Email: elie@kobayat.org

back to 

 

الثالث للفصح

الأحد 6 نيسان 2008


تلميذا عمّاوس
تحوّلت علامة "كسر الخبز" رمزاً للإفخارستيا، سر الحياة المسيحية. إنها علامة الشراكة والأخوّة التي تجمع المسيحيين منذ البداية. والخبز المكسور هو عطيّة للجميع، وعلامة حضور الرب. وهذه العلامة الحيوية تلزم المسيحيين على العمل لكي ينتشر التعاطف والمشاركة في العالم؛ إنها حضارة المحبة التي تدل على أن الله هو حاضر في تاريخنا. ينتج عن الاختبار الذي قام به التلميذين رغبة في الشهادة بعد تبدّلٍ عميق في الكيان الشخصي الداخلي:
إنها دعوة المسيحيين في العالم: أن يكونوا شهوداً للقائم من الموت.
 

صلاة
شكراً يا يسوع، لأنك في هذا اللقاء تحترم حزننا وخوفنا وقلة إيماننا
شكراً لأنك بتوبيخك كشفت لنا حقيقة كلام الله في العهد القديم الذي يرتبط بك
شكراً لأنك لم تحكم علينا بل "سرت معنا في الطريق"
شكراً لأنك معلّم يعرف كيف يحضر ويختفي ويترك ذاته خبزاً حيّاً دون تعليملات كثيرة
بل تترك في القلب شعورٌ خاص ونار لا تطفأ إلاّ معك في الملكوت...
شكراً لأنك كلمة تنعش،
شكراً لأنك خبزٌ يُشبِع، ونحن جياعٌ يا رب. آمين
 

على طريق عماوس  (انجيل لوقا 24\13-35)
إِذا باثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِبَينِ، في ذلكَ اليَوم نفسِه، إِلى قَريَةٍ اِسْمُها عِمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَلوَةٍ مِن أُورَشَليم. وكانا يَتحدَّثانِ بِجَميعِ هذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت. وبَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخذَ يَسيرُ معَهما، على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه. فقالَ لَهما: "ما هذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَينَكُما وأَنتُما سائِران؟" فوَقفا مُكتَئِبَين. وأَجابَه أَحَدهُما واسمُه قَلاوبا: "أَأَنتَ وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم ولا تَعلَمُ الأُمورَ الَّتي جرَتَ فيها هذهِ الأَيَّام؟" فقالَ لَهما: "ما هي؟" قالا له: "ما يَختَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِريّ، وكانَ نَبِيّاً مُقتَدِراً على العَمَلِ والقولِ عِندَ اللهِ والشَّعبِ كُلِّه، كَيفَ أَسلَمَه عُظَماءُ كَهَنَتِنا ورُؤَساؤُنا لِيُحكَمَ علَيهِ بِالمَوت، وكَيف صَلَبوه. وكُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل ومعَ ذلكَ كُلِّه فهذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُذ جَرَت تِلكَ الأُمور. غيرَ أَنَّ نِسوَةً مِنَّا قد حَيَّرنَنا، فإِنَّهُنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ فلَم يَجِدنَ جُثمانَه فرَجَعنَ وقُلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ. فذهَبَ بَعضُ أَصحابِنا إِلى القَبْر، فوَجَدوا الحالَ على ما قالَتِ النِّسوَة. أَمَّا هو فلَم يَرَوه". فقالَ لَهما: "يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟" فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه. ولمَّا قَرُبوا مِنَ القَريَةِ الَّتي يَقصِدانِها، تظاهَرَ أَنَّه ماضٍ إِلى مَكانٍ أَبَعد. فأَلَحَّا علَيه قالا: "أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار". فدَخَلَ لِيَمكُثَ معَهما. ولمَّا جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما. فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه فغابَ عنهُما. فقالَ أَحَدُهما لِلآخَر: "أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟" وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا إِلى أُورَشَليم، فوَجَدا الأَحَدَ عشَرَ والَّذينَ مَعَهم مُجتَمِعين، وكانوا يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقاً وتَراءَى لِسِمْعان. فرَوَيا ما حَدَثَ في الطَّريق، وكَيفَ عَرَفاه عِندَ كَسْرِ الخُبْز.

