Email: elie@kobayat.org

back to 

 

الخامس للفصح

20 نيسان 2008

 

"تأخّرت في حبّك، أيها الجمال القديم الجديد، سبقني حبّك. ها أنت كنت فيَّ وأنا كنت خارج نفسي، وهناك كنت أبحث عنك.... لقد تذوّقتك، وها أنا عطشانٌ اليك الآن. لقد لمستني وها أنا أحترق شوقاً لكي أملكك سلامك"
القديس أغسطينس

 

رسالة القديس بولس الرسول الى أهل أفسس 2/1-10 (الخلاص المجَّاني في المسيح)
وأَنتُم، وقَد كُنتُم أَمواتًا بِزَلاَّتِكم وخَطاياكُمُ الَّتي كُنتُم تَسيرونَ فيها بِالأَمْس، مُتَّبِعينَ سيرَةَ هذا العالَم، سيرَةَ سَيِّدِ مَملَكَةِ الجَوّ، ذاك الرُّوحِ الَّذي يَعمَلُ الآنَ في أَبْناءِ المَعصِيَة. وكُنَّا نَحنُ أَيضًا جَميعًا في جُملَةِ هؤُلاءِ نَحْيا بالأَمْسِ في شَهَواتِ جَسَدِنا مُلَبِّينَ رَغَباتِ الجَسَدِ وَنزَعاتِه وكُنَّا بِطَبيعَتِنا أَبناءَ الغَضَبِ كَسائِرِ النَّاس، ولكِنَّ اللهَ الواسِعَ الرَّحمَة، لِحُبِّه الشَّديدِ الَّذي أَحَبَنَّا بِه، مع أَنَّنا كُنَّا أَمواتًا بِزَلاَّتِنا، أَحْيانا مع المَسيح (بِالنِّعمةِ نِلتُمُ الخَلاص) وأَقامَنا معه وأَجلَسَنا معه في السَّمَواتِ في المسيحِ يسوع. فقد أَرادَ أَن يُظهِرَ لِلأَجْيالِ الآِتيَة نِعمَتَه الفائِقةَ السَّعة بِلُطفِه لَنا في المسيحِ يسوع، فبِالنِّعمَةِ نِلتُمُ الخَلاصَ بِفَضلِ الإِيمان. فلَيسَ ذلِك مِنكُم، بل هو هِبَةٌ مِنَ الله، ولَيسَ مِنَ الأَعمال لِئَلاَّ يَفتَخِرَ أَحَد. لإِنَّنا مِن صَنْعِ الله خُلِقْنا في المسيحِ يسوعَ لِلأَعمالِ الصَّالِحةِ الَّتي أَعَدَّها اللهُ بِسابِقِ إِعدادِه لنِمُارِسَها.

 

لاهوت النعمة في الحياة المسيحية:
أتأمّل في هذا النص من العهد الجديد كيف أن "حب الله الشديد" لنا قد أظهر نعمته الفائقة الطبيعة بواسطة يسوع. "فبالنعمة نلتم الخلاص بفضل الإيمان": هذه هي هبة الله.
نحن المسيحيين غير قادرين على أن نستحق الحياة الأبدية بقدرتنا الذاتية، حتى ولو قمنا بجميع الأعمال المهمة والكبيرة. "إن لم يبن الرب البيت عبثاً يتعب البناؤن"؛ فقط محبة الله لنا، تلك التي ظهرت في يسوع المسيح، هي التي خلّصتنا من الموت الذي أدخلته الخطيئة الى حياتنا.
مفهوم النعمة يرتكز على هذا المنطق: حب الله المجاني لنا؛ هذا الحب تحقق في السر الفصحي.
ماذا يطلب الله من الانسان إذن؟ الله يطلب من الانسان أولاً أن يؤمن بيسوع المسيح ابن الله، وأن يقبل كلمته وحياته التي يهبها أولاً في الانجيل، وثانياً في أسرار الكنيسة. وهذا التقبّل يتطلب منا التواضع والبساطة. لذلك فقط الأطفال يدخلون ملكوت السماوات، أي البسطاء غير المدّعين والمتكبرين الذين يريدون نيل السماء بقوتهم.
هنا نتعلّم الكثير من روحانية تريز الطفل يسوع الكرملية التي ارتكزت روحانيتها على الثقة والاستسلام والبساطة والتواضع. وهذا هو الموقف الداخلي والروحي العميق الذي يهيّيء الانسان للايمان الحقيقي. والايمان الحقيقي ليس جهداً عقلياً لكي نقتنع بحقيقة الله، بل هو قبول حقيقة الله الذي يعبر عنها يسوع المسيح في الانجيل كما يريد هو أن يعبر عنها.

