش.
وَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيء، حَدَثَتْ في ذـلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَة، فَبَدَأَ يُحِسُّ بِالعَوَز.
فَذَهَبَ وَلَجَأَ إِلى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ ذـلِكَ البَلَد، فَأَرْسَلَهُ إِلى حُقُولِهِ لِيَرْعَى الـخَنَازِير.
وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الـخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الـخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، وَلا يُعْطِيهِ مِنْهُ أَحَد. فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: كَمْ مِنَ الأُجَرَاءِ عِنْدَ أَبي، يَفْضُلُ الـخُبْزُ عَنْهُم، وَأَنا ههُنَا أَهْلِكُ جُوعًا! أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَاجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ!
فَقَامَ وَجَاءَ إِلى أَبِيه. وفِيمَا كَانَ لا يَزَالُ بَعِيدًا، رَآهُ أَبُوه، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه، وَأَسْرَعَ فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا... فَقالَ الأَبُ لِعَبيدِهِ: أَسْرِعُوا وَأَخْرِجُوا الـحُلَّةَ الفَاخِرَةَ وَأَلْبِسُوه، واجْعَلُوا في يَدِهِ خَاتَمًا، وفي رِجْلَيْهِ حِذَاء، وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ واذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ! لأَنَّ ابْنِيَ هـذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد. وَبَدَأُوا يَتَنَعَّمُون.
وكانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ في الـحَقْل. فَلَمَّا جَاءَ واقْتَرَبَ مِنَ البَيْت، سَمِعَ غِنَاءً وَرَقْصًا. فَدَعا وَاحِدًا مِنَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا؟ فَقالَ لَهُ: جَاءَ أَخُوك، فَذَبَحَ أَبُوكَ العِجْلَ الـمُسَمَّن، لأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُل. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه.
فَأَجَابَ وقَالَ لأَبِيه: هَا أَنا أَخْدُمُكَ كُلَّ هـذِهِ السِّنِين، وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ يَوْمًا أَمْرًا، وَلَمْ تُعْطِنِي مَرَّةً جَدْيًا، لأَتَنَعَّمَ مَعَ أَصْدِقَائِي. ولـكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هـذَا الَّذي أَكَلَ ثَرْوَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّن!
فَقالَ لَهُ أَبُوه: يَا وَلَدِي، أَنْتَ مَعِي في كُلِّ حِين، وَكُلُّ مَا هُوَ لِي هُوَ لَكَ. ولـكِنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هـذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد".
(لو15 /11-32)


فهم الإنجيل – عيش الإنجيل

في هذا الأسبوع الرابع من الصوم، منتصف الصوم، تقدم لنا الكنيسة مثل الابن الشاطر (من شَطَرَ أي قسم) كمحطّة لنطرح على ذواتنا فيها مجموعة أسئلةٍ حول علاقتنا بالله ونظرتنا إليه.
كما يتبيّن من قراءتنا للنصّ، نحن أمام علاقةٍ معقّدةٍ بين أبٍ استمرّ أباً رغم كلّ شيء وأمام ابنين أنكر كلّ منهما بنوّته على طريقته.
فالأصغر "باع" (بالمعنى الدارج) كلّ شيء بقليلٍ من اللّذة وما عقابه إلا نتيجة حتميّة لسوء تدبيره ولقلّة بصيرته.وهنا نطرح الأسئلة التالية:
• كم مرّة أحمّل الله مسؤوليّة أخطاءٍ في حياتي وعلاقاتي في حين أكون المسؤول الأول عنها؟
• كم مرّة أتخلّى عن الله بأقل مما تخلّى عنه الابن الشاطر؟
• كم مرّة أبدّد الرصيد الّذي منحني إياه الله (صورته ومثاله) في سبيل ماديات لا توازي ولو قليلاً الرصيد الأصليّ الممنوح لي مجاناً من الربّ؟
أما الأكبر فأنكر بنوّته وأخوّته من فرط حرصه على ما يملك. وهنا أيضاً نطرح على ذواتنا الأسئلة التالية:
• كم مرّة أرفض بالسرّ أو بالعلن توبة خاطئ لربّه لأني، وبكلّ بساطة، حكمت عليه – وأنا لست الربّ أصلاً لأدين – بالهلاك "الأبديّ" نظراً لماضيه؟
• كم مرّة تسبّب تصرّفاتي المتزمتة – دينياً أو سياسيّاً أو اجتماعياً – ابتعاد العديدين عن نبع خلاصهم ومصدر خلاصهم – الربّ – لأنّهم يرفضون "مسيحي" بسبب تصرّفي "الغير مسيحي".
• كم مرّة أشوّه صورة الله أمام "الغير" طالباً عدله لهم جميعاً وقاصراً رحمته على نفسي فقط كما لو أنّه، كما يقول المثل، "خلقني وكسر القالب"؟!
أسئلةٌ تضعنا جميعاً أمام حقيقة أساسيّة في إنجيل اليوم وهي أننا جميعاً مدعوون إلى ممارسة الرحمة والمحبّة التي أظهرها "الأب المحبّ"-بطل القصّة الحقيقي- ولنترك له هو القرار فيمن يستوجب حكم عدله أو رحمته في الدهر الآتي.
بكلامٍ أوضح، لنعد إلى الله لندرك أننا، وإن كنّا أبناء لله، فهذا لا يمنحنا الحقّ بأن نجعل أنفسنا آلهة، على طريقتنا وعلى ذوقنا، وهذا ما حاوله وما زال يحاوله العديد من زعماء الأرض دون أن يتعلّموا ممن سبقوهم من آلهة هذه الدنيا الّذين - وإن حاولوا – لا يستطيعون أين يزيدوا يوماً على حياتهم في هذه الأرض.
أبٌ روحيّ جليل قال يوماً أنّ الموت الروحي يبدأ في حياتنا حين نقطع علاقتنا مع الله (الابن الأصغر)، ونضع نفسنا مكانه في علاقتنا مع الآخرين (الابن الأكبر).