نرى تلميذي عماوس في مسيرة تُبعدهما عن أورشليم، أي بالاتجاه المعاكس لمسيرة يسوع حسب الانجيل؛ فيسوع يذهب دوماً نحو أورشليم. ومن يتبع يسع عليه أن يتبعه الى أورشليم. ودخول "يسوع نفسه" الى جانب التلاميذ بشكلٍ جديد وغير معروف من قبل التلاميذ يحمل معاني كبيرة؛ في الواقع لم يعرف التلاميذ يسوع على حقيقته، فنراهما "وَقفا مُكتَئِبَين" أمام ما جرى ليسوع، دون أن يفهما مضمون تعاليمه، ويضيفان "كُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل". وفي الحقيقة هذا الرجاء كان يخلو من السلام الداخلي لذلك فالنِسوَةً قد حَيَّرنهم، "فإِنَّهُنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ فلَم يَجِدنَ جُثمانَه". فالقيامة لم تؤكد للتلاميذ أو تكشف لهم حقيقة شخصية يسوع، بل زادت ضياعهم وخوفهم. ولم يتذكروا، كما طلب منهم الملائكة. كان عليهم أن يتذكروا. "اصنعوا هذا لذكري".
يمكننا أن نفهم في هذا النص أن التلاميذ كانوا يعانون من أزمة إيمان، وهم يهربون نوعاً ما ويعانون الحزن والقلق.
يدخل يسوع ويبدّل المشهد. شرح لهم أن مخطط الله الخلاصي قد تحقق في آلامه وموته، وأنه عليهم أن يجدوا في هذه الأحداث مصدراً للرجاء والفرح والحياة وعدم الخوف. "يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء". كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه ومُوسى وجَميعِ الأَنبِياء قد تكلموا عن يسوع.
 

الوليمة الافخارستية
حرك كلام يسوع قلب التلميذين، كأنه يقرع على باب قلبيهما في الصمت والخفاء، وهما قبلا الدعوة السرية فأرادا أن يدوعواه الى العشاء؛ والرب يستفيد من مناسبات الحياة لكي يجمع بين كلامه والحدث الفصحي الأساسي كما كان يفعل دوماً خلال حياته مع التلاميذ: أخذ خبزاً، بارك، كسر وأعطاهم. هذه المشاركة ترمز فعلاً الى العشاء الأخير، وهذا ما رفع غشاوة الجهل وقلّة الايمان عن عيونهم. لقد عرفوا القائم في علامة الشراكة. وعندما انفتحت عيونهما، اختفى يسوع عن عيونهم. من الآن وصاعداً عليهم أن يتعرّفوا اليه في داخلهم، روحياً. إنه الدرس الذي يريد أن يعيه يسوع الى تلاميذه في كل الأزمنة والعصور، أولئك الذين لن يلتقوا بيسوع جسدياً.
 

عندما يحدث التبدّل الداخلي الجذري
يحل السلام والفرح مكان الحزن، لأن كلمات القائم جددت الكيان بكامله. والعلامة الخارجية التي تدل على ذلك هي انقلاب الاتجاه في المسيرة: بدل الهرب والابتعاد عن أورشليم، نراهما يعودان نحو أورشليم المكان الذي ستولد فيه كنيسة القيامة. الطريق نفسه، لكن الاتجاه معاكس. يبقى عليهم أن يخبروا بما حدث، إنها الرسالة التي تنبع من داخل الرسول بسبب التحول الذي حققه يسوع في اللقاء: يصبح التلميذ رسولاً.
 