 

إنجيل القديس يوحنا 21/15-19 (يسوع يجعل بطرس راعي الخراف)
وبَعدَ أَن فَطَروا قالَ يسوعُ لِسمْعانَ بُطرُس: "يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني أَكثَرَ مِمَّا يُحِبُّني هؤلاء؟" قالَ لَه: "نَعم يا رَبّ، أَنتَ تَعلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُباًّ شَديداً". قالَ لَه: "إِرْعَ حُمْلاني". قالَ له مَرَّةً ثانِية: "يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني؟" قالَ له: "نَعم يا رَبّ، أَنتَ تَعلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُباً شَديداً". قالَ له: "اِسْهَرْ على خِرافي". قالَ له في المَرَّةِ الثَّالِثة: "يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني حُبّاً شديداً؟" فحَزِنَ بُطرُس لأَنَّه قالَ له في المَّرةِ الثَّالِثَة:أَتُحِبُّني حُبّاً شديداً؟ فقالَ: "يا رَبّ، أَنتَ تَعلَمُ كُلَّ شَيء، أَنتَ تَعلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُبّاً شديداً". قالَ له: "إِرْعَ خِرافي. الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لَمَّا كُنتَ شاباً، كُنتَ تَتَزَنَّرُ بِيَديكَ، وتَسيرُ إِلى حَيثُ تشاء، فإِذا شِخْتَ بَسَطتَ يَدَيكَ، وشَدَّ غَيرُكَ لكَ الزُّنَّار، ومَضى بِكَ إِلى حَيثُ لا تَشاء". قالَ ذلكَ مُشيراً إِلى المِيتَةِ الَّتي سيُمَجِّدُ بِها الله. ثُمَّ قالَ له: "اِتَبْعني !".

 

تأمل في الانجيل
نتأمل اليوم يسوع، في هذا النص الذي يختم انجيل يوحنا، يثبّت بطرس كرئيس على الكنيسة. يدعوه يسوع مباشرة وثلاث مرات للعناية بالخراف. والعناية بالخراف ترتكز أولاً على أساس متين وهو أن يكون الراعي يحب يسوع: "أتحبني أكثر من هؤلاء؟". وثانياً أن يتحضر الراعي لكي يبذل نفسه حتى الموت وفقدان كل شيء من أجل الخراف. ما من حب أعظم من أن يبذل أحد نفسه من أجل أحبائه". وثالثاً الرعي الحقيقي يبقى هو بدوره تلميذاً ونعجة تتبع راعيها الأساسي يسوع المسيح: "اتبعني".

 

دور الراعي
هكذا يمكننا أن نتعرف الى حياة يسوع القائم من بين الأموات في الكنيسة، أي من خلال الرعاة الذين، مثل بطرس يستمرون في تقديم ذاتهم لخدمة القطيع وفي اتباع يسوع. هناك راعٍ واحد للرعية، لكن يسوع اختار من يمثله. ونحن نتساءل لماذا الراعي، وما هو دوره؟ إن دور الراعي هو حماية الرعية والحفاظ على وحدتها.
والراعي (بطرس) يشارك يسوع في رسالته، لكن الخراف تبقى ملكاً حصرياً ليسوع.
"اتبعني": يسوع يدعو بطرس لكي يتبعه حتى الموت؛ فشهادة بطرس ستقدّم لإخوته في الكنيسة الغذاء الذي هو نفسه تناوله. ان السير وراء يسوع هو تعبيرٌ يلخّص معنى الحياة المسيحية: نتبع من نحب، لكي نكون معه ومثله.
"أنت صخر، وعلى هذه الصخرة سابني كنيستي" (متى 16/18)، "ارعَ خرافي ... نعاجي"
"سِمعان سِمعان، هُوذا الشَّيطانُ قد طَلَبكُم لِيُغَربِلَكُم كَما تُغَربَلُ الحِنطَة. ولكِنَّي دَعَوتُ لَكَ أَلاَّ تَفقِدَ إِيمانَكَ. وأَنتَ ثَبَّتْ إِخوانَكَ متى رَجَعْتَ ... لا يَصيحُ الدِّيكُ اليَومَ حتَّى تُنكِرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَعرِفُني". (لوقا 22)
حصل الرسول على النعمة وصار شاهداً حيّاً في حياته وفي موته:
"أَجابَ بُطرُسُ والرُّسُل: الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس. إِنَّ إِلهَ آبائِنا أَقامَ يسوعَ الَّذي قَتَلتُموه إِذ علَّقتُموه على خَشَبَة. وهو الَّذي رَفعَه اللهُ بِيَمينِه وجَعَلَه سَيِّدًا ومُخَلِّصًا لِيَهَبَ لإِسْرائيلَ التَّوبَةَ وغُفرانَ الخَطايا، ونَحنُ شُهودٌ على هذِه الأُمور. وكذلِكَ يَشهَدُ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي وهَبَه اللهُ لِمَن يُطيعُه." (أعمال الرسل 5/29-32).
ولكي ينطلق الراعي بقوة المسيح، عليه أن يختبر رحمة الله وغفرانه، ذاك الغفران الذي يجب أن يخدمه طيلة حياته كممثل للمسيح يسوع: "ما ربطموه عي الأرض ربط في السماء، وما حللتموه على الأرض حلّ في السماء". فبعد أن أنكر بطرس يسوع، تاب واكتشف حقيقة المغفرة والعودة والتطهّر الداخلي، بنعمةٍ من يسوع. وفي الكنيسة عليه أن يكون هو الراعي الصالح للخراف...

