back to Municipal Elections 2013

ماكينة القبيّات: درس عونيّ للمناطق الأخرى



غسان سعود – الاخبار - العدد ١٩٤٧ الثلاثاء ٥ آذار

تردد القياديّ العكاريّ في التيار الوطني الحر جيمي جبور قليلاً أول من أمس قبيل استجماعه شجاعته واقترابه من الكاميرا التلفزيونية، مردداً: «القبيات قالت إن الأرعن من يصف الجيش اللبنانيّ بالأرعن»، في إشارة إلى عضو كتلة المستقبل النائب هادي حبيش. والواقع أن القبيات ما كانت لتحرج حبيش بهذه الطريقة، لولا تعلم التيار الوطني الحر عموماً وجبور خصوصاً من دروس يفترض بعونيي المناطق الأخرى الاتعاظ منها لإسقاط هادي حبيش، الكورة والبترون والأشرفية وغيرها.

البداية كانت في حفاظ «الوطني الحر» على علاقته الوطيدة بالنائب مخايل الضاهر الذي ما زال يمثل عكارياً، رغم تمسك الأخير بترشحه على مقعد عكار الماروني الذي يحق لجبور أن يحذو حذو رفاقه في المناطق الأخرى ويترشح عليه. كذلك يستمر التيار في استيعاب المرشح القبياتي السابق عن المقعد نفسه جوزف مخايل. وبدل تصرف التيّار بعنجهيّة مع رئيس البلدية المستقيل عبدو عبدو، أسوة بحقد مناصريه على من يختلفون معه يوماً في الرأي، بادر إلى احتضان عبدو فور اختلافه مع حبيش ليحارب الأخير بسلاحه. وما مال عبدو عبدو وخدماته اللذان أثارا سخط حبيش أول من أمس سوى جزء يسير من عدة شغله السابقة. والأكيد في هذا السياق أن رؤساء بلديات ونافذين في ماكينات خصومه ينتظرون وميضاً عونياً ليبتعدوا عن مرجعياتهم، لكنهم على غرار رئيس بلدية جبيل زياد حواط لا يلحظون تمييزاً عونياً بين مكونات خصومه المتعددة أو استعداداً للاستيعاب، بل إصراراً على وضعهم جميعاً في سلة واحدة.

لاحقاً، لم يتفرج التيار على تحديد وزارة الداخلية والبلديات موعد للانتخابات، فضغط جبور عبر وزراء تكتل التغيير والإصلاح وبعض نوابه لتأكيد إجرائها، إثر معرفته بمحاولة حبيش تأجيلها. وعرف جبور بحسم «الداخلية» أمر إجراء الانتخابات قبل حبيش، فيما لم يعرف العونيون في السابق أن انتخابات نيابية فرعية تجري في الكورة، حتى بعد إجرائها. مع العلم أن تيار القبيات بات يزاحم منذ عامين حبيش في خدماته في الإدارة العامة، وخصوصاً وزارات التكتل، على نحو يمكن منسقي سائر الأقضية العونيين أن يفعلوه لو قرروا جدياً مزاحمة خصومهم خدماتياً. وتجربة مسؤول مكتب العماد ميشال عون في كسروان جورج دغفل نموذج آخر يفيد عونيي المتن والكورة وزحلة فيما لو قرروا الاستيقاظ.

أما بعد اتفاق التيار والضاهر ومخايل وحزب الكتائب وعبدو وبعض الناشطين في القوات على خوض الانتخابات جنباً إلى جنب، فلمّت الماكينة شمل هؤلاء جميعاً في فريق عمل واحد، رغم الخلافات التاريخية الحادة في ما بينهم. وبدل توقف التيار عند حصته في لائحة «أرضي هويتي»، سهّل التشكيل. وفي حساباته أن خسارة حبيش تغنيه عن أي ربح آخر، ويفترض بهزيمة النائب فريد مكاري في الانتخابات النيابية المقبلة (في حال حصولها) أن تغني العونيين عن كل مقاعد الكورة.

ولأول مرة في تاريخ التيار الانتخابيّ، أنجز العونيون قوائم المعلومات الخاصة بناخبي القبيات الذين يتجاوز عددهم تسعة آلاف، محدداً مكان إقامة كل ناخب ووظيفته ورقم هاتفه وتوجهاته السياسية وعلاقته بحبيش وأبرز المقربين منه سواء في القرية أو خارجها والوسيلة الأفضل لاستقطابه. ومن تكفي مهاتفته، ومن لا بد من زيارته. وهي المعلومات التي لا تزال أكثرية الهيئات العونية في غالبية المناطق تفتقدها، رغم تعميم لجنة الانتخابات في التيار عدة مذكرات تطلب إنجازها.