تأمل:
طريقنا طويل، نهرب دوماً بسبب خوفنا وقلة إيماننا، إنها مسيرة كل واحد منا خلال المحنة، وخلال الضياع والحيرة، والشك والحزن واليأس، يدخل يسوع الى جانبنا في الطريق. هل نراه؟ ولماذا لا نراه بعض الأحيان؟
عندما يصغي قلبنا الى الكلمة، كلمته هو، القادرة على أن يغمرنا بالنور، فينفتح القلب ليستقبلها؛ لا يمكننا أن نعرف كل شيء فجأةً، لكن قوة الكلمة قادرة تبعد غبار الأفكار البشرية، وتنفح القلب على الثقة والرجاء.
قوة كلمة يسوع هي مصدر التعزيات، توبخ القلب على الهفوات، تنير، تعطي الحنان وفي الوقت عينه صارمة ومتطلبة، تضع كل واحد منا أمام مسؤولياته وقراراته.
طاقة تلك الكلمة هي قادرة على أن تضع الحرارة في القلب البارد وتشعل فيه ناراً وتجعله مصدراً للنار في قلوبٍ كثيرة.
هكذا قصة يسوع تصبح واضحة المعنى، وما حدث في العلية يوم العنصرة، يصبح جزءاً من مشروع كبير يصبح من يتكلّم عنه شاهداً ومغامراً.
يساعدنا الخبز على أن نستعيد الطريق نحو الهدف
الافخارستيا هي نعمة وهدية القائم للكنيسة. فكل من يترك للرب المكان بقربه في الطريق، سيشعر بهذا الحضور، سيصغي الى الكلمة.
تصبح الافخارستيا ضرورة لكي يكتمل هذا الاختبار؛ هي تفتح الطريق أمامنا لكي نصبح شهود القائم من بين الأموات.

 

رسالة القدّيس بولس الثانية إلى طيموتاوس 2/ 8-13
واذكُرْ يسوعَ المسيحَ الَّذي قامَ مِن بَينِ الأَموات وكانَ مِن نَسْلِ داوُد، بِحَسَبِ بِشارَتي. وفي سَبيلِها أُعانِي المَشَقَّاتِ حَتَّى إِنِّي حَمَلتُ القُيودَ كالمُجرِم. ولكِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لَيسَت مُقيّدَة. ولِذلِك أَصبِرُ على كُلِّ شَيءٍ مِن أَجْلِ المُختارين، لِيَحصُلوا هم أَيضا على الخَلاصِ الَّذي في المسيحِ يسوع وما إِلَيه مِنَ المَجْدِ الأَبَدِيّ. إِنَّه لَقولُ صِدْقٍ أَنَّنا «إِذا مُتْنا مَعَه حَيِينا مَعَه وإِذا صَبَرنا مَلَكنا مَعَه وإِذا أَنكَرْناه أَنكَرَنا هو أَيضًا وإِذا كُنَّا غَيرَ أُمَناء ظَلَّ هو أَمينًا لأَنَّه لا يُمكِنُ أَن يُنكِرَ نَفْسَه».
 

صلاة
علّمني يا يسوع أن أذكر اسمك دوماً في حياتي،
أن يكون اسمك دوماً على لساني
أن أشعر بانتماء دائم لاسمك
وأشترك في احتفال ذكرك في الكنيسة، في الافخارستيا
لكي أدع كلمتك وخبزك يبدلان حياتي وكياني من الداخل،
هكذا أسلك سبلك، وأبشر اخوتي بمحبتك،
لك المجد الى الأبد. آمين

 

الأب ريمون عبدو الكرملي

ndcarmel@yahoo.com

 