 

خواطر تأملية:
نحن نمر دوماً في مسيرتنا المسيحية بعدة تجارب مثل بطرس الذي بعد أن عبر ثلاث مرات عن حبه لك يا يسوع، خاف وأنكرك. عاد الى الوراء، كما فعل العديد من تلاميذك في بستان الزيتون: لقد خافوا وهربوا.
إن مسيرة الإيمان صعبة، وفيها الكثير من الصعاب والمخاطر، ونحن نريد أن ننعم بالهدوء في حياتنا يا يسوع.
وفي الكثير من الأحيان نشعر مثل الرسل الذين لم يصيبوا شيئاً تلك الليلة، بأن حياتنا معك ومن أجلك، هي مشروع فاشل، فنعود الى الشط وشباكنا فارغة، وفي نهاية اليوم نشعر بالخوف واليأس...
أنت تحضر بقربنا وتطلب منا الثقة والهدوء "لا تخافوا"؛ أنت تحضر لنا الوليمة...
أنت تطلب منا ألا ندّعي القدرة، بل أن نثق فقط بحبك، أنت وحدك.
أنت تذهل العقول وتقدم لنا الغلال الوافرة: "بكلمتك نلقي شباكنا يا رب"، ...
أيها القائم من الموت، إن حضورك معنا يزيل خوفنا ويأسنا ومتاهاتنا، وكلمتك ترسم لنا الطريق
وخبزك يغزي اجسادنا لكي نحمل صعوبة المسير في الطريق ونحن نتبعك.

 

مناجيات
أرسل روحك أيها الآب لكي يحوّل ليل حياتنا الى فجرٍ ينير القلب والعقل،
فنتعرّف في لحظات الضعف الى صورة ابنك الحاضر دوماً معنا.
إجعل منا، بقوة روحك، شهوداً لابنك، مثل بطرس ويوحنا
أخلق فينا الصمت لكي نصغي الى صوتك وأنت تسألنا أن نحبك
أدخل الى أعماق قلوبنا بواسطة كلمتك ونور حكمتك
هكذا نتحرر لكي نقول لك يا رب "نحن نحبك" لكننا ضعفاء وعاجزين،
تعال أنت يا رب وأحبب في قلبنا
تعال وفكر في عقلنا
تعال وامشي في دروب الكون واستعمل أرجلنا،
تعال وصافح اخوتنا في ايدينا
تعال وابتسم بواسطة وجوهنا.
تعال وعلّمنا كيف نسير وراءك ونحن نحب،
تعال علّمنا أن نموت من أجل اخوتنا لأننا نحبك، وكما نحبك نحبهم.