وقبيل الانتخابات بنحو أسبوع، تقدم نحو عشرين ناشطاً في الماكينة بإجازات من أعمالهم على حسابهم للتفرغ للمعركة، وهو أمر أسهم «الصندوق المشترك» في توفيره هذه المرة، لكن لا بد للتيار أن يأخذ مركزياً بالاعتبار وجوب توفيره كل المرات. فلا يمكن الاستمرار في خوض الانتخابات دون تفرغ عشرة ناشطين أقله، أسبوعين على الأقل لهذه الانتخابات.

ولاحقاً استحدثت الماكينة ما عرف بـ«لواء المُنَخّبين» وضمّ نحو 150 ناشطاً، يتكفل كل واحد منهم بمتابعة مجيء عدد من المقترعين يراوح بين أربعين وخمسة وسبعين وانتخابهم. ووزع الـ«منخبون» على خمس عشرة مجموعة، يتابع كل مجموعة مسؤول مباشر في وسعه استبدال منخب الحي الفلاني بغيره إن لاحظ تقاعسه أو فور غيابه عن السمع. وبعد اجتماع المجموعات دورياً، عقد اجتماع موسع لجميع المجموعات يوم السبت. وفي يوم الانتخاب، صنع هؤلاء فعلياً هزيمة حبيش. وقد استبدلت الماكينة أسماء الناخبين بأرقام، الأمر الذي سهّل عمل المنخبين والمندوبين الطيارين بين مراكز الاقتراع والماكينة الرئيسية، وحيّر الماكينة الأخرى التي لم تنجح في فك شيفرة "أرضي هويتي".

وبين مقر اللائحة الرئيسي ومراكز الاقتراع ومنازل أهالي القبيات حيثما وجدت في بيروت وجبل لبنان وأقضية الشمال الأخرى وحتى الحدود اللبنانية ـــ السورية، كانت سيارات اللائحة وقد تجاوز عددها المئتين جاهزة لإيصال الناخبين وإعادتهم إلى منازلهم. وقد مكّن إعداد قوائم الاقتراع مسبقاً اللائحة من تحديد المغتربين الذين يمكن سواء النائب هادي حبيش أو «أرضي هويتي» تأمين حضورهم يوم الانتخابات. وفوجئت ماكينة حبيش عند مراجعتها بعض من تستعين بهم في النقل غالباً أن الماكينة الأخرى سبقتهم إليهم.

وعشية الانتخابات، برزت الدوريات الليلية التي عرقلت محاولة الطرف الآخر دخول المنازل ليلاً وإحراج أهاليها بوعود انتخابية. فما كادت سيارات حبيش تتوقف قبالة منزل حتى توقفت خمس سيارات من «أرضي هويتي» فوراً أمام المنزل نفسه. وما كاد زياد حبيش يطأ عتبة منزل، حتى دخل خلفه ستة أو سبعة أشخاص من اللائحة الأخرى، لا يغادرون إلا بعد مغادرته.

وفي أصغر التفاصيل، كانت هذه أول مرة توزع فيها ماكينة عونية الطعام على مندوبيها في الوقت المحدد لذلك، فلا يضطر المندوبون البرتقاليون إلى مشاركة المندوبين الآخرين طعامهم.

وجراء هذا التنظيم، كان يمكن جيمي جبور أن يتوقع صباح الأحد نتيجة الانتخابات، ويعيد طوال اليوم الانتخابي بحسب المعلومات التي ترده تنقيح الورقة التي بين يديه. وما كادت الصناديق تقفل عند السابعة مساءًَ حتى أَعلمَ الرابية، مصيباً في واحدة من المرات العونية النادرة، بأن «أرضي كرامتي» فازت بفارق كبير. وخلافاً لغالبية التجارب العونية الانتخابية الأخرى، لم يقفل العونيون المكتب إلا بعد حصولهم على نتائج جميع الأرقام وتوصلهم إلى النتيجة النهائية. تجربة يفترض بهيئات التيار في البلدات الأخرى، القريبة من القبيات والبعيدة عنها، التعلم بسرعة من دروسها.