في الطريق
وفي اليوم الثالث ، كان هناك رجلان يمشيان الطريق صوب عمّاوس وظَهْرَهُما الى أورشليم، تاركين تلك المدينة التي جَلَبَتْ ويلةً عظيمة، يأساً وخيبة أملٍ لهما وللتلاميذ الأُخَر؛ مُبْتَعدين عن الشاهدة على موت أحلامهم في الخلاص والحياة الجديدة الموعودة مع دفن معلّمهم ؛ كَرِهوها فهجروها وكأنّهم يهربون من واقعٍ ما لبث أنِ ابتدأ حتّى انتهى في القبر :" يتجادلان في كلّ ما حدث" بِأسىً وحزنٍ كبيرَين ،أو ربّما نَدِمَا على تلك الساعة التي رؤوا فيها يسوع على أنّه ذلك المنقذ من عبوديّة الرومان لهم وتَصَلُّبِ اليهود في تَمَسُّكِهم بحروف الشريعة . أليسا هما تَوْءَمَانا نحن اليوم في اليأس والفزع، في الحزن وخيبة الأمل ؟ أليست عيوننا المريضة مُطْبقة على االحقيقة كما كانت أعينهما؟ مشى معهما،كلّمهما ولم يعرفاه، حتّى أنّه وبّخهما لقلّة فهمهما لما" كُتِبَ عنه" كي يفتح ّذهنهما على حقيقة قيامته ، ويخرجا من العهد القديم ليَنْظُرا إلى عهدٍ جديد كان قد بدأ فجر ذلك اليوم ... لكنّ ما كانا عليه من حالةٍ مضطربة جعلهما عديمَيّْ الفهم حتّى أنّهما لم يُدْرِكا خطورة الكلام عن يسوع إلى "رجلٍ" يرافقهما ولا يعرفاه ،رغم تهديدات اليهود لهم وللآخرين بالسَجْنِ والقَتْل . أمّا هو، فقد ظلّلهما بالسّلام ِ وطفق يهدّىءُ من رَوْعِهما بنبرةِ المعلّمِ، المُصْغي والمُتَكلّم. جعلهما ينصتان بكلّ فهمٍ وقلبٍ مُتَّقِد ، حتّى أنّه لم يفرض نفسه عليهما حينما وصلوا إلى القرية ،ولولا إصرارهما على تناول العشاء سَويّةً لما دخل . ألَمْ يتحَمَّلْ نكران صَدِيقَيْهِ له على ذاك الطريق؟ ألَمْ يتخطّى كلّ ما قالاه عنه ، وربّما جَرَّحا به لأنّه خَذَلَهُم كما بدا لهم قَبْل أنْ يعرفوه ؟ يا لرروعةِ هذا الإله!...كم هو لطيفٌ هذا الحبيب، كم هو خفيفٌ وجوده معنا ، ولكم هو عميقٌ عمله فينا! .
أمّا نحن، فكم هي قاسيةٌ قلوبنا أحياناً، وبالمقابل، كم هو صعبٌ أن تسمع من فمِ صديقٍ لكَ ما يدينك ويُسيءُ إليك وأنت البريءُ وفاعلُ كلّ خيرٍ ورحمة.
قد ننسى أنّه "كالأمِّ التي لا تتخلّى عن رضيعها" ابن الايّامِ ولا عن ولدها الحالم المراهق أو عنِ الشاب وإن كان منحرفاًأو مهدّداً بأخطار العالم، فتزوِّجُ خطاها بخطاه كي لايدركه السؤ. ربّما نُعمي بصائرنا ونهرب من حقيقة وجود روحه فينا أحياناً، فنتناسى أنّه حيٌّ وحاضرٌ كي ينتشلنا قبل أن نَصِلَ الأرض ، يحملنا على أكتافه يوم يَثْقُلُ حِمْلَنا ونغدوا عاجزين عن رَفْعِه بمفردنا ؛ وإن أصَرَّيْنا على المضيّ وحدنا ، نراه يلتزمُ هفواتنا ويمشي معنا الخُطُوات الضائعة كي يعيدنا إلى الإستقامة، دون أن ندرك وجوده، لأنّه هكذا هوَ : لطيفُ، طويل الأناة وكثيرُ الرحمة .
والآن يا صديقي أدعوك أن تُصَلّي معي كي نتصالح مع ربّ المجد ِ فيغفر لنا مرارة قلبنا التي تولّدُ اليأس والإنتقام، حقدنا وأنانيّتنا اللّذانِ يُنْبِتُا تحطيم الآخر وتهميش الحبّ، غضبنا وخبثنا اللذان يَهدِما كلّ ما بناه حبّ الله في نفوسنا. فهو إلهٌ محبٌ غفورٌ وصادقٌ في وعوده.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
yamiledaher@hotmail.com

 

Email: elie@kobayat.org

back to