 

الخوري نسيم قسطون
منسّق النشرة
(زمن الصوم 2008)


تأمل: لأنّك أب ........

كجبل ٍصامدٍ وقفتَ ترعى إبنيك أيّها الشيخ الجليل؛ متوّجاً بالحبّ، مجبولاً بالحنان، عن يمينك أقمت ابنك الخاطئ التائب وعن يسارك الإبن الأكبر.
في كلّ صباحٍ، كان لك سؤالٌ لم تتعب من انتظار جوابه:" هل ذاك هو ابني العائد؟" بقي لك دوماً الابن "القاصر" روحياً و"الحيّ" الذي سيعود. لم تأبه للألم الذي أصابك بسببه ولا للقلق الذي تركك فيه.
إنتظرته بإيمان من "زرع بالحبّ ليحصد بالترنيم والفرح" ... وأتى اليوم المنتظر أيّها الأب الحكيم!
رغم السنوات التي اقتَنَصَتْ الشباب من جسدك وألبَسَتْكَ الأبيض تاجاً، هَرَعتَ إلى لقائه – وهو ما كان مرفوضاَ في مجتمعك لمن في سنّك – وغمرته بكلّ غناك الروحي ساتراَ عيوبه، غافراَ معاصيه، محرّراً إيّاه من عبودية الخطيئة محتضناً ضعفه بين أضلاعك الكريمة الرحيمة.
لم يتجرّأ أن ينظر في عينيك لشدّة الخجل ممّا فعل ولكنّه كان واثقاّ من حبّك له وإلا لما عاد. كان ما زال هناك في مكانٍ ما داخله بقايا صورةٍ رائعةٍ لشخصك الغفور المتسامح، فحمل ذاته على التوبة والإقرار ثمّ القصد بالتكفير حتّى ولو عمل كأحد خدّامك.
وأنت؟
وأنت كما أنت، لم تسأله حتّى أين كان، أو كيف بدّد ماله. لم توبّخه ولو بنظرة على ما فعل بل ضممته إلى صدرك ذابحاً عجل "المصالحة" مقيما له عرس "العائد من ضياع والقائم من موت".
دعوت الأكبر كي يدخل فرح أخيه ولكنَّ قلبه المتحجّر، أبى أن يصفح عن التائه الذي عاد إلى"القطيع" أو يُسَرّبِ "درهم الأرملة المفقود!".
كم نحسبه جاهلاً أيّها الأب العظيم. لم يفهم بأنّ كلّ ما تملكه هو ملكٌ له وقد أقمته عليه... ربّما لم يعرف المتاجرة بالوزنة الموهوبة له، لأنّ سرّ الحبّ كان غريباَ عنه؛ لم يؤمن بالرحمة بل بالقانون والعدل إذ لم يفطن حتّى إلى صلاح أبيه بل كان همّه الحصول على حقوقه اليوميّة و( نقطة على السطر). لم يستطع أن يناديه: "أخي" بل "إبنك هذا..." فما كان منك إلاّ أن ذكّرته بالأبوّة والأخوّة:"يا بنيّ، أخاك هذا....."
كيف يحقّ له أن يقطع صلة اللحم والدم والروح وأنت، الواهب، قد حضنتَ الاثنين تحت سقفٍ واحد؟
هل يحقّ لليد اليسرى أن تستغني عن اليمنى إن كُسِرت أم تتحرّك نحوها وتحملها عند الألم حتّى تطيب؟ أليستا ابنتا الجسد الواحد ؟
الأكبر لم يعرف المسامحة، بل لم يعترف بأنه أيضاً خاطئ؛ أولم يكن بهذا أكثر بشاعةً من أخيه التائب؟ إنّه قد أقصى ذاته عن الفرح والحياة.
ونحن، ألا نشبهه في كثيرٍ من الأحيان؟
كأننا بشيكاتنا نشتري" فيلا ّ" في السماء بأعمالنا الخيريّة (والتي يجب أن تكون ثمرة علاقتنا البنويّة مع الآب وليست سبيلاً للحصول على حبّه) دون أن نقترب ممن ابتلاهم القدر أو رغبة العالم ومعظم الأحيان دون أن نبدأ بما هو أبدى، أي مسامحة الأقربين ؟
أيّها المؤمن، كيف تريد أن تكون ابناً للآب وأنت لا تستحقّ أبداّ أن تكونه إلاّ برحمته وقبوله لك كما أنت؟
تعالَ معي اليوم لنختار:
• إمّا أن نعترف بضعفنا وأخطائنا ونقتبل الحياة تاركين محبة الآب تتجلّى فينا، ونكون سبب فرح ٍ لنا وللآخر.
• وإمّا نرفض الدخول إلى دار الفرح،كافرين بالرحمة والرأفة، مَعْتدِّّين بأنفسنا المُسمّاة "أنا لا أخطئ" أو"لم أؤذ أحداً" فنبقى بذلك غرباء عن حبّ أبينا والحميميّة معه، تاركين غصّة ً في قلب من أحبّنا؟

 

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
yamiledaher@hotmail.com