 

الأب ريمون عبدو الكرملي

ndcarmel@yahoo.com

 

أتحبّني ؟
-"أتحبّني يا سمعان أكثر من هؤلاء؟" - أنت تعلم يا ربّ من هم في نظرك ومن أنا، فلما تسأل؟" سمعتك تلحّ بالسؤال مرّة ثانية وثالثة على تلميذك الحزين فساورتني الشكوك يا يسوعي : هل بإلحاحك هذا ترغب بأن تتأكّد من محبّة الأضعف أم تريد إفهام من اختارك أنّ الطريق صوب القيامة لا تُسْلَكُ إلاّ بالمحبّة وفقط بالمحبّة ؟ لوهلةٍ خلتُ أنّك أردتَ إحراجه بسؤالك هذا إذْ كان قد أنكرك لمرّاتٍ ثلاث. لكنّ الغَوْصَ فيما كنتَ تنتظرُ من جواب ("أنت تعلم كلّ شىء يا ربّ وأنت تعلم أنّي احبّك")،أوضح لي صورة الرسالة التي ستوكلها له: لم تتوقّف عند ضعف بطرس وارتباكه(النكران)ولا عند اندفاعه اللاواعي،لأنّك تعلم أنّ الإنسان مخلوقٌ ضعيفٌ بذاته وليس من قوّة فيه إلاّ معك(وهنا لاأتكلّم عن الجسد)، بل ذهبت غلى أعماق إنسانه الصادق،التائب، الذي كان يبحث عن الحقيقة الموعودة وإلاّ لما ترك كلّ شيءٍ وتبعك؛ أراد أن يغيّر ذاته من الداخل ليصبح إنساناً آخراً متجدّداً مذ عرفك وإلاّ لما ألقى بنفسه في الماء عند رؤيته لك ولما شاركك الخبز بعد الصيد العجيب. إنّه يُريدْ،لذلك كشف عن ضعفه أمامك بعدما اكتشف فراغ القلب وفَهِمَ أنّه مِنْ دونِكَ سيتخبّط في صحراء حياته حيث لا يجد فيها مسلكاً للخروج والخلاص من رمالها المتحرّكة. إدراكه لجوهر الرسالة جعلك توكله أبناءك ورعايتهم "إرعَ خرافي".
أيّها الحبيب، حتّى عند تلك اللحظة الرهيبة ما توانَيْتَ لحظةً عن حبّ الإنسان ،هو الذي نَدَّدَ بأعمالك ،شتمك، افترى عليك باطلاً، أسلمك إلى الموت و...صلبك("إغفر لهم.."). دعوتَ بطرس كي يراك في كلٍ بَشَرٍ بانياً جماعة المؤمنين حانياً أمام الانسان خادماً إيّاه بكلّ الفرحِ والحبّ، ذاك الذي ،"مُذْ كوّنْتَهُ في الحشا وأوجدته على صورتك ومثالك " ساويته بكَ إذ قلتَ:"من أحبّ أحد إخوتي هؤلاء الصغار فَلِي قد فعل ". لم يكن حبّك يوماً بالكلمة والمَثَلْ بل بالحياة اليومية وبكلّ ما فيها من تفاصيل حتّى بذل الذات عمّن أحببتَ وتحبّ .
اليوم يا أبي ،تتوجّه إليّ بالسؤال في كلّ لحظة "أتحبّني ؟" وأنا أعلم حقّ المعرفة أنّ جوابي سيكون حجر اساسٍ في حياتي الروحية؛ وقبولي لذاتي كيفما كانت ، هو بحدّ ذاته فضيلة إن وضعتها بين يديك كي تُمَحِّصَها وتجدّدها ثمّ تَرُدّها لي نقيّةً مختومةً باسمك؛ كذلك أدرك بأنّ حبّي للآخر يمرّ عبر حبّي لك وإلاّ لَتَصَحَّرَ قلبي من حبّ جامد لا حياة فيه ولا ثمَرْ، كالعطر الذي لايبقى عطراً إلاّ إن مّرَّ عبر الأثير كي ينشر شذاه وإلاّ بَقِيَ وحده، فاقداً قيمته داخل قارورة الطيب. * ربّي أعطني الشجاعة كي أسأل نفسي اليوم : - هل أنا أحبّك حقاً ؟ -هل أنت محور حياتي؟ -هل أحبّك أكثر من كلّ شىء "وأكثر من هؤلاء؟" * عندما أكتشف ذاتي ماذا أختار ، وماذا عليّ أن أفعل كي أتجدّد؟ -هل أستسلم لما أنا عليه ،أم أبحث عن الطريق الموصل الى الخروج من صحراء وجودي؟ * سيّدي خذ حياتي بين يديك وليكن حبّك ناراً تطهّر داخلي ونوراً يضىءُ ظلمتي وقوّةً كي أناضل حتّى المنتهى وسلاماً كي أصغي إليك. أمّا شفتاي فاحرقهما بجمرةِ روحك فلا تنطقا إلاّ بالحقّ والعدل ولا تتفوّها إلاّ بالحبّ وليس بسواه.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
yamiledaher@hotmail.com

 

Email: elie@kobayat.org

back to